lundi 21 janvier 2013


دردشة في الطاولة الثقافية بمقهى الـ"ويفي" بحمام الشط الغربية، حول داء هشاشة العظام الوقتي الذي أصيبت به الحكومة الانتقالية و الدولة التونسية و حول عدم إدراج حق حرية الضمير ضمن الحريات الأساسية المدونة بمسوّدة مشروع الدستور. نقل مواطن العالَم د. محمد كشكار

أستاذ الفلسفة القدير المتقاعد حبيب بن حميدة، هو مفكر ماركسي  - لكنه ماركسي على طريقته و يساري غير ماركسي على طريقتي -   بأسلوبه المتفرد في نقد الماركسية، و هو محاور جيد، حر و مستقل و أثقف الجميع في جلسة المقهى دون منافس
I.                  فكرته الأولى
قال: رغم أنني أعُدّ نفسي من أكبر المعجبين بالثورة التونسية و من أكثر المتحمّسين لها، و أدافع عن هذه الأخيرة بكل شراسة و صدق و موضوعية و نزاهة ضد دعاة نظرية المؤامرة، هذه النظرية الأخيرة التي تبدو لي  أحادية الجانب و محدودة جدا من حيث التحليل لأنها تعتمد على منطق داخلي إقصائي لكل وجهة نظر مغايرة أو مخالفة أو معاكسة، إلا أنني و للأسف الشديد، أرى أن التونسيين قد ذهبوا في ثورتهم الأخيرة (14 جانفي 2011) إلى أبعد من الحدود، أبعد مما هو واجب الوقوف عنده في مثل هذه الحالات التاريخية

لقد أنجزوا أكمل و أروع ثورة في تاريخ البشرية و الدليل أن أغلبية من الشعب شاركت فيها بالخروج إلى الشارع متحدين آلة القمع البوليسية التونسية المشهورة (لم يشارك في الثورة البلشفية إلا القليل من الشعب الروسي و هذا بشهادة لينين نفسه، قلة أيضا في الثورة الكوبية و مع ذلك سُميت و شُهرت كثورات شعبية و عُظِّم من شأنها عالميا و عربيا خاصة عند اليسار العربي. و الأغرب من هذا، أن حتى الانقلابات العربية الواضحة عسكرتها و التي قام بها ثلة من الضباط "الأحرار" في مصر أو العراق أو سوريا، سُميت أيضا و شُهرت كثورات شعبية لا غبار عليها. و الثورة الأقرب إلينا تاريخيا هي الثورة الإيرانية سنة 1979، التي مهد لها و قادها رجال الدين الشيعة بمشاركة شعبية واسعة في حالة فريدة من نوعها مقارنة مع "الثورات العسكرية أو الحزبية أو الإيديولوجية" غير الشعبية المذكورة أعلاه

يبصم المثقفون التونسيون اليساريون المنتمون حزبيا و إيديولوجيا و يعترفون و يقرّون سرا و علنا أن كل ما سبقنا من "ثورات" شيوعية أو شيعية، تعَدّ عن جدارة "ثورات"  بأتم معنى الكلمة، و في المقابل يبخلون على الشعب التونسي و ينكرون عليه أعظم إنجاز قام به في تاريخه و تاريخ البشرية و يُسمون ما قام به يوم 14 جانفي 2011: "انقلابا مؤامراتيا غربيا خليجيا خارجيا، مدبرا مسبقا و متخفيا أو ملتحفا بغطاء ديمقراطي و مساندة شعبية". و في ذروة كرمهم و حلمهم و تسامحهم و تساهلهم يسمونه: "انتفاضة" و  يصرّون ن على التأكيد أنها "انتفاضة و ليست ثورة

التونسيون، رجالا و نساءً، شيبا و شبابا، عمالا و عاطلين، شخصيات معروفة و مشهورة و مهمّشين مثقفين و أميين، بجميع طبقاتهم و جميع مواطنهم و جهاتهم و جميع مستوياتهم التعليمية أو الثقافية، لم يكتفوا يقلب النظام و ترحيل رأس النظام. هرب "بن علي" كالمجرم المطارَد مذعورا إلى السعودية حيث معقل الرجعية العربية و الإسلامية، رجعية متمثلة و متجسمة و ظاهرة بوضوح تام، لا لبس فيه، ففي المذهب الحنبلي الوهابي السلفي السعودي (يقولون إن عبد الوهاب السعودي، كان حنبليَّ المذهب، سلفيَّ العقيدة) تكمن وهابية غير وطنية، طائفية دينية خائنة منبطحة لأمريكا داخل المملكة العربية السعودية و في الخارج الإسلامي تجاهد هذه الحرباء الوهابية ضد الشعوب العربية و الإسلامية الأخرى جمعاء

حسب التعريف الجديد لكلمتي ثورة و ثائر، التعريف الشعبي الذي أضافته الثورة التونسية و من ثم غيرت و أطاحت بالمفهومين الجامدين و المتكلسين و الصالحين لكل زمان و مكان و هما "مفهوم الثوري الاشتراكي الكلاسيكي" و "مفهوم الثورة الاشتراكية الكلاسيكية"، لم يكتف مئات الآلاف من الثوار التونسيين بتحقيق أكبر إنجاز في تاريخهم و هو الإطاحة بالسلطة الجائرة و المستبدة القائمة منذ 23 سنة، بل تجاوزوا هذه المهمة الثورية النبيلة إلى تفكيك الدولة "البورقيبية" القائمة منذ 1956 و تهميش أجهزتها و ازدراء تراتبيّتها الوظيفية في الإدارة التونسية المتقدمة نسبيا على الإدارات العربية الأخرى ثم انتشر التهميش و التفتيت و التمييع  كالسرطان القاتل  في كل الأجهزة بما فيها الجهاز الأمني ما عدى الجيش، و هذا الإنجاز الثاني غير الثوري أضر بالأول الثوري أيما ضرر. و على سبيل الذكر لا الحصر، أورد أنا، محمد كشكار، بعض الأمثلة للتوضيح و الاستدلال
1.                          منذ أيام معدودات، اُجبِر المسؤول الكفء، المستقل سياسيا و غير المنتمي حزبيا، السيد سامي الحبيب، المندوب الجهوي للتعليم ببن عروس على الاستقالة لأن أوامره الإدارية البحتة لا تُحترم من قبل موظفي المندوبية

2.                          في أول العام الدراسي الفارط، رفض مدير معهد ثانوي ببن عروس قبول و تنفيذ تسمية أستاذ مصحوب بوثيقة رسمية ممضاة من المندوبية الجهوية، الأستاذ المعني، هو صديق حميم لي و مدير سابق ناجح جدا و نظيف جدا و معارض - على طريقتي و طريقته - للتجمع الدستوري الديمقراطي، الحزب الحاكم في عهد بن علي. رفضُ المديرِ، جاء إذعانا منه إلى أوامر أستاذ بالمعهد و هذا الأخير هو في الوقت نفسه عضو النقابة الجهوية للتعليم الثانوي ببن عروس. لقد برّر هذا الزميل و الصديق أيضا، القيادي النقابي الصادق النزيه رفضه لتسمية زميله بالقول التالي: أنا لست ضد الزميل المعني بالأمر و ليس لي ضده أي اتهام مباشر أو غير مباشر و إنما أنا أقف ضد ممارسات الإدارة الجهوية الخاطئة و التي تتمثل في نقل الأساتذة داخل المندوبية دون التنسيق مع الطرف النقابي، و أنا أعتبر أن تشريكنا في مثل هذه القرارات هو حق مكتسب و لن أتخلى عنه بغض النظر عن الأستاذ الذي استفاد من النقلة أو لم يستفد، و أعتبر أن هذا الزميل الأخير، و هو لعلمكم صديق "سنبتيك"، لا ذنب له و ليس هو المقصود تماما برفضنا النقابي للتسمية، نحن نرفض التسميات الأحادية الجانب التي قام بها أو اقترفها المدير المساعد بالمندوبية الجهوية للتعليم ببن عروس

3.                          تعليق على خبر سمعته في المقهى: كيف يتجرأ مواطن عضو في "رابطات حماية الثورة" و يهدد رئيس الدولة بقوله: إن لم تقبضوا على كمال لطيف فسنقبض عليه بأنفسنا؟

4.                          تعليق على اعتصام أو حدث فات و ولى: كيف يَمنع ثمانون عاطل عن العمل، عمالَ المجمع الكيميائي بقابس من الالتحاق بمراكز عملهم؟

5.                          تعليق على حدث فات و ولى، شاهدته في التلفزة: كيف يتمرد رجال شرطة على رئيس مركزهم بقابس و يعصون أوامره أمام المركز و تحت أضواء كاميرات الفضائيات؟

6.                          كيف يتجرأ رئيس الحكومة على رئيس الدولة و يسحب منه صلاحياته و يسلم اللاجئ السياسي البغدادي إلى السلط الليبية دون ضمان محاكمة عادلة و دون إذن من الرئيس و دون علمه. مع الإشارة أن رئيس الحكومة يعترف لرئيس الدولة بأن تسليم اللاجئين السياسيين هو من مشمولات و صلاحيات رئيس الدولة و قد كتب هذا الاعتراف حرفيا في رسالة سابقة لعملية التسليم كان قد أرسلها هو بنفسه إلى رئيس الدولة؟

7.                          ألاحظ غياب احترام إشارات المرور من قبل مستعملي الطريق من سوّاق و مترجلين على السواء

8.                          ألاحظ كثرة التسيب و التغيب لدى موظفي الدولة العموميين في جميع الإدارات التونسية

9.                          ألاحظ استخفافا لدى التلاميذ  في موقفهم من الانضباط المدرسي. هذا الانضباط الإرادي الذي يخدم مستقبل التلاميذ قبل أن يسهّل العملية التربوية للأساتذة و الإدارة المشرفة على المؤسسات التربوية في التعليم الإعدادي و الثانوي و الجامعي

10.                     ألاحظ عدم قدرة الحكومة على التحكم في الأسعار المشطّة للأغذية و الأدوية جراء احتكار الوسطاء و تهريب المهربين و عدم احترام مراقبي الأسعار من قبل تجار الجملة و التفصيل. و أرى من واجب الحكومة الحالية أن تتحمل مسؤولية خطأ المهرّبين و المحتكرين و غير المنضبطين لقانون الأسعار تحملا قانونيا و أخلاقيا كاملا و غير منقوص

II.                فكرته الثانية حول عدم إدراج حق حرية الضمير في مسوّدة مشروع الدستور التونسي الحالي
-         سألته عن معنى حق حرية الضمير الذي لم يرد في مسوّدة مشروع الدستور التونسي الحالي،  و قد ورد في جل دساتير الدول الأوروبية الديمقراطية

Recherche faite après la discussion du café cité ici-bas, avec mon nouveau ami et mon  maître en philosophie: Explication de quelques expressions de la même famille sémantique dans le pluridictionnaire Larousse (1977, p. 324) : La liberté de conscience, droit de pratiquer librement la religion de son choix. En mon âme et conscience, la main sur la conscience, en toute sincérité. Cas de conscience, situation délicate dans la quelle il faut agir selon sa conscience, sans référence précise à une règle.

Et moi (C. M. Dr. M. K.), je retiens, pour moi seul, la dernière acception « situation délicate dans la quelle il faut agir selon sa conscience, sans référence précise à une règle» figurant dans le dictionnaire et je vois que c’est celle là qui doit être inscrite dans la nouvelle constitution tunisienne.

و قلت له : ألا يكفي أن الدستور التونسي يكفل جميع الحريات السياسية بما فيها حرية المعتقد و حرية التعبير و حرية الإبداع و حرية التعليم و حرية إنشاء جمعيات و حرية التدين و حرية العبادة و حرية ممارسة كل الشعائر الدينية، لماذا إذن تتشبث أحزاب المعارضة الليبرالية و القومية و اليسارية و جمعيات المجتمع المدني غير الإسلامية و تصرّ على إدراج حرية الضمير في الدستور؟
-         أجاب بكل هدوء و لطف و تواضع العلماء الكبار: حرية الضمير هي الضامنة و الجامعة لكل هذه الحريات التي ذكرت و هي أسمي و أعلي و أكبر منهم جميعا
-         لماذا يا أستاذ، أرجوك فسّر لي و اشرح لي صدري و حلّ عقدة من لساني؟
-         أجاب مبتسما كعادته، ابتسامة المثقف المتواضع و المتوازن و المتصالح مع نفسه قبل تصالحه مع مجتمعه و ليست ابتسامة المثقف المتعالي: خذ مثلا: 1. هيئة المحلفين في محكمة أمريكية، فبعد استعراض تُهَمِ الإدانة من قبل نائب الحق العام و بعد مرافعات المحامين لإثبات براءة المتهم، لم يبق للمحلفين (و هم مواطنين عاديين مدعوين للغرض، قد يكون منهم الطبيب و الأستاذ و التاجر و الحداد أو النجار أو المتقاعد أو غيره من المواطنين ذوي الجنسية الأمريكية)،  إلا إصدار الحكم النهائي حسب ضميرهم و النطق بكلمة مذنب أو غير مذنب دون مرجعية قانونية لأن المحلفين لم يدرسوا القانون دراسة أكاديمية  مثل ما درسه القاضي و المحامي و نائب الحق العام. 2. تصوّر قائدا عسكريا، أمام وضعية عسكرية خطيرة و فريدة و حرجة، لم تمر عليه في تجربته العسكرية و لم يدرسها في الأكاديمية العسكرية و لم يقرأ عنها في تراث الحرب المكتوب، ماذا بقى له إذن حتى يتصرف؟ بقي له فقط ضميره و هذا الأخير هو الوحيد الذي سيدله على اتخاذ القرار الأقرب إلى الصحة و يعينه على الحسم لصالح الموقف السليم و إلا ضاع هو ومن هم تحت إمرته

الإمضاء
لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى و على كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف المادي أو اللفظي أو الرمزي

تاريخ أول نشر على النت
حمام الشط في 21 جانفي 2013


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire