jeudi 31 mars 2022

فلاسفة أوروبيون غير مسلمين قالوا كلاماً موضوعيّاً في الإسلامِ والمسلمينَ ! تجميع وترجمة مواطن العالَم

 

 

1.     ميشيل أونفري، فرنسي، فيلسوف ملحد يساريي تحرري برودوني غير ماركسي، قال فيهم ما يلي:

-         "الغرب المعادي للإسلام والمسلمين يجني محليًّا (إرهاب القاعدة وداعش) ما زرعه عالميًّا (احتلال، حروب، نهب ثروات، إلخ.)".

-         مخاطِبًا الغرب بني قومه: "نحن الغرب قتلنا ظلمًا من الأمة الإسلامية 4 مليون مدني بريء وذلك منذ حرب الخليج الأولى سنة 1991، فكيف تتعجبون من هجومات المسلمين الإرهابية في مدنكم (نيويورك، لندن، برشلونة، باريس، برلين، إلخ.).

-         "الحضارةُ اليهوديةُ-المسيحيةُ حضارةٌ في طريق الانقراض مثلها مثل البابلية والفرعونية والإغريقية، أما الحضارةُ الإسلاميةُ فهي حضارةٌ فتيةٌ، والدليلُ استعدادُ منتسِبيها للتضحيةِ بالروحِ من أجل نصرتها وفي المقابل هل رأيتم مسيحيّاً واحداً مستعدّاً للموت من أجل دينه ؟".

-         مخاطِبًا الغرب المعادي للإسلام والمسلمين (Xénophobe et surtout Islamophobe): "تقصفون بلادهم وتشرّدون أبناءهم، وترسمون نبيهم في أبشع الرسومات، وتساندون المسيحيين الأفارقة وتسلّحونهم ليقتلوا المسلمين في مالي وإفريقيا الوسطى.. ثم تظهرون بمظهر الضحية ! لا تضحكوا على أنفسكم فلن يصدّقكم إلا المنافقون والأغبياء فقط" (رسالة فيسبوكية خاصة وصلتني اليوم صباحًا من صديقي علي ضِيفَ الله، رسالة تحمل هذه التغريدة لميشيل أونفري منشورة بالعربية في حساب Belgacem Swidi  فأضفتها قبل نشر المقال بدقيقة).

 

2.     فرانسوا بورڤا، فرنسي، عالِم سياسة ودارس للحركات الإسلامية الإرهابية وغير الإرهابية (قضى 23 عامًا في الدول العربية)،  قال حولهم ما يلي:

-         "لو سألوني: ما هو سلاح الدمار الشامل ضد الإرهاب الإسلامي ؟ لأجبتُ في الحين ودون ترددٍ: تقسيم الثروات الطبيعية بالعدل(Le PARTAGE) بين الشمال (الغرب) والجنوب (العالَم الإسلامي) وليس نهبَ ثرواتِه وترغيب أدمغتِه في الهجرةَ".

-         "الإسلام السياسي هو لغة الجنوب".

Burgat (François) : L'islamisme au Maghreb. La voix du Sud. 1992

 

3.     أمين معلوف، فرنسي، روائي عربي فرنكفوني من أصل لبناني  وعضو جديد نسبيًّا بالأكاديمية الفرنسية (le jeudi 14 juin 2012)، كتب فيهم ما يلي:

-         "عائلتي المسيحية في لبنان عاشت 14 قرنًا تحت الحكم الإسلامي، عِشنا مع المسلمين في سلامٍ ووِئامٍ ولم يمسسنا سوءٌ في كنيستنا ولا في عِرضنا ولا في مالِنا".

-         "اسطنبول عاصمة الخلافة الإسلامية في القرن 19 ميلادي، ثلثا سكانها كانا غير مسلمين (مسيحيين ويهود وأرمن)، وهذا دليل على تسامح المسلمين مع أبناء وطنهم من غير المسلمين".

-         "لو رجعنا للتاريخ الإسلامي القديم لَما وجدنا للحركات الإسلامية المسلحة أثرًا مشابهًا فهي تُعتبَر حركات حديثة منظمة على شاكلة التنظيمات الغربية الحديثة النازية والفاشية والستالينية والشيوعية الإرهابية (مثل  الألوية الحمراء في إيطاليا، الفعل المباشر في فرنسا، بادرماينهوف في ألمانيا، الجيش الأحمر في اليابان، الخمير الحمر في كمبوديا، اللجان الشعبية في الثورة "الثقافية" الماوية في الصين).

 

4.     ألفريد نيتشة، ألماني، فيلسوف ملحد، لم أقرأ له لكنني سمعتُ عنه من جليسي فيلسوف حمام الشط، قال في العرب الأوائل، عرب "الجاهلية" وعرب فجر الإسلام، قال ما يلي:

"محاربون شجعان أحرار لا يخضعون بسهولة لأي سلطة" (إضافة مواطن العالَم: والدليل أن الرسول نفسه، صلى الله عليه وسلم، وجد في البداية صعوبةً كبيرةً في إقناعهم بالدين الجديد المختلف عن معتقداتهم الموروثة عن أجدادهم).

 

5.     إدڤار موران (فرنسي، فيلسوف إنساني، مؤمن وصاحب الصيحة الشهيرة "يجب إعادة أنسنة الإنسانية" Il faut réhumaniser l`humanité)، وإينياسيو رامونيه (كاتب يساري، رئيس تحرير سابق للجريدة الشهرية الفرنسية لوموند ديبلوماتيك، جريدتي المفضلة والوحيدة التي أقرأها منذ سنوات الشباب من بين الجرائد التونسية والعربية والأجنبية، جريدة مستقلة تمامًا عن جريدة لوموند اليومية الفرنسية المشهورة): كل واحدٍ من الفيلسوفَين ألّفَ كتابًا بالاشتراك مع طارق رمضان (الفيلسوف الإسلامي السويدي من أصل مصري، حفيد حسن البنّا مؤسس حركة "الإخوان المسلمون" المصرية سنة 1928 والمتهم حاليًّا باغتصاب عدة نساء، وهو اليوم في حالة سراح، قضى في الإيقاف 9 أشهر ونصف وهو اليوم في حالة سراح مشروط بالحضور والإمضاء مرة في الأسبوع في مركز شرطة، شاهدتُه اليوم 21/10/2020 على اليوتوب في برنامج قديم، وسمعتُه يعترفُ بخطئه ويطلبُ الاعتذار بوضوح من ربه وعائلة ومتابعيه لأنه خيّب أملهم فيه كداعية إسلامي. كان يدعو في جميع محاضراته إلى الاستقامة الأخلاقية، يعتذر عن إقامة علاقات جنسية بالتراضي خارج إطار الزواج، لكنه أنكرَ تهمة الاغتصاب إنكاراً تامّاً).

 

6.     "السلام الروماني" (Pax Romana du I er siècle au II e  apr. J.-C)، عهدٌ تمنح بموجبه الإمبراطورية الرمانية في آخر حكمها حق المواطنة لسكان مستعمراتها الأصليين مثل الأمازيغ التونسيين قبل ظهور المسيحية  كدين ( Début du IVe s apr. J.-C) وقبل ظهور الإسلام بخمسة قرون (Début du VIIe s apr. J.-C)، أما الإمبراطورية الإسلامية فقد منحت المواطنة لكل سكان فتوحاتها الأصليين على شرط أن يدخلوا الإسلام، ولتصبح مواطنًا كامل الحقوق، يكفيك أن تنطق بالشهادتَين: "أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدًا رسول الله".

 

نقطة ضعف المسلمين المعاصرين:

في القرن 20 ميلادي، انبثق التطرف الإسلامي العنيف كرد فعل شرعي ضد الاحتلال الغربي (هذا لا يعني أنني أبرّر العنف الإسلامي أو أباركه أو أشرّع له، فقط أحاول أن أفهم أسبابه، أنا في الآخر غانديُّ الهوى مسالم من الدماغ إلى النخاع): للأسف الشديد، بدأ عصرُنا الإسلامي الحديث بإبادة الأرمن جماعيَّا في تركيا وتواصلَ التطرف مع ظهور الحركات الإسلامية المسلّحة إلى أن وصلنا في نهاية القرن 20 ميلادي إلى تأسيس الحركة الإرهابية الأولى "القاعدة" ثم في أوائل القرن 21م ولدت الثانية "داعش"،  فاكتوى المسلمون بنار الأولى والثانية أكثر بكثير مما اكتوى بها الغربيون المستهدَفون.

Le génocide arménien ou, plus précisément, génocide des Arméniens est un génocide perpétré d'avril 1915 à juillet 1916, voire 1923, au cours duquel les deux tiers des Arméniens qui vivent alors sur le territoire actuel de la Turquie périssent du fait de déportations, famines et massacres de grande ampleur. (Wikipédia)

 

استنتاجٌ شخصيٌّ: رغم أنني أومن أن لا حضارة أفضل من حضارة، لكن يبدو لي أن الحضارة العربية-الإسلامية بتاريخها وحاضرها، بمحاسنها ومساوئها، كانت أقلَّ ضررًا على الإنسانية من الحضارة اليهودية-المسيحية ! بارادوكسالّومان، ربما يكون هذا بسبب "تخلّفِنا التكنولوجي" قُبالة "تقدّمهم العلمي والتكنولوجي" ؟

 

إمضائي

"أنا عند الإسلاميين شيوعي وعند الشيوعيين إسلامي ! لأن المفكر الحر يستحيل تصنيفه..." قالها المفكر الإيراني الإسلامي الحر علي شريعتي، صديق الفيلسوف الفرنسي اليساري الملحد جان بول سارتر.

أنا اليومَ لا أرى خلاصًا للبشريةِ في الأنظمةِ القوميةِ ولا اليساريةِ ولا الليبراليةِ ولا الإسلاميةِ، أراهُ فقط في الاستقامةِ الأخلاقيةِ على المستوى الفردِيِّ وكُنْ كما شِئتَ (La spiritualité à l`échelle individuelle).

"النقدُ هدّامٌ أو لا يكونْ" محمد كشكار

"المثقّفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العموميةِ" فوكو

و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إذنْ إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

لا أقصدُ فرضَ رأيِي عليكم بالأمثلةِ والبراهينَ بل أدعوكم بكل تواضعٍ إلى مقاربةٍ أخرى، وعلى كل مقالٍ سيءٍ نردُّ بِمقالٍ جيّدٍ، لا بالعنفِ اللفظيِّ.

 

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الاثنين 18 مارس 2019.

 

ما لِقومي وماذا دهاهم ؟ أمين معلوف

 

 

"إنما الأمم كالمعادن، لا يتلألأ منها إلا السطحُ" أنتوان ريفارول، 1753-1801.

الغريب أن الشعوبَ العربية أضحت شعوباً كارهةً لنفسها مما دفعها دفعاً إلى الحنين لزمن الاحتلال الغربي. نادرًاً ما تجد في تاريخ البشرية شعوباً مثل العرب، كُرههم لأنفسهم أوصلهم إلى التطرف ! فعوض أن يرفعوا من شأن ماضيهم الحضاري المشرّف ويفتخروا بمساهماتهم الهامة في بناء الحضارة الإنسانية، مساهماتهم في الرياضيات والفلك والهندسة المعمارية والموسيقى وفن الخط والطب والفلسفة، وعوض أن يُذكّروا معاصريهم بأمجاد قرطبة وغرناطة وفاس والأسكندرية وسِيرتة وبغداد ودمشق وحلب، عوض كل هذا نرى أحفادَ عظماء بنّائي الأمس غير قادرين على إثبات أحقيتهم في إرثٍ هُمُ أصحابه الشرعيون، وكأنهم يتعمّدون إحراجَ عشاق حضارتهم ويمنحون مجاناً حُجَجًاً لذامّيها.

قديما، كل من كان يكره العرب كان يُنعت بالعنصري المعادي للأجانب والمشتاق لزمن الاستعمار، أما اليوم فكُره العرب أصبح عند غير العرب كُرهًا شرعيا وغير مخالف للضمائر. باسم الحداثة أصبح العرب يوصَمون بمعاداة المرأة، وباسم العلمانية أصبح العرب يُنعتون بأعداء حرية الضمير والتعبير.

أشَد ما كان يضايقني في شبابي هو تفشي ظاهرة فقدان الثقة لدى بني قومي (p. 18: l’auteur a écrit: ma nation arabe) وانعدام القدرة لديهم على تولي مستقبلهم بأيديهم. يبدو أن هذه الظاهرة السلبية ليست حكرا على العرب أو المسلمين بل هي ظاهرة نجدها عند كل الشعوب التي خضعت للاحتلال طويلا أو رضخت لأوامر تأتي من سلطة تقع وراء البحار (العثمانيون والغرب). شعوبٌ مستلبة السيادة والإرادة. شعوبٌ تابعة للدول العظمى (أمريكا، فرنسا، بريطانيا، روسيا، الباب العالي). شعوبٌ تنتظر قرارا قد يأتي أو لا يأتي من هيئة خارجية عُليا. شعوبٌ لا تثق في قراراتها السيادية خوفا من أن تُحتقر أو لا تُؤخذ في الاعتبار أو تُرفض تماما ودون مبرر معقول. تبعيةٌ نتجت عن شعور بالنقص جراء تاريخ طويل مليء بالهزائم والنكسات والإحباطات المتعاقبة واليأس الموروث والمكتسب في آن: ما الفائدة من المقاومة، من الاحتجاحات، من الغضب، من المطالبة بالحقوق ما دمنا نعرف مسبقا أن كل هذا سينتهي بحمّام دم؟ ومَن يدّعي عكس هذا فهو ساذجٌ أو جاهلٌ.

مهما كان مضحكا ومزعجا، فإن ظاهرة فقدان الثقة في النفس تبدو مع ذلك خفيفة بالمقارنة مع ما بدأ ينطلق منذ عقد أو عقدين وينتشر في العالم العربي والإسلامي وفي أماكن تواجد العرب والمسلمين بالخارج، ألا وهي ظاهرة كُره النفس وكُره الآخر. ظاهرةٌ مقرونةٌ بتبجيل الموت وتمجيد العمليات الانتحارية. ليس من السهل ترتيب الكلمات لتفسير مثل هذا الانحرافُ المَسْخُ: "إلى الجنة ذاهبينْ، شهداء بالملايينْ" (شعار رُفع في سوريا، فيديو نُشِر في أفريل 2011). شعارٌ رُدِّد في عدة بلدان مجاورة. كنتُ أنظر إلى هؤلاء الرجال بإعجاب مخلوط بِرعبٍ. لقد أثبتوا شجاعة كبيرة في مواجهة الطلق الناري بأيدي فارغة وصدور عارية. لكن كلماتهم هذه كشفت عن نفوسٍ مكسورةٍ، وعرّت كل مأساة العالم.

عندما ييأس فردٌ معزولٌ ويفقد الأمل في الحياة، نُحمِّل المسؤولية لعائلته في بعث الأمل فيه من جديد. لكن عندما تيأس شعوبٌ بأكملها وتستسلم لشعور الرغبة في تدمير الآخر وتدمير نفسها في آن، هنا نُحمِّل المسؤولية لأنفسنا كلنا، للشعوب الأخرى المعاصرة، لشركائنا في الإنسانية، نُحمِّلهم جميعًا مسؤولية إيجاد علاج ودواء. إن لم يكن من باب التضامن مع الآخر، يكون على الأقل من باب إرادة الحياة، لأن اليأس، في زمننا هذا، بدأ ينتشر ويَنفُذ إلى ما وراء البحار، من مسامّ الجدران، ويَعبُر خطوط الحدود الجغرافية والذهنية، وليس من السهل صدّه أو الحد من انتشاره.

Référence: Le naufrage des civilisations, Amin Maalouf, Grasset, 332 p, 22 €, pp. 85-92.

يجب أن لا نخجل من أنفسنَا، لنا ضلع في الإرهاب كما لغيرنَا ولنا كما لغيرنَا أيضا باع وذراع في المشاركة الفعّالة في بناء الحضارة الإنسانية

 

 

ملاحظة:

الفكرة الأصلية للمقال مستوحاة من كتاب:

Les identités meurtrières, Amin Maalouf, Ed Grasset & Fasquelle, Paris, 1998, 211 pages.

نص مواطن العالَم:

كتب أمين معلوف ص 94: "أعتبِرُ الحضارة الغربية المعاصِرة المسيطِرة حدثًا لا سابقةَ له في التاريخ ومرّت في التاريخ فترات تجلّى فيها تقدّمِ بعض الحضارات على غيرها جميعًا (الفرعونية المصرية، ما بين النهرين في العراق، الصينية، اليونانية، الرمانية، البيزنطية أو العربية-الإسلامية). لكن ما تفجّرَ في أوروبا منذ القرن الثالث عشر ميلادي هو شيء مغاير تمامًا. أنا أتمثله كعملية إخصاب: عديد الحيوانات المنوية تتجه نحو البويضة، واحدٌ منها فقط نجح في اختراق غشائها وأبعِدَ باقي المرشحين. من الآن فصاعدا أصبح للحضارة الغربية المسيطِرة أبٌ واحدٌ، لا أبًا قبله ولا أبًا بعده، وهو الوحيد الذي يشبه الابن. لماذا هو وليس غيرَه ؟ هل هو أفضل من جيرانه أو منافسيه ؟ هل كان الأسلم فيهم أو الأكثر وعْدًا مستقبلا ؟  ليس بالضرورة، ليس بصورة قاطعة. عديد العوامل تدخلت في انبثاق الحضارة الغربية، منها ما هو مرتبط بأداء وكفاءة المواطن الغربي، ومنها ما هو خاضع للظروف الموضوعية، ومنها ما هو رهين الصدفة...". انتهت الاستعارة.

فرغم أن الحظ لم يحالِفنا ولم نلقِّح بويضَة الحضارة المتفوقة لكننا لم نكتف بدور المتفرج: لقد شاركنا في تأسيس العمران وفي تطوير الطب والفلك والجبر والألڤوريتم والبصريات وفي التعايش بين الأديان سبقْنا غيرنا. كنا لهذه البويضة بمثابة الرحم الحنون ولم نتنكر للمولود إلا بقدر عقوقه. في القرنين الماضيين، غذّينا الغربَ بعَرَقِنا ولم يبخل عليه الملايين من عمالنا المهاجرين بجهدهم في مزارعه ومصانعه، دخلوا دواميسَ مناجمه واستخرجوا فحمها  وبأيديهم عبّدوا طرقاته السيّارة وشيّدوا قناطره وأعلوا ناطحات سحابه. واليوم مئات الآلاف منّا يدرّسون في معاهده وجامعاته ويعملون بحّاثة في مخابره، وبفضل ابتكاراتهم نالَ الغربُ أعلى الجوائز العالمية العلمية والأدبية (أحمد زويل وفاروق الباز ومحمد أوسط العياري وأمين معلوف والطاهر بن جلون ومحمد أركون وغيرهم كثيرون).

لماذا نُصِرُّ على رفضِ مولودٍ (الحضارة الغربية)، شاركْنا، نحن المُبدِعون باللغة العربية عبر التاريخ، في تنشِئته وتربيته وأفدنا واستفدنا ولا زلنا نستفيدُ من ذكائه ! كمواطن عربي-مسلم، إني أناضل لمرافقة نفسي ورفاقي في العِرق والثقافة من أجل مساعدة أنفسنا على تخطي أزمة الهوية التي نمرُّ بها في هذا الزمن الرديء ونساعد أنفسنا على تجاوز حزننا على فقدان جزء هام من هويتنا وحضارتنا العربية-الإسلامية دون الإحساسِ بمرارة عقدة الذنب أو حلاوة وهم التفوق ودون شعورٍ بالإهانة ودون تنكّرٍ لتاريخنا العريق بمحاسنه ومساوئه.

لقد شاركنا في صنع الحضارة الإنسانية وأرى أن بعض مظاهر الإرهاب ليست حكرًا على فئة دون أخرى. ولا ريب أن الغرب تفوّق علينا علميًّا وتكنولوجيًّا والغريب أنه كذلك فعل في مجال الإرهاب، فلا ينتظر منّا إذن تبنّي انفرادي للقيط مزدوج النسب والهوية، سليل صلبنا وسليل صلبه في آن. نحن اكتوينا بنارين، نارُ إرهابهم الجوّي ونار إرهابنا الأرضي. ما أبعد إرهابهم عن إرهابنا ! ما أكثر قتلانا من الإرهابَيْن، الإسلامي والغربي، مقارنة بعدد قتلاهم ! نُدينهم ونُدين أنفسنا وسنقاوم إرهابهم وإرهابنا وسننتصر بإذن الله وسنبقى شامخين أحياء كالنسر فوق القمة الشمّاء. أتمنى أن نتخلى عن عاداتِنا المتخلّفة. نحن زرعنا البذرة فلماذا نُنكِر نسبَ المولودَين إلينا في الحالتيْن (الإرهاب والعلم) !

 سؤال إنكاري:

لماذا لا تصنَعُ الدولُ الأسكندنافية -مثَلي الأفضل حاليًّا- إرهابًا، ولا تصدِّرُ إرهابًا، ولا تستورِدُ إرهابًا، ولا تغذِّي إرهابًا، ولا تؤوي إرهابًا، ولا تسلّطُ إرهابًا على أحد، لا في الداخل ولا في الخارج، ولم يُسلَّط عليها إرهابٌ إلا نادِرًا ؟

لا وجود لإيديولوجية بريئة من دم الأبرياء. أمين معلوف

 

 

نص أمين معلوف

صفحة 70: "علّمَنا القرن العشرون أن لا وجود لإيديولوجية تحريرية بطبيعتها. كلها قد تنزلق، كلها قابلة للتحريف، كلها ملوّثة أياديها بالدماء، الشيوعية والليبرالية والقومية وكل دين من الديانات الكبرى وحتى اللائكية لم تسلم هي أيضًا. لا أحد يحتكر التعصب الإيديولوجي ولا أحد، على العكس، يحتكر التسامح الإنساني".

المصدر

Les identités meurtrières, Amin Maalouf, Ed Grasset & Fasquelle, Paris, 1998, 211 pages.

 

لا أتفق مع القوميين المتحزبين المتعصبين في المواقف التالية ؟ مواطن العالَم البستاني، متعدّد الهُويات

 l’homme semi-perméable

 

1.     يساندون نظام بشار وأنا لا أسانده ولا أساند أيضًا معارضيه الإسلاميين المسلحين.

2.     يعشقون ناصر وبومدين والقذافي وصدام والأسد الأب  والابن، وأنا أعشق غاندي ومانديلا، أمقت ستالين وماو وبول بوت، وأكفر بديكتاتورية البروليتاريا حيثما حلّت، غربًا أو شرقًا.

3.     بارَكوا سَعْيَ صدام لامتلاك السلاح النووي وأنا لا أبارك أحدًا في مثل هكذا مَسْعَى.

4.     حكموا فظلموا، ناصر وبومدين والقذافي وصدام والأسد الأب والابن، ظلموا رفاقي اليساريين، عذبوهم، سجنوهم، شرّدوهم. وفي المقابل، اليساريون يومًا واحدًا لم يحكموهم حتى يظلموهم.

5.     حصيلتهم في الحكم سلبية وفي الحروب مع أعداء الأمة كارثية (هزيمة 1967 وهزيمة بغداد 2003).

6.     جاؤوا رافعين شعار الوحدة العربية، ذهبوا ولم يحققوا منه شيئًا بل على العكس زادوا العرب حقدًا على حقدٍ: الانفصال المصري-السوري الفجائي بعد الوحدة على عجل، حرب ناصر في اليمن، الفتنة الإيديولوجية بين شقي الحزب الواحد (البعث العراقي والبعث السوري)، العداوة بين الجارتين الجزائر والمغرب والحرب الصحراوية العربية-عربية.

7.     حاولوا تطبيق الاشتراكية في البلدان العربية فمسخوها في مصر واليمن وسوريا والعراق والجزائر وليبيا. لم يحققوا حتى الحد الأدنى مما حققته البلدان الاشتراكية في الصين والاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية حيث حُرمت أجيالٌ من الحرية لكنها على الأقل تركت لأبنائها بُنَى تحتية وصناعة قوية. قوميونا الاشتراكيون العرب حرمونا عقودًا من الحرية ولم يتركوا لنا من الإنجازات التحتية شيئًا ما عدى سد أسوان اليتيم. نسيت، لن أظلمهم، تركوا لنا جيوشًا أسودًا ضد شعوبنا نعاجًا أمام الأعداء، جيوشًا بواسل لا زالت تكتم أنفاسنا حتي اليوم في مصر وسوريا والجزائر.

 

خاتمة: ثبّطوا العزائمَ ولم يورّثونا سوى الهزائمَ فلَمْ أعُدْ آمن للصقور منهم ولا الحمائمَ !

 

إمضائي (مواطن العالَم البستاني، متعدّد الهُويات، l’homme semi-perméable، أصيل جمنة ولادةً وتربيةً، يساري غير ماركسي حر ومستقل وعلماني على الطريقة الأنـﭬلوساكسونية المتصالحة مع كل الأديان دون أفضلية لدين على دين ودون استثناء، غاندي الهوى ومؤمن بمبدأ "الاستقامة الأخلاقية على المستوى الفردي" - Adepte de l’orthodoxie spirituelle à l’échelle individuelle):

"وإذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك، فدعها إذن إلى فجر آخر" (جبران)

À un mauvais discours, on répond par un bon discours et non par la violence. Le Monde diplomatique



تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 25 نوفمبر 2019.

 

اليوم فقط فهمتُ حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم "مَن دخلَ بيتَ أبي سفيان فهو آمِنٌ" و"اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ"، وحكمة ميركل مع المليون لاجئ

 


يبدو لي أن ميركل قرأت التاريخ جيداً، أما الرسول فقد يكون وحياً أو اجتهاداً، الله أعلَم !

ماذا يقول التاريخ ؟

نص أمين معلوف: أسوق إليكم خمسة أمثلة من التاريخ الحديث والمعاصر:

1. فرنسا: سنة 1685، قرر لويس الرابع عشر، ملك فرنسا، تهجير الأقلية البروتستانتية الفرنسية (Les huguenots). هؤلاء المهجّرون من فرنسا ساهموا وبصفة كبيرة في نهضة العواصم الأوروبية الثلاث التي احتضنتهم، أمستردام ولندن وبرلين التي أصبحت بفضلهم مدينةً منافسة لباريس (La grande rivale de Paris). في المقابل، ساهم هذا التهجير المكثف في إفقار فرنسا ثقافيًّا.

2. أسبانيا: سنة 1492، سنة سقوط غرناطة، هُجِّر اليهود والمسلمون قسريّاً من قِبل كاثوليك أسبانيا المنتصرين، فنتج عن ذلك أن أسبانيا فقدت نخبتها وعجزت عن الاستفادة من فتحها لأمريكا، ولم تتجاوز تخلفها مقارنة بالأمم الأوروبية إلا بعد 500 عام.

3. أمريكا: ليس صدفةً أن تختص أمريكا، أقوى دولة في العالم، في استقبال أفواجٍ متعاقبةٍ من المُهجَّرين المغضوبِ عليهم في بلدانهم الأصلية مثل المتشددين البريطانيين واليهود الألمان والناجين من الثورات الروسية والصينية والكوبية والإيرانية والبروتستانت الفرنسيين.

4. جنوب إفريقيا: نجح مانديلا في تحويل العسكر والشرطة، أدوات القمع لدى نظام البِيض العنصري، إلى مساندين لـ"أمة-قوس قزح" (Nation arc-en-ciel).

5. مصر: مباشرة بعد ثورة 52، اتخذ عبد الناصر حُزمةً من الإجراءات القمعية: مصادرة، سجن، نزع ملكية، تأميم، إلخ. بهدف سلبِ الأقليات الأجنبية أملاكهم، لا لذنبٍ اقترفوه بل لكونهم أقليات احتفظت بهُويتها وثقافتها وتعايشت مع السكان الأصليين في وئام وسلام، ولكون بعضهم يحمل جنسية دول العدوان الثلاثي في 56 بعد قرار تأميم قناة السويس (فرنسا، بريطانيا، إسرائيل). وبهذه الإجراءات التعسفية أصدر عبد الناصر حكمًاً بالإعدام على مصر الليبرالية والعالمية (L`Égypte cosmopolite et libérale)، حكمًاً تسبب في هجرة مكثفة لكل الأقليات "المتمصِّرة" على ضفاف النيل، البعض منها منذ عدة أجيال والبعض الآخر منذ عدة قرون. الأقليات، هُمُ اللبنانيون والسوريون واليهود والأرمن واليونانيون والإيطاليون والفرنسيون والأنڤليز والأتراك، إلخ. هذه الأقليات كانت تفضل حكم الباشوات على حكم العسكر، وكانت تنظر بعين الرضا إلى تواجد الجنود البريطانيين في مصر، وترى فيهم ضمانة للاستقرار عكس ما يراه السكان الأصليون من الأقباط والعرب. أقليات عوقبت على مواقفها اللاوطنية. هل تستحق العقاب بتلك الكيفية أو لا تستحق ؟ تلك هي المسألة.

كلمة طيبة في أفراد الأقليات: هُمُ المُلَقِّحونْ كعاملات النحل، يحومون، يُدَوِّمون ويجمعون رحيقَ الزهور، مما قد يظهرهم في صورة انتهازيين أو طفيليين. لذلك لا نقتنعُ بإيجابيةِ دورِهم إلا بعد غيابهم أو فقدانهم ونستطيع أن نقارنهم بالشريان الذي يربط العالم المتخلف بالعالم المتقدم، لو قطعْناه انقطعَنا.

خاتمة المؤلّف محمد كشكار: اليوم فقط فهمتُ حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم "مَن دخلَ بيتَ أبي سفيان فهو آمِنٌ" و"اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ"، وحكمة ميركل المتمثلة في منحها اللجوء السياسي لمليون لاجئ (سوريين وعراقيين وأكراد وأفغان: نُخَبُ بلدانهم الأصلية، فنانون وأطباء وممرّضون ومهندسون وتقنيون ومدرّسون، إلخ) ؟

غمزة موجهة لأولي الألباب من بني وطني: المضحك-المبكي أننا ما زلنا في تونس القرن الحادي والعشرون نتغنى ونتباهى بكوننا مجتمعًا متجانسًا (Une société homogène)، أي مجتمعٌ عربيٌّ مسلمٌ سنّيٌّ مالكيٌّ أشعريٌّ... ماذا فعلنا بتجانسِنا وماذا فعل أجدادُنا بِعدم تجانسِهم ؟ تقدّموا عن عصرهم وتخلفنا نحن عن عصرنا ! وهذا أكبر دليل على جهلنا بتاريخ حضارتنا العربية-الإسلامية قبل جهلنا بتاريخ الحضارات الأخرى: عدمُ تجانسِ مواطني دولة الخلافة العباسية كان سببًا من أسباب ازدهار عصرها الذهبي (القرن الثالث والرابع هجري)، وعدمُ تجانسِ مواطني الدولة الأموية في الأندلس كان سببًا من أسباب نهضتها الثقافية (القرن 12 ميلادي). يبدو لي أن عدمَ تجانسِ المواطنين كان العاملَ الأساسيَّ الذي ساهم في ازدهار الحضارة العربية-الإسلامية في تلك العهود (خليط من الأعراق واللغات والثقافات: عرب وفرس وأتراك وسود أفارقة وهنود وأكراد وأوربيون، إلخ. وخليط من الديانات: مسلمون ومسيحيون ويهود، إلخ. تقريباً مثل حال أمريكا اليوم وفرنسا بصفة أقل).