jeudi 27 août 2020

ما هْلكْنا في تونسْ كانْ النضالْ الإيديولوجي ! فكرة فيلسوف حمام الشط، تأثيث مواطن العالَم

 

 

L`Universel dépasse de loin le Culturel, mais ne le nie pas

 

أعني النضال بجميع إيديولوجياته، الدستورية والنقابية والقومية واليسارية والإسلامية، وجميع تمظهراته، حروب تحرير مسلحة (مواطن العالَم غانديُّ الهوى)، مظاهرات، اعتصامات، قطع طرقات، إضرابات عن العمل أو عن الطعام. كلها لم تأتِ لنا بحلولٍ لمشاكلنا بل زادتها تعقيدًا وحوّلت كل مشكلةٍ عندنا (المشكلة = مشكل له حل) إلى معضلةٍ  (المعضلة = مشكل لا حل له في المستقبل القريب)، وعوض أن ننظر مباشرة في واقعنا، نظرنا إلى ما تقوله في واقعنا الإيديولوجيات المستوردة والكتب المستوردة من الغرب والشرق.

وفدتْ علينا الإيديولوجيات، الدستورية والقومية والنقابية من العالم الحر (أوروبا وأمريكا)، والشيوعية من الاتحاد السوفياتي، والإخوانية من مصر، والوهابية من السعودية.  كلها إيديولوجيات وافدة من الخارج لكنها منبتّة في الداخل وغير متجذّرة فينا. كنا مجتمعًا متناسقًا فشتّتَتْنا الإيديولوجيات شِيَعًا وأحزابًا وفرّقت بين الأخ وأخيه وبين الابن وأبيه.

1.     النضال الدستوري قسّم البلاد في فجر استقلالها إلى بورڤيبيين ويوسفيين، وقامت بينهم حربٌ أهليةٌ انتصر فيها الأقربُ لأطروحات فرنسا الاستعمارية لا فرنسا الثورية. الأحزاب الدستورية في تونس: الحزب الحر الدستوري، حزب نداء تونس، حزب تحيا تونس، حزب المبادرة، حزب قلب تونس، إلخ.

2.     النضال النقابي انتشر في غير موضعه الطبيعي، أي في القطاع العمومي عوض القطاع الخاص مَهْدُ نشأته وسِرُّ نجاعته. حسب رأيي كـ"أنسيان" نقابي أصبح بعد التقاعد معاديًا للنضال النقابي: يجب دسترة مَنْع الإضراب في القطاع العمومي لأن كل يوم انقطاع عن العمل يدفع ثمنه دافعو الضرائب لا الرأسماليين ولا المسئولين السياسيين.

3.     النضال القومي جزّءنا أكثر ممّا وحّدنا وجلب لنا الهزيمة تلو الهزيمة، ناصر 56، ناصر 67، صدام 2003 والقادم أشوم. مصر قبل ناصر كانت بلدًا ثقافيًّا ثريًّا باختلاف أديانه واختلاط أجناسه (cosmopolite et hétérogène: grecs, italiens, anglais, juifs, chrétiens, musulmans, arméniens, etc). جاء ناصر فطرد الأجناب بتعلة الوطنية الشوفينية السمجة وأفقد مصر جميع أنواع ثراءها: الاجتماعي والثقافي واللغوي والديني والتجاري والعلائقي. الأحزاب القومية في تونس: حزب حركة الشعب و حزب التيار الشعبي، إلخ.

4.     النضال الشيوعي، أرادوا تطبيق مبدأ صراع الطبقات في بلدٍ لا توجد فيها طبقات بالمعنى الماركسي لمفهوم الطبقة. تونس، بلدٌ لم تتكون الطبقاتُ فيه بعدُ لأن الطبقة يحددها ضمير الطبقة وليس المستوى المادي للطبقة أو عدد العمال 

(La classe est déterminée par sa conscience non par son nombre).

 الأحزاب الشيوعية في تونس: الحزب الشيوعي التونسي والبوكت والأوطاد، إلخ.

5.     النضال الإسلامي أرجعنا إلى ما كان سائدًا قبل الإسلام، حروبٌ وصراعاتٌ طائفية ومذهبية دون قضية. أقصد كل الإيديولوجيات وكل الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية ولا أقصد الإسلام كوحيٍ إلهيٍّ لا ريبَ فيه. أقصد الإيديولوجيات الشيعية والإخوانية والسلفية والوهابية والصوفية، إلخ. أقصد الأحزاب الإسلامية المسلحة الأكثر ضررًا، مثل: أحزاب الله اللبنانية والسورية والعراقية، حزب الدعوة العراقي، حزب الفيس الجزائري، حزب الإخوان السوري، حزب الإخوان الليبي، حزب المحاكم الإسلامية الصومالي، حزب بوكو حرام النيجيري، ، حزب داعش العالمي، حزب أنصار الشريعة التونسي، إلخ. وبصفة أقل ضررًا لأنها أحزاب إسلامية غير مسلحة، مثل: حزب الإخوان الأردني، حزب التحرير العالمي، حزب النور المصري، حزب العدالة والتنمية التركي والمغربي، حزب النهضة التونسي، إلخ.

 

خاتمة: هذا وصفٌ وليس تحليلاً ولا حُكمًا، نتيجةٌ كارثيةٌ لا أجد لها تفسيرًا ولا تبريرًا. خللٌ في المناعة أصاب الجسم العربي (Une maladie auto-immune)، مرضٌ عُضالٌ لا علاجَ له لأن مضاداتنا الحيوية (Les anticorps) أصبحت لا تُفرّق بين الأخ والعدو (Le soi et le non-soi) بل تقضي  على الأول قبل الثاني. ضَعُفَتْ مناعتُنا الداخلية حتى أصبح كيانُنا عُرضةً للأمراض الانتهازية (Les maladies opportunistes) وأصبحت أوطانُنا مستباحةً من قِبل الأعداء الضعفاء قبل الأقوياء. علينا إذن تحطيم الإيديولوجيات وبناء الكفاءات. فهل يقدر على هذا "مناضلونا الأشاوس" (Les militants et les activistes de tous bords)؟ والله أشك! "مناضلونا الأشاوس" لم يبنوا شيئًا وعلى حد عقلهم لا يرون ضرورة للتنظير والتمحيص والتفكير، همهم الوحيد يتمثلُ في الوصول إلى السلطة بأي طريقةٍ، حتى ولو كانت سلطة بالوكالة،  سلطة ترعى مصالح الخارج على حساب مصالح الداخل.

 

إليكم قراري الافتراضي الصادِر عن شخصٍ صفرٍ على الشمالِ في بطاقة النضالِ: لو كنتُ في السلطة -ولن أكون، فلا تفزعوا أيها "المناضلون الأشاوس"- لَمنعتُ كل المناضلين بجميع تلويناتهم الإيديولوجية من تولِّي المناصب العليا في الدولة، وعوض أن أصرفَ لهم تعويضًا، سوف أحاسبهم على الفُرَصِ التاريخية التي فوّتوها علينا للحاق بِرَكْبِ الدول المتقدمة وأفضَل الدول المتقدمة عندي اليوم هي الدول الأسكندنافية الأقل إيديولوجية والأكثر عدْلاً !

لكنني إنسانيًّا لستُ ضد مبدأ التعويض لهم أو لذويهم وخاصة التعويض لمَن تعرّضَ منهم للاغتيال أو القتل أو السجن أو التعذيب أو الفصل عن العمل أو التجويع أو النفي أو التشريد، مثلما حدث في تونس للعشرات من اليوسفيّين والقوميين واليساريين وللآلاف من الإسلاميين.

 

ملاحظة ديونتولوجية: رجاءً هاجموا الفكرة ولا تشتموا ناقلَ الفكرة أو صاحبَها فهذا الأخير، وحيدُ زمانه، هو جليسي اليومي المفضل في مقهى البلميرا بحمام الشط الشرقية، المقهى الثقافي التي تتحطم فيه الإيديولوجيات، كل الإيديولوجيات 

(Café culturel où on déboulonne les leaders politiques, tous les leaders politiques et où on déconstruit des idéologies, toutes les idéologies).

 

خاتمة: أنهِي بـأبلغِ جملةٍ كُتِبتْ في نقدِ الإيديولوجياتْ، كل الإيديولوجياتْ:

Les idéologies sont liberté quand elles se font, oppression quand elles sont faites. Sartre Jean Paul, 1948, qu’est-ce que la littérature ? Collection idées / Editions Gallimard p.193

"الإيديولوجياتْ، كل الإيديولوجياتْ، هي حرية في بداية تَشكّلها، قمعٌ في نهاية تَشكّلها" (الفيلسوف المرحوم سارْتِرْ).

 

مقاربة إنسانية:

مقاربةٌ قد تبدو لأول وهلةٍ مناقضة للمقاربة الفلسفية أعلاه، لكن حتى غاندي نفسه قال:

Je crois en vérité que s'il fallait absolument faire un choix entre la violence et la lâcheté, je conseillerais la violence. (...) Mais je crois que la non-violence est infiniment supérieure à la violence

لذلك -ورغم غانديّتي- أقفُ إجلالاً وأنحنِي احترامًا للمناضلين الصادقين، يساريين كانو أو إسلاميين أو دساترة أو مجاهدي حروب تحرير، رغم عنفهم وأخطائهم التي قد يكونوا أجبِروا على ارتكابها وأثمّن صبرَهم ومكابدتهم في سبيل تحقيق نواياهم النبيلة حتى ولو كانت وسائلُهم غير نبيلة (mais la fin ne justifie pas les moyens comme il l’a bien dit le grand philosophe allemand Kant).

 

إمضائي

"لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة والبراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى وعلى كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف الرمزي أو اللفظي أو المادي" (مواطن العالَم)

وَ"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك فدعها إلى فجر آخر" (جبران)

 

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط، الأربعاء 2 أوت 2017.Haut du formulaire

 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire