mercredi 22 mars 2023

جمنة الخمسينيات تعطي درسا في حِفظ الأمانة: قرط أمي ! (قصة واقعية قصيرة) (من كتابي : جمنة وفخ العولمة)

 

 

حِفظ الأمانة: قيمة أخلاقية تونسية أمازيغية عربية إسلامية كونية، كانت وما زالت متأصّلة في أخلاقنا وعاداتنا وتقاليدنا في جمنة، تذكّرتها في هذا الزمن التونسي "الثوري"، الانتقالي إن شاء الله !

حدثت هذه القصة الواقعية القصيرة بجمنة (ولاية ڤبلي، جمهورية تونس) في أربعينات القرن العشرين.

في أحد الأيام فقدت أمي يامنة أحد قرطيها الذهبيّين وهي راجعة من عرس (لا أتذكر بالضبط، المهم قطعة ذهبية، "بَدْلَة" أو "شِرْكة" باللهجة الجمنية). خَشِيَتْ غضب أبي (سي السيد بالمعنى المصري للكلمة) ولم تطلب من منادِ القرية (البَرَّاحْ باللهجة الجمنية) ما يُطلب منه في مثل هذه المناسبات، يعني أن يجول في الشوارع ويعلن و يفشي الخبرْ حتى يعثر على الأثرْ.

وَجَدَ القرط الضائع أحد المواطنين الجمنين (الساسي بن صالح بن بوبكر مقداد حسب ذاكرة أختي فاطمة)، وهو عامل مهاجر بفرنسا جاء يقضي عطلته السنوية بمسقط رأسه جمنة. أخذ القرط واحتفظ به في منزله حتى تظهر صاحبته، انتظر شهر العطلة ولم يناد مناد القرية على شيء ضائع كالعادة. رجع إلى فرنسا.

مرّ عام على الحادثة وصاحبنا محتفظ بالأمانة لصاحبة الأمانة. وفي أحد أمسيات عمّالنا بالخارج، روى في فرنسا ما حدث له في جمنة. سمعه صدفة أحد جيراننا فأخبره أن صاحبة الأمانة موجودة لكنها كتمت خبر ضياع قرطها خوفا من بطش زوجها. وعند عودة بطل قصتنا إلى القرية بعد عام غربة، سلّم الأمانة سرّا إلى أمي عن طريق زوجته.

ملاحظة: برّاحُنا في جمنة اسمه مْحِمَّدْ بن رُمضان وأحيانا يعوّضه الساسي بن حْمِدْ. مُنادينا المرحوم بن رمضان يا سادة يا كرام كان فنانا موسيقارا. الموسيقار هو مَن ينتج أو يؤدي موسيقى. ومَن مِن الجمنين في عهده لم يطربه عزفه على مزماره السحري  (الغَيّاطَة باللهجة الجمنية). شخصيا أطربتني موسيقاه في طفولتي كما أطربتني في شبابي موسيقى بتهوفن في أغاني فيروز.

mercredi 15 mars 2023

الدولة العميقة في تونس ؟

 

 

-        الدولة العميقة، مَن تكون ؟ هي دولة عالمية بمعنى دولة لا وطنية. هي سلطة تعادي الفقراء وتساند الأغنياء. هي سلعنة الإنسان وتشييئه. Michel Onfray

-        الدولة العميقة في تونس ؟ لا تضمّ الدساترة والتجمعيين فقط، كما كنتُ أعتقد. هي تضمّ أساسًا الدوائر المالية العالمية وممثلوها المحليون الذين فرضوا علينا استقلالية البنك المركزي الذي يُقرِض البنوك الخاصة بفوائض ضعيفة و البنوك الخاصة بدورها تُقرِض الدولة بفوائض باهظة.

-        تأثير الدولة العميقة في تونس ؟ تَفرِض علينا استيراد السلع الكمالية ونحن في حاجة إلى القمح والدواء. تَفرِض علينا تصدير90% من زيت الزيتون وهو غير معلّب.

-        تأثير الدولة العميقة في تونس ؟ فَرَضت علينا تعليمًا منبتًّا مفرنسًا.

-        في تونس الكل يحتجّ ! أحزاب، نوّاب، اتحادات الشغل والفلاحين والصناعيين، تجار، محامون، أطباء، الشعب. مَن تسبب إذن في تخلف تونس ؟

-        في تونس، حتى ولو كان الوزير نزيها وكفئا وصاحب إرادة سياسية فلن ينجز شيئا: ماذا سينجزُ وزيرٌ في وزارة التربية مثلاً بميزانية يُخصم منها 97% للأجور ؟

-        يحدث في تونس فقط ! معطّلون عن العمل دون شهرية يطالبون بالتشغيل من معطّلين عن الإنجاز يتقاضون شهرية (وزراء، نواب، بيروقراطية الاتحاد).

-        في تونس، مَن يُضعف الدولة ؟ أولا الدولة العميقة أي الدوائر المالية العالمية وممثلوها المحليون. ثانيا إضرابات نقابات الوظيفة العمومية.

-        فرنسا مثلاً، دولة غنية، تشتكي من نقص المعدّات الطبية في المستشفيات العمومية ! تونس، دولة فقيرة، نفس الشكوى ! رَبٌّ واحدٌ : الدوائر المالية العالمية.

-        فرنسا، دولة غنية، تخصص كل عام رُبع ميزانيتها لسداد القروض الكريهة ! تونس، دولة فقيرة، تخصص ثلث ميزانيتها لنفس الغرض ! رَبٌّ واحدٌ : الدوائر المالية العالمية.

-        فرنسا، دولة غنية، تعاني من نقص في عدد الممرضين لقلة التوظيف ! تونس، دولة فقيرة، نفس المعاناة ! رَبٌّ واحدٌ : الدوائر المالية العالمية.

 

إمضائي:

"المثقّفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العموميةِ" فوكو

 

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 11 ديسمبر 2020.

 

 

 

خاتمة

 


 

يجب تسخير المدرسة لخدمة المجتمع، كل المجتمع وليس فئة قليلة منه (الطبقة البورجوازية، المستفيدة الأولى من النظام التربوي العالمي المعاصر).

Le pédagogue suisse Philippe Perrenoud a dit :

-      « L’absence d’autorité chez les enfants est une forme de maltraitance ».

-      « Une réforme du système éducatif n’est un enjeu majeur que si elle profite, en priorité, aux élèves qui ne réussissent pas à l’école ». 

L’épistémologue français Gaston Bachelard a dit :

-      « Les professeurs ne comprennent pas

que leurs élèves ne comprennent pas ».

 

الترجمة:

-         "غيابُ الانضباط في المؤسسات التربوية يُعتبرُ سوءُ معاملة للتلميذ"

-         "الإصلاح التربوي لا يُعتبَر إصلاحًا إلا إذا استفاد منه التلامذة الذين يتعرّضون عادةً إلى صعوبات في التعلّم"

-         "الأساتذة لا يفهمون أن تلامذتهم لا يفهمون"

 

ثلاثُ جملٍ بليغة، تمنيتُ لو كُتِبت على ثلاث لافتات كبيرة وعُلِّقت في قاعة الأساتذة في كل المؤسسات التربوية التونسية.

 

 

 

إمضائي:

النقدُ هدّامٌ أو لا يكونْ، هدّامٌ للتصورات غير العلمية. أنا لا أقصدُ فرضَ رأيِي عليكم بالأمثلةِ والبراهينَ بل أدعوكم بكل ودٍّ إلى مقاربةٍ أخرى، وعلى كل خطابٍ قد يبدو لكم سيِّئًا نردُّ بخطابٍ جيّدٍ.

"وإذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" (جبران خليل جبران)

 

mardi 14 mars 2023

أوقاف لخدمة التعليم

 

 (des fondations caritatives)

 

لماذا لا نسعي لتمكين كل مؤسسة تربوية من مساحة فلاحية تقدر بهكتار أو هكتارين يُنشِئون عليها وقفًا فلاحيًّا (un fond agricole) يكون على ملك المؤسسة وباسمها، مساحة يزرعها التلامذة أنفسهم ويرعونها في نطاق العمل التطوّعي. سمعتُ عن مدرسة في الجرسين ولاية ﭬبلي أنها تملك بستان "دﭬلة نور" يدرّ عليها دخلاً سنويًّا يُقدّر بما يساوي أو يفوق عشرين ألف دينار (في مقهى الشيحي، قال لي المعلم-المدير الجمني المتقاعد مختار الـﭬـلالي أنه مؤسسها، مريّض الله يشفيه)، ورأيت بأم عيني نفس الشيء في معهد جمنة، مسقط رأسي.

 

قبل إلغاء نظام الأوقاف من قِبل بورﭬيبة كانت مجموعة من المتاجر في نهج الصادقية (جمال عبد الناصر حاليا) تنفق على مدرسة الصادقية. (المصدر: علي تريعة، متفقد عام سابق في علوم الحياة والأرض).

لماذا لا نوفر فرصة لبعض الميسورين لتقديم خدمة للتعليم وذلك بتمكينهم من وَقْفِ بعض أملاكهم أو كلها وتوريثها شرعًا لفائدة بعض مؤسساتنا التربوية.

 

lundi 13 mars 2023

إصداراتي

 


 

ثمانيةُ كُتُبٍ من سنة 2010 إلى سنة 2023:

  1. Enseigner des valeurs ou des connaissances? L’épigenèse cérébrale ou le "tout génétique" ? Édition électronique, Presses Universitaires Européennes. (PUE), 2010, 386 pages. 

2. Le système éducatif au banc des accusés ! «Les professeurs ne comprennent pas que leurs élèves ne comprennent pas», Édition libre, Tunis 2016, 160 pages. Ce livre a été traduit en 2022 en 7 langues occidentales par la maison d’édition numérique « Presses Universitaires Européennes (PUE) ».

3. جمنة وفخ العولمة، طبعة حرة، تونس 2016، 224 صفحة.

4. الإشكاليات العامة في النظام التربوي التونسي - سَفَرٌ في الديداكتيك وعِشْرَةٌ مع التدريس (1956-2016)، طبعة حرة، تونس 2017 ، 488 صفحة.

5. حكايات طريفة، طبعة حرة، تونس 2021، 95 صفحة.

6. حدّث ميشيل سارّ قال...، طبعة حرة، تونس 2022، 110 صفحة.

7. ممّا قرأتُ حول الإسلام والمسلمين والإسلاميين خلال سنوات 2012-2022، نسخة رقمية، تونس 2023، 518 صفحة.

8. المدرّسون لا يفهمون لماذا تلامذتهم لا يفهمون !، طبعة حرة، تونس 2023، 208 صفحة.

 

ملاحظة هامّة:

كل مَن يرغب في الحصول مجّانًا على نسخة ألكترونية، فَـعليه أن يذكر اسم الكتاب ويرسل عنوانه الألكتروني.


 

الحزب الشيوعي والبوكت والوطد، أحزابٌ ستالينيةٌ، هي وحدها تقريبًا التي تتحمّل مسؤولية هروب اليساريين المستقلين منها. فكرة الماركسي فيلسوف حمام الشط، تأثيث مواطن العالَم

 


توضيح حول فيلسوف حمام الشط: هل لاحظتم أنني كتبتُ في العنوان "الماركسي فيلسوف حمام الشط" ولم أكتبْ "فيلسوف حمام الشط الماركسي" لأن صفة فيلسوف لا تحتاجُ إلى نعتٍ يليها ليوضّحها بل على العكس فكل نعتٍ قد يشوّهها (tout adjectif, dans ce cas particulier, est réducteur) مِثل فيلسوف ماركسي، فيلسوف إسلامي، فيلسوف مسيحي، فيلسوف ديكارتي، إلخ. هو فيلسوفٌ وكفَاهُ فخرًا، أراه حكيمًا وهو لم يدّعِ يومًا ذلك، لا بل أكثر من ذلك فجل مثقفي حمام الشط المَركز يَرَونهُ مثلي حكيمًا، بِيساريّيهم الستالينيّين وغير الستالينيّين وقوميّيهم وجمهوريّيهم وتجمّعيّيهم وحتى بعض نهضاويّيهم. من وراءِ هذا التقديمِ المقتضَبِ لفيلسوف حمام الشط، أهدِفُ إلى دعوتكم بكل لطفٍ إلى قراءةِ الجملة التالية بانتِباهٍ كبيرٍ: أرجو من القُرّاء أن لا يعتبروا أن مقالي هذا هو بمثابة تصفيةَ حساباتٍ شخصية مع خصومٍ فكريينَ أو سياسيينَ، أكيد أختلفُ مع خصومي لكنني وبكل صدق أحترمُ مَن يحترِمني منهم وهؤلاء الطيّبون يُعَدّون، من سوء طالِعِي، على أصابعِ اليدِ الواحدةِ.


توضيح حول مواطن العالَم: هو يساري غير ماركسي، صنّفه خصومُه "يساريّ مْذَرَّحْ" أي ناقص يسارية. أقول لهم: ما دمتُ "يساريّ مْذَرَّحْ" فلماذا الجزع إذن أيها الصفوة الستالينية واطمئنوا، وإذا أتاكم نقدٌ من "ناقصٍ" فهي الشهادة لكم أنكم كُمَّلٌ كُمَّلٌ كُمَّلُ ! المفارقة الكبرى تكمنُ في أن الماركسي فيلسوفنا، هو مَن علّمني نقد الماركسية-اللينينية في العمقِ (أي الستالينية بلغةٍ أوضحَ)، وهو مَن نصحني بقراءة الكتاب الأشدّ نقدًا للماركسيّة (L’opium des intellectuels, de Raymond Aron, 1955) ، لذلك قلتُ عنه "الماركسي فيلسوف حمام الشط " ولم أقلْ عنه "فيلسوف حمام الشط الماركسي" والفرقُ شاسعٌ عند أولِي الألباب.

 

موضوع النقد: خطؤهم البِنيوي، أو كما سمّاه الفيلسوف نفسُه (leur péché originel)، يتمثل في الآتي:

-  هل لاحظتم أيضًا أنني كتبتُ في العنوان "الحزب الشيوعي والبوكت والوطد" ولم أكتب "المسار ولا حزب العمال ولا الموحّد ولا الثوري" يبدو لي أن تغييرَ أسمائها، الأحزاب الثلاثة، لا يعدو أن يكون إلا مساحيقًا،  مساحيقٌ لم تُفلحْ في مَحوِ ستالينيتِها أو نيوستالينيّتِها، ستالينيةٌ لا توجد إلا في أوهامِ معتنقيها لكنني أقِرُّ بأن هؤلاء مسالمون في سلوكياتهم، أي غير مسلّحين بأي نوع من الأسلحة، بغض النظر عن العنفِ المتبادَلِ الذي وقع في الثمانينيات في الجامعة بينهم وبين الإسلاميين. من سوء حظنا أنها ستالينيةٌ هم في الواقع ليسوا "أدَّها" في محاسنها (البناء والتشييد). ومن حسن حظنا أنهم ليسوا "أدَّها" أيضًا في مساوئها (جرائم وإبادة ضد الإنسانية). ستالينيتُهم ستالينيةٌ مشهديةٌ لم تجلبْ لهم إلا عداوة جل التونسيين بمحافظِيهم (الإسلاميّين) وتحرّريّيهم (الحداثيّين الليبراليّين واليساريّين غير الستالينيّين).


-
 لماذا سمّاه خطأً بِنيويًّا ؟ على حد قول الفيلسوف هم أناسٌ مقيّدون من الداخل، قيدٌ قُدَّ من حديد اسمه "الاكتفاء الذاتي الايديولوجي"، والدليل: في العهدين البائدَين، كانوا يبرّرون عدم شعبيتهم بسطوةِ الديكتاتورية، فبماذا سيبرّرون انكماشهم اليوم في زمن الحرية بعد الثورة ؟


-
 عديدٌ من الوطديّين الانتهازيين انضمّوا إلى النظامَين السابقَين (بورڤيبة وبن علي).

Pour en savoir plus sur l'«entrisme» de plusieurs gauchistes et quelques islamistes, je vous invite à lire la thèse suivante de 460 pages: S’engager en régime autoritaire. Gauchistes et islamistes dans la Tunisie indépendante. Michaël BÉCHIR AYARI, 2009.


  - أما البوكتيّين فوجدوا حيلةً "أشرَفَ" مما أتاهُ رفاقُهم، حيلةً تتمثلُ في التخفّي داخل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. مِن "وقتاش" كان الستالينيّونَ حقوقيينَ ؟ ماركس نفسُه كان ضد البيان العالمي لحقوق الإنسان، وأنا إلى الآن وفي هذه النقطة بالذات ما زلتُ معه أعارض حقوق الإنسان البورجوازي وليس الإنسان عمومًا (كلمة حق أرِيدَ به باطلٌ)، رغم أنني تخليتُ حديثًا عن الماركسية. أليسوا ماركسيين ؟ لماذا وقف ماركس ضد البيان ؟ لأن نواتَه وأول بندٍ فيه هو حُرمة الملكية الرأسمالية الخاصة وماركس أسّس نظريتَه كلها ضد هذا النوع من الملكية. لماذا أقف أنا ضد البيان ؟ لأن ثاني بندٍ فيه هو المساواة بين المواطنين في حرية النشر والتعبير: هل أنا وسامي الفهري متساوون في حرية التعبير؟ هل أنا والصافي سعيد متساوون في حرية النشر ؟


  -  اثنانٍ من الأحزاب المذكورة أعلاه (البوكت والوطد الموحّد) هربتْ من رحابِ أهلها اليساريين وكوّنت جبهةً مع القوميين. ومنذ متى كان الماركسيون التونسيون يَعُدّون القوميةَ يسارًا ؟ اليسارُ، على حد معرفتي به، أمميٌّ أو لا يكون. حتى أنا "اليساري المْذَرَّحْ"" لا أعتبر القوميةَ يسارًا، وهذا لا يعني أنني أكرههم أو أعاديهم، فقط أختلفُ معهم فكريًّا وسياسيًّا وبوضوح، كما أختلفُ مع الإسلاميين وبوضوح أيضًا.


-
 لاحظتُ وجودَ قطيعةٍ، أظنّها تامّةً بين النقّاد من مثقفي اليسار الكبار وبين هذه الأحزاب الثلاثة، أقصدُ بالمثقفين جيل المناضلين اليساريين الأوائل الذين نشروا ونقدوا تجربتهم النضالية، مثلاً: حضرتُ ندوتَين لهؤلاء الأخيرين، واحدة لجيلبار النقّاش والأخرى لمحمد الشريف الفرجاني، ولم ألاحظ حضورَ مَن أتحدّثُ عنهم، اللهم لم أعرفهم، وهذا بصدقٍ احتمالٌ ضعيفٌ جدًّا.


-
 ملاحظة أخيرة: مُنتسِبو اثنين من الأحزاب المذكورة أعلاه (البوكت والوطد الموحّد) تواجدوا بكثافة في هياكل الاتحاد العام التونسي للشغل ولِعقودٍ متتاليةٍ خوفًا من بطش بورﭬيبة وبن علي، وللأسفِ الشديدِ لم ينشروا الفكرَ اليساريَّ النيّرَ وسط العمال، والمتمثل أساسًا في فكرة العدالة الاجتماعية، النواةُ الصلبةُ للاشتركيةِ وعمودُها الفِقريُّ، ضيّعوا مجهوداتهم سُدًى في "التكنبين" وفي الصراعات الهُووية مع الإسلاميين، خصومِهم السياسيين (إخوانُهم شاؤوا أو أبوا، إخوانُهم على الأقل في الهُوية العربية-الإسلامية، وهذا باعترافهم هم أنفسهم في تصريحاتِهم العلنيةِ، وأنا لا أملك إلا تصديقَهم إلى أن يأتي ما يُخالِفُ ذلك).

 

وخاتمتُها مسكٌ إن شاء الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ"، وأنا -والله- كيساري غير ماركسي أحب لكل "اليساريين الماركسيين التونسيين متحزّبين وغير متحزبين" ما أحب لنفسي، والدليل أنني سأدلّهم على طريقٍ، طريقٍ لو سلكوه بصدقٍ فبحول الله لن يضلّوا بعده أبدَا: 1. يجب عليهم التخلي صراحة وعلنًا عن الستالينية المجرِمة في حق الإنسانية، مجرِمة مثلها مثل أخواتها من الرضاعة الفاشية والنازية. 2. يجب عليهم الشروع فورًا في نقد الستالينية صراحةً وعلنا، نقدها في مؤتمراتِهم وجرائدِهم وأدبياتِهم. 3. يجب عليهم تبنِّي نظرية الاشتراكية-الديمقراطية على المنوال الأسكندنافي (طلبٌ في غير محله، وَيْحَكَ يا كشكار، هم يَرَونها خائنةً، فكيف تطلبُ منهم أن يتزوّجوا خائنةً، سامحك الله يا ابن العرب!). 4. يجب عليهم التماهِي مع أهلهم ومجتمعهم والتصالحِ بصدقٍ مع الهُوية العربية-الإسلامية (en français, on appelle ça l’Indigénisation).

لكنهم يقولون ما لا يفعلون...

لو فعلوا ما أطلبه منهم (أنتَ مخبول أو تحلم يا كشكار !)، لو فعلوا لَتَصالحوا مع أنفسِهم وكان لهم مثلي نفسُ الخطابِ في السرِّ والعَلَنِ، في مقهى الشيحي في حمام الشط وفي مقهى القدس في جمنة، ولَقَبِلَهم المجتمعُ ورحّبَ بهم مثل ما رحّبَ بي دون أن أتخلّى عن عَلمانيتي ويساريتي ما قبل الماركسية-اللينينية، أقول رحّبَ بي المجتمعُ أو على الأقل مثل ما تراءى لي ذلك حتى ولو كان سرابَا، رحّبَ بي في الفيسبوك وفي مقهى الشيحي وفي بعض المنتديات الثقافية غير اليسارية.

 

إمضائي
بكل شفافيةٍ وبكل تواضعٍ صادقٍ، أعتبرُ نفسي ذاتًا حرةً مستقلّةً مفكِّرةً وبالأساس ناقدةً، أمارسُ قناعاتي الفكرية بصورةٍ مركّبةٍ، مرنةٍ، منفتحةٍ، متسامحةٍ، عابرةٍ لحواجزِ الحضاراتِ والدينِ والعرقِ والجنسِ والجنسيةِ والوطنيةِ والقوميةِ والحدودِ الجغرافيةِ والأحزابِ والإيديولوجياتِ، وعلى كل خطابٍ قد يبدو لكم  سيّئًا، نرد بخطابٍ جيد، لا بالعنف اللفظي، والله يسترني من نيرانِهم الصديقة.

و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

Aimer, c`est agir. Victor Hugo

 

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الخميس 25 أكتوبر 2018.