jeudi 20 novembre 2014

لا فضل لـ"ـمثقف" على "أميِّ" إلا بالعمل و الوعي. مواطن العالم د. محمد كشكار

لا فضل لـ"ـمثقف" على "أميِّ" إلا بالعمل و الوعي. مواطن  العالم د. محمد كشكار

قال الكاتب الفيلسوف التونسي العفيف الأخضر: "حجم دماغ الإنسان لم يتغير خلال عشرات  آلاف السنين لكن العقل، منتوج هذا الدماغ، قطع خلال هذه الحقب تطورا مدوخا. لقد عجز ابن عمنا الشامبانزي، الذي انحدرنا و إياه من جد مشترك منذ 8 ملايين سنة عن الانخراط في مسار الإبداع التكنولوجي أو على الأقل عن تطويره فظل قردا، فما الذي جعل ذلك الحيوان الفِقري المشابه له شكلا و شفرة وراثية يواصل مسار تطوره إلى الإنسان المعاصر؟ لا شيء يقول فرديريك انجلز غير العمل الذي حوله إلى إنسان. أو "العمل أولا و الوعي ثانيا" لقد استطاع العقل البشري، بالعمل و التفكير، أن ينقل الإنسان من الكهوف إلى ناطحات السحاب، من الفكر السحري إلى الفكر العقلاني و من الاهتداء بالعرافة إلى الاهتداء بالمعرفة" (الحداثة  و انتقاداتها. 2 نقد الحداثة من منظور عربي-إسلامي، إعداد و ترجمة محمد سبيلا و عبد السلام بنعبد العالي، دار توبڤال للنشر، الطبعة الأولى، 2006، الدار البيضاء، 102 صفحة، مقال الحداثة و العقل، صفحة 79).

قال الأستاذ جوهر امبارك ساخطا في القناة التونسية الخاصة "المتوسط" يوم الاثنين مساءً، 20 أكتوبر 2014: "يقول آخر إحصاء تونسي للسكان أن عدد الأميّين التونسيين بلغ خمسة ملايين فرد من جملة 11 مليون تونسي سنة 2014".

تعليق م. ع. د. م. ك.
أظن أن القائمين على الإحصاء يصنفون أميّا "كل مواطن تونسي لم يتعلم القراءة و الكتابة و كل من تعلمهما و نسيهما" (مثلا انقطع عن التعليم منذ المرحلة الابتدائية). و أنا أصنف المثقف "كل مواطن تونسي يقرأ و يكتب و ينتج معرفة و ينشر" و هم للأسف نخبة و قلة قليلة جدا في تونس مقارنة بالبلدان الغربية.
يبدو لي أن صفة "أمي" تُعدُّ في تونس استنقاصا من قيمة المواطنة، أما أنا فلا أفضلية عندي و لا فرق بين المثقف و الأميِّ إلا بالعمل و الوعي. و على سبيل الذكر لا الحصر، سأسوق لكم المقارنة التالية بين "مثقف تحت التمرين" (م. ع. د. م. ك.) و بعض "الأميين" من أبناء موطني و مسقط رأسي جمنة (لا أحبذ ذكر أسمائهم حتى لا أخدش شعورهم لو فهموا كلمة أمي بالمعنى العام و ليس بالمعنى الموضوعي الذي سأعطيه لها أنا):
-         ماذا حقق الأمي رغم أميته؟
هؤلاء الأميون خضّروا الصحراء و زرعوا آلافا من أجود أشجار النخيل "دڤلة النور" و شغّلوا على كامل السنة أو موسميا المئات من العمال الفلاحيّين المحليّين و الوافدين من جهات أخرى و صدّروا آلاف الأطنان من التمور إلى الخارج و جلبوا ملايين الدولارات من العملة الصعبة، ومنهم مَن تاجر و سوّق الإنتاج المحلي. كدّوا و اجتهدوا فخلقوا ثروة و طنية و نهضة فلاحية و كسبوا من عرقهم و حققوا في جمنة "الحلم الأمريكي بالثروة" بعد ما كانوا فقراء فأصبح منهم الملياردير و المليونير و أصبحت جمنة، بفضل حرصهم و مثابرتهم، أول قرية بلدية منتجة للدڤلة في الجمهورية التونسية.

-         ماذا فعل "المثقف تحت التمرين" بثقافته؟
قضيت قرابة نصف عمري أتعلم (7 ابتدائي + 3 إعدادي + 4 ثانوي + 13 عال) و أكثر من نصف عمري أعلّم و أتعلم في نفس الوقت (38 عام أستاذ). لم أخلق ثروة وطنية و لا نهضة علمية. دخلت للمدرسة الابتدائية بجمنة فقيرا و تخرجت دكتورًا من جامعة كلود برنار بليون بفرنسا فقيرا أيضا. لم أخلق في حياتي و لو موطن شغل واحد. أيُّ عجز هذا؟ أيهما أفضل للوطن إذن؟ ثقافتي أم أميتهم؟ من حسن حظ تونس أن جل مثقفيها ليسوا من أمثالي! فيهم بن عاشور و الحداد و الشابي و جعيط و العياري و "المرزوقي قبل الثورة" و غيرهم كثيرون و الحمد لله. و من سوء حظ تونس أن جل أمييها ليسوا جمنين!

ملاحظات انطباعية عابرة حول الثقافة و الأمية:
في عهد وسائل الاتصال الحديثة السمعية و البصرية (إذاعات، فضائيات، أنترنات، التعليم السمعي المرئي بالمراسلة) و في عهد عولمة الاتصال الافتراضي (الفيسبوك و تويتر) لم تعد الأمية حكرا على مَن لم يتعلم فكثير من الأميين اكتسبوا بفضل ذكائهم (الذكاء موزع بالفطرة بين المتعلمين و غير المتعلمين) ثقافة شعرية شعبية أو مسرحية أو موسيقية أو سياسة، و في المقابل لم تعد الثقافة حكرا على المتعلمين الذين يحذقون الكتابة و القراءة فهنالك متعلمين أصحاب شهائد عليا لكنهم غير مثقفين يعني سجيني اختصاصهم العلمي لذلك نستطيع أن نقول عنهم أنهم "اكتسبوا" صفة الأمية "بفضل" كسلهم الفكري لأنهم اكتفوا بمعارف اختصاصهم مثلما يكتفي الفلاح الأمي بإتقان فلاحته. و في أوائل القرن الماضي، نال طه حسين شهادة الدكتورا من جامعة السوربون بواسطة التعلم السمعي و الإنصات و الرغبة و الانتباه دون أن يقرأ أو يكتب حرفا واحدا بيده و أصبح من أكبر مثقفي مصر و هو أعمى البصر لكنه نيّر البصيرة، و قديما كان الرسول محمد صلى الله عليه و سلم أميا.


خلاصة القول
المواطن الصالح هو مَن يستفيد و يفيد، مَن يستنفع و ينفع، مَن يوظف العلم و التكنولوجيا أحسن توظيف لفائدة نفسه و عائلته أولا و موطنه و وطنه ثانيا، لا يهم إن كان مثقفاً أو أمياً. أما المثقف الذي يكتفي بالكتابة و النشر على الفيسبوك فهو كَــ"الزِّيرْ المِتَّكِّي لا اِفَرَّحْ لا اِبَكِّي".

إمضاء م. ع. د. م. ك.
قال الفيلسوف اليساري المغربي العظيم عبد الله العروي: "لا أحد مُجبر على التماهي مع مجتمعه. لكن إذا ما قرّر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذن أن يتكلم بلسانه (المجتمع)، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه". و مجتمعنا التونسي عربي مسلم أو لا يكون مع احترام حقوق الأقليات العرقية و العقائدية.
يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه و يثقوا في خطابه أما أنا - اقتداء بالمنهج العلمي - أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات و أنتظر منهم النقد الهدام المفيد.
لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى، و على كل مقال قد يبدو لكم ناقصا أو سيئا نرد بمقال كامل أو جيد، لا بالعنف اللفظي.

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط، الثلاثاء 21  أكتوبر 2014.


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire