vendredi 4 janvier 2013


جمنة الستينات تعطي درسا في التنمية المستديمة: النظام الغذائي البيولوجي. مواطن العالم من أصل جمني د. محمد كشكار

في الستينات و في قريتنا, لا يوجد جزّار و لا بائع خضر و لا دكان مرطبات و لا طبيب و لا صيدلية و لا مركز حرس و لا بلدية و لا مغازات لبيع الآلات الكهربائية المنزلية. في قريتنا بشر و فراشات و قطط و ماعز و حمير و ورد و نخل و زيتون و رمان و هواء نقي و شمس مطهّرة و عمدة اسمه الشيخ ابراهيم, مهمته التوفيق بين الناس و ستر عوراتهم و الذود عن أعراضهم و ليس الوشاية بهم لدى السلطة البعيدة في معتمدية قبلي. في قريتنا,  بيوت آمنة مفتوحة على الدوام و قلوب صافية لا تعرف العنصرية و لا التكبر, ترحب بالجار و الضيف و البعيد و القريب

نساؤنا نساء و رجالنا رجال يعملون جنبا إلى جنب في الحقل و البيت دون تفرقة في الجنس و الواجبات. يكفل الجار أيتام جاره و يعوض أباهم في الحنان و المسؤولية و الجارة تضاهي الأم في الرقة و الحب. أطفالنا يحترمون الكبير و شيوخنا يربون الصغير. بلادنا يا ناس من أجمل و أروع البلدان. كلمة جزار كلمة مكروهة في الأخلاقيات البيولوجية و كلمة حرس مكروهة في الأخلاقيات الريفية لاقتران الأولى بذبح الحيوانات و الثانية بالسلطة المفروضة من الخارج. تنتج كل عائلة حاجتها الغذائية أو تأخذها من الجار إعارة أو هبة. لا نربي خرفانا و لا أبقارا لأنها تأكل كثيرا و تشرب كثيرا )إنتاج كيلو لحم بقر يحتاج تقريبا إلى 100.000 لتر من الماء و في الصحراء يعز الماء(  بل نربي ماعزا و دجاجا يرعى في حرية من الصباح إلى المساء و يغذي نفسه بنفسه تقريبا مثل النباتات الخضراء. لا توجد حنفيات في منازلنا، فلا نبذر الماء و لا نستهلك منه إلا القليل الضروري. يعتمد نظامنا الغذائي على النباتات فنحن تقريبا نباتيين، لا نذبح العنزة إلا في عيد الأضحى للضرورة الدينية أو عندما تكون مريضة

         نشرب حليب العنزة, و نأكل بيض الدجاجة, و نستعمل فضلاتهم سمادا عضوياّ فلماذا نذبحهم يا ترى؟ لا نعتدي على حيواناتنا الأليفة بالعنف و إلا لماذا نسميها أليفة؟ أليفة لأنها ألفت من غدرنا و جشعنا و نهمنا. نأكل الفرع و نحافظ على الأصل. لا نستهلك السكر الأبيض و الحليب الأبيض إلا في الشاي. لا يبيع دكان العطار الياغورط و لا الشكلاطة و لا البسكويت و لا الجبن, أراحنا الله من الأغذية المصنعة و الملونة و المسرطنة. وجبتنا بسيطة جدا و بيولوجية مائة بالمائة لأننا لا نستعمل في إنتاجها سمادا كيميائيا و لا مبيدات أعشاب و لا مبيدات حشرات. نكتفي بما تنتجه الطبيعة و نقنع بالقليل لسد الرمق. لا نصنع حلويات في عيد الفطر لاقتناعنا التقليدي أنها ليست غذاء بل سموما عسيرة الهضم تنهك "البنكرياس" و القلب و الشرايين. نزرع الحبوب في السهول فيسقيها مفرّج الكروب, نحصدها بالسواعد و المناجل, نفصل حبات القمح عن سنابلها بطريقة تقليدية يدوية و نطحنها برحى  حجرية و نغربلها و نصنفها برغلا و كسكسا و خبزا. مطبخنا فقيرا  لكن صحّيا, لم نكن نستهلك لا مرق لوبيا و لا مرق جلبان و لا مرق ملوخية و لا بطاطا مقلية و لا "طاجين" و لا أرز بالفواكه و لا سمك, لا مقلي و لا مشوي. وجبتنا مغذية لكنها ليست لذيذة

اللذة في الطعام يا سادتي يا كرام تصحبها دائما الأمراض: خذ مثلا الأكل المقلي أو الدسم, يعدّ من أشهى الأطعمة لكنه يدمر القلب و الشرايين, أطباق الحلويات المتنوعة تنخر الأسنان و ترهق "البنكرياس" و تمهد لمرض السكر, المصبّرات المملّحة ترفع في ضغط الدم. نطبخ و نأكل في أواني مصنعة يدويا من الطين و خالية من النحاس و الألومونيوم المسرطنين . نغسل هذه الأواني بالطين الأخضر أو بالصابون الأخضر الطبيعي. لا نستهلك من الطاقة إلا القليل مما يطرحه نبات النخيل من خشب و جريد جاف. النخلة و ما أدراك ما النخلة في تراثنا و وجداننا, مصدر رزقنا و سعادتنا, نسقيها و نمدها بالسماد العضوي فقط. لا نغشها و لا نسمّمها بالكيميائيات. نربيها سنوات بحب و حنان حتى تثمر على مهلها "رطبا جنيا" نأكل منه القليل و نبيع الكثير و ما زاد عن حاجتنا نخزنه في أوعية خزفية لنستل روحه في لطف و أدب على مدى الفصول الثلاثة الباقية. لا تمثل المعزة في غذائنا الشيء الكثير و مع ذلك نكرمها و نرحب بها تسكن معنا في نفس المنزل و نعاملها دون مبالغة كفرد من أفراد العائلة. كانت أمي تستيقظ في أنصاف الليالي عند صياح معزتها لتراقبها و تقدم لها الماء و الغذاء. كان الغائب منا يسأل في رسائله عن العائلة و عن المعزات. عندما تلد المعزة, نحتفل بولادتها و نقدم لها أكبر الرعاية و لا نسرق حليبها المتدفق بل نتركه لابنها. ابنها الجدي أو العناق يعني الذكر أو الأنثى الذي يملأ ساحة البيت فرحا و بهجة بقفزاته الرشيقة و هذه الصورة الرقيقة ما زالت عالقة بمخيلتي بعد خمسين سنة و كلما تذكرتها  غمرتني سعادة منعشة

في الثمانينات, جاءنا المحتل متنكرا في زي التمدن و التحضر  فأهلك الحرث و الزرع, أصبحت بيوتنا من حجر أصم مثل قلوبنا. جاءنا الحرس الوطني فأصبح الأخ يشتكي أخاه و الجار جاره لأتفه الأسباب فانقرض التسامح و سادت الوشاية. أغلقنا بيوتنا بالمفاتيح و كثر السراق. تخلى الكبير عن مسؤولياته التربوية فلم يعد يحترمه الصغير. تفشت فينا العنصرية و القبلية و تهافتنا على السلطة الزائفة

في التسعينات, جاءنا الخير الكبير و النخل الكثير و الفضائيات العشوائية و أصبح لنا مليونيرات و "ديماكسات

أتمنى من كل قلبي أن لا يقتصر الغنى على الجيوب فقط و يشمل هذا الخير القلوب و النفوس و نتمسك أكثر بعاداتنا التقليدية الجيدة و لا نأخذ من غول الحضارة إلا ما يفيدنا في نهضتنا و أكلنا و تربيتنا و ثقافتنا

v    جمنة: قرية جميلة في الجنوب الغربي التونسي على أبواب الصحراء الرملية
v    ديماكس: نوع من السيارات اليابانية المستعملة في النقل الفلاحي و التجاري و الصناعي
v    طاجين: أكلة تونسية دسمة جدا و هي خليط  متماسك من البيض و الجبن و اللحم
v    البنكرياس: غدة في الجسم تنتج الأنسولين وهو هرمون ينقل السكر إلى الخلايا لحرقه

التاريخ: 28 جانفي 2010

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire