samedi 8 janvier 2022

فكرة قرأتها في كتاب: "انظر و تمعّن ما فعله بعض أهل السنّة بتاريخنا و حاضرنا و مستقبلنا" (جزء 2). نقل مواطن العالم

 


كتاب عبد الله العروي "السنّة و الإصلاح" الطبعة الأولى 2008 , المركز الثقافي العربي, بيروت, 224 صفحة

 

تنبيه ضروري

ما أنشره في هذه السلسلة من نقل، تحت العنوان المشترك "فكرة قرأتها في كتاب"، لا يمثل بالضرورة موقفي الفكري بل هو عبارة عن مذكّرة خاصة، أعتمدها شخصيا عند الرجوع إلى الكتاب الأصلي. هذه الاقتباسات لا تغني عن قراءة الكتاب كاملا. يجب إذن توخّي الحذر الشديد في التعامل مع ما ورد فيها لأن لا تصل إليكم فكرة الكاتب ناقصة أو مشوّهة. أنشر هذه السلسلة مساهمة مني في رد الاعتبار لفن ثامن مهدّد بالانقراض، اسمه "مطالعة الكتب.

 

نص عبد الله العروي

غلاف  الكتاب

على شكل جواب على تساؤلات امرأة أجنبية مسلمة، يكتب العروي هذا الكتاب. و هي تساؤلات تتناول صورة الإسلام. و كيف يقدم نفسه، و كيف ينظر إلى الأديان الأخرى، خاصة و أن السيدة: مسلمة، بحكم الانتماء، و تعيش في محيط تتعدد فيه الأديان

عبر الرد يطرح العروي تصوره الشخصي، الفردي، متجاوزا ما يمكن أن نسميه ثوابت، إلى رحابة حرية التفكير و الفهم، أمينا لمنهجه التاريخاني الذي "يعني اكتشاف الواقع المجتمعي الذي لا يدرك حقا إلا في منظور التاريخ، فما يحرك المجتمع ليس الحق بقدر ما هو المنفعة

صفحة 130

من كانوا يتطلعون إلى أن تحكم باسم الله الجماعة،... فإنهم الخوارج بمعنى العصاة المتنطعون الرافضون لكل قيادة و ضبط و ترويض.

من كانوا يفضلون أن يحكم باسم الله، الأخيار الأشراف هم المؤلفة قلوبهم، من لم يعتنقوا الإسلام إلا في آخر لحظة و الذين كانوا في الغالب أصحاب نفوذ و حنكة سياسية عريقة.

من كانوا لا يتصورون أن تورث سلطة النبي،... إلا كما تورث الطبائع و العادات، أي داخل البيت و حسب العرف، فهم الشيعة.

... أن المؤهلين للفوز و الغلبة هم أشراف مكة.

فهم الذين سيفرضون فهمهم للنص. بسلوكهم و بآرائهم سيضعون أسس السنة، أي كيفية تطبيق النص الأزلي على الواقع البشري المتحول.

... الشيعة لا يعارضون فكرة السنّة بقدر ما يتشبثون بسنّة مخالفة. أما الخوارج فإنهم لا يرضون بأية سنّة، بأي تقليد مستقرّ و متراكم.

صفحة 132

كل ما نقوله عن التراث السنّي، سلبا أو إيجابا، ينسحب على مقابله الشيعي، إذ الأصول واحدة، و المنهج واحد، و المصطلح واحد.

لذا، و عكس المذهب الخارجي، لا يمكن للمذهب الشيعي أن يرشح نفسه بديلا على المجتمعات السنّية.

الإسلام المعروف في التاريخ هو إسلام الجماعة.

و الاسم يطابق المسمى. هو إسلام أنشأته جماعة معينة عبر عملية طويلة بدأت مبكرا، في المدينة نفسها

صفحة 133

واضح إذن أن الإجماع، رأي عدد محصور من الأشخاص، هو الذي يحدد المعنى النظري و المقصد العملي للنص.

قد يرى البعض، لأسباب بديهية، أن هذا الموقف غير ملائم لكل الظروف و أنه يجب تعديله في حالات خاصة. الأمر وارد و الرأي مقبول. لكن من ناحية المنطق ما يقوله أنصار السنّة، عبر الأجيال، في غاية القوة و التماسك.

صفحة 134

في هذا التلازم بين التاريخ و المجتمع و النص تكمن قوة السنّة الإسلامية، و ربما كل سنّة متواترة.

... هذه النخبة المحنكة (أسياد مكة) كانت تنصح بإغفال المشكلتين (مسألة الإيمان عند الخوارج و مسألة الحكم الشرعي عند الشيعة) أصلا و النهوض بما هو أهم و أنفع: تشييد مملكة الإسلام.

صفحة 137

ما نلاحظه فترة بعد أخرى (في التاريخ الإسلامي): تقدّم و ثراء على مستوى الفكر، و على مستوى الواقع ضحالة و تعثّر.

صفحة 142

طريق هذه الجماعة وحده سالك، من حاد عنه هلك.

صفحة 143

تراجع العقل لصالح النقل و لم يسترجع حيويته إلا مع بوادر حركة النهضة.

تراجع الباطن لصالح الظاهر، سيما بعد أن غزا التصوف الطبقات الشعبية الأمية. فأفرغت المفردات من مضمونها الفلسفي.

صفحة 146

تخصص كتب السنة فصولا طويلة للعلم... حصر العلم في ما هو شرعي.

... العلم من  هذا المنظور، كالإيمان لا يزيد و لا ينقص. فهو منذ الأزل كامل، ثابت، جاهز، موهوب (إضافة مواطن العالَم: هذا التعريف يناقض تعريف العلم الحديث الذي هو بطبيعته ناقص أبدا و غير كامل، متحول دوما غير ثابت، مبتكر غير جاهز، مصنوع بمجهود العلماء غير موهوب من الله). لم يبق إذن إلا أن نعرف حكمه الشرعي، أي أن نميز المحمود منه عن المكروه و المباح، النافع دينا و دنيا عن الضار أو المجاني أو المسلّي (الملهي).

صفحة 147

الأمية صفة حميدة فيحسن الحفاظ عليها. العلم فرض كفاية ليس إلا (الهامش 7 صفحة 147: " إن الشريعة لم توضع إلا على شرط الأمية. و مراعاة علم المنطق في القضايا الشرعية مناف لذلك." الشاطبي، المصدر نفسه، ج  IV ص 337.

بيد أن القائلين بهذه الرأي الصارم...ليسوا بلداء أو ضعاف العقول، بل بالعكس أصحاب فطنة و حذق... فيحق القول إن حالهم يكذب دعواهم.

صفحة 148

النتيجة واضحة و هي أن منهج السنّة، اعتماد الإتباع و نبذ الابتداع، يؤدي حتما، بوعي أو بغير وعي، إلى ثقافة سمع و لسان (الهامش 8 صفحة 148: انظر طه حسين، الأيام، حيث يروي المؤلف كيف تعلم المنطق و الحساب رغم أنه لا يبصر)، في تعارض بارز مع ثقافة عين و يد التي قوامها الملاحظة و الممارسة.

صفحة 157

لعبة الفقيه المستفتى هي رفضه الفصل بين الاختيارات المتاحة للبشر و رفع القضية إلى حكم الله...و بما أن الأمر كذلك، يتسلى الفقيه بإيراد كل الاحتمالات في انتظار أن يفوت الأوان و لم تعد فائدة في إبداء أي رأي بعد أن يكون الواقع قد ثبت و ترسّخ ( الهامش 15 صفحة 157: هل المكس شرعي أم لا ؟ هل واجب المسلم أن يهاجر إذا تغلب العدو الكافر على وطنه ؟ لا يزال الفقهاء يتنازعون في مثل هذه القضايا حتى بعد أن تكون الأحداث قد تجاوزتها.).

مع مرّ الأيام ينمو الكلام في الله و يتفرع، بينما الكلام في شؤون البشر، في السياسة و المجتمع، يخبو و يذبل، مع أنه الأصل و الأساس.

 

صفحة 182

إذا صح أن مذهب الخوارج استعار من روح القبيلة العربية المشبعة بحب الحرية و المساواة، فإن مذهب الإرجاء متأصل في تذمر الموالي – و ما أكثرهم في عهود الإسلام الأولى ! – و امتعاضهم من وضعهم الاجتماعي المتدني.

صفحة 184

الهامش 9: "أعلم الناس بما لم يكن و أجهل الناس بما كان" هكذا كان يصف أبا حنيفة خُصومه من أصحاب الحديث.

صفحة 185

يعدد ابن حزم ... الجرائم و الشنائع التي حرضت عليها أو أجازتها كل الأديان السماوية بلا استثناء. قد يستغرب القارئ المعاصر أن يصدر هذا الكلام من رجل كابن حزم، لكن الرجل لا يناقض نفسه إذ العقل في نظره آلة منطق تفصل بين الصواب و الخطأ لا دليل أخلاقي يميّز الخير عن الشر (الهامش 11 صفحة 186: " الركوع و السجود لولا أمره بذلك و تحسينه إياه، لكان لا معنى له"..."تشويه النفس، الختان، الإحرام، طاعة فقط" المرجع نفسه ص 146 إلى 159).

صفحة 199

تمنّي (السنّة) الناس بتحقيق كل ما يحلمون به. تراكم الوعود: سأريكم كيف بدأ الكون و كيف انبرى الزمن. سأطلعكم على أسرار الحياة و الموت، ألغاز الحركة و السكون، الصحة و السقم. و مقابل هذا أطالبكم بأمر بسيط، إقامة شعائر تدل على الطاعة و الانقياد، التواضع و الزهد. من يستطيع رفض عرض سخي مثل هذا ؟

كثيرا ما نسمع أن من يعتمد العلم الموضوعي يحكم آجلا أو عاجلا، على السنّة بالتلاشي و الانقراض. الواقع هو ما أُثبت في الفقرات السابقة، ما يقضي على السنّة بالتقادم هو الزمن الذي، كالجنّي، ينفلت من القمقم و يسري في الهواء كاشفا الندوب المخيفة، باعثا الصدى المواكب لخطاب السنّة.

تقول هذه: لا تتمثلوا أبدا بالخالق بل بالرسول، ثم تزيد، ساهية، في كل لحضة و في كل حال. فتفتح الباب لجدال لا نهاية له. ثم بعد حين تدرك الخطأ فتستدرك: لا تغلو في السؤال، لا تلحوا في التوضيح، اتركوا مجالا للمتشابه، المتداخل، اللامميز. العقل، كالجسد، رفيق غير أمين، النفس وحدها تستحق الاهتمام، بها يتعلق المصير.

بماذا أجيب ؟

صفحة 203

بعبارة أدق، إذا صح، كما تقرر السنّة، أن عدالة الله ليست عدل البشر، فيجب، بالمقابل، أن لا نجعل من العدالة البشرية عدلا إلهيا. سهت السنّة عن هذا الاستنتاج، فساعدت على إحياء طغيان كسرى و قيصر، كذّبت بتصرفها ما تردده بلسانها: تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.

صفحة 204

السنّة اختزال مستمر، اختزال الوحي في الشرع، ثم اختزال الشرع في عمل مجموعة محدودة من الأفراد. فتأتي القاعدة الصارمة: الطريق السوي هو تقليد هذه الجماعة، في الكبيرة و الصغيرة، و المداومة على التقليد (العض عليه بالنواجذ) جيلا بعد جيل دون ميل أو حيد.

تصل السنّة إلى هذه الخلاصة مرغمة، تجنبا للمفارقات التي أقضّت مضاجع الخصوم. تفعل ذلك و تقبل مسبقا كل النتائج.

إلا أن هذا الموقف، إن كان مبررا داخل المجتمع الإسلامي، لا قدرة له على الصمود في وجه التحديات الخارجية، سيما بعد أن يكون العدو قد اقتحم الدار و استقر فيها.

الاستعمار غزو و تسلط. يفسد القرى و يذل أعزتها. فلا يلبث أن يفجر بمحض وجوده النظيمة الفكرية و العقائدية و الخلقية التي عملت السنّة طوال قرون على تركيبها و تجليتها. تتجدد الوضعية التي وصفها ابن حزم، تتكافأ الأدلة عند الجميع، مع قلب الأدوار إذ يصبح المسلمون هم أهل الذمة (الهامش 17 صفحة 204: لم يعد الإسلام في موقع الحكَم بين الملل و النحل كما كان أيام ابن حزم. و هذا ما تصر السنّة على نفيه. قد تكون محقة لو اقتصر الأمر على العقيدة، إن هي عمقت التحليل و تعرضت بكفاءة لما يقول به الخصوم اليوم، لا ما كانوا يقولونه في الماضي لأنهم تغيروا و غيروا مقولاتهم عبر القرون).

لكن السنّة مخطئة يقينا في المجالات الأخرى، السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، إلخ، و هو حصرا ما نتكلم فيه.

الاستعمار هو الحدث بامتياز، فيه تتجمع محركات التاريخ. لم يعد في وسع أحد تجاهل آثاره. يحل الاستعمار ما عقدته السنّة، ينثر ما نظمته، يضيء ما ألحت على طمسه. يقوم بعملين متناقضين: يعيد إلى النور ما ليس بسنّة، و في الوقت نفسه يمنعه من أن يتطور إلى سنّة مضادة، إلى بديل.

هذا هو منحى الإصلاح الحديث، السر في ظهوره و في إخفاقه.

يخفق مشروع الإصلاح (مشروع الأفغاني و عبده و الكواكبي و غيرهم) لأنه يتم في ظل الاستعمار. لا مستقبل لأية عقيدة بديلة و هي تعارض في آن السنّة و ما – بعد السنّة.

و المأزق لا ينتهي بذهاب الاحتلال (الاستعمار المباشر)، لأن الوضع الذي ولّد الاستعمار الغربي يستمر بمميزاته الجوهرية، أهمها التوافق على جميع المستويات. الاستقلال السياسي لا يرفع عنا صفة الأقلية الثقافية، التي تتأثر و لا تأثر، تمانع و لا تبادر، تستدرك و لا تبدع، حتى و إن كانت لها أغلبية العدد.

في نظر الآخر، أي الأغلبية الثقافية، كل واحد منا، أيا كان مُقامه، يعرّف تلقائيا بالسنّة، أكان مواليا لها أو معترضا عليها (الهامش 18 صفحة 205: يتعامل المجتمع الغربي، في إطار قوانينه الوضعية، مع الإسلام كما لو كان دينا عشائريا فئويا و مع الشريعة كما لو كانت عادات قبلية، تماما كما كان فقهاؤنا يتعاملون مع الشرائع الأخرى، يسمحون بأن يستمر تطبيقها حفظا للأمن و الاستقرار داخل دولة الخلافة. على فقهائنا اليوم أن يفهموا أن منطق الذمّة هو ما يطبق على الأقليات الإسلامية، و يستنتجوا من هذا الوضع النتائج اللازمة).

علينا إذن، لكي نتحرر فكريا، لنواجه مشاكلنا في العمق، أن نتخطى، على الأقل نظريا، منظور الغير، أي علينا أن نقفز فوق حدود الزمن و المكان.

صفحة 206

تؤكد السنّة على أن واجبها هو إظهار العقيدة بإقامة الشعائر. بقولها هذا تكرس حكم الحدث رغم أنها تظن العكس. تنكر التاريخ فلا ترى أنه يمكر بها.

لا ترى مثلا أن الشعائر ليست على مستوى واحد. بعضها، كالختان و الحج و الهدى، يخلد الانتساب لإبراهيم، إثباتا لصحة و دوام الوعد. بعضها كالجمعة و الزكاة و الصدقة و الجهاد، يؤسس الجماعة و يحفظها. بعضها كالصيام و الصلاة، يكسر الشهوة المهددة لالتحام المجتمع. و بعضها كالشهادة يطمئن الفؤاد.

المكوّن الأخير، الذي ينعت عادة بلب أو عين الدين، وحده عصيّ على مؤثرات الزمن و المكان. أما سواه فينتمي إلى الحدث. هو حادث متأثر بكل حادث لاحق، فيدخل بالضرورة تحت حكم العلم الموضوعي من أرخيولوجيا و لغويات و اثنولوجيا، لإلخ.

و النص المؤسس نفسه يشير إلى هذا الأمر عندما يذكر الأمد أو الفترة، و هو ما يتوسع في بسطه و شرحه كل من الحديث و الفقه و علم الكلام.

الرق مذكور في القرآن. أحكامه مبينة، من ضمنها الدعوة إلى إنهائه بتحرير الرقاب. له إذن أمد، لأحكامه بداية و نهاية، نسخ بمعنى آخر.

صفحة 207

هناك سؤال شهير: لنطبقه على أنفسنا: ما هو حيّ و ما هو ميت في وجداننا ؟

نخر الاستعمار السنّة و لا يزال. عرقل الاستعمار الإصلاح و لا يزال.

صفحة 208

تود السنّة لو تحبسنا في زاوية و تلزمنا الاختيار، إما شريعة سماوية قارة و إما قوانين بشرية متغيرة. بموقفها هذا، و عكس ما تظن، تؤبد الحاضر المظلم. هل يوجد على وجه الأرض و طول التاريخ سوى أوامر من بشر؟  و هؤلا ء المتحكمون إما مغرورون يدّعون اتصالا دائما و مباشرا مع الخالق ، بدون أدنى برهان، و إما متواضعون يعترفون أنها (القوانين) من اجتهادهم (الهامش 21 صفحة 208: "قل لا أقول لكم عندي خزائن الله" آية 50 س 6 الأنعام، " و لا أعلم الغيب و لا أملك لنفسي ضرّا و لا نفعا" آية 188 س 7 الأعراف، " قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم واحد" آية 6 س 41 فصّلت).

الحذر، مجرد الحذر، بصرف النظر عن خطورة الوضع، يدعونا إلى تفضيل المتواضع على المتكبر، من يطرح مقترحه للنقاش، يقبل أن يجرب، يعدل، و ربما يلغي مؤقتا إلى حين تبرز فرصة جديدة لتجريبه مرة أخرى.

يتنصل النصارى من ضغط الكنيسة بتولي فن الإغريق و قانون الرومان. يتحرر كبار مفكري اليهود من نير الشريعة و قيودها باصطناع العلم التجريبي و الفن. يقلل البوذيون من استغراب غيرهم بالتأكيد أن ما لديهم هو فلسفة حياة و أسلوب عيش ليس إلا.

السنّة، أية سنّة، تنعقد و تنحل بمغالبة العلم و الفن و السياسة.

صفحة 209

إذ نقرر ما سبق نكون قد أدركنا السنّة و تجاوزناها. لحظة الطلاق نقرها من وجه و تقرنا من وجه.

تود السنّة أن تنقد كل شيء فيها، و أن تنفي كل شيء ليس منها، مع أنها تحمل في بنيتها آثارا لا تنكر و لا تمحي مما ترفض.

و تلك الآثار الباقية، شاهدة على ما قبل مكة و الوحي، و شاهدة كذلك على ما بعد المدينة و الغزوات، نسلمها بصدر رحب و بكامل الاطمئنان إلى البحث العلمي و بالتالي إلى منطق السياسة. ليقل في شأنها الباحثون، المسلمون و غير المسلمين، ما يشاؤون، لا ضرر علينا من أقوالهم.

ترى السنّة في اختيارنا هذا تراجعا و استسلاما، و نرى فيه نحن وعد إحياء و تجديد.

صفحة 212

نستبعد العلم و السياسة، فيم نتكلم إذن ؟ في معينهما المشترك. سميه بأي لفظ شئت، سيدتي، أما أنا فإني أرضى بكلمة عادية، متداولة، مفهومة للجميع منذ العهد الهلستيني، أعني لفظة فن بالمعنى الأوسع، الذي يشير إلى النفس و ضرورة تهذيبها المستمر.

كلامنا عن النفس و نزواتها، ما نضبط منها و لو لفترة و ما لا نقوى عليه رغم محاولاتنا المتكررة.

خلاصة السنّة لا تتغير: جهالة أو إيمان.

خلاصتنا، وعيا بالحال و كشفا عنه، حال بعد – سنّة، هي : مجاهدة أو تذوّق.

 

إمضائي

 

يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه و يثقوا في خطابه أما أنا - اقتداء بالمنهج العلمي - أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات و أنتظر منهم النقد المفيد

 

لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى و على كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف اللفظي أو المادي

 

التاريخ: حمام الشط في 13 أكتوبر 2010.

 

 

 

 

 

فكرة قرأتها في كتاب: "انظر وتمعّن ما فعله بعض أهل السنّة بتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا" (جزء 1). نقل مواطن العالم

 


كتاب عبد الله العروي "السنّة والإصلاح" الطبعة الأولى 2008 , المركز الثقافي العربي, بيروت, 224 صفحة.

تنبيه ضروري

ما أنشره في هذه السلسلة من نقل، تحت العنوان المشترك "فكرة قرأتها في كتاب"، لا يمثل بالضرورة موقفي الفكري بل هو عبارة عن مذكّرة خاصة، أعتمدها شخصيا عند الرجوع إلى الكتاب الأصلي. هذه الاقتباسات لا تغني عن قراءة الكتاب كاملا. يجب إذن توخّي الحذر الشديد في التعامل مع ما ورد فيها لأن لا تصل إليكم فكرة الكاتب ناقصة أو مشوّهة. أنشر هذه السلسلة مساهمة مني في رد الاعتبار لفن ثامن مهدّد بالانقراض، اسمه "مطالعة الكتب.

نص  عبد الله العروي

 غلاف  الكتاب

 على شكل جواب على تساؤلات امرأة أجنبية مسلِمة، يكتب العروي هذا الكتاب. وهي تساؤلات تتناول صورة الإسلام. وكيف يقدم نفسه، وكيف ينظر إلى الأديان الأخرى، خاصة وأن السيدة: مسلمة، بحكم الانتماء، وتعيش في محيط تتعدد فيه الأديان. عبر الرد يطرح العروي تصوره الشخصي، الفردي، متجاوزا ما يمكن أن نسميه ثوابت، إلى رحابة حرية التفكير والفهم، أمينا لمنهجه التاريخاني الذي يعني اكتشاف الواقع المجتمعي الذي لا يدرك حقا إلا في منظور التاريخ، فما يحرك المجتمع ليس الحق بقدر ما هو المنفعة.

 صفحة 149

في نقطة معينة من التاريخ، علينا أن نحددها بدقة، يقوم رجال السنّة، أنصار التقليد ودعاة الإتباع، بعملية زبر وتجذيب وترتيب. كل ما علا وظهر، أو فاق وفاض، كل ما تجاوز وتعدّى، وكل ما لم يقف عند حد معلوم وجب التخلص منه . والحد المعلوم ما هو ؟  في جملة واحدة هو تأويل سادة مدينة الرسول لسيرته الدنيوية بعد الانتهاء من عملية الزبر هذه، يلتفت أهل السنة إلى الماضي ويفعلون به ما فعلوا بحاضر أيامهم. يتصرفون كما لو أن ما كان وتحقق لم يكن سوى أضغاث أحلام يجب محوه بالكامل من ذاكرة الجماعة على أساس قاعدة صارمة: كل مخالف معدوم ثم بعد الماضي يتطلّعون إلى المستقبل ويتخذون الترتيبات اللازمة لكي لا يخضرّ مجددا ما يبس ولا ينتعش ما خنق. من أعلى المنابر المحتكرة لهم، في المساجد والمدارس الممنوعة على خصومهم، يقررون ما يجب القيام به حتى يُضمن البقاء والاستمرار، جيلا بعد جيل، لنفوذ أمثالهم وغلبة تأويلهم الخاص لكلام الله وهكذا يمكرون بمكر التاريخ. باسم فترة زمنية وجيزة، فترة مسطّحة ومختزلة، مصحّحة ومنقحة، يُطلب من التاريخ أن يتوقف هو الآخر عند حده، يُؤمر أن لا يتجدد أبدا ولا يتميز، لا يتنوع ولا يتطور، بعبارة أوضح يُلزم بأن يتنكر لمضمونه ومغزاه. يفعل أهل السنة ما يفعلون ولسان حالهم يقول: ما الفائدة من تكرار ما قد تحقق بالفعل، إذ ما تحقق هو الحق الجامع المانع، الكافي الشافي ؟ و بالطبع تحت هذا الضغط الهائل يتعثر التاريخ. ما تبقى له من قوة يستهلكها في ممانعة التغير حتى يحافظ على الوضع المتعثر  عندها لا يمكن استئناف الحركة إلا بدافع خارجي، دافع دنيوي أعني (الهامش 10 صفحة 150: كثيرا ما تُحرر الهزائم العزائم. حدث ذلك في روسيا وتركيا والصين). قبل أن يحصل ذلك تغزو السنّة، أي ذهنية التقليد والإتباع، كل مظاهر الحياة، الفكرية والسلوكية، بل تفرض هيمنتها حتى على من قاوم نشأتها كالخوارج والشيعة وروّاد الحكمة. تؤسس كل جماعة سنّة خاصة بها، فتتوحد النتائج اجتماعيا وتاريخيا والغريب هو أن هذا التعميم التدريجي يُعدّ في حد ذاته دليلا قطعيا على صحة منهج السنّة. 

صفحة 159 

المادة المطروحة على أنظارنا، ليست مجموعة وقائع، وإنما هي نظرية و تأصيل لما أفرزه تاريخ مبسّط، محجّم، مختزل إلى القليل الأقل، تاريخ تراجُع وخذلان. المحصّلة نسميها تجاوزًا الإسلام التاريخي، إسلام الجماعة، الإسلام السنّي، نجعل منه مثالا ونقيس عليه كل ما سبقه وأعقبه، عند العرب وعند غيرهم، أي أننا نتصرف في ماضينا وماضي الغير حسب هوانا.

صفحة 160

المذهب الظاهري هو التنظير القوى والأمتن لموقف السنّة وهذا الموقف هو خاص لجماعة معينة، نخبة اجتماعية وسياسية. عندما فقدت هذه النخبة سيطرتها على السلطة حافظت على المذهب (نقول اليوم حافظت على الإيديولوجيا) الذي يتوافق مع وضعها الجديد أتم التوافق. هذا ما يعترف به ضمنيا علماء وشيوخ المذهب  …كم تهون الحياة ويسعد المرء إن هو تشبث بالمظهر فقط وابتعد عن كل جدل عقيم حول اللطائف والشبه، إذا ما اختار أن يتصرف في علاقاته بإخوانه من بني البشر على أساس أقوال وأفعال جامعة ثابتة دون أدنى تطلّع إلى حل ألغاز الغيب. 

صفحة 162

قبل أن تنتصر كانت السنّة تزعم أن الفرق كلها في النار سوى واحدة، بعد أن انتصرت، ورغبة منها في التسامح والاحتضان، عادت وقلبت الحكم بالقول إن كلها ناجية سوى واحدة. 

لمسائل التي طرحتها الفرق بشأن مشكلات واقعية، سياسية واجتماعية، نلخصها فيما يلي اعتمادا على ما جاء في كتب الكلام -        الحق مقابل الباطل -         الإيمان مقابل الكفر -         الإمامة مقابل المُلك  -         السنّة مقابل البدعة -         التقديس مقابل التجسيم -         الجبر مقابل القدر -          العدل مقابل الجور. 

الروح مقابل المادة …اكتفت السنّة بالتحذير من اقتحام تلك المجاهل. كتبت على الباب: حدٌّ لا يُتجاوز لم يعد اليوم مبرر للتحذير. لم يعد هدفنا التبشير بالقناعة، تشجيع الأمية باعتبارها عنوان البراءة والإيمان الفطري. الظرف التاريخي يفرض علينا فرضا أن نغامر ونتقدم في الحقول الملغومة.  (إضافة مواطن العالَم: عندما يصطفّ الأستاذ الجامعي في الشريعة والطبيب والمهندس وعالم النفس وعالم البيداغوجيا والطبيب النفساني والسياسي المحنّك، يصطفّون كلهم ببراءة الأطفال يصلّون بخشوع يوم الجمعة وراء إمام متواضع التكوين ويستمعون إليه بانتباه في درسه وخطبته وهو يفتي وينظّر في مسائل تخصّ شؤون الدين والدنيا. أيفتى ومالك في المدينة ؟ أيتكلم ويشرح الإمام غير المختص والمصلي المختص موجود ؟ عشنا ورأينا العالم يتعلم من الجاهل ! أأكثر من هذا تشجيع على الأمية ؟).

صفحة 167

 السنّة ملازمة لمفهوم البراءة. 

ليست المسألة هل الرسالة موجهة لشعب أمّي بقدر ما هي هل صحّتها مشروطة بتلك الصفة، وعندئذ تكون الأمية مطلوبة على الدوام والاستمرار …من يسلّم بهذه المقولة ويربط صحة الرسالة بالأمية الفطرية، ألا يستخلص ضمنيا، ولو لم يعلن ذلك، أنه يحسُن بالنخبة المثقفة أن تعمل على أن تبقى الأغلبية أمية ؟ والمقصود هنا ليس اللاثقافة، العجز عن الكتابة والقراءة، بل البراءة، السذاجة الفطرية، القناعة الخُلقية، التواضع الأصلي، الإقرار بالعجز والحاجة، العفة الغريزية، الاستغناء عن توسّع الفكر وتفنّن الذوق  القناعة محمودة في كل حال، في شؤون الجسم كما في شؤون العقل  تُؤسس السنّة بالرفض والإقصاء وتنتعش وتنمو بالانتقاء والتزكية. 

صفحة 169

 السنّة دائما حذرة، دائما متأهبة. تخشى باستمرار إما هجمة الخارج وإما مروق الداخل، فتتصرف كالسلحفاة، كلما استشعرت الخطر تقوقعت لتستمسك وتصمد. 

تخشى غير المعهود، حتى البسيط التافه، في الملبس أو المأكل أو الأثاث أو النطق، وقبل وفوق تخشى الجديد في الفكر والوجدان …قد يقال كل شيء عن السنّة سوى أنها تفتقر إلى المنطق والاتساق. إنها في الواقع غاية التناسق، كل جزء منها يأخذ برقاب الأجزاء الأخرى …يستحيل إذن، إذا ما وقفنا خارجها، أن نعتبرها مرادفة للدين أو العلم أو التاريخ. هذه مفاهيم تتخطاها من كل جانب. يتجدد التاريخ بالتراكم، العلم بتمحيص المبادئ، الدين يتهذيب الشعور وتعميق الوجدان لا شيء من هذا يؤثر في السنّة إذ تتقوقع وتتحصّن. 

صفحة 189 

خاتمة: المجاهدة والذوق 

لقد حذرتِني، أيتها المسائِلة الكريمة. قلت وأكدتِ: "كلمني في أي شيء، حدثني بما تشاء، لكن لا تحاول أبدا إقناعي بأن العلم سراب، الديمقراطية مهزلة والمرأة أخت الشيطان. في هذه الموضوعات الثلاثة لا أقبل أي نقاش". 

 صفحة 191 

السنّة تكوّن مستمر. في كل من أطوارها تتأثر بحادث وتعمل آليا على طمسه. هذا ما نستخلصه من وقائع فترة المدينة (يثرب)، الفتنة الكبرى، الثورة العباسية، تفكك الخلافة، الهجمة الصليبية، الغزو العثماني، الاستعمار الأوروبي، الاستيطان الصهيوني إلخ. 

كلما اتسع مسرح الأحداث و تعدد المشاركون، كان أكبر وأعمق تأثر السنّة بالحدث، شكلا ومضمونا: 

 -          كان واردا أن تضمحل اللغة العربية وتخلفها لغة أخرى. لم تندثر العربية، غير أنها انفصلت عن الخطاب اليومي. 

 -          كان واردا أن ينقرض الشعب العربي مع اختلاطه بالعجم. لم يحدث ذلك، حافظ العرب على هويتهم، غير أنهم فقدوا كل مبادرة. 

 -          كان واردا أن تذوب نخبة قريش في جموع الموالي. لم يحصل ذلك. ظلت تشكل طبقة متميزة، لكن كشاهد على الماضي. 

هذه عوامل ثلاثة تحمل في آن طابع الضرورة وطابع الاتفاق وبذلك تفسر استمرارية السنّة وتعمّقها المتزايد. 

بما أن أشراف مكة لا يزالون يتمتعون بالجاه والنفوذ، لا لسبب غير عراقة النسب، فمن الطبيعي أن يتشبثوا بمفهوم الإرث والتقليد. 

 صفحة 192 

السنّة التي "تتجدد" على رأس كل قرن، كما يُروى، أي تَحرر من الشوائب، هي بالطبع غير السنّة السابقة عليها. فهي بالمعنى الحرفي، سنّة مبتدعة، أو لنقل في استعمال اليوم "نيو- سنّة". أولا تستحق النعت بمجرد أنها تعمل في محيط مختلف ؟ ذلك الحدث الذي يغير المحيط (الهجرة، الفتنة، الثورة، الهزيمة، الغزو، الاحتلال، الاستيطان…) يزيد السنّة انتقاء وصفاء، اتساقا وعمقا. فهو بالضرورة فاصل بين قبل وبعد داخل المجرى السنّي نفسه. وهو ما تنفيه السنّة بالتأكيد، إذ لا تعترف أبدا بأي عامل داخلي أو خارجي في تشكل أي من أوجهها. 

بعبارة اليوم، ونستعملها عن قصد، الحدث يميز ما هو "نيو"، وما هو "بوست". 

والسنة، في أية لحظة من تكوّناتها، "نيو – سنّة"، وهو ما لا تقول به أبدا. 

والسنّة في أي لحظة من تاريخها، "بوست – سنّة"، وهو ما ل تعي به قط. 

 صفحة 193 

وعند الجميع تستقر السنّة وتتقوى بمضمون جديد وأسلوب جديد. 

الهامش 3 صفحة 193: كل سُنة تتقوى بإخفاقاتها. لم تختف اليهودية بعد هدم المعبد وسقوط الدولة. لم تضمحل المسيحية الأرتودكسية بضياع القسطنطينية، لم تنحل الكثلكة بظهور البروستنتينية ولم تقض الحرب الصليبية على الإسلام. 

 

إمضائي

يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه ويثقوا في خطابه أما أنا - اقتداء بالمنهج العلمي - أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات وأنتظر منهم النقد المفيد.

 

لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة والبراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى وعلى كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف اللفظي أو المادي.

التاريخ: حمام الشط في 20 أكتوبر 2010. 

 

vendredi 7 janvier 2022

فكرة قرأتها في كتاب: "تعريف العلمانية حسب عبد الله العروي". نقل مواطن العالم

 


كتاب عبد الله العروي "السنّة والإصلاح" الطبعة الأولى 2008 , المركز الثقافي العربي, بيروت, 224 صفحة

تنبيه ضروري

ما أنشره في هذه السلسلة من نقل، تحت العنوان المشترك "فكرة قرأتها في كتاب"، لا يمثل بالضرورة موقفي الفكري بل هو عبارة عن مذكّرة خاصة، أعتمدها شخصيا عند الرجوع إلى الكتاب الأصلي. هذه الاقتباسات لا تغني عن قراءة الكتاب كاملا. يجب إذن توخّي الحذر الشديد في التعامل مع ما ورد فيها لأن لا تصل إليكم فكرة الكاتب ناقصة أو مشوّهة. أنشر هذه السلسلة مساهمة مني في رد الاعتبار لفن ثامن مهدّد بالانقراض، اسمه "مطالعة الكتب.

 

نص عبد الله العروي

صفحة 210: أبرزنا سلسلة من الثنائيات على مستويات مختلفة. تصرّ السنّة، هذا ديدنها، على اختزالها كلها في ثنائية واحدة: الكفر والإيمان، وهو عين التغرير.

وكما أشرت، واجب علينا إنقاذ العلم و السياسة، لا من الدين، إذ المفهوم يتطلب كل مرة مزيد تدقيق، بل من التأويل الذي فرضته السنّة، والسنّة مؤسسة بشرية، رسمية كانت أم لا، منظمة كانت أم لا، والواجب عام و دائم إذ لا نهاية للصراع.

في هذه الحال لا بد من سلطة محايدة، ترسم الحدود وتلزم كل طرف باحترامها، بعد أن علمتنا تجارب مُرّة كثيرة أن النفس لا تؤتمن.

كلمة علمانية، رغم ما يلازمها منذ القرن الماضي وبكامل الأسف من إشارة قدْحية، لا تعني سوى هذا الحياد المنشود (الهامش 23 صفحة 210: لفظة علماني تقابل اليوم في الاصطلاح السياسي كلمة لائكي الفرنسية وسكولر secular الانجليزية مع أن المدلول في اللغتين مختلف نسبيا). لا شك أن اختيار لفظ علماني كان خطأ ولعب دورا سلبيا في مسار الفكر العربي الحديث. لو اختير لفظ مثل دنيوي، مقابل أخروي، أو معاملاتي من معاملات مقابل عبادات، أو سلطاني مقابل شرعي، إلخ. لما استبشع في الأوساط التقليدية كما هو الحال مع لفظ علماني. الواقع أن الاختيار وقع في إطار الحملة التي شنها مروجو نظرية داروين ضد التفسير الكنسي للتاريخ الطبيعي، متأثرين بما كان يجري آنذاك في أوروبا، سيما وأن أغلب الكُتّاب في هذا الباب كانوا  من الشوام المسيحيين.

اختاروا كلمة علماني، من العلم، اقتباسا من كلمة scientist إذ التعارض كان بين العلم و الدين.

لو قيل منذ البدء إن المشكل يتعلق بالتمييز في كل حكم بين الجانب العقائدي والجانب الاجتماعي، وإنّ هذا التمييز واقع ملموس وليس بأمر من السلطة السياسية التي هي، بالتأسيس والتعريف، حيادية، عادلة، فوق الملل والنحل والمذاهب المتساكنة داخل الدولة الواحدة، لما وجد الفقهاء، السنّة بخاصة، في ذلك التمييز أي عيب إذ يعتمدون مثله منذ زمن طويل.

التمييز بين الشرعي  والسلطاني عادي عند الفقهاء. يعود في آخر تحليل، حتى عند الأصوليين الأكثر تعلقا بالسنّة، إلى الفرق بين الأحكام المكية والأحكام المدنية، كما يفسر ذلك الشاطبي حيث يقول

"الأحكام المكية مبنية على الإنصاف من النفس وبذل المجهود في الامتثال بالنسبة إلى حقوق الله أو حقوق الآدميين. وأما الأحكام المدنية فمنزّلة في الغالب على وقائع لم تكن فيما تقدم من بعض المنازعات والمشاحنات والرخص والتحقيقات وتقرير العقوبات في الجزئيات لا الكليات." (مرجع سابق، ج 4 ص 237)

 

إمضائي

لا أحد مُجبر على التماهي مع مجتمعه. لكن إذا ما قرّر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذن أن يتكلم بلسانه (المجتمع)، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه. عبد الله العروي

يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه و يثقوا في خطابه أما أنا -اقتداء بالمنهج العلمي- أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات و أنتظر منهم النقد المفيد.

لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى و على كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف اللفظي أو المادي.

 

 

التاريخ: حمام الشط في 23 أكتوبر 2010.

 

 

lundi 3 janvier 2022

ماذا يعني مفهوم "اضمحلال الدولة" في النظرية الشيوعية أو مفهوم "دولة اللاّدولة" في الدين الإسلامي ؟ نقل دون تعليق مواطن العالم

 


كتاب "مفهوم الدولة" لعبد الله العروي، الطبعة السابعة 2001، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء - المغرب، 179 صفحة. متوفر بالمكتبة العمومية بحمام الشط

 

نص عبد الله العروي

1.     ماذا يعني مفهوم "اضمحلال الدولة" في النظرية الشيوعية ؟

صفحة 83: ماكس فيبير، كان يقول: بما أن جهاز الدولة القمعي والتنظيمي والتربوي غير مرتبط بالطبقة الوسطى، فإنه لن يضمحل بعد زوال النظام الرأسمالي، بل العكس هو الذي سيحدث. إن خاصيات الدولة الحديثة ستزداد قوة وانتشارا بعد تأميم وسائل الإنتاج لأن النظام الاشتراكي عبارة عن عقلنة أوسع وأعمق. ستزداد البيروقراطوية  في الإدارة والأدلوجة في التعليم، سيتسع مجال التوجيه في الاقتصاد و القمع في الحياة اليومية. ليست الاشتراكية في نظره اضمحلال الدولة كما يعتقد أنصارها، بل طريق تضخمها وتقويتها.

هامشة 36 على نفس الصفحة: البيروقراطوية انحراف عندما تعود لا تستجيب لرغبات الناس ولا تحفزهم على الإنتاج. حينذاك، لم تعد نواة عقلنة في المجتمع، بل تعود رمز اللاعقلانية والتحجر.

صفحة 84: يقول اليوم المعجبون بفيبير: لقد أظهرت التجربة أنه على صواب. قامت ثورات ضد البورجوازية، فألغت الملكية الخاصة و غيرت قواعد الإنتاج، انتفى نفوذ الطبقة الوسطى في كل الميادين، و مع ذلك لم يتغير شيء في أداة الدولة. هذا دليل على أن أصلها لم يكن في مستوى العلاقات الاجتماعية، بل في مستوى القيم والذهنيات. وبما أن الاشتراكية، كاتجاه ذهني، هي ذاتها نتيجة لتلك العملية المميزة للغرب الأوروبي -عملية العقلنة - فكان من الطبيعي أن يعني تطبيق الاشتراكية عقلنة أعمق وأوسع.

 

بيد أننا ذكرنا في فصل سابق أقوالا ماركسية لا تتعارض مع موقف فيبير، على الأقل فيما يتعلق بالمرحلة الأولى من الثورة. يؤكد لينين أن قانون القيمة ، الذي هو أصل عقلنة الاقتصاد، لن يُلغى مع إعلان التنظيم الاشتراكي (هامشة 37 على نفس الصفحة: قانون القيمة هو الذي يقول أن تبادل المنتوجات يتم على أساس مقارنة ما يتضمن كل واحد منها من عمل إنساني. قيمة البضاعة ليست إذن سعرها). و إلا كيف تتم المحاسبة الاقتصادية و يتم التخطيط ؟ إن فائض القيمة -ما ينتج العامل دون أجرة- لن يُلغى ولا يمكن أن يُلغى، إذ دونه ينعدم مفهوم الاقتصاد ذاته. سيؤمَّم، سيصبح ملكا للشعب العامل كله عوضا أن يكون من حظ أقلية مالكة. بناء على هذا، سيبقى القانون البورجوازي قائما والدولة كذلك. لذا، قال لينين أن الدولة الاشتراكية ستكون بالضرورة في بدايتها استبدادية كما كانت الدولة البورجوازية. الفرق هو أن الأولى تعني استبداد أغلبية بينما الثانية تعني استبداد أقلية. و قد يزداد العنف في المرحلة الأولى من الثورة. لن يضمحل جهاز الدولة إلا إذا انتفت الحاجة إليه بمحو الفوارق الطبقية، أي بمحو الطبقات ذاتها، و من ضمنها الطبقة الشغيلة. وهذه عملية تاريخية تتطلب زمنا طويلا، حتى لو توفرت كل الظروف الملائمة.

 

حتى في هذه النقطة الحساسة لا نرى تعارضا واضحا بين التحليلات الماركسية و الفيبرية، فيما يتعلق بالواقع الماثل أمام أعيننا. أما المستقبل البعيد، فذك شيء آخر.

 

2.     ماذا يعني مفهوم "دولة اللادولة" في الدين الإسلامي ؟

صفحة 122: إن العبارة -الإسلام دين ودولة- وصف للواقع القائم منذ قرون، أي لحكم سلطاني مطلق يحافظ، لأسباب محضة، على قواعد الشرع، وليست بأي حال تعبيرا عن طوبى الخلافة كما حللناها في الصفحات السابقة. ما يجب أن يلفت نظر القارئ في العبارة المذكورة هو واو الربط الدّال على التساكن لا على الاندماج و الانصهار، مع أن منطق الخلافة الحق يقضي أن الدين لا يتساكن مع الدولة بل يصهرها ليحيلها إلى لا دولة. تعني كلمة إسلام في العبارة المذكورة الحضارة التي تطورت أثناء التاريخ في دار الإسلام ولا تعني أبدا العقيدة (هامشة 47 على نفس الصفحة: يتفق في هذه النقطة السلفيون مع المستشرقين، ودون شك تحت تأثيرهم.). لتلك الحضارة مميزات من ضمنها تساكن الدين و الدولة دون أن يغير في العمق أحدهما الآخر. نلاحظ بالفعل من جهة أن الدولة لم تحول الإسلام لتجعل منه دين دولة (هامشة 48 على نفس الصفحة: كما نجد ذلك في الإمبراطوريات القديمة وفي الدولة الفاشية)، لو تحقق هذا لكانت الدولة صنما يعبد، لكان في ذلك شرك بالله وهو ما يحرمه الشرع تحريما قطعيا، ومن جهة ثانية أن الإسلام لم يحول الدولة إلى مؤسسة دينية لأن الدولة في الظروف العادية تعني دائما المُلك الطبيعي، لو حصل التغيير المذكور وأصبحت الدولة أداة تمكن كل فرد من التحلي بمكارم الأخلاق لما نشأت الحركة الصوفية التي تدعو كل فرد إلى النجاة بنفسه غير عابئ بغيره.

نواجه هنا مفارقة عجيبة، إذ يقول السلفيون: الإسلام دين ودولة يظنون أنهم يعبرون عن خصوصية الإسلام. في الواقع إنهم يصفون الإمارة الشرعية ولا يتعرضون في شيء للخلافة. إنهم يتكلمون عما يجمع النظام الإسلامي بالأنظمة السياسية الأخرى. ألا يحق لنا أن نقول أن النصرانية دين ودولة ؟ أو ليست دينا يعيش بجانب دولة في نطاق مؤسسة مستقلة ؟ في هذا السؤال طبعا مغالطة، لكنها مغالطة يرتكبها المستشرقون والسلفيون باستمرار. عندما يقولون: النصرانية دين فإنهم يعنون المعتقد وعندما يقولون: الإسلام دين ودولة فإنهم يعنون الحضارة الإسلامية. لو عنوا بالنصرانية حضارة محددة لوجب عليهم الاعتراف بأنها دين ودولة، كنيسة وإدارة، بابوية وإمبراطورية. ولو عنوا بالإسلام المعتقد لوجب القول أنه دين فوق الدولة وما سواها.

 

إن العبارة التي نحن بصددها تبررها ظروف القرن الماضي، ظروف مواجهة الفقهاء لليبرالية الغربية. لكنها لا تعبر عن روح الدعوة الإسلامية. التعبير الصحيح، حسب مصطلحاتنا، هو أن نقول: الدولة السلطانية دين ودولة. أما الإسلام فإنه دين الفطرة الذي يهدف إلى إحالة الدولة إلى لا دولة.

 

صفحة 124: يحكي لنا التاريخ، ويثبت لنا الفقه، أن دولة أخلاقية وُجدت بالفعل، لكن كان ذلك في زمن الوحي، عندما "غسل جبريل قلب النبي" وأثر النبي فيمن حوله حتى "كانوا يفضلون الدين على أمور دنياهم , إن أفضت إلى هلاكهم وحدهم دون الكافة". حينذاك لم تعد دولة طبيعية، حيث أنها تسامت على العادات الحيوانية. فيحق لنا أن نسميها دولة اللاّدولة.

 

3.     نتيجة اجتماعية خطيرة للطوبى الإسلامية والطوبى الشيوعية والطوبى الليبرالية

إنما نريد أن نؤكد على نتيجة اجتماعية خطيرة، إن الطوبى الإسلامية -انتظار عودة الخلافة بإلهام رباني- أظهرت فصم الدولة عن المجتمع بمظهر طبيعي لا مفر منه و بذلك أقعد الفقهاء عن البحث عن وسائل عملية لتوحيدهما، كذلك الطوبى الليبرالية، و بعدها الماركسية (إضافة مواطن العالم: انتظار اضمحلال الدولة وانقراض الطبقات وصراع الطبقات في المجتمع الشيوعي الطوباوي الموعود)، أضفتا على نفس الفصم حلّة العلمية فبقي الناس على تشاؤمهم التقليدي، لا ينتظرون من الدولة سوى القمع والاستغلال، حتى تتحقق الدولة الليبرالية المنتجة حيث تتكلف فقط بالأمن، أو تتحقق الدولة الشيوعية المنحلة في إدارة الأشياء. نعم، قد تقود الطوبى، الموروثة والمستوردة، في ظروف مؤاتية إلى الثورة، إلى نقض الكيان القائم، لكن، في الظروف العادية، وهي الغالبة، تقف حاجزا على طريق إدراك الواقع وبلورة نظرية الدولة، إذا لم يع المرء أن الطوبى طوبى.

 

خلاصة القول

 

يمكن لنا أن نجيب عن سؤال يطرح كثيرا: لماذا لم تتغلب الليبرالية على السلفية في القرن الماضي والماركسية على السلفية الجديدة في الوقت الحاضر ؟ الجواب في رأينا واضح: إن الليبرالية والماركسية، كما تؤثران في المحيط العربي لا كما يجب أن تكونا في حقيقتهما، لا تمثلان العلم والموضوعية بقدر ما تمثلان نوعين من الطوبى، وهل يمكن أن تتغلب طوبى على أخرى أقدم وأشمل وأعمق وأعرق منها.

 

تاريخ أول نشر على النات: حمام الشط في 29 ماي 2012.

هل للعرب دولة ؟ نقل وتعليق مواطن العالم

 


كتاب "مفهوم الدولة" لعبد الله العروي، الطبعة السابعة 2001، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء - المغرب، 179 صفحة. متوفر بالمكتبة العمومية بحمام الشط.

 

نص عبد الله العروي:

 

صفحة 25: نقرأ في بداية دستور ألمانيا: "لا تستحق مجموعة إنسانية أن تسمى دولة إلا إذا كانت متحدة لأجل الدفاع الجماعي عن كل ممتلكاتها". هذا تعريف قانوني - تاريخي.

 

إضافة مواطن العالم: لم تكن أي دولة من الدول العربية متحدة للدفاع عن حدودها المحتلة حتى تاريخ 30 ماي 2012، تاريخ نشر هذا المقال على الفيسبوك:  لا زالت مقاطعتي سبتة ومليلة المغربيتين محتلتين من قبل اسبانيا، محافظة لواء الأسكندرون السورية محتلة من قبل تركيا، جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى الخليجيتين محتلتين من قبل إيران، فلسطين والجولان ومزارع شبعا محتلة من قبل إسرائيل.

 

صفحة 146: هشام جعيط: "إن الدولة العربية ما زالت لا عقلانية، واهنة، و بالتالي عنيفة، مرتكزة على العصبيات والعلاقات العشائرية، على بنية عتيقة للشخصية" يخصص جعيط بحثه لتونس، لكن نتائجه قابلة للتعميم ما دامت العناصر الموروثة عن الماضي، والتي يبني عليها تحليلاته، مشتركة بين جميع سكان البلاد العربية. وكتاب جعيط من أهم ما أنجز في مجال النفسانية الجموعية العربية.

 

إمضائي

-         كل ما يُقال لك نصف الحقيقة، فابحث عن النصف الآخر بنفسك.

-         على كل سلوك غير حضاري نرد بسلوك حضاري، و على كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف اللفظي أو المادي.

-         أقرأ و أكتب و أنقل و أنشر للمتعة الفكرية و للمتعة الفكرية فقط، لا أكثر و لا أقل، و لكن يسرّني جدا أن تحصل متعة القراءة أيضا لدى قرّائي الكرام والسلام.

 

تاريخ أول نشر على النات

حمام الشط في 30 ماي 2012.

 

 

dimanche 26 décembre 2021

معلومة علمية للعموم. ترجمة مواطن العالَم

 


"الفارق الكَمّي في الجينات (ADN) بين الإنسان والقرد (الشنبانزي والبونوبو) يساوي 1،23% وهو فارقٌ بسيطٌ قد يوهمنا بأن القرد يشبه الإنسان في قدراته الذهنية: اللغة (نحو وتركيب)، التفكير الرمزي، التفكير حول نفسه، التخطيط بعيد المدى، الذاكرة الذاتية، نظرية الروح، الأنشطة الأدبية والفنية، والمعتقدات تقريبًا خرافية مثل الأديان. في هذا المجال لا يوجد وجهٌ للمقارنة بين الإنسان والقرد". 


Livre : Alain Prochiantz (Professeur au collège de France), Singe toi-même, Paris, Ed. Odile Jacob, mai 2019, 331 p., 23,90 euros, p. 27.

 

إمضائي: "وإذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك، فدعها إذن إلى فجر آخر" (جبران)

 

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 6 أوت 2019.