lundi 25 novembre 2013

قيم إسلامية إنسانية سامية ونبيلة و رائعة، فهل جُسّمت على أرض الواقع أم بقيت مجرد شعارات معلقة في السماء في جل البلدان الإسلامية المعاصرة؟ مواطن العالَم د. محمد كشكار

قيم إسلامية إنسانية سامية ونبيلة و رائعة، فهل جُسّمت على أرض الواقع أم بقيت مجرد شعارات معلقة في السماء في جل البلدان الإسلامية المعاصرة؟ مواطن العالَم د. محمد كشكار

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط، الاثنين 25 نوفمبر 2013.

مقدمة:
هي مجرد خواطر انطباعية لا ترتقي إلى الدراسة العلمية و لا تستند إلى بحث علمي ميداني. سأتناول الموضوع من وجهة نظر اجتماعية و ليست فقهية، لكنني أؤمن بما أقول إيمانا صادقا وأوضح مسبقا أنني أنتقد المسلمين المعاصرين و أنأى بنفسي عن نقد الدين الإسلامي. نقد خال  من التهجم العدواني المجاني و من كل خلفية إيديولوجية متعصبة و أؤكد أن مقالي هذا يهدف إلى التحسيس بالمشكلة و يتجنب جلد الذات قدر المستطاع و "من اجتهد و أصاب فله أجران و من اجتهد و لم يصب فله أجر واحد"، و أنا قنوع بأجر واحد رغم أنني أطمح إلى نيل الأجرين و الله ولي التوفيق.

صلب الموضوع:
على سبيل الذكر لا الحصر سأحاول تناول 17 قيمة إسلامية معلقة غير مطبقة و مؤجلة التنفيذ في جل الدول الإسلامية:
1.     قيمة حرية المعتقد: قال تعالى: "فمَن شاء فليؤمن و مَن شاء فليكفر". لم نحترمها و لم نطبقها حتى داخل الدين الواحد، فالسني منا يقتل أخاه الشيعي دون ذنب يُذكر سوى اختلاف المذهب و الشيعي يقتل أخاه السني لنفس السبب. وننسى أو نتناسى أن 40 في المائة من مسلمي العالَم المقيمين خارج الدول الإسلامية يتمتعون بحرية المعتقد في الدول العَلمانية الغربية و الآسيوية.

2.     قيمة العدالة و المساواة: قال الرسول الأعظم، صلى الله عليه و سلم:
"الناس سواسية كأسنان المشط ، لا فضل لعربيِّهم على عجميِّهم ، ولا لأبيضهم على أسودهم إلاّ بالتقوى". طبقتها الدول العَلمانية الغربية و الآسيوية و تغافلنا عنها نحن في جل الدول الإسلامية: طبقها النورفيجيون العَلمانيون بتخصيص عشر ريع البترول للأجيال القادمة، و طبقها الفرنسيون العَلمانيون بتوفير التأمين الصحي لكل المواطنين و المهاجرين المسلمين و غير المسلمين دون تمييز ديني أو مذهبي أو عرقي أو لوني أو طبقي أو جنسي، و طبقها الفنلنديون العَلمانيون بتوفير التعليم المجاني و النقل المجاني و الوجبة اليومية المجانية لجميع التلاميذ دون تمييز طبقي، و طبقها السويديون العَلمانيون بمعاملة الوزراء كمعاملة باقي موظفي الدولة وعدم تمكينهم مجانيا من مسكن وظيفي أو سيارة حكومية خصوصية أو وجبة يومية أو خدم و قد عوقبت وزيرة سويدية بعدم الترشح إلى منصب وزير أول لمجرد استعمالها بطاقة بنكية حكومية لدفع ثمن تاكسي داخل المدينة.

3.     قيمة الشورى: قال تعالى: "و أمركم شورى بينكم". طبقها الخلفاء الراشدون منقوصة لأنها لم تشمل العبيد و ذلك لاستحالة التفكير في تعميمها على العبيد في عصرهم، و لم يطبقها، لا الأمويون و لا العباسيون و لا العثمانيون و لا الحكام المعاصرون في جل البلدان الإسلامية. طبقها الحكام العَلمانيون المعاصرون في البلدان الغربية و الآسيوية في ثوبها الحديث المسمى ديمقراطية. و شتان بين الشورى و الديمقراطية، فالأولى تعني استشارة أهل الذكر، أما الثانية فتعني حكم الأغلبية مع احترام حقوق الأقليات. قال الأستاذ سعيد ناشيد، كاتب و باحث مغربي، في برنامج "مغربنا في التحرير و التنوير"، في حصة يوم الأحد 24 نوفمبر 2013، بين الساعة 23 و الساعة 24 على قناة "نسمة" التونسية: "مَن يقول أن الشورى تطورت فأصبحت ديمقراطية، كمن يقول أن الشمعة تطورت فأصبحت مصباحا كهربائيا"، و أضيف أنا و أقول أن الديمقراطية  أصلها إغريقي و كانت حكرا على الأحرار و لم تشمل العبيد و سبقت ظهور الإسلام بإحدى عشر قرن، فمن الإجحاف أن نقول أن الديمقراطية جاءت من الشورى، و من الإنصاف أن نقول أن الديمقراطية انحسرت فأصبحت شورى.

4.     قيمة تكريم المرأة: قال تعالى: "و إذا الموءودة سُئلت بأي ذنب قُتلت". فأصبحنا نحن نختنها في القرن الواحد والعشرين ونتحرش بها جنسيا مع الإشارة أن أول دولة في الترتيب العالمي للتحرش الجنسي هي مصر، أرض الكنانة.

5.     قيمة تحرير العبيد: قال تعالى: "وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ". رغم ذلك لم يتحرر كل العبيد المسلمين إلا بعد تحرير العبيد الأمريكيين من قبل أبراهام لنكولن نتيجة مكننة وسائل الإنتاج. و لا زال حتى اليوم يُستعبد العمال و المعينات المنزلية الأجانب في دول الخليج التي لا يدخلها العامل الأجنبي الحر إلا بترخيص من كفيل خليجي و لا يغادرها إلا بإذن منه و يُحجز جواز سفره عند كفيله من لحظة الدخول إلى لحظة الخروج. أما عبيد الغرب العَلماني فقد تحرروا من الرق و أصبحوا رؤساء دول (أوباما في أمريكا) و وزراء في أمريكا و فرنسا و كندا و لم يصل إلى هذه المناصب العليا أسود واحد في الدول العربية جميعا.

6.     قيمة الصلاة: قال تعالى: "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر". نحن أكثر الأمم صلاة، نصلي خمس مرات في اليوم، فلو عرفنا قيمتها بالفعل لكنا خير أمة أخرجت للناس و لما كان حالنا اليوم كالذي نحن عليه. أما الغرب العَلماني فترجم هذه القيمة على النحو التالي: "القانون ينهى عن الفحشاء و المنكر"، و امتثل العَلمانيون و استبطنوا القانون و خضعوا لسلطته، فانحسرت الفحشاء و نقص المنكر في المعاملات بين البشر خوفا من سيف القانون المسلط على رقاب الجميع دون تمييز.

7.     قيمة الصيام: "ومن فوائد الصيام أنه يبعث في الإنسان الرحمة والإحسان على الفقراء ، والعطف على البائسين فإن الإنسان إذا ذاق ألم الجوع والعطش ، فإنه يتذكر الفقير الجائع فيسارع إلى رحمته ومساعدته ، ومد يد العون له ، وهذا هو الحال الحقيقي للمسلم مع أخيه المسلم". لم نتعظ بهذه الفائدة فأصبح شهر الصيام عندنا شهر التكبر و البذخ و التبذير و التخمة و سبب من أسباب أمراض القلب و الشرايين. أما الغرب العَلماني فترجم هذه القيمة على النحو التالي: "ومن فوائد الجمعيات الخيرية (مثل جمعية أطباء بلا حدود) أنها تبعث في الإنسان الرحمة والإحسان على فقراء العالم، والعطف على البائسين فإن الإنسان إذا ذاق متعة التكافل و التضامن الاجتماعي، فإنه يتذكر الفقير الجائع فيسارع إلى رحمته ومساعدته ، ومد يد العون له ، وهذا هو الحال الحقيقي للعَلماني (مسلم و غير مسلم) مع أخيه العَلماني (مسلم و غير مسلم)".

8.     قيمة الزكاة و الصدقة: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فتُردّ على فقرائهم". لو طبقنا هذا الحديث فعلا لما بقي فقير واحد مسلم في العالم. أما الغرب العَلماني فقد ترجم هذا الحديث إلى قوانين الجباية حيث يُؤخذ أكثر من أغنيائهم فيُردّ على أغنيائهم و فقرائهم على شكل خدمات عامة كالطرقات و المستشفيات و الجامعات و المكتبات و المشاريع الكبرى كالسدود و القناطر.

9.     قيمة النظافة: قال تعالى: " إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ". قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (حديث ضعيف جدا، تمنيت لو كان قويا جدا): "النظافة من الإيمان و الوسخ من الشيطان". و نحن نرى اليوم، في تونس و في مصر، القمامة تملأ شوارعنا و ساحاتنا و تزكم أنوفنا. أما طرقات الغرب العَلماني و بعضا من البلدان الإسلامية كماليزيا و إيران، تصدمك نظافتها فتستحي من إلقاء عقب سيجارة على أديمها.

10.                        قيمة المقاومة المسلحة ضد المعتدين الصهاينة و الأمريكان: قال تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم". أمر إلهي طبقته إسرائيل حرفيا فأقامت جدارا عازلا بينها و بين العدو، يستحيل على الفدائيين اجتيازه و أرهبت الاستشهاديين الفلسطينيين و ذلك بهدم منازلهم فورا و الزج ببعض أفراد عائلاتهم في السجن دون ذنب سوى ذنب صلة القرابة مما جعل الاستشهادي يفكر ألف مرة قبل الإقدام على تنفيذ عملية استشهادية خوفا على عائلته و ليس جبنا أو خوفا على حياته التي وهبها إلى الله مع الإشارة أنني أدين العمليات الاستشهادية ضد المدنيين العزل و خاصة الأطفال و الشيوخ منهم لكنني في الوقت نفسه أؤيد و أساند بحماس العمليات الاستشهادية ضد المحتلين الغاصبين المسلحين و أحسن مثال على ذلك الثلاث عمليات استشهادية التي وقعت في لبنان سنة 1981 ضد الجيوش الغازية الثلاثة، الأمريكي و الفرنسي و الإسرائيلي. ونحن ماذا أعددنا لعدونا الغازي لأراضينا و أوطاننا؟ شرينا سلاحا قديما على حساب قوتنا اليومي و على حساب ميزانياتنا الحكومية السنوية الضعيفة أصلا فعطلنا مشاريعنا التنموية. لم يكتف العدو بامتصاص دماءنا عن بعد بل أمعن في إذلالنا و اشترط علينا عدم استعمال هذا السلاح ضد إسرائيل لتحرير أراضينا المغتصبة في فلسطين ومنعنا عنوة بالتمتع بحقنا الشرعي في الدفاع عن أنفسنا و تحرير أوطاننا، حق أقرته و كفلته لنا الأمم المتحدة بالإجماع.

11.                        قيمة الشدة على العدو الغاصب المحتل و الرحمة على الشقيق و الصديق المسالم: قال تعالى: "والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم". أما نحن مسلمي اليوم فطبقنا عكس ما أمر به الله، أشداء بل أسود على بعضنا البعض في الصومال و سوريا و العراق و أفغانستان و ليبيا و الجزائر، جبناء بل أرانب في مواجهة المعتدين الصهاينة و الأمريكان.

12.                        قيمة غض البصر: قال تعالى: "قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ". لو غضضنا بصرنا لما احتاجت المسلمة إلى تغطية وجهها بالنقاب و لما كانت مصر أول دولة في الترتيب العالمي يُمارس فيها التحرش الجنسي على المنقبات و المتحجبات و السافرات على السواء. 

13.                        قيمة الإحساس بالمسؤولية لدى الحاكم: قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: "لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها يوم القيامة: لماذا لم تمهّد لها الطريق؟". و لو سألكم الله يا حكام المسلمين المعاصرين على حوادث الطرقات في بلدانكم التي تحصد سنويا الآلاف من الأرواح البريئة المسلمة و غير المسلمة، فبماذا كنتم ستجبون؟

14.                        قيمة العمل عبادة:  قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (حديث ضعيف جدا، تمنيت لو كان قويا جدا): "العمل عبادة". آخر إحصاء يقول أن 5 في المائة فقط من الموظفين العموميين التونسيين يقومون بواجبهم على أحسن ما يُرام في حين أن العَلمانيين الغربيين و الآسيويين يعملون بكد و جد و يُصدّرون لنا قوتنا و سياراتنا و طائراتنا و سلاحنا و أدويتنا و غيرها من ضروريات العصر الحديث بأثمان باهظة مقابل ثرواتنا الطبيعية بأثمان بخسة.  

15.                        قيمة نبذ العنصرية اللونية: قال رسول الله، صلى الله عليه و سلم: "يا أيها الناس ! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم". و لا زال التونسيون السود و خاصة الطلبة الأفارقة المقيمين في تونس (حضرت مؤتمرهم في حمام الشط تحت رعاية منظمة "دروس" الأوروبية) يشتكون من التمييز العنصري حسب لون البشرة. 

16.                        قيمة المحبة بين جميع البشر بغض النظر عن دينهم أو مذهبهم: قال رسول الله، صلى الله عليه و سلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (أخيه في الإنسانية، يعني المسلم و غير المسلم). أرجو من المسلم المسالم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، أما المسلم التكفيري الاستشهادي في سوريا و العراق و الصومال و أفغانستان، فماذا ننتظر منه و قد أحب تفجير جسده وتدمير أجساد إخوانه من المسلمين و غير المسلمين؟ هل ننتظر منه أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟ أما العَلماني الأوروبي الغربي (فرنسا، ألمانيا) فقد اقتطع من ميزانية دولته لكي ينهض بأخيه العَلماني الأوروبي الشرقي (بولونيا، بلغاريا) بعد انهيار الشيوعية تزامنا مع انهيار جدار برلين.

17.                        قيمة الأخلاق في المجتمع: قال رسول الله، صلى الله عليه و سلم: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق". دون تعليق، أرجو من قرائي الكرام أن يقارنوا بين الأخلاق في المعاملة الحسنة بين المواطنين السائدة في الدول العَلمانية - دون تمييز ديني أو مذهبي أو عرقي أو لوني أو طبقي أو جنسي - و بين الأخلاق السائدة في الدول الإسلامية وخاصة العربية منها.

خاتمة:
بصدق، لا أروم من وراء مقارنة الدول العَلمانية بالدول الإسلامية تفضيل الأولى على الثانية لأن الدين - لو طُبّق - لكان أفضل وازع أخلاقي لدى البشر و لوصلنا إلى تجسيد الأخلاق الكريمة من أقصر و أيسر السبل دون عناء المراقبة و المتابعة و المحاسبة.
يتمتع بمزايا العَلمانية الغربية و الآسيوية 40 في المائة من مسلمي العالم و أتمنى أن يعم الخير الـ60 في المائة الباقية من أمة محمد، صلى الله عليه و سلم، المقيمة في الدول الإسلامية.
أتمنى أن تستيقظ هذه الأمة الراقدة على كنوز من القيم و تفعّل أسباب القوة الكامنة فيها منذ 14 قرن و تلحق بأقصى سرعة بركب الأمم المتقدمة و المتحضرة.

أدعو بكل صدق مسلمي اليوم إلى تجسيم و تحيين و تطبيق مجموعة القيم الإسلامية المذكورة في هذا المقال و أملي كبير و قد بينت التجارب التركية والإيرانية و الماليزية و الأندونيسية أن هذا الشيء ممكن في هذا العصر رغم بشاعة الواقع و السلام على من اتبع الهدى، هدى الإيمان و العقل و العلم.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire