mercredi 30 novembre 2022

لماذا أفضِّلُ الخطابَ غير الصداميِّ على الخطابِ الصداميِّ ؟ مواطن العالَم

 

 

خطابٌ توافقيٌّ غير صداميٍّ وغير عدوانيٍّ، أعتمده دائما في مقالاتي، إنتاجًا أو تأثيثًا، ليس تقية أو نفاقا ولا حتى مجاملة كما قد يتبادر إلى أذهان بعض القرّاء الصادقين النزهاء غير المتأدلجين، بل هو منهجية علمية تعلّمية درستها في المرحلة الثالثة تعلمية البيولوجيا في جامعة كلود برنار بليون 1 فرنسا. هذه المنهجية العلمية البيداغوجية تتلخّصُ في تجنّب الخطاب الجبهوي الصادم العدواني (Discours frontal agressif)، أتجنبه لأنه خطابٌ عقيمٌ لا يوصل المعلومة سليمة من الباث إلى المتلقي. أفضّل اعتماد منهجية "اعْمَلْ مع لتسِيرَ ضد" (Faire avec pour aller contre)، اعْمَلْ مع التصورات غير العلمية (الموروثة والموجودة فعلا في كل المجالات وفي كل الإيديولوجيات) لتسِيرَ ضد نفس هذه التصورات غير العلمية، إلا في المسألة الدينية، فالدينُ لا يقع تحت سلطان العلم، الإيمانُ نورٌ قذفه الله في القلب كما خَلُصَ إلى ذلك الفيلسوف القروسطي أبو حامد الغزالي، والإيمانُ أسمَى من العلم بكثيرٍ.

 

أفضِّلُ مرافقة المتلقي بأسلوب علمي بحت للوصول به ومعه إلى مرحلة البناء الذاتي-الاجتماعي لتصوراته العلمية حتى يتجاوز تصوراته غير العلمية بكل حرية ودون ضغط، لا من الدين ولا من الأيديولوجية. هذه المنهجية تعتمد على نظرية "المدرسة البنائية" (Le constructivisme) للعالِم بياجي والتي طوّرها زميله فيڤوتسكي فأصبحت "المدرسة البنائية الاجتماعية" (Le socio-constructivisme).

 خاتمة:

تصوّروا معي لو اعتمَدَ كل المدرّسين التونسيين مع تلامذتهم منهجية "اعْمَلْ مع لتسِيرَ ضد" (Faire avec pour aller contre) عوض الخطاب الجبهوي الصادم العدواني (le discours frontal agressif)، لأنقذنا مئات الآلاف من التلامذة من ظاهرة الانقطاع المبكر بسبب خطابات صادمة ومنفّرة ومُحبِطة ومُهينة يوجهها بعض المدرّسين التونسيين عادةً لتلامذتهم الذين يعانون من صعوبات في التعلّم،  خطابات من نوع: "بهيم ومصطك"، "ما تفهم شيء"، "غالط على طول الخط"، إلخ.

هل اكتشف علماء الإسلام نظرية علمية جديدة من البحث في الإعجاز العلمي في القرآن ؟

 

وشهد شاهد من أهلها:

شهادة، مصدرها قناة "دريم" الفضائية المصرية، برنامج "دين ودنيا"، الخميس 9/09/2010، الساعة الواحدة والنصف بعد الزوال بتوقيت تونس. رغم علمي بأن التلفزة ليست مصدرا علميا موثوقا به، سأنقل بعض ما ورد في البرنامج على لسان الأساتذة الثلاثة المشاركين فيه (عمار وإمام والبنّا) بكل ما استطعت من الأمانة العلمية التي تعلمتها في البحث العلمي. ناقل الكلام الشفوي قد ينسب حديث هذا لهذا، فاغفروا لي زلاتي في النقل إن خانتني ذاكرتي في هذا العمر، فهي والله غير مقصودة. حاولت التثبّت مما قيل وذلك بالرجوع للأنترنات ككل باحث كسول فلم أعثر على إثبات فقلت بيني وبين نفسي: زادي الوحيد هو النية الطيبة وعدم إضمار الشر لحضارتي ولأمتي العربية الإسلامية والصدق في القول والإخلاص في العمل وكما أكرّر قصدا في إمضائي على مقالاتي "أنا أكتب -لا لإقناعكم بالبراهين أو الوقائع- بل بكل تواضع لأعرض عليكم وجهة نظر أخرى" وعلى القارئ الحصيف ترك الغث وأخذ السمين.

 قال مقدم البرنامج الأستاذ عمار: "الإعجاز العلمي في القرآن ثقافة شائعة ضارّة...".

قال علي عبد الواحد وافي عن الإعجاز العلمي في القرآن: "جناية كبرى". وقال عنه الإمام محمد الغزالي: "كلام فارغ".

قال كاتب إسلامي، مات سنة 1960: "إن المقصود بالسماوات السبع في القرآن هي الكواكب السبعة التي اكتشفها العلم" لكن ما لا يعلمه هذا الكاتب أن العلماء الغربيين وصلوا إلى حد الآن إلى اكتشاف تسعة كواكب، حذفوا منها أخيرا واحدا بعد ما عرفوا أنه نجم وليس كوكبا.

وفي الإعجاز العلمي اليهودي نُسِبت عظامٌ قديمة اكتُشِفت في فلسطين إلى يهود عاشوا منذ آلاف السنين في فلسطين وبعد مدّة كذّب العلماء مسعاهم  عندما تأكّدوا بعد تحليل الحمض النووي أن العظام المكتشفة عظامٌ حيوانية وليست بشرية.

الدكتورة بنت الشاطئ نقدت نقدا لاذعا الدكتور مصطفى محمود في إعجازه الذي ينسبه تعسّفا إلى اللغة العربية والقرآن.

اعترف مصطفى محمود بنظرية النشوء والارتقاء لداروين ونسبها للقرآن رغم  رفض كل الأديان التوحيدية الاعتراف بها حتى الآن وليس الدين الإسلامي وحده.

قال الأستاذ إمام: "القرآن ليس في حاجة للعلم ليثبته. نستطيع أن نقول الإعجاز العقلي في القرآن وليس الإعجاز العلمي في القرآن. الإغراق في هذا المجال يدفع إلى تكذيب النص والنص معجزة إلهية في حد ذاتها لا تحتاج إلى معجزة علمية بشرية لإثباتها. نحتاج العلوم الحديثة لنفهم فهما عصريا النص القرآني لذلك نقول أنه صالح لكل زمان و مكان".

قال الأستاذ جمال البنّا: "من باب حرية التفكير، لا نحجّر على أحد البحث في الإعجاز العلمي في القرآن، فإن اكتشف شيئا مفيدا فخير يفيد الأمة الإسلامية وإن لم يكتشف شيئا فقد أضاع وقته وماله وجهده" (إضافة المؤلّف محمد كشكار: نسي الأستاذ البنّا أن السعودية تصرف أموالا طائلة في هذا المجال من بيت مال المسلمين).

1.    رأي المؤلف محمد كشكار، رأيٌ متواضع جدا إلى جانب رأي علماء الطبيعة الكبار أو علماء الدين الأجلاء:

يتصوّر البعض من المسلمين خطأً أنهم يرفعون من شأن القرآن عندما ينسبون إليه أحدث الاكتشافات العلمية (الإعجاز العلمي في القرآن). ليس بوسعي تأكيد أو نفي الإعجاز العلمي في القرآن. لكنني أرى أنه يحق لي كمثقف أن أدلي بدلوي الإبستومولوجي في النقاش الدائر حول كيفية توظيف مفهوم "الإعجاز العلمي في القرآن" بعد تصديقه من قِبل بعض المسلمين لتثبيت إيمانهم أو بعد تكذيبه من قِبل بعض الملحدين لنفي المصدر الإلهي للقرآن ولن أنحاز إلى هؤلاء أو إلى هؤلاء متوخيا الحياد المنهجي. سأحاول فقط تسليط بعض النقد على الموقفَين السابقين. لا نستطيع ولا نفكّر في محاكاة المعجزات الغيبية في القرآن لكننا مطالَبون بنشر وإعادة إنتاج المعجزات العلمية المادية البشرية للاستفادة منها في حياتنا اليومية ولا غِنى لنا عنها مثل ما فعل الغرب مع كتاب "القانون في الطب" لابن سينا. القرآن معجزة إلهية، عندنا نحن المسلمين فقط، نحن خُمس سكان العالم، والعلم معجزة مادية بشرية معترف بجدواها ونجاعتها من قِبل كل سكان العالم مع اختلاف عقائدهم السماوية منها والبشرية. على حد علمي، لقد توصّل العلماء المسلمون القدامى إلى تطوير العلوم دون اللجوء إلى القرآن كمرجع علمي وتوصّل أيضا العلماء الغربيون المعاصرون إلى اكتشافاتهم الحديثة دون الاعتماد على الكتب المقدّسة. القرآن مقدّس عند المسلمين بطبيعته الإلهية ولا يحتاج إلى سند أو برهان من العلم ذي الطبيعة المادية البشرية الدنيا بل العكس هو الصحيح فالعالِم المسلم يحتاج للقرآن -وليس للعلم- لإثبات إيمانه وترسيخه في نفسه. القرآن كتاب إيمان وهداية للعالِم والجاهل، والإسلام -كوحي- هو دينٌ مبني على اليقين والتسليم بما جاء في القرآن، أمّا العلم فهو مبني على الشك والخطأ والصواب. القرآن ثابت والعلم متحوّل. القرآن عابر للزمان والمكان والعلم ابن بيئته. القرآن متماسك ومتجانس والعلم قد يناقض نفسه بعد يوم. القرآن يدعو لتصديق ما جاء فيه والعلم يدعو لتفنيد ودحض وتكذيب حجج العلماء لمن استطاع إلى ذلك سبيلا.

خلاصة القول:

أتوجه للقارئ كصديق حميم له وليس كباحث علمي. لم أعدْ أصلا باحثا علميا منذ حصولي على شهادة الدكتورا ككل الدكاترة العرب الذين يطلّقون البحث العلمي بمجرد توظيفهم بالجامعة ويتفرغون لنقل العلم وليس إنتاجه، ويجنّدون كل طاقتهم العلمية من أجل الترقية المهنية السخيفة لحشو سيرتهم الذاتية بأشباه البحوث المنقولة أو المسروقة من أصحابها الغربيين أو الآسيويين صُناع الحضارة العلمية الحديثة. أعلمكم أساتذة جامعاتنا "العظام" أن الجامعات العلمية المتطوّرة علميا -ليس للجامعات العربية مكان في الترتيب العلمي للخمس مائة جامعة الأولى في العالم في البحث العلمي- أعلمكم أنها ألغت الملاحظات عند منح شهائد الدكتورا (لا حسن ولا مشرّف لأن كل بحث علمي هو حسن ومشرّف مهما كانت نتائجه) وألغت أيضا التصنيفات الأستاذية السخيفة من مساعد إلى أستاذ مساعد إلى أستاذ محاضر إلى أستاذ فخري ووحّدتهم في صنف "أستاذ تعليم عال" حتى يتفرّغ الأستاذ الغربي إلى البحث العلمي ولا تلهيه الترقيات المهنية عن مهمته الأساسية.

أؤمن إيمانا راسخا بعدم جدوى الإيديولوجيات لأنها كما قال سارتر: "الإيديولوجيات حرية في بداية تشكّلها وظلم وقهر بعد نهاية تشكّلها"

« Les idéologies sont liberté quand elles se font, oppression quand elles sont faites » (Jean-Paul Sartre)

وأضيف ما قاله جوزيف غابــل في نقد الإيديولوجيات: " فالإيديولوجيا، من حيث إنها متجهة صوب الماضي، ستكون وظيفتها هي الحفاظ على الوضع الاجتماعي، في حين أن اليوتوبيا، وهي مشرئبّة نحو المستقبل هي عامل ثوري" : يكفي القرآن الكريم شرفا عند المسلمين أنه كتاب إيمان وهداية، يحثّ ويشجّع على العلم والعمل وإعمال العقل ولن يزيده رفعة أو شرفا احتواؤه للاكتشافات العلمية الحديثة المادية البشرية ولن ينتقص من قيمته الروحية عند المسلمين خلوّه من النظريات العلمية الحديثة التي لا ترتقي في مجملها إلى حقائق ثابتة ثبوت النص المقدّس.

يهدف القرآن إلى بناء علاقة روحية عمودية سرية  شخصية ومتعالية على العقل والعلم والمادّة، علاقةٌ تكون بين الله والمسلم العالم أو المسلم الجاهل على حد السواء ليهديه ويجذبه ويقرّبه منه، وأما العلم فيبني علاقة ظرفية شكّية أفقية عمومية مشتركة ونديّة مع الإنسان مسلما أو غير مسلم ليربطه بواقعه المادّي المحسوس ويشدّه إلى جذوره المادية الطبيعية. لن يزيد المسلم إيمانا فوق إيمانه، اتساع القرآن ليشمل نظرية النشوء والارتقاء  لداروين أو نظرية النسبية لأينشتاين كما لا ينقص إيمانه عدم وجود النظريتين في نصه المقدّس. المسلم الذي ينتظر من القرآن شواهد وإثباتات علمية مادية محسوسة وواضحة حتى يسلّم بإعجازه ومصدره الإلهي هو إنسان مادّي بالقوة (en puissance) "قد" يلتقي في شكّه مع الملحد الذي لا يؤمن بالقرآن كتابا مقدّسا والذي يؤكد جازما أن هذا الكتاب بشريّ لأنه لا يحتوي البتة على حجج وقرائن مادية مقنعة ودالة على وجود خالق وراء هذا الوجود المادي المحسوس وغير المحسوس والمرئي وغير المرئي. أما الملحد الذي يبحث في الغيبيات ويحاول تكذيب عقيدة غير مادية مستعينا بمنطق مادي فهو مؤمن بالقوة  لكنه ضعيف الإيمان.

خاتمة:

لنفرض جدلا أن كل الاكتشافات العلمية الغربية البشرية الحديثة موجودة في القرآن الكريم منذ خمسة عشر قرنا. فهل هذه الحقيقة تضيف شيئا من الاستحقاق العلمي للمسلمين المعاصرين الذين لم يشاركوا في صنع هذه الاكتشافات ؟ وهل تضيف شيئا إلى قدرة الله الذي يقول للشيء: "كن فيكون" ؟ ولماذا لا نقول الحق كما أمرنا رسولنا الكريم صلوات الله عليه وننسب المجهود إلى أصحابه، علماء الغرب الذين ألهمهم الله . أليسوا من عباده الصالحين ؟ اجتهدوا وعملوا ووصلوا ونجحوا بواسطة جهدهم البشري إلى صنع العلم وبناء المعرفة وسهروا وحرصوا على تطويرهما ؟ أما نحن المسلمون العرب المقيمون في بلدان إسلامية، فقد فشلنا أيما فشل في بناء العلوم وصنع أبسط الآلات، ولم يبق لنا سوى الادعاء الكاذب وانتحال صفة العلماء الغربيين (مسلمين وغير مسلمين) ونسبة اكتشافاتهم لأنفسنا زورا وبهتانا، والله -سبحانه وتعالى- غني عن عملهم وعملنا ووجوده لا يحتاج إلى برهان علمي إلا لدى ضعاف الإيمان من أمثالنا ولكنه في الوقت نفسه كريم وسيجازي العلماء الغربيين على ما فعلوه من أجل تقدم البشرية ورقيها وسيلوم المسلمين المتقاعسين على ما فعلوه بأنفسهم.

وأخيرا أنوّه بالعلماء الغربيين المسلمين الذين شاركوا زملاءهم العلماء الغربيين غير المسلمين في بناء العلم والمعرفة (بناءٌ وليس اكتشافًا كما يُقال خطأ) وأشد على أياديهم وأقول لإخوانهم المسلمين المقيمين في البلدان الإسلامية: ما فعله إخوانكم المسلمون المقيمون في البلدان العَلمانية الديمقراطية هو الإعجاز العلمي بعينه، فعلوه بالعمل والمثابرة في المخابر العلمية الغربية جنب زملائهم العلماء غير المسلمين، ولم يفعلوه بالتعسف والإسقاط في تأويل آيات القرآن الكريم،  القرآن المنزّل النهائي هو كتاب يقين و إيمان ولا يجوز حسب رأيي مقارنته بكتب العلم البشرية المبنية أساسا على الجائز والطارئ والشك والخطأ والصواب، والإيمان أرقى ألف مرة من العلم لو كنتم تفقهون !

"الإعجاز العلمي" في القرآن منتشرٌ بكثرةٍ في تركيا والسعودية وفضائياتهما و"الإعجاز العلمي" في الإنجيل منتشرٌ بقوةٍ وكثرةٍ في أمريكا الشمالية وبولونيا. يبدو لي أن مفهوم "الإعجاز العلمي في القرآن" يحملُ في الداخل ضده: لو كان إعجازًا فهو ليس علمًا ولو كان علمًا فهو ليس إعجازًا، لأن الإعجازَ إعجازٌ إلهيٌّ، مُنزَّلٌ وأبديٌّ، يصيبُ دومًا ولا يخطئ أبدًا، أما العلمُ (La science moderne) فهو بشريّ، قاصرٌ وظرفيٌّ، يصيبُ ويخطئ، وقابلٌ للدحض والتكذيب بطبيعته (Falsifiable).

ملاحظة: لا أشك لحظةً في العلم الإلهي، تكفيني "كن فيكون"، ولا أحتاج لبهلوانيات الدعاة الجهلة تجار الدين، كما لم يحتجْ إليها الصحابة قبلي حتى يؤمنوا. العلم الإلهي في القرآن معجزة ربانية، فما دخلك أيها المسلم فيها ؟ أوَ تظن أن الله ربك لوحدك ؟ الله رب العالمين مسلمين وغير مسلمين، فبماذا تتباهى أنتَ إذن على غير المسلمين ؟ الله قال لك: "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ". غيّرْ يا سِيدي وانتجْ علمًا حديثًا وانسبه لنفسك عِوض التطاوُسِ بما ليس فيك، واتركْ ما لله لله، الله يهديك !

mardi 29 novembre 2022

كيف أفهم ديني ؟ مواطن العالَم

 

 

دينٌ يشمل البشرية بأسرها وليس المسلمين فقط. دينٌ غير إقصائي وغير عنصري وغير متعصّب لرسوله محمد صلى الله عليه وسلّم. دينٌ أتى برسالة للعالمين وليس المسلمين وحدهم. دينٌ أممي وعالمي وغير منحازٍ لقومٍ أو وطنٍ أو عِرقٍ أو طائفةٍ. أفهمه كدين ينشر المحبة والتقَى والورع والتسامح والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة البشرية. دينٌ يحس بآلام الإنسان أيًّا كان دين هذا الإنسان أو مذهبه أو طائفته أو عرقه أو جنسه أو جنسيته أو لون بِشرته. دينٌ لا يفرّق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى. دين يعترف ويكرّم ويبجل ويحترم كل الأديان وكل الرسل والأنبياء الذين سبقوه.

أفهم الدين كعلاقة حميمة عمودية خاصة مباشرة مع الله، علاقة عمودية تظهر تأثيراتها في مجموعةٍ من العلاقات الأفقية بين البشر، وصِدقُ أفقيّتِها مع الناس أصدَقُ دليلٍ على صِدقِ عموديتِها مع الله.

 

لكن وللأسف الشديد، لقد فهمه بعض المسلمين كشعائر وطقوس خارجية يمارسها المسلم بشكل ميكانيكي أو آلي مُفرَغ من كل معنى روحي أو تأثير أخلاقي على الشخص المسلم نفسه قبل غيره. قد يمارس بعض المسلمين جميع الطقوس بخشوع مشهدي وبكل مواظبة وانتظام، لا خوفًا من الله بل خوفًا من محاسبة المجتمع، والدليل أنهم هم هؤلاء أنفسهم الذين يغشّون في تجارتهم وأعمالهم أو يحقدون على جيرانهم لأنهم ليسوا من دينهم أو مذهبهم. فما نفعُ التديّن يا تُرَى في مثل هذه الحالة ؟ لقد فهموا الدين الإسلامي كطاعة سلبية وخضوع لعلماء الدين ودُعاته مع العلم أن لا كهانة في الإسلام. وقد استولى هؤلاء "الكهنة المسلمون" على العقيدة الإسلامية واستخدموها ووظفوها واستغلوها أسوأ استغلال لإشباع جشعهم ومآربهم ومآرب ملوكهم وأمرائهم ورؤسائهم. بل وحرّفوا المقاصد النبيلة للدين الإسلامي عن مسارها الصحيح، وقسّموا الناس إلى شيعة وسنّة وسلفية وإباضية، إلى حنفية وشافعية ومالكية وحنبلية، إلى إسلاميين وعَلمانيين، إلى أصوليين وحداثيين، إلى مذاهب إسلامية متناقضة متناحرة متباغضة متقاتلة، واستغلوا خشوع عامة المسلمين وميلهم للتقَى والإحسان لكي يأخذوا منهم الصدقات والزكاة ويراكموا الأموال ويبنوا القصور أو يموّلوا الإرهاب في سوريا وليبيا والعراق. وهكذا شاع الشقاق والنفاق والحسد والغيرة والأحقاد في المجتمعات العربية والإسلامية ممّا وفّر أرضية خصبة لانتشار الحروب الأهلية في جل الدول العربية والإسلامية، ولم يبق من الدين الإسلامي إلا المظاهر الخارجية الفارغة من الإيمان، والأحكام المسبقة المتوارثة التي تُحوّل البشر إلى وحوش عن طريق الطائفية والمذهبية والتعصب والجهل والتزمت، وذلك لأنها تَحرِم المسلمين الأميين والمتعلمين غير المثقفين من استخدام عقولهم بشكل حر وتخنق فيهم شعلة العقل البشري والحيرة الأبدية، المصدَر الأول للمعرفة. العقل الذي ينبغي أن ننطلق منه لكي نؤسس مجتمعا آخر أكثر حرية وأكثر إنسانية.

إن القرآن يعلمنا أفضل القيم الأساسية والضرورية لسلوكنا اليومي في الحياة. إنه يعلمنا أن الله موجود، أيّاً كان تصورنا له، ويعلمنا أن الله يسهر على مصير البشر، كل البشر دون تمييز، يشملهم بعنايته ويأمرهم بأن يحبوا بعضهم بعضا. ألم يقل الرسول الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". وهل وُجِد في التاريخ البشري تسامحٌ أكبر من هذا التسامحِ ؟ فكيف حَوّل بعض علماء الدين ودُعاته رسالة محمد السمحة هذه إلى تعصب ودعوة للعنف وإكراه في الدين وملاحقة لكل عالِم أو مفكر أو مبدع أو فنان أو فيلسوف مسلم عَلماني ؟ كيف حَوّلوا الشيء إلى نقيضه وحرّفوا الدين عن مبادئه الأصلية السامية ؟ في الواقع إن الدينَ بالنسبة لي هو المحبة والتسامح والحرية المطلقة والكرامة البشرية والعدالة الاجتماعية والمعاملة الحسنة والسلوك المستقيم أولا وأخيرا. وأما كل ما عدا ذلك فطقوس وشعائر تختلف من هذا المذهب إلى ذاك ولا تؤثر في الجوهر الطاهر الخالص. في نظري، هنالك جوهر للدين يراه مَن يخشى الواحد القهّار فقط، وهنالك قشور وقوالب خارجية يطبقها كثرة من خُشاة المجتمع وقلة من خُشاة الله والمجتمع، والمهم هو الجوهر لا القشور. المهم هو الرسالة الروحية التي علمنا إياها الرسول والتي تدعو أساسا إلى التقىَ والتطوّع والعمل الصالح لصالح الغير قبل النفس. فليس بالحقيقة وحدها يحيا الإنسان، وإنما بالوهم والحلم والخطأ أيضا. وكما قال هاشم صالح: "ليس بالماديات وحدها يحيا الإنسان، على عكس ما علّمتنا الوضعية الاختزالية (Le positivisme réducteur)، أو الماركسوية الفجّة والكسيحة".

قال الرسول محمد، صلى الله عليه و سلم: "مَن قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدَهُما". أي يتحمل القائل مسؤولية الكفر إن كانت التهمة باطلة، وهي في جميع الأحوال باطلة، لأن القائل لا يعلم ما في السرائر، فهو إذن متجنِّ حتى ولو كان المتهم كافرا فعلا، فعِلم الكافر وحسابه عند الله، والله وحده العلاّم بما في القلوب.
قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ".
الشك طريق إلى مزيد من الشك، في العلم بالطبع وليس في الدين، فالدين بطبيعته لا يتحمل الشك وهو يقين من أوله إلى آخره أو لا يكون.

Haut du formulaire

 

تعالوا أعرّفكم على شخصية فذّة، وحيدُ زمانِه بين أقرانِه، صديقي المسلم المثالي الديمقراطي التقدّميٌّ. صديقي بكّار عزوز قال: "أفضلُ هديةٍ أقدمها للناس هي الإسلام. فهل أستطيع أن أقدّم هديةً لشخصٍ أكرهه؟ طبعًا لا ! فقَدَرُ المسلمِ إذن أن يحب الناس جميعًا، المسيحي واليهودي والبهائي والملحد واللاأدري، إلخ". هو أستاذ قرآن بباريس، لا يستحي من حَثِّ طلبته على البِرِّ بالأم حتى ولو كانت تشتغل مومسًا على الرصيف. هو ديمقراطي وتقدّميٌّ لأنه يقف ضد جميع أنواع العقوبات البدنية مهما كان المجرم ومهما كانت الجريمة التي ارتكبها. ينقد النهضة أكثر مني، هو ابنها ويعرفها أكثر مني. لا يرى غضاضةً في مجالسة الأصدقاء في المقهى-الحانة بباريس ويطلب لنفسه كوكا. في بيته يقدّم القهوة في رمضان لضيفه الفاطر. يؤجّلُ صلاتَه عندما يكون ضيفًا عابرًا في بيت صديقٍ له لا يصلّي حتى لا يُحرِج مضيّفه. هو الأقرب لليساريين الجمّنِين والفرنسيين، وأول ما يحطّ الرحال بتونس، يطلبني، أشبع في حضوره نقدًا للنهضة وهو يبتسم، يشبع هو في حضوري نقدًا لليسار وأنا أبتسم، ثم نتفارق بالأحضان على أمل اللقاء مجدّدًا.

سمعتُ مرّة بكتابٍ صدر حديثًا عن مفهوم الإلحاد  (Traité d'athéologie, Livre de Michel Onfray)، رغِبتُ في قراءته، كان ثمنه باهظًا جدًّا في تونس، هاتفتُه وكنتُ متأكدًا أنه قرأه، فعلا وأرسله لي على الفور.


إمضائي

"و إذا فهمت نفسك فكأنك فهمت الناس جميعا". هاشم صالح

"الذهنُ غير المتقلّب، ذهنٌ غير حرّ".

"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

 

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، السبت 9 جوان 2018.

 

مجموعةٌ من الأسئلةِ، أرّقتني طيلةَ عقودٍ ! وجدتُ لها اليومَ جوابًا في كتابٍ ؟ فكرة كريستيان دو دوف، ترجمة وتأثيث المؤلف محمد كشكار

 

الأسئلة التي كانت تُحيّرني:

-         لماذا يتحارب البشر فوق الأرض وفيها من الخيراتِ ما يكفيهم وزيادة ؟

-         لماذا نصرف أموالاً طائلةً على الهدمِ ولو صرفناها على البناء لأصبحت الدنيا جنة على وجه الأرض، ولانْقرضَ الفقرُ والجهلُ والجوعُ وزالت جل الأمراضِ ؟

-         لماذا لا نرى للأخلاق الوضعية ولا للأخلاق الدينية أيّ تأثيرٍ على سلوكات العالَمين الأنانية والعُدوانية ؟

-         لماذا لم يجلب لنا العِلمُ كل المنافع التي كنا ننتظرها منه ؟

-         لماذا تَبنّيتُ مفهوم المواطنة العالمية ؟ (justification a posteriori)

-         لماذا اخترتُ مفهوم "ما فوق الوراثي" أو عِلم "التخلّق" 

(L`épigenèse

كموضوع لأطروحة الدكتورا سنة 2007 ؟ (justification a posteriori)

 

نص صاحب الفكرة في كتابه، صفحة 165:

الانتقاء الطبيعي الدارويني 

(La sélection naturelle

ميّز القِيم (Les traits) التي تعزز اللحمة داخل المجموعة البشرية الواحدة (القبيلة التي ننتمي إليها) وفي نفس الوقت تدعّم العداوة بين المجموعات البشرية البدائية (القبائل الأخرى التي لا ننتمي إليها):

على المستوى الجماعي، ميّز الانتقاء الطبيعي بعض القِيم، مثل التضامن والتعاون والتسامح والشفقة والإيثار. قِيمٌ وصلت إلى حد التضحية بالنفس من أجل مصلحة المجموعة، قِيمٌ إيجابيةٌ كوّنت أسُسَ العيش المشترك داخل كل مجموعة من المجتمعات البشرية. لكن الانتقاء الطبيعي لهذه القِيم بقي بشكل عام مقتصرًا على الداخل.

وتتمثل النتائج السلبية لهذه القيم الإيجابية في النزعة الدفاعية المفرطة، انعدام الثقة في الآخر، التنافسية والعِدائية حيال أعضاء المجموعات الأخرى. قِيمٌ سلبية انبثقت من الإيجابية وكوّنت بذور الصراعات والحروب التي تركت بصماتها على طول تاريخ البشرية جمعاء حتى يومنا هذا.

هذا التحليل يرجع بنا إلى عصورٍ كانت فيها مجموعات قليلة من البشر البدائيين تتخاصم حول أهم المصادر الغذائية التي توفرها لهم الغابة والسافانا الإفريقية عشرة آلاف سنة قبل عصرنا الحالي. في البداية كانت تُحدَّد المجموعة حسب علاقات القرابة الدموية السائدة داخل العائلة أو القبيلة طِبقًا للصفات المبرمجة في الجينات. (إضافة المؤلف محمد كشكار:

ADN: C`est un logiciel performant et sophistiqué mais il est très ancien et conçu pour l`homme primitif de la forêt.

فلا تغترّ أيها الإنسان، فأنتَ والشانبانزي تتشابهان في 98،5% من الجِينات المشتركة 

(Gènes communs)، 

وأنت وشجرة المَوز في 60%، ونبات الأرز يفوقُك في الجينات عددًا: هو 30-40 ألف جِينة، وأنتَ 25-30 ألف فقط !) مرّ زمنٌ وأتى آخر، وتوسعت المجموعة الصغيرة فضمّت أراضٍ مشتركة، مصالح مشتركة، امتيازات مشتركة، اعتقادات مشتركة، قِيم مشتركة (Des valeurs partagées)، أحكام مسبقة مشتركة، أحقاد مشتركة، أي الاشتراك في كل ما يدعّم وحدة المجموعة، "مجموعتنا ضد مجموعتهم".

إضافة المؤلف محمد كشكار:

مقولة "مجموعتنا ضد مجموعتهم" تُتَرجَم بلغة عصرنا، فتصبح:  يهود ضد عرب، غرب ضد باقي العالَم أي المركزية الأوروبية، دار الإسلام ضد دار الحرب، بورجوازية ضد بروليتاريا، شيوعية ضد رأسمالية، يسار ضد يمين، داعش ضد بشار، إخوان ضد السيسي، مدينة ضد ريف، الرجل ضد المرأة، الحاكم ضد المحكوم، الأغنياء ضد الفقراء، العالَم الأول ضد العالم الثالث إلخ.).

ما هي الإيديولوجيات العصرية التي تدعم اليوم الوحدة داخل المجموعة الواحدة وتؤجج الصراعات وتشعل الحروب بينها وبين المجموعات الأخري ؟

هي إيديولوجية القومية الشوفينية، غربية كانت أو عربية. هي الإيديولوجية الدينية المتعصّبة، إسلامية (سوريا، العراق، ليبيا، مصر، أفغانستان) كانت أو يهودية (إسرائيل) أو بوذية (بيرمانيا، التيبت، الكشمير). هي الإيديولوجية الامبريالية، رأسمالية (أمريكا) كانت أو شيوعية (الصين).

 

نص صاحب الفكرة في كتابه، صفحة 166:

الانتقاء الطبيعي الدارويني عند البشر لم  يُميّز قيمتَي الحيطة والحكمة الضروريتَين لتوليد الرغبة في تقديم التضحية بالامتيازات الحينية في سبيل التحضير لمستقبل أفضل للإنسانية جمعاء: البحث عن المصلحة الحينية، سواء كانت فردية أو جماعية، يفسر استغلالنا اللامسئول للثروات الطبيعية، ويفسر أيضًا تجاهلنا للعواقب الوخيمة التي قد تنجرّ عن فعلنا المشين هذا. عواقبٌ بدأت اليوم تهدد جنسنا البشري وتهدد بالانقراض أنواعًا كثيرة من الكائنات الحية الأخرى، حيوانات ونباتات.

لم يعد يشغلنا كل ما يتجاوز مستقبلنا الحيني مثل ما بعد التقاعد أو أمل حياتنا أو مصير أولادنا وأحفادنا.

ما أردتُ تبليغَه كعالِم بيولوجيا يتمثل في التأكيد على أن القيم السلبية (النزعة الدفاعية المفرطة، انعدام الثقة في الآخر، التنافسية والعدائية حيال أعضاء المجموعات الأخرى) هي قيم فطرية جينية وراثية  مبرمجة لإنتاج إنسان لزمانٍ غير زماننا، زمان سبقنا بعشرة آلاف سنة عند بداية تشكل المجموعات البشرية الصغيرة في إفريقيا أولا (من 3000 إلى 10000 نسمة). قيم وسلوكات كانت صالحة وضرورية في ذلك العصر، عصر ندرة الموارد الغذائية أو صعوبة التحصل عليها. صفات ساعدتنا على الصمود في طورٍ من أطوار تطورنا الطبيعي (L`évolution) ولولاها لانقرضنا كالديناصورات ولَذهبت ريحنا ولم يبق إلا أحافيرنا (Fossiles humains). هذه القيم أو الصفات أو السلوكات أصبحت اليوم عبئًا ثقيلاً نحمله منذ الولادة، وباتت معطِّلة للقيم الإيجابية فينا (التضامن مع المجموعات الأخرى، التعاون معها والتسامح والشفقة والإيثار).

انتهى الاستشهاد.

 

خلاصة القول وليس خاتمته:

الإنسانُ لا يولدُ إنسانًا متحضّرًا منذ البداية بل يصبح متحضِّرًا بجهده وعلمه وثقافته: ليس قياسًا على الإنسان الغربي الحالي، فهو في الواقع أقل منا في العمق تحضرًا وإلا لَما احتلنا وقتل منا الملايين ظلمًا وبهتانًا، ولَما قصفنا بالطائرات في بور سعيد وبنزرت والساقية ودمشق وبغداد وطرابلس و.. و... ولَمَا باع لنا سلاحًا فتّاكًا من صُنعه وترويجه وتآمره وانتهازيته.

يولد الإنسان طبيعيًّا  (L`homme de la nature)، وهو حضاريًّا أقرب لإنسان القرن  3000 قبل-م، أكثر من قُربه إلى إنسان القرن 21م. تولد معه غرائزه المحدَّدة شبه كليًّا من قِبل جيناته، غرائزٌ تشد إلى الأسفل، إلى الحيوانية، إلى الطبيعة، إلى الأنانية. غرائز تحدّد القيمَ السلبية فينا (النزعة الدفاعية المفرطة، انعدام الثقة في الآخر، التنافسية والعِدائية حيال أعضاء المجموعات الأخرى). نزعةٌ، يسمّونها المتدينون "النفس الأمّارة بالسوء"، وعلماء النفس يسمّونها "الهُوَ" في اللاوعي 

(Le Ça ).

  نفسٌ أمّارةٌ بالسوء، نفسٌ موروثةٌ (Le tout-génétique)، تقابلها  نفسٌ مكتسبةٌ بواسطة ما يقع عبر التفاعل بين الجينات الموروثة ومحيط الجينات الخلوي والخارجي عن الجسم تمامًا،

L`épigenèse, sujet de ma thèse de doctorat, UCBL1, 2007

نفسٌ أمّارةٌ بالخير وإذا كنتَ علمانيًّا سمّها النفس المتحضرة المتسلحة بالقيم الإيجابية فينا (التضامن مع المجموعات الأخرى، التعاون معها والتسامح والشفقة والإيثار).

نحن، بشر اليوم، نعيش جهادًا ضد "النفس الأمّارة بالسوء" أو صراعًا مريرًا بين الثقافة والطبيعة،

Interaction entre culture et nature d`où émerge l`homme de l`homme au dépens de l`homme de la nature

صراعًا بين "الأنا" في الوعي (Le Moi) و"الهُوَ" في اللاوعي 

(Le Ça 

أو جهادًا يحدّ من سيطرة شهواتنا وغرائزنا على سلوكاتنا اليومية: يهذبها، يعلمها، يربيها، يَشْكُمُها، يطهِّرها من أدرانها ويقودها برفقٍ نحو الرقيّ والتمدن والتحضّر والرقة واللياقة والأدب والذوق الفني الرفيع وصقل الحواس والحب والتواضع ونكران الذات والتطوع من أجل خدمة الغير.

نصقلها بالدين، بالفلسفة، بالفن، بالتصوف، بالعلم، بالزهد، بالتقوى، كلها أنواع راقية من مواد التطهير: وسائل نبيلة لبلوغ غايات أنبل.

وإذا لم نبذل هذا الجهد فرديًّا وجماعيًّا، ونحن التونسيون في الواقع وللأسف لم نبذله، يساريون وإسلاميون وقوميون وليبراليون، لذلك لم تُغيّرنا الأخلاق الإسلامية ولا اليسارية، فلا دين فينا نفع ولا عِلمَ ولا فلسفةَ !

 

أما كيف ثبّت فيّ هذا الكتابُ اختياري للمواطنة العالمية (justification a posteriori)، فأظنه سؤالٌ لا يتطلب شرحًا على الشرح الذي سبق. المواطنة العالمية، أراها تمرّدًا على الفطرة وعلى التقوقع وخروجٌ إراديٌّ دون انبِتاتٍ، خروجٌ عن الانتماء القومي الضيق أو الديني المتعصب، خروجٌ إلى آفاقٍ أرحبَ، آفاقٍ نكتسبها ولا نرثها. المواطنة العالمية هي حب كل البشر دون تمييزٍ، هي سموٌّ على القبلية والوطنية الشوفينية، هي مستقبلُ العالَم خاصة في عصر الاتصالات والمواصلات، عصر اختفت فيه الحدود ومعها التأشيرات والجدران العازلة، عصر أصبح فيه للإنسان جناحان افتراضيان وأصبحنا كالعصافير لا نمر من البوابات الحدودية، حلمٌ تحقق، حلمٌ غير مبرمجٍ في جيناتنا.

أحلامي كل دقيقة تكبر ويومي أصبح أفضلَ من أمسِي. يبدو أن واقعي أصبح أسرع من أحلامي: أكتبُ مقالاً يتفاعل معه في الحين صديقٌ حقيقيٌّ أو افتراضيٌّ في موسكو أو واشنطن، حلمٌ للإنسانية تحقق. للأسف جيناتي لا تطاوعني، خَطْوَتُها بمليون سنة، ما أبطأها، لم أعُدْ أطِيقُ انتظارَها.. المتخلفة !

آه يا جيناتي لو تلحقي بأحلامي، وتزرعي في جنبَيَّ جناحَين، أزورُ ابنتي حبيبتي في كندا، لم أرها منذ ثمان سنوات، أعِدُكِ، أضمّها وأقفل راجعًا، حفيدتي دخلت المدرسة ولم أقبّلها لا عند الذهابِ إلى المدرسة ولا عند الإيابِ !

 

المصدر:

Livre : Génétique du péché originel. Le poids du passé sur l`avenir de la vie. Christian de Duve (Prix Nobel de médecine, Un biologiste et moraliste), Editions Poches Odile Jacob, Paris, 2017, 240 pages.

 

 


lundi 28 novembre 2022

مفاهيم إسلامية-كونية

 (des concepts islamiques et universels en même temps)

 

لا أفهم لماذا إذا نطقتَ اسم هذه المفاهيم بالعربية، جُل الحداثيين التونسيين يشمئزون، ماركسيون وليبراليون، وإذا نطقتَها بالفرنسية ينشرحون ؟

مقدمة: تجنّبًا لمناكفات أصحاب العقول الإقصائية الإستئصالية المتحجرة المنغلقة لدى الجهتين، حداثيين وإسلاميين: أناقش الفكرة لا تطبيقاتها في التاريخ (تطبيقات سادت ثم بادت ولن تجدها مثلما كانت إلا في مخيلة الإسلاميين السلفيين الأرتدوكسيين)، ولا أناقش أيضًا تطبيقاتها في الحاضر لأنها ببساطة لم تُطبَّقْ بعدُ. أناقش الفكرة من وجهة نظر مواطن تونسي يساري غير ماركسي ومسلم علماني على الطريقة الأنـﭬلوساكسونية المتصالحة مع الأديان، ولا أناقشها من وجهة نظر فقهية إسلامية أو إيديولوجية، وذلك لأنني لستُ ماركسيًّا ولا إسلاميًّا ولا قوميًّا ولا ليبراليًّا. أرجوكم أيها المناكفون وجهوا سهامكم حيث تصيب أهدافَها. أناقشها بعفوية مَن تَرَبَّي في حضن أمٍّ لم ترضعه إلا الحب وفطمته عن الكُرهِ، لكنني وللأسف تَعَلَّمتُ الكُرهَ عن الآخرين، بعدها ندمتُ ورجعتُ إلى أصلي (C’est ce que j’appelle l’indigénisation). أنا وعيتُ حديثًا أنني لست مثل الآخرين، أنا عدوٌّ شرسٌ للحداثة وما بعد الحداثة في ثوبها الغربي الاستعماري وخاصة في ثوبها الرأسمالي المركزي-الأوروبي الحالي العنصري (l’eurocentrisme).

بعض المفاهيم الإسلامية التي خطرت ببالي:

1.    الخلافة

Aujourd’hui c’est l’union qui fait la force, exp: l’union européenne ou américaine.

نُطقُ  مفهوم "الخلافة" بالعربية لا يوحي في أذهان "الحداثيين" إلا بـحزب التحرير وداعش، أما نُطقها بالفرنسية فمطلبٌ ملِحٌّ وأملُ العربِ والمسلمين أجمعين.

لا ألوم المنبَتِّين، اعني بهم جل اليساريين والليبراليين، لكنني أتعجب خاصة من القوميين الذين ينادون بوحدة عربية ويرفضون الوحدة العربية-الإسلامية، والغريب أن عربية الأولى عِرقية عنصرية وعربية الثانية لغوية. يبدو لي أن الوحدة الثانية أرحب بكثير حضاريًّا وإنسانيًّا.

2.    الأحباس أو الوقف

Aujourd’hui c’est les fondations.

نُطقها بالعربية يرونه مصيبة أما بالفرنسية فروعة.

3.    الزكاة

Aujourd’hui c’est l'impôt de solidarité sur la fortune.

نُطقها بالعربية يرونه رجعية أما بالفرنسية فعدلاً وتضامنًا بين الأغنياء والفقراء.

4.    الشورى

Aujourd’hui c’est la démocratie.

نُطقُها بالعربية وحده لا يوحي في أذهان "الحداثيين" إلا بالنهضة والنهضاويين أما بالفرنسية فعسلا مستورَدا.

5.    جهاد النفس:

Maîtriser ses désirs, surtout ceux qui ne sont pas naturels et indispensables comme la plupart de nos désirs d’aujourd’hui, les désirs façonnés par notre société de consommation d’aujourd’hui (la société postmoderne liquide de Zygmunt Bauman).

جهادْ النفس.. أعِدْها عليَّ  ثانيةً...

C'est-à-dire, comme l’a bien dit le philosophe athée, Michel Onfray : « philosopher, c’est philosopher sur ses désirs ». Ah bon, si c’est Onfray qui l’a dit, pas de problème, on est totalement d’accord.

أضيفُ لك مصدرًا غربيًّا آخر مما تحب: عالِم الأنتروبولوجيا ليفي ستروس 

(Claude Lévi-Strauss, 1908-2009

قال: "وُلِدت الحضارة يوم تعلم الإنسان كَبْحَ رغباته الجنسية الحيوانية وصَرَفَ نظره نهائيًّا عن نِكاح المحارم (l’inceste)". وأنا أقول: كلما كَبَحَ الإنسانُ شهواته المضرّة بأخيه الإنسان، كلما ابتعد درجة عن أصله الحيواني وصعد درجة في سلّم الإنسانية واقترب أكثر من السعادة الروحانية.

6.     (...)، والقائمةُ تطولُ.

 

ملاحظة: أعي جيدًا أن لكل مفهومٍ تاريخًا، لكنني، وفي نفس الوقت، أعي أيضًا أن المفهومَ كالكائن الحي، ينمو ويتطوّر وتتغير ملامحه من زمنٍ إلى آخر.

أنهِي بسؤال: لماذا أرى حُسنًا فيما يراه رفاقي قُبحًا ؟ ربما لأنني اكتشفتُ بهاءَ بعض المفاهيم الإسلامية (certains concepts islamiques)، اكتشفتُها بلغة أجنبية، قرأتُ الأجنبيَّ الذي لا يكره الإسلام ولا المسلمين، وفي نفس الوقت لا يتعصّب للإسلام ولا للمسلمين، ومثله أصبحتُ أحب هويتي ولا أكره هوية مَن علمني.