mardi 25 août 2020

طَرحٌ ضد التيّار! فكرة فيلسوف حمام الشط (ماركسي)، تأثيث مواطن العالَم (يساري غير ماركسي)

 

 

Nous sommes, moi et le philosophe de Hammam-Chatt, deux vieux penseurs déconnectés de la scène politique et complètement désintéressés

 

فحوى الطرح: منوالُ التنميةِ الاقتصاديِّ الغربيِّ السائدِ والمعاصرِ هو منوالٌ عقلانيٌّ، ناجعٌ وأمميٌّ بامتيازٍ، لكنه غير عادلٍ وغير أخلاقيٍّ بالمرّة، ملائمٌ وواعدٌ للأقلية الثرية وفي الوقت نفسه ظالِمٌ ومُحبِطٌ للأغلبية الفقيرة. منوالٌ يستثمرُ في البُنى التحتية (صناعة، فلاحة، طرقات، نقل، بناء، بحث علمي، إلخ.) ولا يهتم كثيرًا بالبُنى الفوقية (أخلاق، قِيم، مبادئ، ثقافة، دين، عدالة اجتماعية، مساواة، طبيعة النظام السياسي، حرية التعبير لكل الشعب، حقوق المرأة كامرأة وليست كسلعة، حقوق الأقليات الدينية والعرقية والجنسية، إلخ). منوالٌ، أنا يساري وأقولها بمرارةٍ وأسفٍ شديدٍ، يبدو أن دونه لا أملَ لنا في نهضةٍ وشيكةٍ، لا عادلةٍ ولا غير عادلةٍ !

 

أسوقُ أمثلة للتوضيح، أمثلة موجهة لغير المختصين في الفلسفة أمثالي، ولو أنني أعِي أن الفيلسوفَ لا يحبّذ اختزال الفكرة في أمثلة، أمثلة قد تشوّهها إذا لم نُحسنْ اختيارَها بِحذرٍ منهجيٍّ شديدٍ. سأحاولُ:

1.     تاريخُ الحضارة العربية-الإسلامية، تاريخٌ خالٍ نسبيًّا من تراكم رأس المال لأنه لم يمرّ بما مرّت به الحضارة الغربية، لم يمرّ بنظام عبودي ممنهج ومكثف ولا بنظام إقطاعي مركزي ولا بنظام بورجوازي-بروليتاري واعٍ بطبقيته، أي لم يراكم رأس المال، الشرط الأساسي للنهضة فلم ينهض رغم عديد المحاولات الفوقية.

2.     عبد الناصر استثمر في تغيير البنى الفوقية (قومية، وحدة، عروبة، عدالة اجتماعية، علمانية، إلخ.) ولم يستثمر في البنى التحتية (تصنيع، بحث علمي، تحقيق الاكتفاء الغذائي الذاتي، إلخ.). زميله وصديقه نهرو فعل العكس، خطط للاكتفاء الغذائي الذاتي وحققه وخطط لصنع القنبلة الذرية ووصل ويا ليته ما وصل ولو كان غاندي حيًّا لَما تركه فَعَلْ! فشل عبد الناصر ولم يحقق أي هدفٍ من أهدافه الفوقية  أما التحتية فحدّث ولا حرج (السد العالي كان استثناءً، وخطافٌ واحدٌ لا يصنع الربيع).

3.     جاءت بعده "الصحوة" الإسلامية، اهتمت بالأخلاق واللباس أكثر ممّا اهتمّت بالتصنيع والبحث العلمي، والنتيجة ظاهرة للعيان ولا تستحق مني أي تعليقٍ.

4.     ستالين الشيوعي شيّد البنى التحتية وهَدَمَ البنى الفوقية القديمة كالدين مثلاً، مؤمنًا بالمقولة الماركسية "تغيير التحتية سوف يغيّر حتمًا الفوقية". كذبتْ نبوءته لكنه ورغم ديكتاتوريته مع الجيل السابق فقد ترك بنى تحتية صلبةً، أرضيةً للبناء، استفاد منها الجيل الذي جاء بعده بقيادة الديكتاتور الليبرالي بوتين.

5.     "هون سان"، الوزير الأول، يحكم كمبوديا منذ 33 عامًا، حلّ الحزب المعارِض ويحلم بتنصيب نفسه ملكًا. هذا لم يمنع كمبوديا من تحقيق نموٍّ بـ7 % سنويًّا خلال العشرية الأخيرة. حصل النمو بفضل تطبيق منوالِ التنميةِ الرأسمالي الاستغلالي العقلاني.

6.     الصين الناهضة، بلدٌ شيوعيٌّ في بناه الفوقية (الثقافة) ورأسماليٌّ  استغلاليٌّ في بناه التحتية (المصنع). الحزب الشيوعي الصيني يُصَلِّي لماركس مبشِّرًا  بجنّةٍ على الأرض، وعمّالُ الصين يعيشون تحت حيف الرأسمالية.

7.     عقلي يطمح لِـحَثِّ كل الدول العربية على تبنّي  منوالِ التنميةِ الاقتصاديِّ الغربيِّ السائدِ والمعاصرِ، وقلبي يحثهم على العكس ويتمنى لقومه منوالاً وسطَا مثل منوال الدول الأسكندنافية أو منوالاً أفضل منه قليلاً، وهو منوال الاقتصاد الاجتماعي التضامني النوعي المطبّق منذ الثورة بمسقط رأسي جمنة (العمال فيه أجراء وليسوا شركاء، والمردود المالي كله يُصرَف في المصلحة العامة).

أنا حائرٌ، هل أغبط البلدان التي انخرطت في العولمة أم أرثي لحالها، بلدان مثل كوريا الجنوبية، تركيا، ماليزيا، أثيوبيا، رواندا وغيرها من الدول التي كانت أفقر منا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

والله أنا فعلاً حائرٌ في أمري، أيهما أختار: التنمية الاستغلالية العقلانية الناجعة أو العدالة الاجتماعية غير الاستغلالية لكنها غير ناجعة في البناء والتشييد؟ يبدو لي أن تَراكُمَ رأس المال هو الشرط الأساسي لِـتحقيق التنمية، لكنه شرطٌ لا يمكن أن يتحقق في ظل نظام عادل اجتماعيًّا.

ما الحل إذن؟ أنا مثلكم أسأل، ومَن أنا حتى أملك جوابًا واضحًا لمسألةٍ معقدةٍ مثل هذه المسألة؟ النقدُ فرديٌّ لكن البناءَ جماعيٌّ أو لا يكونْ.

8.     تجربة جمنة، لا أعرف هل يجوز لي أن أعيبَ عليها إنجازَها لمشاريع اجتماعية وخيرية غير رِبحية أو أشكرها على صنيعها الإنساني (قاعة رياضة، سيارة إسعاف، بناء حمّامَين، واحد للرجال والثاني للنساء، تشجيع الأنشطة الثقافية، توزيع منح على الطلبة المعوزين و توزيع خرفان مجانًا على الفقراء في عيد الأضحى)؟

تجربتنا الجمنية، لو طبقتْ العقلانية الرأسمالية الاستغلالية الخالية من العواطف لراكمت ثروة وشيّدت بأرباحها مصنعًا للتمور ومركزَ بحثٍ في علوم زراعة النخيل.  مصنعٌ قد يدرّ عليها أرباحًا كبيرة تَقْدَرُ أن تبني بها عوض القاعة قاعتين وتشتري عوض السيارة سيارتين وتشغّل عوض العامل الواحد، عشرين عاملاً.

في الآخر أقول "المتفرّجُ فارسٌ" وأهلُ جمنة  أدرَى بما تحتاجه جمنة، أعني بأهلِ جمنة أعضاء جمعية حماية واحات جمنة وسكان جمنة. لهم مني ألف تحية، وليتسع صدرهم لتطفلي الناتج عن إفراطٍ في الحب وجنونٍ في العقل.

 

إمضائي

"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

 

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الأربعاء 18 جويلية 2018.

 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire