lundi 31 janvier 2022

أمَا آنَ للتونسياتِ أن يَنتزعْنَ المُلْكَ من التونسيين ؟ مواطن العالَم

 


ملاحظة علمية أولية هامة:

لا تنسى أيها الذكر أن نصف كروموزاماتك (23 من 46) هي جينات أنثوية ورثتها عن أمّك. وهل يوجد أنبلُ من جيناتِ أمّك ("الجنّةُ تَحْتَ أقدامِ الأمّهاتْ" حديثٌ) ؟ جيناتٌ ترعاكَ بحضور أمّك، وتواصل رعايتكَ دون أن تشعرَ حتى بعد فراقِها !

 

يبدو لي أن كثيرًا من الصفات البشرية غير المؤاتِية 

(défavorables

التي طوّرها الانتقاء الطبيعي الدارويني 

(La sélection naturelle

واحتفظت بها جيناتُنا (ADN) إلى اليوم، هي صفاتٌ ذكوريةٌ سلبيةٌ.

1.     النضالُ السياسيُّ في تونس هو بالأساس صفةٌ ذكورية:

جلُّ النضالِ السياسيِّ في تونس ضد بورڤيبة وبن علِي قام به الرجال، وبعض النساء اكتفَين بمعاضدة أزواجهن وأبنائهن وزيارة السجناء منهم، مساندة فعّالة ومهمة. في عالَم الحيوانات، يتقاتل الذكور من أجل حيازة الإناث المرغوب فيهن، أما الإناث:

-         فيحمين صغارهن (وهو دورٌ مهمٌّ جدًّا جدًّا في تطوير شبكة الخلايا العصبية في أمخاخ الصغار وذلك عن طريق رعايتهم وتدريبهم الأوّلِيين بعد الولادة - L`Épigenèse cérébrale: "الأمّ مدرسةٌ إذا أعددتَها (أو لم تُعِدَّها)*** أعددتَ شعباً طيب الأعراق، أحمد شوقي).

-         أو يتفرّجن على هذه المبارزات الذكورية التي تُقام بسببهن، والذَّكَرُ القوي هو الذي يفوز بأفضل الإناث كي يورّثهنّ جيناتَه المميّزةَ بهدف تأبيدِها. هل يكون الفوزُ في المعارك هو واجبٌ جينيٌّ ميّزه الانتقاء الطبيعي وطوّره عبر ملايين السنين (طيلة 6-7 مليون سنة منذ بداية ظهور أسلاف الإنسان -

Les hominidés ) ؟

لكن لو كان الرجل ذئبًا لأخيه الرجل فالمرأة أكثر ذئبية لأختها المرأة دفاعًا شرسًا عن صغارِها !

 

2.     في أكثر الحضارات، تُعامَلُ النساء كجنسٍ ناقصٍ مقارنةً بالرجال:

إخضاعُ النساءِ من قِبل الرجالِ، إخضاعٌ مدعومٌ طبيعيًّا وجينيًّا 

(Le tout-génétique

من قِبل  الانتقاء الدارويني، إخضاعٌ وقع تأبيده في عديد المجتمعات عن طريق العُرف والعادات والتقاليد والأخلاق، خاصة في الحضارات التوحيدية الثلاث أي اليهودية والمسيحية والإسلام.

 

موقف الإسلام من المرأة يختلف كثيرًا بل يتناقض أحيانًا مع موقف المسلمين منها:

لا يغرنّكم تغليفُ "إخضاعُ النساءِ" بكلمة الحق التي استعمِلت في الباطل:  عندما تُحاورُ إسلاميًّا تونسيًّا حول حقوق المرأة المهدورة في الواقع اليومي المعيش، يصفعك بالقولة الجاهزة: "الإسلامُ كرّم المرأة". أجيبُه: صحيح، الله في القرآن كرّمها، أما أنتم الرجال المسلمون فقد مسحتُم بكرامتها الأرضَ على مدى 14 قرنًا، إلا مَن رَحِمَ ربي وهم قلةٌ قليلةٌ. وخير دليلٍ على وجاهة طرحي: لاحظوا غيابَها في المراتب الدينية الإسلامية كالإمامة والرئاسة والقضاء مثل غيابها في البابوية المسيحية أو الرِّبية في اليهودية. (مصدر إلهامي في هذا الموقف هو كتاب الشيخ راشد الغنوشي، "إرهاصات الثورة"، دار المجتهد للنشر والتوزيع، 2015، 277 صفحة. كُتِبَ بين 1999 و2014.).

على حدّ علمي فإن الديانات التوحيدية  الثلاث تُحمّل حواء مسؤولية خروج آدم من الجنة.

مالك بن نبي قال ولا قول بعد قوله: "ليس الإسلام هو الحضارة، الإسلام وَحْيٌ نزل من السماء بينما الحضارة لا تنزل من السماء وإنما يصنعها البشر عندما يحسنون توظيف ملكاتهم" (ص  109 من نفس المصدر)، ثم أضافَ: "كل باحث في طريقه إلى القرآن تتعثر أقدامه في المسلمين. تمنيت لو لم يكن هناك مسلمون أصلاً بمن فيهم شخصي. كلمة غيور غاضب" (ص 114 من نفس المصدر).

 

في تونس اليوم، قليلٌ جدًّا من النساء يتبوّأن مناصبَ عُليا في الدولة رغم تفوقهن عدديًّا ونوعيًّا في التعليم الثانوي والجامعي وفي البحث العلمي. هذا الحيفُ هو من صنيع الرجال التونسيين المسلمين العنصريين ضد المرأة، والقرآنُ بريءٌ من تأويلات الفقهاء الرجعية. أما القلة من النساء التونسيات البارزات فيَحوم حول بروزهن السؤال التالي: هل برزن بجهدهن الخاص أو بفضل التناصف المفروض علينا من الغرب أو بفضل محاكاة نضالات الرجال من أجل المحاكاة ؟

عالَمُ اليوم ما يزال في أغلبه عالَمٌ رجاليٌّ حتى في الغرب، غربٌ صانعٌ للسلاح ومصدِّرُه، غربٌ متفوقٌ علميًّا وتكنولوجيًّا ومتخلفٌ إنسانيًّا. لا نستطيعُ أن نتنبّأ إذا كان هذا الوضعُ المستورَدُ حاملاً للأملِ أو قابرًا له ؟  ليس مضمونًا البتة أن وَضْعَنا في تونس سيتحسّن لو حكمتنا النساءُ ؟ (سهام وسعيدة وعبير وبشرى وسامية وراضية ومية ومريم وغيرهن في البال !). لكن في الآخر أقول أنهنّ يستحقِقْن أن نمنحُهن فرصةً للتجريب، لكن تبقى المشكلة في معرفة كيف سينتزعْن المُلْكَ من الرجال دون أن يتصرّفْن بدورهنّ مثل الرجال، أي بعنفٍ وعُدوانيةٍ ذكوريتَين، صفتان ليستا مكتوبتَين في جيناتهنّ، وهذا من حسن حظنا وحظهن ؟

 

3.     تواجُدُ النساء التونسيات اليوم في المصعد الاجتماعي هو ظاهرة اجتماعية صحية وواعدة بمستقبل أفضل لتونس:

حتى ولو كان وضع المرأة اليومَ هشًّا (عادة ما لا تُمكَّنُ حتى من منابِها الشرعي في الإرث)، فإن التوجهَ العام الحالي قد يكون واعدًا ومشجعًا ومبشِّرًا بمستقبل أفضل للمرأة التونسية، أفضل على الأقل من نظيراتها في العالَم العربي. أصبحت المرأة اليومَ تعمل وتشارك في الحياة الاجتماعية والسياسية وحتى الدينية ولو باحتشامٍ كبيرٍ، وأصبح بعض الرجال يساعدون زوجاتهم الموظفات في أعمال المطبخ، ومما يُفرح أكثر أن نسبة محترمة من التونسيين أصبحت تؤمن ولو باللسان بالمساواة التامة بين الرجل والمرأة. مكسبٌ هامٌّ ومدسترٌ، أضيفَ سنة 2013 إلى حقوق المرأة السابقة المقنّنة في مجلة الأحوال الشخصية منذ سنة 1957، مثل منع تعدد الزوجات. 

 

خاتمة:

لم يبقَ للنساء إذن من حلِّ سوى إعلانُ الجهاد على الجينات الرجعية الجندرية الذكورية المتخلفة والمتواجدة عند الرجال أكثر من النساء، وذلك عن طريق تبنّي عِلمٍ -نسبيًّا جديد (عام 70)- اسمه "ما فوق الوراثي المخي" 

(L`épigenèse cérébrale, sujet de ma thèse de doctorat en didactique de la biologie, UCBL1, 2007)، 

ويُسمّيه الرسميون "التخلّق" أي ما ينبثق من صفات ذهنية بعد التفاعل بين الموروث والمكتسب أو بين الجينات والبيئة المحيطة بها داخل الجسم وخارجه 

(Interaction entre l`inné et l`acquis ou entre les gènes et l`environnement). 

علمٌ واعدٌ أو نضالٌ علميٌّ ضد طبيعة جيناتنا المتخلفة التي "تعزز اللحمة داخل مجموعة بشرية ضيقة كالقبيلة أو الموطن" وفي نفس الوقت "تعزز العداوة للمجموعات البشرية الأخرى كالأجانب" (مثال: عرب\يهود)، نضالُ ثقافيٌّ مكتسبٌ ضد الطبيعي الموروث (Culture contre Nature)، نضالٌ يربّي النفسَ، يدرّبها، يصقلها، يهذبها.. يهذبها بالدين، بالفلسفة، بالموسيقى، بالتصوّف، بالرقص.. الوسيلة لا تهم، ما دامت نبيلة وتسعى لتحقيق غاية أنبل، نضالٌ أفضل وأنجع ألف مرة من "النضال السياسي".

"النضال السياسي" هو أكبر خدعة استوردناها من الغرب،  والدليل على وجاهة طرحي: ما إن يتسلم المعارضون المناضلون السلطة حتى يظلمون ويقوم ضدهم مناضلون آخرون والشعب دومًا هو الضحية الوحيدة، ولا فرق عندي بين الحكّام الظلمة، رأسماليين كانوا أو شيوعيين أو علمانيين أو إسلاميين أو قوميين.

 

ملاحظة: جُلُّ أفكارِ المقالِ هي أفكارٌ مستوحاةٌ من الكتابِ التالي، ص 218-221:

Livre : Génétique du péché originel. Le poids du passé sur l`avenir de la vie. Christian de Duve (Prix Nobel de médecine 1974, biologiste-moraliste), Editions Poches Odile Jacob, Paris, 2017, 240 pages.

 

إمضاء مواطن العالَم (رجلٌ يحترمُ المرأةَ، يُحبُّها، يُجِلها ويَعشقُها):

أنا اليومَ لا أرى خلاصًا للبشريةِ في الأنظمةِ القوميةِ ولا اليساريةِ ولا الليبراليةِ ولا الإسلاميةِ، أراهُ فقط في الاستقامةِ الأخلاقيةِ على المستوى الفردِيِّ وكُنْ كما شِئتَ (La spiritualité à l`échelle individuelle).

"النقدُ هدّامٌ أو لا يكونْ" محمد كشكار

"المثقّفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العموميةِ" فوكو

"وإذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

لا أقصدُ فرضَ رأيِي عليكم بالأمثلةِ والبراهينَ بل أدعوكم بكل تواضعٍ إلى مقاربةٍ أخرى، وعلى كل مقالٍ سيءٍ نردُّ بِمقالٍ جيّدٍ، لا بالعنفِ اللفظيِّ.

 

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الأربعاء 13 مارس 2019.

 

dimanche 30 janvier 2022

مجموعةٌ من الأسئلةِ، أرّقتني طيلةَ عقود، وجدتُ لها اليومَ جوابًا في كتابْ ؟ فكرة كريستيان دو دوف، ترجمة وتأثيث مواطن العالَم

 


الأسئلة التي كانت تُحيّرني:

-         لماذا يتحارب البشر فوق الأرض وفيها من الخيراتِ ما يكفيهم وزيادة ؟

-         لماذا نصرف أموالاً طائلةً على الهدمِ ولو صرفناها على البناء لأصبحت الدنيا جنة على وجه الأرض، ولانْقرضَ الفقرُ والجهلُ والجوعُ وزالت جل الأمراضِ ؟

-         لماذا لا نرى للأخلاق الوضعية ولا الأخلاق الدينية أيّ تأثيرٍ على السلوكات الأنانية والعُدوانية للبشر ؟

-         لماذا لم يجلب لنا العِلمُ كل المنافع التي كنا ننتظرها منه ؟

-         لماذا تَبنّيتُ مفهوم المواطنة العالمية ؟ (justification a posteriori)

-         لماذا اخترتُ مفهوم "ما فوق الوراثي" (L`épigenèse) كموضوع لأطروحة الدكتورا سنة  2007 ؟ (justification a posteriori)

 

نص صاحب الجواب في كتابه، صفحة 165:

"الانتقاء الطبيعي الدارويني" 

(La sélection naturelle

انتقى في النوع البشري نوعَين من المميزات (Les traits):  مميزات تعزّز اللحمة داخل مجموعة بشرية معيّنة (عائلة، قبيلة، نقابة، وطن، عِرق، طائفة، لون، دين، إلخ.)، وفي نفس الوقت مميزات تدعّم العداوة حيال المجموعات الأخرى:

على المستوى الاجتماعي، انتقى "الانتقاء الطبيعي" بعض القِيم، مثل التضامن، التعاون، التسامح، الشفقة، الإيثار. قِيمٌ وصلت إلى حد التضحية بالنفس من أجل مصلحة مجموعة بشرية معيّنة، قِيمٌ إيجابيةٌ كوّنت أسس العيش المشترك داخل المجتمعات البشرية المختلفة، كلّ على حِدَةٍ. لكن خراجَ هذه القِيم بقي بشكل عام مقتصرًا على أعضاء المجموعة دون سواها.

هذه القيم الإيجابية ولّدت لدى أفراد المجموعة الواحدة النزعة الدفاعية المفرطة، انعدام الثقة في الآخر، التنافسية والعِدائية حيال أعضاء المجموعات الأخرى. المفارقة الكبرى أن هذه القِيم السلبية الأخيرة وُلِدَتْ من رحم قيم إيجابية وهي التي كوّنت بذور الصراعات والحروب التي تركت بصماتها على طول تاريخ البشرية جمعاء حتى يومنا هذا.

هذا التحليل يرجع بنا إلى عشرة آلاف سنة قبل عصرنا الحالي، عصر كانت فيها مجموعات قليلة من البشر البدائيين تعيش في القارّة الأفريقية وتتخاصم حول أهم المصادر الغذائية التي توفرها لهم الغابة أو السافانا (la savane). في البداية كانت تُحدَّد المجموعة حسب علاقات القرابة الدموية السائدة داخل العائلة أو القبيلة طِبقًا للصفات المبرمجة في الجينات. (إضافة مواطن العالَم: Notre ADN est un logiciel performant et sophistiqué mais il est très ancien et conçu pour l`homme primitif de la forêt.

لا تغترّ أيها الإنسان، فأنتَ والشانبانزي تتشابهان في 98،5% من الجِينات المشتركة 

(des gènes communs)، 

وأنت وشجرة المَوز في 60%، ونبات الأرز يفوقُك في الجينات عددًا: هو 30-40 ألف جِينة، وأنتَ 25-30 ألف فقط !). مرّ زمنٌ وأتى آخر، وتوسعت المجموعة البشرية المعيّنة الصغيرة، فضمّت أراضي مشتركة، مصالح مشتركة، امتيازات مشتركة، اعتقادات مشتركة، قِيم مشتركة (des valeurs partagées)، أحكام مسبقة مشتركة (des préjugés)، أحقاد مشتركة، أي الاشتراك في سلوكات (des comportements) تدعم وحدة هذه المجموعة وبس، "مجموعتنا ضد مجموعتهم" (إضافة مواطن العالَم: مقولة "مجموعتنا ضد مجموعتهم" تُتَرجَم بلغة عصرنا، فتصبح:  يهود ضد عرب، غرب ضد باقي العالَم أي المركزية الأوروبية، دار الإسلام ضد دار الحرب، بورجوازية ضد بروليتاريا، شيوعية ضد رأسمالية، يسار ضد يمين، داعش ضد بشار، إخوان ضد السيسي، مدينة ضد ريف، الرجل ضد المرأة، الحاكم ضد المحكوم، الأغنياء ضد الفقراء، العالَم الأول ضد العالم الثالث، أعراف ضد عمال، محامون ضد قضاة، جمنة ضد الـﭬلعة، إلخ.).

ما هي الإيديولوجيات العصرية التي تدعم اليوم الوحدة داخل المجموعة الواحدة وتؤجج الصراعات وتشعل الحروب بينها وبين المجموعات الأخري ؟

هي إيديولوجية القومية، غربية كانت أو عربية. هي الإيديولوجية الدينية، إسلامية (سوريا، العراق، ليبيا، مصر، أفغانستان) كانت أو يهودية (إسرائيل) أو بوذية (بيرمانيا، التيبت، الكشمير). (إضافة مواطن العالَم: هي الإيديولوجية الامبريالية، رأسمالية أمريكا كانت أو شيوعية الصين).

 

صفحة 166:

من سوء حظ البشر أن "الانتقاء الطبيعي الدارويني" لم  ينتقِ لفائدتنا قيمتَي الحيطة والحكمة الضروريتَين لتوليد الرغبة في تقديم التضحية بالامتيازات الحينية في سبيل التحضير لمستقبل أفضل للإنسانية جمعاء. على العكس انتقى لنا قيمة البحث عن المصلحة الحينية، سواء كانت فردية أو جماعية، وهذا ما يفسّر استغلالنا اللامسئول للثروات الطبيعية، ويفسر أيضًا تجاهلنا للعواقب الوخيمة التي قد تنجر عن فعلنا المشين هذا. عواقبٌ بدأت اليوم تهدد جنسنا البشري وتهدد بالانقراض أنواعًا كثيرة من الكائنات الحية الأخرى، حيوانات ونباتات.

لم يعد يشغلنا كل ما يتجاوز مستقبلنا الحيني مثل ما بعد التقاعد أو أمل حياتنا (l’espérance de vie) أو مصير أولادنا وأحفادنا من بعدنا.

ما أردتُ تبليغَه كعالِم بيولوجيا يتمثل في التأكيد على أن القيم السلبية (النزعة الدفاعية المفرطة، انعدام الثقة في الآخر، التنافسية والعدائية حيال أعضاء المجموعات الأخرى) هي قيم فطرية جينية وراثية  مبرمجة لإنتاج إنسان لزمانٍ غير زماننا، زمان سبقنا بعشرة آلاف سنة عند بداية تشكل المجموعات البشرية الصغيرة في إفريقيا أولا (من 3.000 إلى 10.000 نسمة). قيم وسلوكات كانت صالحة وضرورية في ذلك العصر، عصر ندرة الموارد الغذائية أو صعوبة التحصل عليها. صفات ساعدتنا على الصمود في طورٍ من أطوار تطورنا الطبيعي (L`évolution) ولولاها لانقرضنا كالديناصورات ولَذهبت ريحنا ولم تبق إلا أحافيرُنا (Fossiles humains). هذه القيم أو الصفات أو السلوكات أصبحت اليوم عبئًا ثقيلاً نحمله منذ الولادة، وباتت معطِّلة للقيم الإيجابية فينا (التضامن مع المجموعات الأخرى، التعاون معها والتسامح والشفقة والإيثار).

انتهى الاستشهاد.

 

خلاصة القول وليس خاتمته:

الإنسانُ لا يولدُ إنسانًا متحضّرًا منذ البداية بل يصبح متحضِّرًا بجهده وعلمه وثقافته: لا أقيسُ على الإنسان الغربي الحالي، فهو في الواقع أقل منا في العمق تحضرًا، وإلا لَما احتلنا وقتل منا الملايين ظلمًا وبهتانًا، ولَما قصفنا بالطائرات في بور سعيد وبنزرت والساقية ودمشق وبغداد وطرابلس و.. و... ولَما باع لنا سلاحًا فتّاكًا من صنعه وترويجه وتآمره وانتهازيته.

يولد الإنسان طبيعيًّا  (L`homme de la nature)، وهو حضاريًّا أقرب لإنسان القرن  3000 قبل-الميلاد، أكثر من قُربه إلى إنسان القرن 21 ميلادي. إنسانٌ تولد معه غرائزه المحدَّدَة شبه كليًّا من قِبل جيناته، غرائزٌ تشده إلى الأسفل، أي إلى الحيوانية، إلى الطبيعة، إلى الأنانية. غرائز تحدّد القيمَ السلبية فينا (النزعة الدفاعية المفرطة، انعدام الثقة في الآخر، التنافسية والعِدائية حيال أعضاء المجموعات الأخرى).

المتدينون يسمّونها "النفس الأمّارة بالسوء"، وعلماء النفس يسمّونها "الهُوَ" في اللاوعي (Le Ça ).  نفسٌ أمّارةٌ بالسوء، نفسٌ موروثةٌ (Le tout-génétique)، تقابلها  نفسٌ مكتسبةٌ بواسطة ما ينبثق عن التفاعل المستمر بين الجينات الموروثة والمحيط (محيط الجينات الخلوي والمحيط الخارج عن الجسم تمامًا – c’est ce qu’on appelle l`épigenèse, sujet de ma thèse de doctorat, UCBL1, 2007)، نفسٌ أمّارةٌ بالخير وإذا كنتَ علمانيًّا سمّها النفس المتحضرة المتسلحة بالقيم الإيجابية فينا (التضامن مع المجموعات الأخرى، التعاون معها والتسامح والشفقة والإيثار)، وإذا كنتَ متديّنًا سمّها جهادًا ضد "النفس الأمّارة بالسوء"، وإذا كنتَ فرويديًّا (la psychanalyse de Freud) سمّها صراعًا مريرًا بين الثقافة والطبيعة 

(Interaction entre culture et nature d`où émerge l`homme de l`homme au dépens de l`homme de la nature)، 

صراعًا بين "الأنا" في الوعي (Le Moi) و"الهُوَ" في اللاوعي (Le Ça ).

المهم هو الجهادُ الذي قد يحدّ من سيطرة شهواتنا وغرائزنا على سلوكاتنا اليومية، يهذبها، يعلمها، يربيها، يَشْكُمُها، يطهِّرها من أدرانها ويقودها برفقٍ نحو الرقي والتمدن والتحضر والرقة واللياقة والأدب والذوق الفني الرفيق وصقل الحواس والحب والتواضع ونكران الذات والتطوع من أجل خدمة الغير.

نصقلها بالدين، بالفلسفة، بالفن، بالتصوف، بالعلم، بالزهد، بالتقوى، كلها أنواع راقية من مواد التطهير: وسائل نبيلة لبلوغ غايات أنبل.

وإذا لم نبذل هذا الجهد فرديًّا وجماعيًّا، ونحن التونسيون في الواقع وللأسف لم نبذله (يساريون وإسلاميون وقوميون وليبراليون)، لذلك لم تُغيِّرنا الأخلاق الإسلامية ولا اليسارية، فلا دين فينا نفع ولا علمَ ولا فلسفةَ !

 

أما كيف ثَبَّتَ فيّ هذا الكتابُ اختياري للمواطنة العالمية (justification a posteriori)، فأظنه سؤالٌ لا يتطلب شرحًا على الشرح الذي سبق. المواطنة العالمية، أراها تمرّدًا على الفطرة وعلى التقوقع وخروجٌ إراديٌّ دون انبِتاتٍ، خروجٌ عن الانتماء القومي الضيق أو الديني المتعصب، خروجٌ إلى آفاقٍ أرحبَ، آفاقٍ لا نرثها بل نكتسبها. المواطنة العالمية هي الاستعداد للشعور بالحب لكل البشر دون تمييزٍ، هي سموٌّ على غرائز العصبيات القبلية والوطنية والدينية والعِرقية والطائفية واللغوية، هي مستقبلُ العالَم خاصة في عصر الاتصالات والمواصلات، عصرٌ افتراضي (Facebook, Twitter, YouTube, etc)، عصرٌ اختفت فيه الحدود ومعها التأشيرات والجدران العازلة، عصرٌ أصبح فيه للإنسان جناحان افتراضيان وأصبحنا كالعصافير لا نمرّ من البوابات الحدودية، حلمٌ تحقق، حلمٌ غير مبرمجٍ في جيناتنا.

أحلامي كل يومٍ تكبرُ، ويومي أصبحَ أفضلَ من أمسِي. يبدو أن واقعي أصبح أسرع من أحلامي: أكتبُ مقالاً وأنا في "مقهى الشيحي التعيسة التي لم تعد تعيسة"، فيتفاعل معي في الحين صديقٌ افتراضيٌّ في موسكو أو واشنطن، حلمٌ للإنسانية تحقق. للأسف واقعي يسبق جيناتي، مورّثاتي لا تطاوعني، خَطْوَتُها بمليون سنة، ما أبطأَها، لم أعُدْ أطِيقُ انتظارَها.. المتخلفة !

آه يا جيناتي لو تلحقي بأحلامي، وتزرعي في جنبَيَّ جناحَين كجناحَي طير، أزورُ بهما ابنتي عبير حبيبتي في كندا، لم أرها منذ ثمان سنوات، أعِدُكِ، أضمّها مرة واحدة ثم أقفل راجعًا، حفيدتي سلمى دخلت المدرسة ولم أقبّلها لا عند الذهابِ إلى المدرسة ولا عند الإيابِ !

 

المصدر:

Livre : Génétique du péché originel. Le poids du passé sur l`avenir de la vie. Christian de Duve (Prix Nobel de médecine en 1974, Un biologiste et moraliste), Editions Poches Odile Jacob, Paris, 2017, 240 pages.

 

 

إمضائي:

أنا اليومَ لا أرى خلاصًا للبشريةِ في الأنظمةِ القوميةِ ولا اليساريةِ ولا الليبراليةِ ولا الإسلاميةِ، أراهُ فقط في الاستقامةِ الأخلاقيةِ على المستوى الفردِيِّ وكُنْ كما شِئتَ (La rectitude morale et la spiritualité à l`échelle individuelle).

"النقدُ هدّامٌ أو لا يكونْ" محمد كشكار

"المثقّفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العموميةِ" فوكو

"وإذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

لا أقصدُ فرضَ رأيِي عليكم بالأمثلةِ والبراهينَ بل أدعوكم بكل تواضعٍ إلى مقاربةٍ أخرى، وعلى كل مقالٍ سيءٍ نردُّ بِمقالٍ جيّدٍ، لا بالعنفِ اللفظيِّ.

 

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الجمعة 8 مارس 2019.