samedi 1 février 2014

فكرة مخالفة تماما للمنطق السياسي السائد: يبدو لي أن قمع الحريات الذي سلطه بورقيبة و بن علِي على الأحزاب السياسية طيلة نصف قرن، قد يكون سببا غير مباشر في قيام ثورة شعبية ديمقراطية خالية من الإيديولوجيات المهيمنة و القيادات الحزبية الضيقة! مواطن العالم د. محمد كشكار

فكرة مخالفة تماما للمنطق السياسي السائد: يبدو لي أن قمع الحريات الذي سلطه بورقيبة و بن علِي على الأحزاب السياسية طيلة نصف قرن، قد يكون سببا غير مباشر في قيام ثورة شعبية ديمقراطية خالية من الإيديولوجيات المهيمنة و القيادات الحزبية الضيقة! مواطن العالم د. محمد كشكار

مقدمة توضيحية تجنبا لسوء الفهم أو المزايدات الإيديولوجية التي لا تسمن و لا تغني من جوع في هذا الموضوع الذي يتناول بالنقد الأحزاب السياسية و إيديولوجياتها الضيقة المنغلقة على نفسها:
أقدّر دور الأحزاب السياسية الديمقراطية حق قدره، بل أقول أن لا سياسة دون أحزاب منظمة و مهيكلة و علنية، لكنني في الوقت نفسه أحافظ على استقلاليتي و حقي في النقد من خارج المنظومة الحزبية و ككل المستقلين غير المنتمين، لا أرى تعارضا بين النشاط الفكري النقدي للمستقلين و النشاط الحزبي للمنتمين بل بالعكس أرى تكاملا لو تشاوروا فيما بينهم جميعا و استفادوا و تعلموا من بعضهم البعض.

لا أتمنى البتة أن يتبادر إلى ذهن القارئ - و لو للحظة واحدة - الشك في أنني أمجّد غياب الديمقراطية أيام القمع البورقيبي أو القمع البنعلي للحريات بل أدينها بكل ما أوتيت من قوة ولا أحنّ إلى عهديهما و أطالب بمحاسبة المتسببين فيها و أطمح إلى إطلاق حرية التفكير والضمير و الإبداع دون قيد أو شرط إلا ما يضعه المبدعون لأنفسهم تماهيا مع مجتمعهم العربي الإسلامي، أو الشك في أنني أؤسس لنظرية قائمة على قمع الحريات حتى و لو جنبتنا عرَضا الدعاية الإيديولوجية المعطِّلة للتفكير والضمير و الإبداع.

موضوع النقد: غياب الديمقراطية خلال نصف قرن من عهد بورقيبة وعهد بن علي غير المأسوف عليهما قد يكون سببا غير مباشر في عدم انتشار مضارّ التكوين الحزبي الإيديولوجي و مضار تعميمه على عقول المواطنين التونسيين:
يبدو لي أن قمع الحريات الذي سلطه بورقيبة و بن علِي علَى الأحزاب السياسية طيلة نصف قرن، قد نجح دون قصد في الحد  من انتشار مضارّ التكوين الحزبي الإيديولوجي و مضار تعميمه على عقول المواطنين التونسيين، و قد يكون سببا غير مباشر في قيام ثورة شعبية ديمقراطية خالية من الإيديولوجيات المهيمنة و القيادات الحزبية الضيقة!

من المفارقات الكبرى أن يرى مثقف فائدة غير مقصودة ناتجة عن  غياب الديمقراطية و قمع الحريات، لكن الواقع - الذي لم نشارك في صنعه و لكننا رضخنا رغم أنفنا إلى قانونه - يفرض علينا نتائجه المنبثقة من شروطه الظرفية. لقد جنّبنا قمع الحريات - دون وعي منا - انتشار مضارّ التكوين الحزبي الإيديولوجي على عقول عموم المواطنين، فكان من حسن حظنا - نحن غير المنتمين - أن نجونا من التأثيرات السلبية التي تنجر عادة عن انغلاق العقل على إيديولوجية واحدة و رأي واحد و حزب واحد و زعيم واحد و حقيقة واحدة.

غاب التكوين الحزبي الإيديولوجي العلني المعمم طيلة نصف قرن، فانجرّ عنه صدفة صفاء ذهننا - نحن غير المنتمين و غير المؤدلجين - و خلا مخنا من الإيديولوجيات المعطِّلة لحرية التفكير و الضمير و الإبداع. صفاءٌ ذهنيٌّ  جرّنا إلى القيام بثورة شعبية ديمقراطية. ثورة فريدة من نوعها في التاريخ البشري، ليس لها قيادة "رشيدة"، ولا إيديولوجيا منغلقة مهيمنة، و لا حزب طلائعي طاغ، و لا قيادة فئوية ضيقة، و لا منشورات سرية. ثورة علنية شفافة نقية. ثورة عفوية أو هبّة شعبية غير مبيتة و غير مبرمجة. ثورة لم يُرفع فيها أي شعار حزبي أو إيديولوجي، قوميا كان أو اشتراكيا أو إسلاميا أو ليبراليا أو سلفيا. ثورة رُفعت فيها شعارات الحرية و الكرامة و التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق (جمع سارق) و الشعب يريد إسقاط النظام و أفضل شعاراتها، كان بلا منازع و لا منافس، شعار ديقاج (ارحل)، صيحة شعبية مدوية في وجه الطاغية بن علي، أمرناه "بكل حزم"، فنفذ أمرنا بسرعة البرق و بعد سويعات فرّ مهانا هاربا مذعورا إلى السعودية هو و عائلته المضيقة.

ثورة طلبت العُلَى (الحرية و الكرامة والديمقراطية)، و لم ترض بالفُتات (التخفيض في أسعار بعض المواد الغذائية الضرورية) فنالت المستحيلَ. قال الغبي بن علي - مرددا قولة الزعيم الفرنسي الجنرال ديقول في غير عصرها و في غير موضعها -  أنه فهمنا ومَن ليس له ذكاء شعبنا لا يفهمنا. ظن الغبي بن علي - مرددا قولة الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة في غير عصرها و في غير موضعها - أننا سنرضى بتخفيض أسعار بعض المواد الغذائية الضرورية كما حصل في انتفاضة الخبز سنة 1984. لم يفهم أننا طُلاّبُ ديمقراطية و حرية وكرامة و لسنا جياعا متسولين. انفضّ من حوله جيشه و شرطته و تجمعييه (الحزب الحاكم آنذاك، "التجمع الدستوري الديمقراطي"، الذي يتجاوز تعداد  أعضائه المليون عضو)، فبقي وحيدا عاريا ضعيفا لا حول و لا قوة له. ثورة سلمية انتصر فيها شعب أعزل على أعتى نظام بوليسي في شمال إفريقيا و العالم العربي.

ملاحظة هامة للأمانة العلمية:
لقد سمعت هذه الفكرة في الطاولة الثقافية بمقهى الويفي بحمام الشط الغربية يوم أول أمس صباحا، الجمعة 31 جانفي 2014، من صديقي و جليسي اليومي، الحبيب بن حميدة، أستاذ الفلسفة القدير المتقاعد، أما التأليف و التوسع و التأثيث  و الكتابة و النشر فهو من إنتاجي الشخصي.

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط، السبت 2 فيفري 2014.




Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire