vendredi 21 janvier 2022

شاحنتان تسيران في اتجاه معاكس عملتا حادث مرور على الحدود التونسية-الجزائرية.

 

واحدة محمّلة دﭬلة من تونس إلى الجزائر والأخرى محمّلة دﭬلة أيضًا لكن من الجزائر إلى تونس.

تبعثرت تونس والجزائر على الطريق.

نزل السائقان غاضبَين وتساءلا في نفس الوقت وقال كل واحد منهما للآخر: "لماذا تستوردون دﭬلة وأنتم منتجون للدﭬلة ؟".

نطقت الدﭬلة من جنبَيها وأجابت السائقَين: "حتى يرتفع سعري على المستهلك في تونس والجزائر لا أكثر ولا أقل".

 

NB : idée inspirée d’une conférence de Pierre Rabhi (1938-2021), essayiste, romancier, agriculteur, conférencier et écologiste français d’origine algérienne.

jeudi 20 janvier 2022

فكرة قرأتها في كتاب: نظرة الوجودية للحرية. نقل مواطن العالم

 


كتاب "مفهوم الحرية"، تأليف: عبد الله العروي، الناشر، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة السادسة 2002. 114 صفحة.

نص عبد الله العروي

صفحة 77

إن الوجودية تلتقي مع الماركسية في المنبع و تتعارض معها في الاستنتاج. تلتقي معها على مستوى الفلسفة عندما تقر أن الحرية مفهوم إنساني و أن الإنسان حر بالتعريف. و تتعارض معها في ميدان التاريخ و الاجتماع حيث ترفض أن تنتظر نهاية التاريخ و تحقيق المجتمع الكامل لكي تتمتع بالحرية. ترفض أن تخضع حرية الفرد لاستطاعة الجماعة و أن تقدم الحرية السلوكية (أي حرية العمل و التنفيذ) على الحرية الوجدانية (أي حرية الإدراك و الحكم). تتأرجح الوجدانية في استنتاجاتها السياسية بين مناصرة الحركة الاشتراكية فيما يتعلق بالحقوق الاجتماعية و بين مناصرة الليبرالية فيما يتعلق بالحريات الفردية. نجد هذا الاتجاه في السارترية في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، و في التيار الذي تأثر بها في سوريا و لبنان بعد الخمسينات. لا يمكن إنكار الدور الذي لعبه الكتّاب العرب المتأثرين بالوجودية في ميدان الأدب و الفكر حيث أعطوا نفسا جديدا لمفهوم الحرية. أكان في البحث و المقالة أو في القصة و المسرح، فإن الإنتاج العربي بعد الخمسينات ضمّن كلمة حرية معنى فرديا شاملا مطلقا، حسب اتجاه الوجودية.

و السبب في ذلك واضح. قلنا أن الحرية الوجودية كما عبّر عنها سارتر هي القدرة على الإعدام. فهذه عبارة تماما المطلب الأول للمجتمع كما يشعر به المثقف العربي الثائر. إن الواقع العربي في عين المثقف واقع مرفوض، يجب أن تُسلب منه المشروعية. لقد رأى المثقفون العرب في الوجودية أساسا نظرية الرفض الشامل العنيف، النظرية التي يقرّها عالم محتاج إلى معول يهدمه لكي يُعاد بناؤه. لذلك لم يهتموا بأسس المذهب الوجودي بقدر ما تلقوه كدعوة خلقية يجب الانصياع لها. و لهذا تغلّب الجانب الأدبي التعبيري على الجانب النظري التمحيصي.

و من جرّاء عدم الاهتمام بالأسس الفلسفية وقع تداخل بين الوجودية و مذاهب أخرى كانت تدعو أيضا إلى الحرية مثل الماركسية. حصل في الغرب مثل ذلك التداخل لكن على نطاق ضيق. و تطور التداخل إلى حد تبلور مذهب وجودي/ماركسي ما يزال ناشطا في الميدان الفكري العربي حتى يومنا هذا. و لأوضح ما أعني بهذا التداخل أسوق مثلا واحدا. يقول عزيز السيد جاسم في كتاب الثورة و الحرية الناقصة: "يتكشف أمامنا تناقض بين التاريخ و الحرية. فالتاريخ هو تحقيق الحرية حسب شَرْطَيْ الفهم الصحيحين الهيغلي و الماركسي و لكن صحة التاريخ و نشاطيته تبقى معلقة ما دامت الحرية مفتقدة و باقية كموضوع مجاهَدة". التناقض موجود بالفعل عند ماركس الشاب و حتى عند هيغل الشاب، لكن السبب الذي جعل المؤلف يعي هذا التناقض اليوم هو أنه يستعمل مفهوم التاريخ كالماركسيين و مفهوم الحرية كالوجوديين. لو بقي في نطاق ماركسية أنجلس مثلا لما أحس بالمرة بهذا التناقض لأنه بكل بساطة كان سيرجئ الحرية الفردية المطلقة إلى ما بعد نهاية التاريخ. طلبه الإبقاء على الحرية في نطاق التاريخ كما يعيشه الإنسان الآن هو طلب الوجوديين منذ أن ثار كيركغارد ضد مفهوم الموضوع (أي مفهوم التاريخ) عند هيغل.

 

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 18  فيفري  2012.

 

 

فكرة قرأتها في كتاب: ما هي الرموز الخمسة للحرية في التجربة الإسلامية ؟ نقل مواطن العالم

 

 

كتاب "مفهوم الحرية"، تأليف: عبد الله العروي، الناشر، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة السادسة 2002. 114 صفحة.

نص عبد الله العروي

صفحة 5

نعتقد أن أيسر مدخل إلى روح أي مجتمع هو مجموع شعارات ذلك المجتمع بشرط أن نأخذ الشعارات كمادة للتحليل الفلسفي و التاريخي و الاجتماعي، كرمز لما هو موجود و لما هو ناقص في المجتمع. إن الانطلاق من الشعارات يستلزم استيعاب المنطق الجدلي، و إلا أصبحت العملية تبريرا للواقع.

صفحة 17

إذا أردنا أن نعرف معنى الحرية في مجتمع ما، علينا أن نحلل فقه ذلك المجتمع...إذا اعتبرنا أن الفقه يعطينا صورة شاملة على العلاقات الاجتماعية في المجتمع العربي التقليدي (هامش 17 صفحة 23).

مسائل تهم الحرية و إن عبرت عن ذاتها بكلمات غبر كلمة حرية.

1.     البداوة: ... في القاموس لا ترادف البداوة الحرية. لكن إذا نظرنا إليها كرمز، كفكرة، مجردة في الذهن. و خاصة في ذهن الشعراء و الأدباء و المؤرخين العرب، فإننا مضطرون إلى الاعتراف بأنها كانت تجسد على مدى قرون ما تطلّع إليه الناس من سعة في العيش و فسحة في التصرف.

2.     العشيرة: ... و هكذا نرى أن قانون العشيرة يعارض قانون الدولة في المجتمع الإسلامي. و بقدر ما يناقض قانون الدولة حرية الفرد، بقدر ما يعين قانون العشيرة، في عين الفرد، على تحقيق الحرية بالمحافظة على الحقوق المكتسبة و الامتيازات الموروثة.

3.     التقوى: الناصري: "إن الله شرّف الإنسان بالعقل الذي يعقله عن الوقوع في الرذائل و يبعثه على الاتصاف بالفضائل"... ابن خلدون يقول: "إن الأحكام الشرعية غير مفسدة للبأس لأن الوازع فيها ذاتي" يتضح لنا من هذين القولين أن المسلمين في القرون الماضية لم يعيشوا التقوى كرضوخ لأمر خارجي بل كاستجابة لنداء موجه إلى الجزء الأسمى في الإنسان، و هو العقل، لكي يتغلب على الجزء الأدنى، أي على النفس الشهوانية. فإن الإئتمار بالشرع في نظرهم تحرير للعقل من قيود الجسم و ارتقاء من طبيعة سفلى إلى طبيعة عليا... لقد عبر على الفكرة ذاتها عدد من الكتّاب الأوروبيين و من ضمنهم روسو. يقول إميل في القصة التي تحمل اسمه: "أرغمني على الاستقلال بذاتي لكي أخضع للعقل و للعقل وحده دون الحواس"... إن تجربة القرون الماضية تؤكد لنا أن التقوى تحرير الوجدان و توسيع لنطاق مبادرات الفرد. إنها كانت طريقا للشعور بالتحرر، فلا عجب إذا أصبحت رمزا للحرية.

4.     التصوّف: إن التصوف تجربة فردية ذهنية تتلخص في تمثل الحرية المطلقة بعد الانسلاخ عن كل المؤثرات الخارجية، الطبيعية و الاجتماعية و النفسانية... لقد نشأ التصوف في المدن و انتشر بعد انحطاط الدولة و تدهور الحضارة المادية و الأدبية... كلما اشتد الخناق على الفرد احتد وعيه بالحدود الاصطناعية التي تحد من تصرفاته، كما أنه كلما ازداد ثقل الجسم اضطر الفكر إلى تعميق تجربته للانفلات و التحرر... و تنتهي حتما عملية التجريد هذه بالتماهي الكلي مع فكرة الحرية... لا عجب إذن أن يقول الحلاج: "أنا الحق". إننا نلمس معنى الحرية المطلق في الإسلام عند المتصوفة لا عند المتكلمين أو الأصوليين... و هكذا تتقابل التجربة الصوفية و التجربة البدوية: ترمز البداوة إلى حياة خارج القوانين الاصطناعية، و يرمز التصوف إلى حرية وجدانية مطلقة داخل الدولة المستبدة. يعيش البدوي الحرية (أو هكذا يتخيل الأمور) و لا يعي الحدود الكثيرة المفروضة على تصرفاته فلا يتمثل فكرة الحرية. أما الفرد المتصوف فإنه يعي بدقة وضعه في أسفل دركات العبودية فيتمثل فكرة الحرية المطلقة... يقابل التصوف الحضري الحب العذري الذي نشأ في البادية.

5.     إضافتي: العلاقة العمودية دون وساطة بين المخلوق و الخالق: يبدو لي حسب اجتهادي الخاص و المحدود في تفسير و تأويل القرآن الكريم أن حرية المعتقد مباحة في الدنيا و مرهونة بالعقاب في الآخرة، قال الله تعالى: " وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا"، لكن الحرية داخل المعتقد في الإسلام مطلقة و لا حدود لها، فالمخلوق لا يرضخ إلا للخالق لا غيره و علاقته بربه عمودية و مباشرة و لا وساطة فيها حتى للرسول محمد صلى الله عليه و سلّم، قال الله تعالى: "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين".

لم يجد المستعربون مفهوم الحرية الأصلية الشاملة المطلقة في اللغة فظنوا أن النقص يدل أولا على انعدام ممارسة الحرية و ثانيا على غياب الشعور بضرورة الحرية. و هذان الاستنتاجان خاطئان. فإلى جانب قاموس الكلمات - و هو قاموس الثقافة - يوجد قاموس الرموز الذي هو قاموس التاريخ الفعلي و هو أكمل من الأول. بحثنا نحن عن تلك الرموز و وجدنا أربعة، كل واحد منها يعبر عن مؤسسة اجتماعية، عن دعوة أخلاقية، عن مثل أعلى، و عن نفسانية نوعية. تشير التقوى إلى حرية فردية داخل الدولة و يذهب التصوف إلى أقصى مدى في هذا الاتجاه ليتصور ملامح الحرية المطلقة خارج الدولة.

صفحة 29

كان المجتمع العربي التقليدي يتميز بشكل من أشكال التوازن، إن صح التعبير، بين البداوة و العشيرة و الدولة و الفرد. تمثل البداوة حرية الأصل، السابقة للدولة، و تمثل العشيرة المحافظة على بعض حرية التصرف داخل الدولة، و يستطيع الفرد أن يلجأ إلى التصوف الذي يخرجه نهائيا عن مجال السلطان. كان المجتمع السياسي يتميز بالاستبداد المطلق لكن مجاله كان ضيقا.

صفحة 34

أصبحت الكلمة (حرية) رمزا لجميع هذه المطامح و التطلعات و قضت على الرموز السابقة التي لم تعد مواكبة للظروف القائمة. اكتسحت كلمة حرية الميادين التي كانت تعبر عنها من قبل رموز البداوة و التقوى و التصوف و الولاء العشائري، لأن الدولة أصبحت محور الحياة الاجتماعية كلها بعد أن قضت جزئيا أو كليا على البداوة و العشيرة و التصوف (هامش 5: لا ننس أن الدولة التي نتكلم عنها هنا متأثرة بأوروبا الليبرالية، و في بعض الأحيان تحت أوامرها).

 

تاريخ أول نشر على النات: حمام الشط في 15 فيفري 2012.

 

samedi 15 janvier 2022

فكرة قرأتها في كتاب: نظرية الحرية عند بعض المفكرين المسلمين. نقل مواطن العالم

 


كتاب "مفهوم الحرية"، تأليف: عبد الله العلروي، الناشر، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة السادسة 2002. 114 صفحة.

نص عبد الله العروي

صفحة 73

يقول الهيغلي: المطلق هو الدولة، و يقول الماركسي: هو الطبقة، و يقول الوجودي: هو الوجدان الفردي. فترد الكلامية الجديدة (نعني بالكلامية الجديدة على وجه الخصوص مدرسة كارل بارث البروتستانتية): هذه كلها أصنام. المطلق إنما هو كلمة فارغة استعملت استحياء محا كلمة الله. يجب الآن استعمال الكلمة الملائمة. إذا لم نؤصّل الحرية في القدرة الإلهية فإننا أما نتركها ضحية للصدفة و الاتفاق كما يفعل الليبراليون حيث يفترضون بالدوام اتفاق العقلاء في تعيين المصلحة المشتركة، و أما نصبح عبدة أصنام كالدولة و الطبقة و الوجدان، و الأصنام لا تنفك تنفي الحرية في الآن و تؤجلها إلى نهاية ما لا نهاية له.

من الواضح أن هذا المنطق غير متعلق بدين معين. فليس من الغريب أن نرى بعض الكتّاب المسلمين في السنوات الأخيرة يتقمصونه و يسيرون في اتجاه مشابه للكلامية الجديدة. و السبب في ذلك هو فقط اكتشاف تناقضات الحرية الليبرالية و خطرها على الموروثات. فالمنطلق الواحد يؤدي حتما إلى نتائج مماثلة، مهما كان التغاير في التراث اللغوي، الثقافي و الفكري.

صفحة 97

و نهتم بجماعة أخرى من المفكرين يعتمدون على الإسلام لا لهدم مفهوم الحرية بل لتركيزه و تأصيله. فنلاحظ عندهم إرادة واضحة لهضم ما جاءت به الهيغلية و الماركسية و الوجودية، أو بعبارة أخرى إرادة واضحة لتناول مفهوم الحرية بجد، و أساس تفكيرهم هو أنه إذا كان الإسلام لا يعير أهمية كبرى للحريات السياسية و الاجتماعية فليس لأنه ضدها، بل بالعكس من ذلك لأنه يتعداها ليصل إلى حرية كونية أعمق و أشمل. يقول أحد هؤلاء الكتّاب: "إن التحرر الاقتصادي كما يراه الشيوعيون لا يكفي إن لم يكن تحررا وجدانيا و ذلك في الإسلام بتوحيد الله القاطع و نفي كل كهانة و وساطة" (هامش 32: سيد قطب. العدالة الاجتماعية في الإسلام. القاهرة، 1952.). لهذا السبب نراهم يرفضون التأويل الليبرالي الذي سحبه على الإسلام مصلحو القرن الماضي إذ يرون فيه تبسيطا و تشويها لروح الإسلام الحق. و يرفضون بالأخص حصر الإسلام الصحيح في الاعتزال. إنهم لا يقرّون بأن المعتزلة و من تأثر بهم من الباطنية كانوا من دعاة الفكر الحر و أنصار العقلانية الخالصة. بل يعتبرونهم ممثلين لمدرسة من المدارس الكلامية التي لم تُوفّق للتعمق في مضمون الدعوة المحمدية و الأمر الإلهي، فتراءت لها مفارقات لفظية لم تتغلب عليها بسبب تسامحها في ضبط استنتاجاتها، فمن أراد أن يدرك المقصد العميق للأمر الإلهي، حسب هؤلاء المفكرين، عليه أن يرجع إلى الأصوليين من الفقهاء و المتصوفة. لا شك أن هذا النقد الموجه ضد تأويل الإسلام الليبرالي - تأويل أحمد أمين و تلاميذه – يصيب الهدف في كثير من الأحيان و ينم عن معرفة أوثق بالتراث الإسلامي، بل عن شعور أدق بمشكلات الليبرالية الغربية ذاتها. إن هؤلاء الكتّاب يشعرون بأن الليبرالي الحقيقي لا يمكن أن يكون جديا حينما يتناول مسائل دينية لأن الليبرالية تسير حتما في طريق اللاأدرية. من هنا تحامله على طه حسين و كتاباته الإسلامية.

إن نقد الليبرالية يقود في كل الأحوال إلى ضرورة وضع المطلق كأصل للحرية البشرية، أتجسد ذلك المطلق في الدولة أو في القانون الطبيعي. المطلق في عين الجماعة التي نتكلم عنها لا يمكن أن يكون سوى الله الواحد. إن الأمر الإلهي يعني بالضرورة الحرية المطلقة و لا حرية للإنسان إلا به. فهو أصل الحرية البشرية و ضامنها. هذا منطق شبيه بما كشفنا عنه عند الهيغلية و الماركسية و الوجودية، و به تتكون عند هؤلاء المفكرين المسلمين نظرية الحرية.

كثيرون هم المؤلفون الذين يسيرون في الاتجاه الذي نحن بصدده، بحيث يزيد أو ينقص تعلقهم بالحرية لكنهم يلجئون إلى تأويل واحد. نذكر من بينهم رجلين فقط هما علال الفاسي و حسن حنفي.

صفحة 85

على مستوى الواقع تنقلب الدعوة إلى الحرية المطلقة فتصبح تبريرا للخضوع المطلق فلا يبقى مجال حتى لتلك الحريات الليبرالية التي لم تدّع أبدا العمق و الإطلاق، غير أنها حافظت على شيء من الواقعية

هكذا يتضح لنا أن نظرية الحرية لا تثبت بأي حال واقع الحرية. بل يمكن القول أنها في الحقيقة تخفي نفي الحرية من الحياة اليومية فهي تعبر عن الجدلية الملاحظة في التاريخ: تتضخم الحرية في الفكر بقدر ما تضمر في الواقع. هذا هو النقد الذي توجهه الليبرالية إلى نظرية الحرية. تقول الليبرالية: استبدال النظرية بالوضعانية في مسألة الحرية ليس عجزا، بل هو ضمان للحرية ذاتها.

 

صفحة 86: خاتمة

 

هل يجوز لنا أن نقف عند هذا الحكم القاسي و نقول إن نظرية الحرية (أي إطلاقها) خطر على الحرية ؟

لا بد من التذكير أن النظرية الهيغلية و الإسلامية المعاصرة، تقول أن المهم ليس نجاح النقد، نقد الدولة و نقد الأصنام، في كل محاولة. المهم هو المحاولة ذاتها و تكرارها عبر التاريخ رغم الإخفاقات المتتالية. إن المحاولة دليل على منبع الحرية الكونية. إن الدولة اللامعقولة لا تنقلب إلى دولة معقولة بسهولة، و كل صنم مكسر يخلفه صنم جديد. لكن لماذا الإنسان لا يمل ؟ لماذا لا يكف عن المحاولات ؟ و السؤال لا يتعدى ملاحظة جهد الإنسان المتواصل لتحقيق الحرية.

نستخلص من هذا التحليل أن الحرية في مفهومها تناقض و جدل: توجد حيثما غابت و تغيب حيثما وجدت. و النظرية هي الكشف عن ذلك. فالنظرية من جهة لا يمكن أن تنفي ذاتها لتقف موقف الليبرالية و تأخذ الحرية شعارا بديهيا (إن الليبرالية تنفي البحث في نظرية الحرية عن قصد لأنها تخاف من نتائجها كما أوضحنا ذلك. ليس في الليبرالية دليل منطقي على عدم شرعية النظرية) و ليس في مقدورها من جهة أخرى أن تضمن وجود الحرية في التاريخ و المجتمع و الدولة. كل ما تقوله النظرية هو أن الحرية لكي تتحقق يجب أن تُعقل، و لكي تُعقل يجب أن تُطلق.

نظرية الحرية إذن في غاية الأهمية و في نفس الوقت في غاية التفاهة.

 

 

إمضائي

"أنا أعتبر نفسي سليل الفكر الإسلامي و القومي و الماركسي و الليبرالي و الإنساني معا فليس هناك تمثل من دون نقد. فأنا أعتبر نفسي ثمرة النقد المثلث للإرث الإنساني الليبرالي و الماركسي و القومي و لا أعتبر نفسي غريبا عنه في مكوناته المختلفة. و أنا سليل هذه المكونات الفكرية بمعنى أنني ثمرة لها و في الوقت نفسه ثمرة التأمل النقدي فيها" برهان غليون.

إضافتي: أعيد الترتيب و أقول: أنا أعتبر نفسي سليل الفكر الماركسي و اليساري الليبرالي الإنساني النقدي و الإسلامي.

 

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في  19 فيفري  2012.

 

vendredi 14 janvier 2022

فكرة قرأتها في كتاب: موقف الفيلسوف جون ستوارت ميل من بعض المحرّمات في الإسلام. نقل مواطن العالَم

 


كتاب "مفهوم الحرية"، تأليف: عبد الله العلروي، الناشر، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة السادسة 2002. 114 صفحة.

تنبيه ضروري

ما أنشره في هذه السلسلة من نقل و تعليق، تحت العنوان المشترك "فكرة قرأتها في كتاب"، لا يمثل بالضرورة موقفي الفكري بل هو عبارة عن مذكّرة خاصة، أعتمدها شخصيا عند الرجوع إلى الكتاب الأصلي. لا تغني هذه الاقتباسات عن قراءة الكتاب كاملا. يجب إذن توخّي الحذر الشديد في التعامل مع ما ورد فيها لأن لا تصل إليكم فكرة الكاتب ناقصة أو مشوّهة. أنشر هذه السلسلة مساهمة مني في رد الاعتبار لفن ثامن في طريق الانقراض، اسمه "مطالعة الكتب" و فكرة الكتاب تلزم الكاتب و لا تلزم الناقل دون أن نتغافل عن كون الأفكار هي وقائع فكرية تستقل عن قائلها.

لمحة صغيرة عن حياة جون ستوارت ميل

جون ستيوارت ميل هو فيلسوف واقتصادي بريطاني، ولد في لندن عام 1806 م. زاول كتابة المقالات والنقد، وحمل عبء الحركة النفعية على كاهله، وكانت مقالاته مصدر شهرة واسعة له، مما جعله خبير في الشؤون العامة. لقد امتدح ما كان أبوه امتدحه من قبله، العقلانية والمنهج التجريبي، و الديمقراطية والمساواة، وهاجم، ما كان يهاجمه النفعيون، التعصب الديني والإيمان بالحقائق البديهية التي لا يمكن إقامة الدليل عليها ونتاجها اليقينية التي أفضت في رأيه إلى التنازل عن المنطق.

نص عبد الله العروي

1.     بعض أقوال ميل المشهورة و المأثورة

صفحة 43

يقول جون ستوارت ميل: "إن مشكلة الحرية تطرح بإلحاح داخل الدولة الديمقراطية.. بقدر ما تزداد الحكومة ديمقراطية بقدر ما ينقص ضمان الحرية الفردية".. "لقد رجحت كفة المجتمع على كفة الفرد و الخطر المحدق الآن بالبشرية ليس في فرط الميول الشخصية بل بالعكس في قلتها".."كلما تعين ضرر، واقع أو محتمل، إما للفرد و إما للعموم، ينزع الفعل الذي قد يتسبب في الضرر من حيز الحرية ليلحق بحيز الأخلاق أو بحيز القانون".

صفحة 44

يقول طوكفيل، أحد أقطاب الليبرالية في القرن التاسع عشر: "إن معنى الحرية الصحيح هو أن كل إنسان، نفترض فيه أنه خلق عاقلا يستطيع حسن التصرف، يملك حقا لا يقبل التفويت في أن يعيش مستقلا عن الآخرين في كل مل يتعلق بذاته و أن ينظم كما يشاء حياته الشخصية".

يرى ميل أن الدولة الصناعية الديمقراطية تتجه نحو هذا الاتجاه الخاطئ و يقول: "إذا كانت الطرق و السكك و البنوك و دور التأمين و الشركات بالمساهمة و الجامعات و الجمعيات الخيرية كلها تابعة لإدارة الحكومة و إذا أصبحت، زيادة على ما سبق، البلديات و الجماعات المحلية مع ما يترتب عنها اليوم من مسؤوليات، أقساما متفرعة عن الإدارة المركزية، إذا كانت الحكومة هي التي تعين موظفي تلك المصالح و تكافئهم بحيث يعود أملهم في تحسين معاشهم معقودا عليها، إذا حصل كل هذا، حينئذ تصبح الحرية اسما بلا مسمى، رغم المحافظة على حرية الصحافة و على انتخاب المجلس التشريعي بالاقتراع العام". هذا النقد اللاذع و المسبق لجميع أنواع التأميمات و التنظيمات الاشتراكية يفسر اهتمام الأوساط الثقافية الأمريكية بكتاب ميل في السنوات الأخير.

بيد أن ميل لا يعارض فقط توسيع دائرة الدولة. إن تخوفه من المجتمع الديمقراطي لا يقل عن تخوفه من سطوة الدولة على حرية الفرد. يلاحظ أن المجتمع في إنجلترا و أمريكا الشمالية يعرف نوعا من الإجماع الأخلاقي بحيث يمارس الرأي العام سلطة مطلقة على أذهان الأفراد. يقول عن أنجلترا: "ليست هذه البلاد وطنا لحرية الفكر". حين يتم الإجماع يتصالح الناس و ينتهي الشقاق و التخاصم، لكن يؤدي الإنسان على ذلك الصلح ثمنا باهظا، إذ يفقد كل جرأة في التفكير و التعبير و يعود ينظر إلى الابتكار كعلامة على الانعزال و الشقاق. يزيد ميل موضحا رأيه: "عندما نقبل أن تكون المبادئ مسلمات لا تحتمل النقد و أن تكون المسائل الكبرى التي تهم البشر موضحة بدون نقاش مجدد، حينذاك يضمر النشاط الفكري الذي طبع الفترات الذهبية من تاريخ الإنسان"، (تعليقي: "و الفترة الذهبية في تاريخنا العربي الإسلامي، على حد علمي، هي الفترة العباسية حيث كثر الجدل الفكري و ساد التسامح مختلف المذاهب الدينية و ترجمت الفلسفة اليونانية و..."). يرى ميل أن النقاش المتجدد في جميع المسائل ضروري للتقدم البشري و لا يعتد بالاعتراض القائل أن الحقائق الرياضية و الهندسية ثابتة لا تقبل النقاش و يعتبره في غير محله. يرى أيضا أن النقاش المفيد هو المفتوح الذي لا يعرف مسبقا النتائج، غير المناظرة الكلامية المعروفة في القرون الوسطى و المبنية على النمط التالي: إذا قيل كذا فالجواب كذا. يلخص ميل رأيه في العبارة البليغة التالية: "لو كانت الإنسانية كلها مجمعة على رأي عدا فرد واحد فلا يحق لها أن تسكت الفرد المخالف لرأيها، كما لا يحق لذلك الفرد، لو استطاع، أن يسكت الإنسانية المعارضة لرأيه".

يتضح هكذا أن مخالفة الجمهور و حيوية النقاش و بلورة الشخصية الفردية هي أصل التطور و ضمان مواصلة التقدم. يقول ميل: "إن القسم الأكبر من الإنسانية لا يملك تاريخا بالمعنى الحقيقي لأنه يئن تحت وطأة الاستبداد"، (تعليقي: "التاريخ يكتبه المؤرخون المأجورون لفائدة أسيادهم الحكام الأقوياء أما المستضعفين المستغَلين فلا مؤرخين لهم و لا تاريخ مكتوب، يسجل بطولاتهم و يحفظ للأجيال القادمة تضحياتهم في مقاومة الاستبداد".

حيثما كان الاستبداد توقف التاريخ و التقدم. هذه خلاصة تفكير ستوارت ميل. يجب أن نذكر في هذا الصدد أن حرية الرأي و التأويل كانت دائما من أصول الليبرالية. يقول روسو متعرضا لحركة الإصلاح الديني في أوروبا أن منطق ذلك الإصلاح: "هو قبول كل تأويلات الكتاب المقدس سوى تأويل واحد، ذلك الذي يرفض حرية التأويل". و يعلق: "إن ماهية العقل أن يكون حرا، و لو أراد أن يخضع لسلطة الغير لما تسنى له ذلك.

2.     موقف ميل من بعض المحرّمات في الإسلام

 

صفحة 46

 

قبل أن نبحث في قضية مدى استيعاب المفكرين العرب للمذهب الليبرالي علينا أن نرى كيف كان ينظر الليبراليون الغربيون إلى الإسلام. يكفي أن نسرد في هذا الصدد آراء ستوارت ميل نفسه.

نستنتج من التحليل السابق أن ميل كان يرى أن المجتمع الإسلامي غير ليبرالي ليس فقط في نظام الحكم الذي كان فرديا و استبداديا، بل في النظام الاجتماعي العام المؤسس على الإجماع في الرأي و على تحريم النقد و النقاش المفتوح.

بيد أن ميل لا يخص الإسلام بهذا الحكم. إنه يطلقه على كل المجتمعات السابقة للعهد الحديث في أوروبا، عهد نهضة العلوم اليونانية و الإصلاح الديني. يقول بكل وضوح: "يمكن إهمال تلك المجتمعات المتأخرة التي ما زال الجنس الإنساني فيها دون الرشد".

ينقد ميل كل مجتمع متزمت، متشدد في قوانينه الأخلاقية و الدينية التي يضعها فوق أي نقاش. ينقد المجتمع الأنجليزي و الأمريكي، و على نفس الأساس ينقد المجتمع الإسلامي. يذكر صراحة الإسلام عندما يتعرض لمسألة تحريم تجارة الخمر. يقول أن التحريم يمس حرية الفرد لأنه يفترض أن الفرد لا يعرف مصلحته. يعارض ميل التحريم الذي كانت تطالب به جمعيات في أنجلترا لنفس السبب الذي دعاه إلى نقد التشريع الإسلامي في هذا الموضوع. و ينتقد كذلك تحريم أكل الخنزير في الإسلام. فيقول أن للمسلمين الحق في تجنبهم لحم الخنزير لأنهم يعافونه، لكنهم عندما يحتقرون غيرهم ممن لا يعافه و يأكله، فإنهم يمسون بحرية ذلك الغير. إن ميل في واقع الأمر يعارض أساسا نظام الحسبة و لسبب عام هو أن المحتسب يضع نفسه في موضع الله و يعاقب أخاه الإنسان الذي لا يطيع الأوامر الإلهية. يقول ميل: "إن الناس عندما ينهون غيرهم عن المنكر يعتقدون أن الله لا يكره فقط من يعصي أوامره، بل سيعاقب أيضا من لم ينتقم في الحال من ذلك العاصي". و هذا في نظره اعتقاد خاطئ لأنه افتئات على القدرة الربانية. إن ميل ينظر إلى الإسلام من هذه الزاوية، و يراه أولا و أخيرا كنظام مجتمعي متزمت مشيد على الإجماع و محاربة الانشقاق، و بالتالي مخالفا لأصول المجتمع الليبرالي.

 

صفحة 53

 

و في المجتمع المتقدم نفسه مَن يضمن لنا أن يكون المرء دائما عاقلا ؟ يطرح ستوارت ميل الأسئلة التالية: هل يجوز السماح ببيع السم أو التبغ أو الخمر؟ هل يسمح للمرء أن يبيع نفسه لغيره ؟ هل يجب إجبار المرء على التعليم ؟ هل يجب تحديد النسل ؟ في واقع الأمر لم يكن من المنتظر أن يطرح ميل هذه الأسئلة إذا تذكرنا الحجج التي بنى عليها انتقاده للحسبة في الإسلام. لقد رفض مبدأ الحسبة لأنها تفترض، خطأ في رأيه، أن الإنسان لا يعرف مصلحته، و ها هو الآن يرجع إلى المنطلق الذي كان الفقهاء المسلمون يبررون به نظام الحسبة. يقول ميل في كل قضية من القضايا السابقة أن عدم تدخل الدولة قد يؤدي إلى أن يضر المرء نفسه بنفسه: أن يبقى جاهلا أو أن يبذر ماله أو أن يسمم أقرباءه أو أن يبيع نفسه، لكن إذا تدخلت الدولة و منعت بعض الأنشطة، فسيكون المنع بالنسبة للرجل العاقل تجنيا على حقه في التصرف الحر. يتردد ميل ترددا واضحا و لا يعطي رأيا جازما في هذه القضايا. يقول مثلا فيما يتعلق بتحديد النسل في كتابه حول الاقتصاد السياسي: إذا كانت الدولة مسؤولة على تغذية الفقراء فلها الحق أن تحد من النسل، أما إذا تركت الناس ينجبون كما شاؤوا فليس عليها أن تعيل الفقراء.

 

إمضائي

"لا أحد مُجبر على التماهي مع مجتمعه. لكن إذا ما قرّر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذن أن يتكلم بلسانه (المجتمع)، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه...لأن في التماهي شرط التحقيق، أي شرط المرور من التصور إلى الواقع، من الفكر المجرد إلى الحياة" (عبد الله العروي)

تعليقي: للوصول إلى التماهي مع المجتمع يجب استعمال خطاب غير جبهوي و غير صادم لأن الخطاب الجبهوي والصادم ينفّر و لا يبشّر.

 

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 20  فيفري  2012.

 

 

jeudi 13 janvier 2022

فكرة قرأتها في كتاب: نظرة الماركسية للحرية. نقل مواطن العالم

 


كتاب "مفهوم الحرية"، تأليف: عبد الله العلروي، الناشر، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة السادسة 2002. 114 صفحة.

تنبيه ضروري

ما أنشره في هذه السلسلة من نقل و تعليق، تحت العنوان المشترك "فكرة قرأتها في كتاب"، لا يمثل بالضرورة موقفي الفكري بل هو عبارة عن مذكّرة خاصة، أعتمدها شخصيا عند الرجوع إلى الكتاب الأصلي. لا تغني هذه الاقتباسات عن قراءة الكتاب كاملا. يجب إذن توخّي الحذر الشديد في التعامل مع ما ورد فيها لأن لا تصل إليكم فكرة الكاتب ناقصة أو مشوّهة. أنشر هذه السلسلة مساهمة مني في رد الاعتبار لفن ثامن في طريق الانقراض، اسمه "مطالعة الكتب" و فكرة الكتاب تلزم الكاتب و لا تلزم الناقل دون أن نتغافل عن كون الأفكار هي وقائع فكرية تستقل عن قائلها.

نص عبد الله العروي

صفحة 67

رأينا أن "هيغل" يضع الحرية في بداية التاريخ. تأتي الماركسية فتقلب هذه المقولة و تضع الحرية في النهاية، عندما يختفي المجتمع الحالي المبني على الملكية الفردية و عندما يستوعب الإنسان العلوم الموضوعية و يتحكم في الطبيعة. بالقضاء على الملكية يتحرر الإنسان من تحكم أخيه الإنسان و بامتلاك العلوم يتحرر من تحكم قوى الطبيعة. و هكذا يتحرر من الخصاصة و الفقر و المرض و من التطاحن الناتج عن انقسام المجتمع إلى ملاكين و مستخدمين. و هذا التطور يحصل بكيفية تلقائية من جراء التناقضات الطبيعية و الاجتماعية، ثم يتحول بعد حين إلى تطور ذاتي عندما يعقل الإنسان تلك التناقضات و يعمل على تعميقها في مرحلة أولى و على محوها في مرحلة ثانية (هامش 17: يقع هذا التحول من تعميق التناقضات إلى محوها حسب قانون جدلي و هو استحالة الكم إلى كيف) و في فهم التناقضات و في الإقدام، لأسباب مصلحية و خلقية، على تعريتها و لإفنائها أكبر دليل على وعي الإنسان بالحرية، لأنه يصبح عندئذ فاعل مستقبله. حينما يدرك المرء جدلية المجتمع و التاريخ يسترجع عقله و يتحرر من القيود الموروثة المتمثلة في الأخلاق العائلية و في القواعد القانونية. فيخرج من حيز القدر المقدر ليدخل حيز التاريخ الذي أصْلُه الإنسان و هدفه الإنسان. و من نافلة القول التذكير بأن المجتمع لا يتحرر كله دفعة واحدة، و إنما تفرز طليعة يلتقي فيها أرقى أنماط الإنسانية المتواجدة: العامل الصناعي المتحرر من قيود الملكية و العادات و المثقف الثوري المتحرر من التراث الموروث. و تلك الطليعة توحي بما سيكون عليه المجتمع الحر في المستقبل، بتنظيمها المبني على المبادرة و النقاش المتكافئ و النقد المتبادل و احتكام الجميع إلى الممارسة التي هي في الميدان الاجتماعي كالتجربة في العلم الطبيعي، أي الفصل بين المعقول و اللامعقول، بين طريق الحرية و طريق العبودية.

و نلاحظ دون تعجب في الماركسية  نفس الظاهرة التي وجدناها في الهيغيلية. بتلازم تعميق الحرية و تأصيلها مع الاستخفاف بتجلياتها في تصرفات معينة كتلك التي عبرت عنها الليبرالية. و لا شك أن التناقضات التي تواجه الحريات الليبرالية و التي ذكرنا بعضها سابقا تقوي موقف الماركسية. إن المرء الذي يعيش في مجتمع ليبرالي و يجرب يوميا حدود حرياته يكون مهيأ للإصغاء لمن يعلل تلك الحدود بالنظام الطبقي و يعد بحرية أتم و أكمل عند استبدال ذلك النظام بآخر متساو، خاصة و التعليل يندرج تحت نظرية عامة تجعل من الحرية المفهوم المؤسس للإنسان و التاريخ.

صفحة 74

يتلقى المجتمع بالقبول أية فلسفة تدعو إلى الحرية لأن الحرية هدف تفرضه الحياة، و قد يلتقى مذاهب متناقضة في مبادئها و أهدافها البعيدة، بشرط أن تتفق و لو مؤقتا في الدعوة إلى الحرية. لذا نلاحظ في العهد الليبرالي تداخلا بين الإسلامية الجديدة (هامش 29: "أعني بذلك تأويل المعتقد التقليدي حسب متطلبات الفكر الحديث و العلم التجريبي بخاصة، و هو الذي نشأ في القرن الماضي كرد على النقد الأوروبي الموجه ضد الإسلام". و أضيف أنا، مواطن العالم، ما يلي: يبدو لي أن المفكرين المسلمين (حضاريا و اجتماعيا على الأقل) الآتية أسماؤهم يندرجون في إطار الإسلامية الجديدة التي يتحدث عنها عبد الله العروي في هذا الكتاب و هم، دون ترتيب: "عبد الله العروي و حسين مروة و صادق جلال العظم و علي حرب و هشام جعيط و عبد المجيد الشرفي و محمد حداد و آمال قرامي و محمد الشريف الفرجاني و محمد الطالبي و نصر حامد أبو زيد و جمال البنّا و ألفة يوسف و يوسف الصديق و محمد أركون و هاشم صالح و غيرهم - أكيد الكثير - مما لا أعرفهم أو لم أطلع على إنتاجهم). يقول مثلا الماركسي للليبرالي: حريتك فارغة تتحقق لنخبة ضئيلة و تبقى جوفاء بالنسبة للأغلبية العظمى. فيرد الليبرالي على الماركسي: حريتك حلم مستبعد التحقيق يُخفي استعبادا دائما. لكن لا الأول و لا الثاني، أثناء الفترة المذكورة، يطرح بجد السؤال: ما هي الحرية ؟ لأن السؤال في الواقع غير وارد. لا توجد نظرية الحرية آنذاك لأن الحاجة إليها منعدمة. الحرية شعور بديهي و ليست مفهوما. نفوذه في فضفاضيته و صوريته لا في تفصيله و تعيينه.

صفحة 76

قلنا إن الماركسية ورثت إطلاق مفهوم الحرية عن هيغل ثم تميزت عنه بكونها رفضت تجسيد الحرية المطلقة في دولة قائمة و فضلت إناطتها بنظام اجتماعي مستقبلي. فهي بالتالي، قبل الشروع في تطبيق برنامجها و تشييد الأسس المادية للمجتمع المرتقب، عندما تكون تمثل رَفْضَ الحريات الليبرالية، تظهر بمظهر دعوة صارمة إلى الحرية الإنسانية الشاملة. هذا في مجتمع متحرر نسبيا. أما في مجتمع لم تتحقق فيه حرية واحدة من تلك الحريات، كما هو الحال في البلاد العربية، فيكون دورها بالطبع أهم و أوسع. و بالفعل استُقبلت الماركسية في المشرق و المغرب العربيَّيْن ابتداء من الأربعينات كدعوة إلى الحرية و استعمِلت لنشر الدعوة. فعُرِّبت كتب ماركسية سياسية و بُسِّطت أفكارها، فغزت عقول الطلبة على الخصوص و كذلك بعض العمال الصناعيين. و وُظِّفت التحليلات الاقتصادية الماركسية لتبرير ضرورة الاستقلال السياسي كخطوة أولية في طريق انعتاق الطبقات الشغيلة من الاستغلال، و المرأة من العادات العتيقة، و الثقافة الوطنية من الخرافات و الأساطير. و اتجه المثقفون بدافع الماركسية إلى إعادة النظر في التاريخ العربي و في الإنتاج الفكري التقليدي. و هكذا اهتم الكتّاب بالثورات الاجتماعية كثورة الزنج و حركة القرامطة و فُسِّرت الدعوة الباطنية على أنها محاولة أولى لزعزعة نفوذ الطبقة المستغِلة عن طريق التشكيك في معتقداتها الروحية. و ما زال يُمارَس هذا العمل التأويلي إلى يومنا هذا.

إن الممارسة السياسية في العالم العربي تلح على أن تحرير الفرد يمر حتما عن طريق تحرير المجتمع، و أن حرية الفكر مرتبطة بالحرية السياسية و هذه بالحرية الاجتماعية و الاقتصادية. و كلما توسعت الممارسة و عمّت التجربة انتشرت المقولة الماركسية على حساب المقولة الليبرالية، أولا كدعوة سياسية، ثم كنظرية فلسفية بعد أن يُعاد ربط تلك المقولة بجذورها الهيغيلية.

 

إمضائي

الحوار بين اليساريين التونسيين و الإسلاميين التونسيين لا يمكن أن يتم بالعقليات التقليدية، لا بد له من عقلانية مركبة ذات رؤية منفتحة لا مغلقة وصيغة مرنة لا جامدة وبنية مركبة لا بسيطة ومنهج تعددي لا أحادي ونظام متحرك لا ثابت، خصوصاً ونحن نلج في عصر تبدو فيه المعطيات في حركة متواصلة وسيلان دائم. بتصرّف علي حرب.

تاريخ أول نشر على النات: حمام الشط في 17  فيفري  2012.

 

الحوار بين اليساريين التونسيين و الإسلاميين التونسيين

 

 لا يمكن أن يتم بالعقليات التقليدية، لا بد له من عقلانية مركبة ذات رؤية منفتحة لا مغلقة وصيغة مرنة لا جامدة وبنية مركبة لا بسيطة ومنهج تعددي لا أحادي ونظام متحرك لا ثابت، خصوصاً ونحن نلج في عصر تبدو فيه المعطيات في حركة متواصلة وسيلان دائم. بتصرّف عن علي حرب