vendredi 30 novembre 2018

كيفَ قسّمنا إرثَ أمي وإرثَ خالتي؟ مواطن العالَم



أمّي، يامْنة بنت احْمِدْ بن حْمودَة، تيتّمت من الأم والأب وهي ما زالت طفلةً يافعةً، فكفلتاها أختاها البنات اللتان تعيشان في حوش واحد، الصغيّرة زوجة أبي الأولى وبرنية زوجة عمي محمد. ماتت الصغيّرة فتزوّجها أبي وهي في سن 14 وكان يفوتها بـ26 سنة. مات عمي قبل مولدي بأشهرٍ عام 1952 فنزحت برنية إلى العاصمة حيث تزوجت مرة ثانية.
ماذا تركت يامْنة؟
ماتت أمّي سنة 1993، وتركت عْديلَة (وعاءٌ من سعفِ النخيلِ لجمعِ وحملِ "الحَشِيشْ" أي العُشبُ)، وأربعَ أوتادٍ حديديةٍ لتحضيرِ الخيطِ الصوفي للمِنسِجْ (كل ما ورثت عن والدَيها)، وصندوقًا يحتوي على بعض الحلوى الرڤيڤة، وكمشة حُمْصْ مْعاوَدْ هْشوشْ (القليل مما نجا من غزاوت حفيداتها اليومية، بنات أختي الزهرات المشاغبات)، وثلاثة فولارات هدايا الحجاج، وفلاّية عاج (مشطٌ قديم).
أوصت بالأوتاد لجارتها على اليمين، للت الزينة بنت غنوة، وأوصت بالعْديلَة لجارتها على اليسار، للت امْنِي بنت احْمِدْ. طبّقنا وصيّتَها بحذافيرِها، قبل دفنِها.
ذهبت الغالية، لم ترِثْ شيئًا ولم تُورِّثْ شيئًا، عدى ذكراها العطِرة. وما أبهاها من ذكرى، وما أعذبها! ملكت قلوبَنا وقلوبَ كل مَن عرفَها وعاشرَها في حياتِها. تركتْ لنا كنزًا من الحنانِ، حنانٍ لو قسّمناه على الخليقةِ جمعاءَ بالتساوِي لكفاها جميعًا، أما إرثُها المادِّي فصِفرٌ، والصفرُ عددٌ عادةً لا يُقسَّم، لا بالشرعِ ولا بالحداثةِ!
ماذا تركت خالتي، برنية بنت احْمِدْ بن حْمودَة؟
لم تُنجِبْ، كنا نناديها أمّي. تركتْ منزلاً متواضعًا بِمَلاّسِينْ حمام الأنف، نصفه كان ملكها الشخصي وورثت عن زوجها الثاني ثُمْنَ ما تركْ. أوصتْ بإرثِها كلِّهِ لأختي الكبيرة فاطمة، الضريرة المستنيرة. بِعتُه ونصحتُ أختي بِادّخارِ المبلغِ في البنكِ (3500د)، رفضتْ نصيحتِي الحداثيةِ، هي ترى الفائدةَ حرامًا شرعًا. طلبتْ مني أن أشيِّدَ لها، في حوشنا القديم في جمنة، بيتًا للسكن وڤاراجًا للكراء. نفّذتُ أمرَها وهي اليومَ تسكنُ بيتَها مع أخي الأصغر احْمِدْ، الوكيلُ الأولُ العسكريُّ المتقاعدُ، المتزوّجُ ثانيةً من الملاكِ الطاهرِ عائشةْ بن عمرْ بعد طلاقِه بالتراضي من أمِّ أولادِه الأميرة لطيفة بِيدَة.
أما إرثُ أبي وعمي المتواضعُ (حوش عربي وسانية)، فقد قسّمناهُ بالتوافُقِ، للأنثَى مثل حظِّ الذكرِ، لكننا لم نُوزعْه منذ وفاتِه عام 67 (نحنُ ثلاثُ بناتِ وثلاثةُ أولادٍ، تُوُفِّيَ أكبرُنا وأفضلُنا، المرحوم صالح)، وكل فردٍ منا متبرّعٌ بِمَنابه لأختِنا فاطمة لو وافَتْه المَنِيّةُ قبلَها، و"خُرّافَتْنا هابَةْ هابْةْ وكل عام اتْجِينا صابَةْ".

خاتمة: فَعَلاَمَا تتخاصمونَ أيها المشرِّعونَ، شرعيّونَ وحداثيّونَ؟ أما الأغنياءُ، فثروتُهم عادةً ما يكون مصدرُها الاستغلالُ الحرامُ دينيًّا أو اشتراكيًّا، إلا مَن رَحِمَ ربي، فهل يجوز تقسيمُ الحرامِ بالحلالِ؟

إمضائي
"المثقّفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"الأساتذةُ لا يَفهَمونَ أن تلامذتَهم لا يَفهَمونَ" باشلار
و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

تاريخ ثان نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، السبت 1 ديسمبر 2018.


jeudi 29 novembre 2018

هل تغيرَ الزمنُ أم أنا الذي تغيرتُ؟ مواطن العالم



في شباب السبعينيات، كانت الرؤيا تبدو لي واضحة، كنت مع الثوار المسلحين ضد الدول الغاصبة والأنظمة الظالمة: مع ثورة فيتنام ضد نظام أمريكا، مع ثورة ظُفار ضد حكام اليمن وعُمان، مع الصحراويين ضد الحسن الثاني، مع مانديلا ضد الميز العنصري الأبيض في جنوب إفريقيا، مع الفدائيين الفلسطينيين ضد إسرائيل.
في كهولة التسعينيات، لم تعد الرؤيا عندي واضحة، فأصبحت أقف ضد الظالم وفي نفس الوقت ضد المظلوم الظالم هو أيضًا لمَن هم أضعف منه: ضد أمريكا وضد صدام، ضد بشار وضد الجهاديين، ضد الناتو وضد القذافي، ضد العسكر في الجزائر ومصر وضد الإسلاميين المسلحين في القُطرَين، ضد حكومة الشيعة العراقية الحالية وضد دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام، ضد كل الحكومات التونسية التي جاءت بعد الثورة وضد جِهادِيِّ الشعانبي والاعتصامات والمظاهرات والإضرابات في القطاع العمومي وخاصة في الصحة والتعليم، لكنني ما زلت ضد إسرائيل ومع المقاومين المسلحين الفلسطينيين، ولو كنت في غزة لَفَرَضَ عليَّ المنطق أن أحمل السلاح  مثلهم وأقاوم، رغم أنني أومن بأن المقاومة السلمية أجدَى وأصعب وأقل دموية، ولي أسوة في نجاعة مقاومة الأنبياء الأبطال الثلاثة، غاندي ومارتن لوثر كنغ ومانديلا، ولي بعض الأمل في الثورات السلمية المتتالية منذ سقوط جدار برلين والإمبراطورية الشيوعية وصولا إلى ثورة تونس.
واليوم في التقاعدِ، ماذا دهاني يا تُرى؟ أتراه الزمن تغير أم أنا الذي تغيرت؟ هل عوّضَ خوفُ الشيخوخةِ وجُبنُها حماسةَ الشبابِ وشجاعتِه؟ أم تراه لون الثورات هو الذي تبدّل أو دمي هو الذي تلوّث؟ هل العلم بالأشياء طغى على العلم بشيءٍ واحدٍ، ونهجٍ واحدٍ، وفكرٍ واحدٍ، وحزبٍ واحدٍ، ولونٍ واحدٍ، وزعيمٍ واحدٍ، ومرجعيةٍ واحدةٍ؟ هل هذا التغيير فيَّ يفسره تغييرُ اختصاصي الأكاديمي من العلوم التجريبية (بيولوجيا وجيولوجيا) إلى العلوم الإنسانية (إبستمولوجيا وتعلّمية)؟ هل أصبحتُ أخشى على الدولةِ من الثورةِ؟ هل فقدتُ ثقتي في أفيون المثقفين: الماركسية والبروليتاريا والثورة؟ هل أصبحت عنديَ دولة القانون والمؤسسات أفضلَ من الثورةِ ومآلاتِها المجهولةِ؟ هل أصبحتُ رجعيًّا ومحافظًا بعد ما كنتُ ثوريًّا وتقدميًّا؟ أم هي الثوراتُ التي فجرها الثوار، مثل لينين وماو وغيفارا وكاسترو، هي  نفسها التي شاخت وأصبحت رجعيةً؟ ومتى كانت الثوراتُ ليست كذلك؟ تراجعتُ حتى عن إعجابِي بالثورةِ الفرنسيةِ، " أمّ الثورات"، خاصة مذ سمعتُ الفيلسوفَ الفرنسيَّ اليساريَّ التحرّريَّ (Gauche libertaire)، ميشيل أونفري، "يُدَكَنْسْتَرْوِزُها"، أي يُفكِّكُ أسطورتَها!

إمضائي
"الأساتذةُ لا يَفهَمونَ أن تلامذتَهم لا يَفهَمونَ" باشلار
و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

تاريخ ثاني نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الجمعة 30 نوفمبر 2018.

mardi 27 novembre 2018

معلومات دقيقة حول شيعة تونس، أكتشفُها لأول مرة في كتاب صديقي د. عبد اللطيف الحنّاشي؟ نقل مواطن العالَم



نص المؤلف:
تشيّعُ التونسيين تشيّعٌ اسماعيليٌّ يقفُ عند الإمام السادس إسماعيل بن جعفر الصادق، تشيّعٌ يختلف عن التشيّعِ الإيراني الاثنَي عشري. انتشرَ في تونس في مرحلةٍ مبكّرةٍ من التاريخ الإسلامي عكس ما سعَى بعض المهتمّين إلى ربطه بالدولة الفاطمية (909م-969م).
أما  التشيّعِ الاثنَي عشري فقد ظهر في تونس أيضًا في أواخر الستينيات على يد مواطن تونسي سُنّي، اسمه محمد التيجاني السماوي، أصيل مدينة ڤفصة،  تشيّعَ حديثًا بعد لقائه في النجف ببعض علماء الشيعة مثل الخوئي ومحمد باقر الصدر. أحد الباحثين: "فتونس السنّية تظل عصيّة عن التشيّع الصفوي (الإيراني)".
يوجد اختلافٌ كبيرٌ في تقدير عددهم الجملي في تونس: فمِن مئات الآلاف حسب أبرزِ دعاتِهم إلى 500 فرد فقط حسب وزير الشؤون الدينية السابق، يتوزّع أغلبهم في مدن الجنوب التونسي وخاصة ڤابس والمهدية.
لا وجود في تونس لمسجد شيعي واحد.
تَعرّض بعض شيعة تونس لتهديدات عديدة من طرف متشدّدين دينيًّا متأثرين بفتاوى تكفّر الشيعة وتعتبرهم خارجين عن الملّة.
للشيعة في تونس جريدةٌ أسبوعيةٌ، عنوانها "الصحوة"، تصدر في 24 صفحة، يعمل فيها 15 موظفًا، وطُبِعَ من عددها الأول 10 آلاف نسخة.
الأحزاب الشيعية في تونس:
1.     "حزب الله تونس"، أسسه في أكتوبر 2011 سيف الدين العجيلي (انتمى قبل الثورة  لحركة النهضة ثم غادرها لحزب التحرير).
2.     "حزب الوحدة"، تأسس في أواخر جانفي 2013.

المصدر: كتاب د. عبد اللطيف الحنّاشي، الدين والسياسة في تونس والفضاء المغاربي، منشورات سوتيميديا، الطبعة الأولى، تونس،  2018، 277 صفحة، الثمن 25 د. ت.

ملاحظة: أنا ورضا بركاتي نعتزم استضافة المؤلف قريبًا إن شاء الله، بعد موافقته طبعًا، بفضاء مقر بلدية حمام الشط.

إمضائي
أجتهدُ فإذا أصبتُ فلي الأجرُ الموعودُ، وإذا أخطأتُ فلي بعضُه!
و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الأربعاء 28 نوفمبر 2018.


lundi 26 novembre 2018

أعتذرُ! مواطن العالَم



طَلَبُ اعتذارْ لا يُلزِمُ أحدًا غيرَ كشكارْ!
ككائن بشري، أعتذرُ لكل الكائنات الحية من حيوان وشجر عمّا فعله فيهم أبناء فصيلتي من البشر: دمّروا مجالهم الحيوي، فانقرضت بعض سلالاتهم النادرة وانخرم التوازن البيئي. انخرامٌ وصل ضرره إلى جوف الأرض ووديانها وجبالها وجوّها وبحرها.
كجنس ذكر، أعتذر لكل نساء العالَم على فعلته بهن الذكوريةُ المنتفخةُ.
كأستاذ، أعتذر لكل تلامذة العالَم كل ما فعله فيهم زملائي الذين لا يفهمون أن تلامذتهم لا يفهمون.
كمسالم على طريقة غاندي، أعتذرُ لكل ضحايا عنف الاستعمار وفي نفس الوقت أعتذر أيضًا لكل ضحايا المقاومة المسلحة. كيف نفرّق إنسانيا بين الضحايا المدنيين الأبرياء الذين قضوا ظلما تحت إرهاب الأول أو إرهاب الثاني؟ لا وجودَ لعنفٍ ثوريٍّ! العنفُ رجعيٌّ أو لا يكون! وذلك لسبب بسيط فهو الذي أرجعَ الإنسانية إلى مستوى الحيوانية حيث يسيطر العنف الفطري الضروري لديمومة النوع.
كمواطن العالَم، أعتذرُ لكل المواطنين في العالَم غير الغربي على ما فعله فيهم، وما يزال يفعله فيهم حتى اليوم، إخوانُهم في الإنسانية المواطنون المتنفِّذون في العالَم الغربي.
كديمقراطي، أعتذرُ لكل الشعوب على ما فعلته فيهم الأنظمةُ الديكتاتوريةُ اليمينيةُ واليساريةُ.
كمسلم، أعتذرُ لكل المواطنين غير المسلمين على ما فعله فيهم قادتُنا الفاتحون.
كعربي، أعتذرُ لكل المواطنين غير العرب على ما فعله فيهم أجدادي العرب، وأخص بالذكر الضحايا المدنيين الأبرياء من السكان الأصليين في شمال إفريقيا الذين استضافونا على أرضهم مُكرهين أو عن طيب خاطر، ثم أصبحوا في وطنهم الأم وبعد إسلامهم أقلية مهضومة الحقوق عرقيًّا ولغويًّا.
كتونسي، أعتذرُ لكل المواطنين التونسيين على ما فعلاه فيهم نظامُ بورقيبة ونظامُ بن علي طيلة سنوات الجمر الخمسة وخمسين.
كأبيض، أعتذرُ لكل المواطنين السود في العالَم علىِ ما فعله أجدادي البيض بأجدادي السود.
كيساري غير ماركسي، أعتذرُ لكل مواطنيِّ العالَم علىِ ما فعله فيهم الحكامُ الديكتاتوريون الماركسيون اللينينيون الستالينيون الماويون.
كغير منتمٍ لأي حزب، أعتذرُ لكل مواطنيِّ العالَم على كل خطأ ارتكبته في حقهم الأحزابُ الحاكمةُ.
كمعجبٍ بالأنظمة الأسكندنافية الحالية التي استفادت أحسن استفادة من مكتسبات اللبرالية ومكتسبات الاشتراكية في آن، أعتذرُ لكل الشعوب التي حكمتها أو ما زالت تحكمها أنظمةٌ رأسماليةٌ متوحشةٌ أو أنظمةٌ شيوعيةٌ ديكتاتوريةٌ.
كمثقف غير محترف، أعتذرُ لكل إنسانٍ في العالَم فكّر المثقفُ المحترِفُ مكانَه، و أطمحُ إلى يومٍ ينقرض فيه المثقفون المحترِفون من العالَم، فيصبح كل إنسان حر في تفكيره دون وصاية من أحد إلا ضميرِه.
كصديقٍ غير جيِّدٍ، أعتذرُ لكل مَن صادَقَني ثم ندِمَ.

إمضائي
أجتهدُ فإذا أصبتُ فلي الأجرُ الموعودُ، وإذا أخطأتُ فلي بعضُه!
و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 10 نوفمبر 2012.
Haut du formulaire
Bas du formulaire


dimanche 25 novembre 2018

جاراتُ أمِّي ورفيقاتُ دَربِها في جمنة الستينيات! مواطن العالَم د. محمد كشكار، أصيل جمنة ولادةً وتربيةً (وُلِدتُ سنة 1952)



نساءُ حيِّ الحمادة تحديدًا "وزنڤتِنا*" الحادّة تخصيصًا، حيث نشأتُ وترعرعتُ. كنّ يخرجن لزيارة الجيران والأقارب ويستقبلننا، نحن الشباب، دون إذن أزواجهن ويعاملننا كأولادهن بحنانٍ وحِنِّيّةٍ ونِيةٍ طيبةٍ خالصةٍ. كنّ يتبخترن في "الزنڤة*" سافرات مرفوعات الرأس والهامة. كنتُ، وأنا شابٌّ في العشرينيات من عمري، أرتمي في أحضانهن عند رجوعي إلى مسقط رأسي في العطل المدرسية، لا أفرّق بين أمي و"أمي"، وما زلتُ وأنا في الستة وستّين من عمري أحنّ إلى أحضانهن الدافئة. واليوم، عند زيارة موطني، أبكي طويلا عالِقًا في جلابيبِ مَن تبقّى منهن، وكن يبكين معي ويقلن لي همسًا أنني أذكّرهن برائحة الغالية يامنة، أمي (ماتت سنة 1993). في العيد الصغير والكبير، كنا معشر الشباب، نطوف نصف البلاد، نعيّد بالأحضان على النساء جارات أمهاتنا وقريباتهن وصاحباتهن. كنتُ حينذاك أروي تفاصيل حياتي الجمنية لزملاء الدراسة، أبناء مدينة صفاقس، فيتعجّبون من أمري ويكادوا أن لا يصدّقونني فيما أنقل لهم.   
رجعتُ مرّة إلى جمنة، بعد غيابٍ دام عشر سنوات، لإحياء حفلٍ ديني ترحّما على روح أمي، حفلٍ نسميه "ألفية" وكنت غير مرفوقٍ بزوجتي (هي من أصل جمني لكنها وُلِدت وعاشت بأحواز تونس الجنوبية). وصلتُ إلى منزلنا غير المأهولِ، جاء الجيرانُ وهرعتِ الجاراتُ صوبَ منزلنا لتحيتي والترحاب بمَقدَمي، أعلمتهن بما أنتوي صنعه، رحّبن جميعًا بالفكرة، وبعد يومين وفي الصباح الباكر تهاطلت الجاراتُ على "حوشْنا الواسعِ"، عجائز وشابات، كَنَسْنَه، نظّفنه، أحضرْن الأواني، وبدأت أسمع طلباتهن وأنفّذ أوامرهن دون حضور أو وساطة أزواجهن، كن يتصرّفن معي وكأنهن أخواتي الشقيقات. حضر العشاءُ، فهَلَّ ركبُ حفظةِ القرآن المتطوعين مجانًا، تلوْا ما تيسّر من الذكرِ الحكيمِ، ثم أعقبوا التلاوةَ بدعاءٍ يقشعرّ له البدنُ خِشيةً ورِعشةً، دعاءٍ صالحٍ لروح المرحومة ولي أنا شخصيا، أبكاني من فرطِ الحنينِ. دعاءٌ بترنيمةِ شيخٍ جليلٍ، مهنته بنّاء واسمه علي بن عبد الله، تربّيتُ منذ الصغرِ على صوتِه المُتَهِدِّجِ الحنونِ، وما يزال صداه يرنُّ في أذني بعد وفاتِه بِعشرِ سِنينَ، رحمه الله رحمةً واسعةً وأسكنه فراديسَ جنانِه وغمره برضوانِه وغفرانِه وأسعدَ كل مَن سمعَ وتمتّعَ بِحلاوةِ لسانِه.

الزنڤة: النهجُ الذي له مدخلٌ واحدٌ و ليس له مخرجٌ (impasse).

إمضائي
أجتهدُ فإذا أصبتُ فلي الأجرُ الموعودُ، وإذا أخطأتُ فلي بعضُه!
و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، 15 أوت 2012.


samedi 24 novembre 2018

لماذا أكرهُ الربيعَ الطبيعيَّ والربيعَ العربيَّ؟ مواطن العالَم



مالي أرى قِلّةَ الحيلة بالمواطن العربي أعْلَقُ، وبطموحاتِه ألْصَقُ!
شعور انطباعي ذاتي وقتي، لا يلزم أحدا غيري من النفزاويين (سكّان ولاية ڤبلي بالجمهورية التونسية). انطلاقا من شعوري بالإحباط واليأس ممّا يحدث أمام عينيَّ في الشارع وفي التلفزة، أحس بالتقيئ والدوران وأنا أرى في عالمنا العربي، ملايين ساعات علم وعمل تَضيع يوميا بسبب انشغالنا في مظاهرات مليونية موالية أو معارضة، طاقات رهيبة تُهدَر يوميا بعد الربيع العربي، ربيع دون زهور كربيعِ مسقط رأسي "جمنة" بولاية ڤبلي بالجنوب الغربي التونسي. ربيعٌ لا يأتي إلا بالرياح الرملية المزعجة. ربيعٌ نكرهه، لا نحبه، لا ننتظره، وعندما يأتي نتمنى قرب نهايته، ولا نأسف البتة على رحيله. ربيعٌ لا يُفلِحُ إلا في تحريك الرمال الصحراوية السلفية المتراكمة، يدفعها دفعًا في اتجاه العمران والاخضرار. ربيعٌ يوسّع مساحة الصحراء، ويقلص مساحة الزراعة والمدنية.  ربيعٌ، حبّاتُ رملِه تدخل عنوةً تجاويف آذاننا وأنوفنا، تسكن شعرنا، تختلط مع عَرَقنا، تحسّسنا بالقرف إلى درجة أننا أصبحنا  نكره أجسامنا  ولا نطيق ثيابنا. ربيعٌ جعلنا نلعن ظرفيا جدودنا الذين، من فرط ذكائهم أو من قلة حيلتهم أو من جور سلطانهم عليهم، لم يجدوا مكانا يكون فيه الربيع أفضلَ، أي ربيعٌ تزهر فيه الأرض فتلبس أجمل حللها المزركشة بألوان قوس قزح، ربيعٌ يُخرج أحلى ما في الأرض وليس ربيعا يهاجمك بصلف ووقاحة في وجهك بحبات رمل أصلب من الفولاذ، حبات مذببة راكمتها الرياح على مر القرون على شكل كثبان رملية تحاصر مسقط رأسي جمنة وكأنها جيوش غازية تنتظر الفرصة لكي تنقضّ علينا بِغِلِّ وحقدٍ. نعرف متى تهجم، خبِرناها ولم نألَفها. يحركها كل عام ربيعٌ جديدٌ، تهجم  ولا تفرّق بين الصباح وبين المساء ولا قبل الصباح ولا بعد المساء، تنغص راحتنا، تفسد عطلنا وسفَرَنا وأعيادنا خاصة عندما تتزامن مع العيد الكبير فتختلط بالكسكسي  وتدخل في مسامّ اللحم النيئ واللحم و المشوي على قلته وندرته. أنا أكره الربيع الطبيعي منذ طفولتي وكرهته أكثر عندما أطل علينا ربيعا ثوريا عربيا يشبهه.
أعلمكم أيها القرّاء الكرام غير النفزاويين أن الريح الربيعي لا يلقّح أزهار نخيلنا وأخص بالذكر منها صنف "دڤلة النور"، المنتوج الاقتصادي الأساسي والحياتي في نفزاوة. أزهار النخيل الأنثى المنتجة للتمور الذهبية العسلية، نلقّحها نحن بأنفسنا بأزهار النخيل الذكر. أعلمكم أيضا أنه ليس لنا إنتاج يُذكر من القمح أو الشعير أو الأشجار المثمرة أو الخضر، لا نربي نحلا، لا نرعى غنما أو بقرا، ونتطاير حتى من نزول الغيث - خاصة عند اصفرار عراجين "الدڤلة" - لأن هذا الأخير عادة ما يكون غير نافع وقد يُفسد صابة التمور أو يقلّل من جودتها ويخفّض سعرَها في السوق!

على سبيل الذكر لا الحصر، أسوق لكم بعض الأمثلة من الطاقات العربية المهدورة في دول الربيع العربي:
1.     بعد نجاح الثورة، ملايين من العرب تخرج يوميا إلى الشارع للتظاهر والتجمع والاحتجاج والاعتصام والإضراب وقطع الطريق، يساريون، نهضاويون، سلفيون، ليبراليون، قوميون، مواطنون غير مسيسين أو غير مأدلجين أو غير منتمين، موالون، معارضون، حكومة وأحزاب، كهول وشباب، أطفال وشيوخ، نساء ورجال، أميون ومثقفون، حضريون وريفيون، عمال ومعطلون، كلهم في إهدار الطاقة مشتركون لأنهم بفعلهم هذا لم يغيروا من الواقع الردئ شيئا يُذكر بغض النظر عن الأسباب المعطِّلة الأخرى، خارجية كانت أم داخلية.
كنتُ من أول المشاركين في المظاهرات قبل الثورة وقد أتت أكلها وأسقطت قمة النظام ومن أول المشاركين أيضا في المظاهرات بعد الثورة رغم إيماني بعدم جدواها. فبعد تكرر التجربة يصبح من المفروض أن يتعظ البشر ولا يعيدوا الخطأ مرتين وثلاثة وألف مرة دون تفكير حول الممارسة الخاطئة وغير المجدية. حسب رأيي البسيط غير العلمي وغير العارف بخبايا الظواهر الاجتماعية المعقدة: أنا أرى أنّه لو اقتنع كل هؤلاء مثلي بعدم جدوى التظاهر وانصرفوا مثلي للعمل (القراءة والكتابة) أو غَرَسَ كل واحد منهم شجرة أو علّم حرفا لأميٍّ أو قرأ كتابا أو حرث أرضا أو زرع قمحا وشعيرا أو جنى ثمارا لأصبح عالمنا العربي جنةً فوق الأرض. جنةٌ عامرةٌ بالأشجار وخالية من الأشرار، لو... لَحققنا اكتفاءَنا الذاتي من الغذاء، ولَشغّلنا الملايين من العاطلين ولَما احتجنا لقروض بنك النهب الدولي. يحضرني هنا أحسن دليل تونسي على وجاهة ما أقول: لو اشتغل الحوض المنجمي في ڤفصة بأقصى طاقته ولو لم تتعطل الصناعة الكيميائية في ڤابس لكسبنا ملايين الدولارات من بيع الفوسفاط ومشتقاته خاصة وهو في ذروة غلاء سعره العالمي ولَما مددنا أيدينا نقترض من "اللِييَسْوَى واللِيمايَسْوَاشْ".
2.     أهدرنا ملايين الساعات الدراسية التلمذية والطلابية في التغيب الإرادي عن حصص التكوين والتحصيل العلمي، أعتبر هذا الإهدار أكبر خسارة علمية مُنِيت بها تونس ما بعد الثورة وأصنفها كجريمة في حق الإنسانية، جريمة لا تموت بالتقادم.
3.     أهدرنا في المجال العلمي أيضا ملايين الساعات البحثية التي كان من المفروض إنجازَها من قِبل مئات الآلاف من المجازين المتخرجين منذ عشر سنوات، درّسناهم وصرفنا على تكوينهم العلمي الأكاديمي ملايين الدينارات من أموال دافعي الضرائب أمثالي وأمثالك ثم أبقيناهم في ديارهم عاطلين عن العمل، فمثلنا إذن كمثل مَن يشتري محركات كهربائية لإنتاج الطاقة وعوض أن يشغِّلها، يتركها في المخزن حتى يأكلها الصدأ.
4.     قبل وبعد الثورة، هاجر من العرب إلى الغرب مئات الآلاف من العلماء والباحثين والأساتذة الجامعيين والأطباء والمهندسين المكوَّنين في القطاع العمومي في بلدانهم، فأصبح مثلنا كمثل فلاح يغرس ويرعى الشجرة، يسقيها، يغذيها، يقلّمها، وعندما تزهر وتثمر، يأتي السارق ويقطفها فيموت الفلاح بحسرته خاصة عندما يكون السارق أجنبيًّا-أمريكيًّا-أوروبيًّا إرهابيا مدججا بالصواريخ والطيران والنووي والكيميائي المزدوج.
5.     بعد الثورة، انتشر الفسادُ في بلادي واستفحل الداء فينا فانتعشت الرشوة بعد ما وفرنا لها مناخا "ثوريا" مناسبا كما لم يتوفر لها مناخا مماثلا طيلة ستين عاما من الاستبداد البورقيبي والبنعليّ.
6.     بعد الثورة، طغت علينا حرية الإعلام والنشر فتفوقنا على أكثر البلدان ديمقراطية وأهدرنا ملايين الساعات في النقاشات البيزنطية والحوارات في قضايا ثانوية (تجاذبات سياسية، فضائح شخصية لمسؤولين مباشرين، هوية إسلامية أو عَلمانية أو لائكية، سب وشتم وثلب لرموز في السلطة وخارج السلطة، إلخ.). لم نطرح الإشكاليات المجتمعية الهامة كإصلاح التعليم والصحة، ولم نحل بالتوافق ولو مشكل فعلي واحد وعجزنا حتى عن إيجاد حل لمعضلة تكدس القمامة في شوارع مدننا وقرانا.
7.     بعد الثورة، أنجزنا انتخابات ديمقراطية، حَسَدَنَا العالم الغربي علي شفافيتها، لكننا، وللأسف الشديد، زدنا بعدها فُرقة وتشرذما وقبلية وطائفية وتخلفا وعصبية وعنصرية وإقصاء وفقدت مؤسساتنا كل تراتبية ضرورية وصحية. حرّفنا قِيم الديمقراطية حتى أصبحنا نرى في المظاهرات "ندائيّين" جنب نقابيين بعد ما كانوا قبل الثورة "تجمعيّين" وللمعارضين قاهرين.

الخلاصة: بعد الربيع العربي لم يعدْ ينفع أي تحليل سياسي (نصف الاقتصاد التونسي موازٍ يسيطر عليه المهرّبون والنصف الآخر من وراء البحارِ يُدارُ) ولم أعدْ أفهم أي شيء ولم أعد واثقا من أي شيء إلا من وثوقي التام أنني لا أفقه في السياسة شيئًا، واعتراف الجاهل بجهله طريقٌ إلى التعلم، وهذا ما أحاول فعله بكل جدية وجهد، لكنني أتراجعُ وأقول أن سياسيينا التونسيينَ، سلطة ومعارضة، ما زالوا يرتكبون أخطاء وحماقات كبيرة لا يراها إلا أعمى البصيرة، ولست كذلك على ما أظن والحمد لله.

تاريخ أول نشر على مدونتي وصفحاتي الفيسبوكية الثلاث: حمام الشط في 25 فيفري 2013.


vendredi 23 novembre 2018

أمارس ثلاثة أنشطة ذهنية كانت لي بمثابة حبوب مهدِّئة؟ مواطن العالم



1.     النشاط الأول يتمثل في المطالعة غير المنظمة وغير المختصة وغير المختارة بداية من سن الستين بعد مسيرة علمية دراسية ومهنية، يوميا ساعة أو أكثر قليلا.
2.     النشاط الثاني يتمثل في الكتابة الرقمية والنشر على النت دون أجندا إيديولوجية أو سياسية، يوميا خمس ساعات أو أكثر قليلا.
3. النشاط الثالث والأهم يتمثل في حب الناس. أحب أيضًا الحياة دون التمتع بملذاتها التي لا أقدر عليها حتى ولو هفّت لها نفسي ككل البشر العاديّين "لألبسَنّ لهذا الأمرِ مِدْرَعَةً، ... ولا ركنتُ إلى لذّاتِ دنُيايا". الله يمهل ولا يهمل الإنسان الذي لا يخشاه في أخيه الإنسان، والدنيا تهمل ولا تمهل من يتجاهلها أو يستخف بنواميسها، وهي إشكال الإنسان على أخيه الإنسان، إشكالٌ وجب عليه حله وإلا جَرَفَه التيارُ. أعملُ لدنيايا كأنني أعيش أبدا وأعملُ لدنيايا أيضا كأنني أموت غدا، لأن العمل للدنيا هو في الوقت نفسه عملٌ للآخرة، والله غني عن أعمالنا كلها، تكسُّبًا أوعبادةً. تُرى ماذا عملتُ في دنيايا خلال ستة وستين سنة حتى أخجل منه في آخرتي؟ لم أسرق في طفولتي إلا بعض العَنَبات وخمس خوخات من واحة "جمنة" الستينيات، وفي عملي كأستاذ أخذ ابني من محفظتي مرة أو مرتين بعض أصابع الطباشير دون علمي. لم أكذب إلا في بعض الحالات لِسَتْرِ عيوب أقاربي وأصدقائي. لم أخرج على الموضوع إلا بالعين وهي المسكينة مغلوبة على أمرها لأن النورَ مفروضٌ عليها ولا ينبعث منها كما يعتقد الكثيرون، بل يأتيها من محيطها وينعكس على شبكيتها غصبا عنها ما دامت مفتوحة، فيترجم المخ هذا النور ويدركه جمالاً ربانيًّا أخّاذًا. فما ذنبُ العين إذن إذْ أتاها الهوى من حيث لا تدري؟ وما ذنبُ المخ الذي لا يمكنه أن يدرك الجمالَ إلا متأخّرًا بعد أن ينقله إليه العصب البصري ذبذبات كهروكيميائية، أي "بعد ما الفأس وقعت في الرأس". لم أجامل إلا في بعض الأحيان حفاظًا على العلاقات الإنسانية الذاتية غير المصلحية، كالأخوّة والقرابة والزمالة والصداقة. لم أشرب إلا بعض السوائل التي لا تُسكِر ولا تُفقد العقلَ ولا الوقارَ الأستاذيَّ. درستُ 27 سنة ودرّست 37 سنة، كنت فيها طالبًا وأستاذًا في نفس الوقت. صُنْتُ أمي وأختي الضريرة ورعيتهما بعد موت أبي وأنا في سن الخامسة عشرة. لم أخاصم يوما أقاربي. لم أقاطع يوما إخوتي أو أخواتي. لم أرفع يدي يومًا على أحدٍ، لكنني أخطأتُ في شبابي ورفعتُها أحيانًا على أولادي وبعض تلامذتي. حَرَمْتُ نفسي، جوّعتُها وأطعمتها كأس "بسيسة" خلال تحضير الدكتوراه في فرنسا من أجل أن أرجع لأبنائي محمَّلاً بالهدايا واللُّعَبِ والشكلاطة الرفيعة. بهذه الأعمال الدنيوية العادية البسيطة، أرى أنني عملتُ لآخرتي أكثر مما عملتُ لدنيايا، وسوف أقابلُ وجهَ ربي يوم القيامة مطمئنَّ القلبِ قريرَ العينِ.

إمضائي
أجتهدُ فإذا أصبتُ فلي الأجرُ الموعودُ، وإذا أخطأتُ فلي بعضُه!
و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

تاريخ أول إعادة نشر على النت: حمام اللشط في 24 نوفمبر 2018.Haut du formulaire

jeudi 22 novembre 2018

عن أيِّ ضميرٍ مِهَنيٍّ تَتَحَدَّثونْ؟ فكرة فيلسوف حمام الشط (ماركسي الهوى، تعلّمتُ منه أعمقَ نقدٍ للماركسية)، تأثيث مواطن العالَم، مؤمنٌ بيسار ما قبل ماركس، يسار تعاونيات الاقتصاد الاجتماعي-التضامني



الفيلسوف يغنّي في المقهى، وجناحُه، مواطن العالَم، يردّ عليه!
قال الفيلسوف: كل الأجَراء يدخلون مؤسسات العمل الرأسمالية فقراءَ محتاجينَ، وكلهم يتقاعدون فقراءَ محتاجينَ، أما أربابُ العمل فيُنشئون مؤسساتهم وهم أغنياءٌ، ويتقاعدون منها وهم أغنَى من الأوّل مليونَ مرةٍ، وذلك بفضل تكديس الربح المتأتّي من القيمة التي أضافها العمال للسلعِ المنتَجَةِ بِعرقِ جِباهِهم.
Définition de la plus-value dans le vocabulaire marxiste: Différence entre la valeur des biens produits et le prix des salaires, dont bénéficient les capitalistes  
المؤسسة الرأسمالية للعمل (مصنع، شركة، متجر كبير، إلخ.) هي إذن مؤسسةُ استغلالِ بامتيازٍ، فكيف تطلبُ من العامل أن يعمل فيها بضميرٍ مِهَنيٍّ؟ العملُ فيها هو نوعٌ من التعذيبِ والسُّخْرَةِ، فكيف تطلبُ من العامل أن يُمارسه بضميرٍ مِهَنيٍّ؟ إذا عَمِلَ العامل بضميرٍ مِهَنيٍّ، رَبِحَ الرأسماليُّ أكثر، فكيف تطلبُ من العامل أن يساعدَ بضميرٍ مِهَنيٍّ مَن يسرقه عرقَه؟ 
L'origine du mot travail vient du latin tripalium, qui était un instrument de torture à trois pieux. .. Le verbe travailler vient du latin populaire tripaliãre, qui signifie torturer avec le tripalium. Au XIIe siècle, le sens de travailleur devient plus moderne, signifiant celui qui tourmente. Au XXe siècle, le travail devient une sorte de corvée
لذلك تسعى كل النقابات في العالم للتخفيضِ من ساعات التعذيب، عذرًا أقصد العمل. مِن 12 ساعة في اليوم هبطت إلى ثمانية في العالَم أجمع، ومِن 40 ساعة في الأسبوع هبطت إلى 35 في فرنسا، ومِن ستة أيام في الأسبوع (يوم واحد راحة، الأحد) هبطت إلى خمسة في فرنسا أيضًا (يومان راحة، السبت والأحد). لو كان العملُ في مؤسسة رأسمالية واجبًا أخلاقيًّا لَطالبت النقابات في الزيادة في ساعات الواجِبِ.
الرأسماليُّ ليس غِرًّا فهو يعي جيدًا أنه يأكل حق العامل دون وجه حق، ويعي أيضًا أن العاملَ يكرهه كرهًا شديدًا، ولا يهمّه إن كان للعاملِ ضميرٌ حيٌّ أو ميّتٌ لذلك نراه يحدّد مسبقًا للعامل "ياطاش" 
(Le travail à la tâche).

الخلاصة: عكس ما يعتقد الكثيرون، فكلما استيقظ ضميرُ العامل أكثر، قلَّ عملُه وإنتاجُه أكثر، وانخفض ربحُ الرأسمالي أكثر، بمعنى أوضح تقلّص هامشُ نَهبِه أكثر. الشيطان: في هذه الحالة يا كشكارْ، جميع الأنظمة الرأسمالية في العالَم ستنهارُ ؟ "مَتِنهارْ أو تِخُشْ النارْ، وانا مالِي ، هي مِن بَئيّة عِيلْتِي ولّ مِن بَئيّة عِيلْتِي؟".

قال مواطن العالَم: أبصُم بالعشرة على كلام الفيلسوف في مجال القطاع الرأسمالي الخاص فقط. أما في مجال القطاع العمومي فلي رأيٌ آخرَ: لو فرضنا جدلاً - جدلاً يعني - أن الدولة المالكة لهذا القطاع دولةٌ عادلةٌ اجتماعيًّا، فيُفترَضُ إذن أن العاملَ يعمل في ملكه، وتَعَبُه سوف يَرجعُ عليه بالفائدة غير المباشرة (مدارس راقية، مستشفيات عصريّة، طرقات سيارة مجانية، إلخ.)، في هذه الدولة الفاضلة أصرُخُ وأطالبُ بدسترةِ مَنْعِ الإضراب في مؤسساتها (التعليم، الصحة، ستاڤ، سوناد، تونيسار، الفسفاط، الڤمرڤ، إلخ.)، لكن والحال غير ذلك فأهلُ مكة، العمال، أدرى بِشعابها.

في الدول الشيوعية التي أمّمت القطاع الخاص بأكمله، المفروض لا يُضرِبَ فيها أحدٌ، أما وقد خانت الطبقة العاملة (Le prolétariat )
 وتحوّلت من رأسمالية الخاص إلى رأسمالية الدولة حيث تميّزت فيها طبقةٌ طفيليةٌ انتهازيةٌ ثريةٌ مُستهتِرةٌ (La nomenklatura )،
 فيحق فيها، ليس الإضرابُ فقط، بل التمرّدُ والعصيانُ والثورةُ والمحاسبةُ العادلةُ الصارمةُ غير العنيفةِ بدنيًّا، لكن دون تسامح الجبناء مع جلاديهم، عكس ما وقع عندنا في تونس داخل هيئة العدالة الانتقالية وخارجها.

البديلُ جاهزٌ: جاء من يسار ما قبل ماركس وانبثق عفويًّا مِن الذكاءِ الجَمْعيِّ الجِمنيِّ، بديلٌ يتمثّل في إنشاء تعاونيات الاقتصاد الاجتماعي-التضامني.
Les mutuelles comme la CNRPS et l`expérience de Jemna en Tunisie. En France, 12% de son économie est une économe sociale et solidaire
في التعاونيات وفيها فقط، يحق لنا أن نستنهضَ ضميرَ العاملِ، لأن ثمرةَ جهدِه ترجعُ إليه كاملةً غير مَنقوصةٍ، وكأنه يعمل في مِلكِه الخاص. أما تعاونية واحة ستيل بجمنة فقد فاق فيها التضامن كل الآفاق: جمعيةُ حماية واحات جمنة التي تُشرف وتسيّر التجربة، جمعيةٌ تضم عشرة أعضاء متطوعين غير متفرّغين عملوا مجانًا طيلة ثمان سنوات. واحة ستيل بجمنة تُشغّل 130 عاملاً مقابل الأجر الأدنى، عمالٌ من طينةٍ خاصةٍ لا يشبهون عمالَ التعاونيات الكلاسيكية في قطاع الاقتصاد الاجتماعي-التضامني (القطاع الثالث بعد الخاص والعمومي، قطاعٌ يخضع للتسيير الذاتي)، عمالُنا (جمنة مسقط رأسي والتجربة تجربتي، أمنحُها مهجتي، أدافع عنها بأسناني، وأفديها بروحي) لا يتقاسمون أرباحَ الواحة (قرابة المليار من المليمات في السنة بعد طرحِ المصاريف) بل يتخلون طواعيةً عن حقوقهم فيها لفائدة المصلحة العامة لجمنة (أنجزت الجمعية سوقًا مغطى للتمور وقاعة رياضة مغطاة بالمعهد وقاعات بالمدرستَين الابتدائيتَين وسيارة إسعاف شبه مجانية، إلخ.).

خاتمة: عندما تُعمّم تجربة جمنة النوعية في الاقتصاد الاجتماعي-التضامني على كامل أملاك الدولة التونسية (500 ألف هكتار أراضي فلاحية خصبة وجميع مؤسسات القطاع العام المنتِج من الڤمرڤ إلى تونيسار)، عندها فقط حدّثوني يا جماعة عن الضمير المهني! والآن تصبحون على خير واتركوني، تارة أبحِرُ دون زورق في عالَمي الافتراضي، وتارة أخرى أجنّح فيه دون جناحَين، الله يرحم والدِيكم.

إمضائي
أجتهدُ فإذا أصبتُ فلي الأجرُ الموعودُ، وإذا أخطأتُ فلي بعضُه!
و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الخميس 22 نوفمبر 2018.