vendredi 14 novembre 2014

قد يخطئ بعض المواطنين التونسيين و العرب في حق أنفسهم و في حق حملة شهادة الدكتورا ! مواطن العالم د. محمد كشكار

قد يخطئ بعض المواطنين التونسيين و العرب في حق أنفسهم و في حق حملة شهادة الدكتورا ! مواطن العالم  د. محمد كشكار

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 27 سبتمبر 2011.

1.     ثلاثة أوهام تتراءى - عن حسن نية - لبعض المواطنين التونسيين و العرب في ثقافة حملة شهادة الدكتورا

1.1.         الوهم الأول السائد يتمثل في الثقة العمياء في نجاعة تفكير أصحاب الشهائد العليا في مجال العمل السياسي و مجال تقلّد المناصب الحكومية العليا

تعتقد فئة كبيرة من مجتمعنا أنه كلما علت الشهائد العلمية، زادت معها الكفاءة السياسية. من أقوالهم: يجب أن يكون وزير الصحة دكتورا في الطب، و كأنه هو الذي سيجري العمليات الجراحية للمرضى، و وزير التربية أستاذا جامعيا، و كأنه هو الذي سيدرّس للطلبة، و وزير الاقتصاد دكتورا في الاقتصاد، و كأنه هو الذي سيستنبط النظريات الاقتصادية الملائمة لظروفنا الاجتماعية.

يبدو لي أن ما يجب أن يتوفر في السياسي هو "الصدق في القول و الإخلاص في العمل" قبل الشهائد العلمية التي قد تكمّل شخصية هذا الأخير و تجملها لكنها لن تساهم في بنائها لو لم تكن موجودة أصلا.
يُحكى أنه كان في حكومة جيسكار ديستان الفرنسية وزيرا للتربية لا يحمل شهادة الباكلوريا و قد اجتاز امتحان الباكلوريا كمترشح حرّ مع تلامذته و هو وزير. هل تخلفت التربية في فرنسا بسبب فقدان الشهائد العليا لدى وزير التربية الفرنسية؟ طبعا لا لأن الوزير لا يشتغل وحده و لا يقرر بمفرده. تأتي القرارات المصيرية من البرلمان المنتخب بنزاهة و حرية و شفافية و تمثيلية و  تأتي من الخبراء و المختصين و أهل الذكر و المدرسين، يعني من كل المشتغلين دوما بالوزارة و المتواجدين فيها قبل تعيين الوزير و سوف يستمرون بعد إقالته أو استقالته. ينحصر دور الوزير في التنسيق السياسي لا العلمي بين كل هذه الأطراف فهو إذن منسّق و ليس عليهم بمسيطر. ماذا نطلب من المنسّق غير "الصدق في القول و الإخلاص في العمل"؟
ما هي المهنة الأصلية لوزير خارجية دولة الـ"نورفاج" الذي أدار بحنكة مفاوضات أوسلو في 1994 بين إسرائيل و عرفات؟ قال في تصريح عندما شكروه على مجهوداته العظيمة (مع أنها لم تكن في صالح الفلسطينيين حسب رأيي): "أنا لم أفعل شيئا سوى القيام بمهنتي الأصلية و هي موزع بريد فقمت بنقل الرسائل بين جهتي التفاوض".

قاد "ليش فاليزا" مؤسس و أول رئيس لنقابة "تضامن" التي أطاحت - بمساعدة العالم الرأسمالي و الفاتيكان - بأعتى حكومة شيوعية دكتاتورية في بولونيا. كان "ليش فاليزا"  يشتغل عاملا مختصا في الخراطة و هذا لم يمنعه من ترؤس - عن حنكة و دراية و جدارة - أول دولة شيوعية تتحول إلى النظام الرأسمالي الليبرالي.

فرحات حشاد، مؤسس و أول رئيس للاتحاد العام التونسي للشغل، اكتفى بالشهادة الابتدائية فقط، "صدقه في القول و إخلاصه في العمل" ضد الاستعمار هما القيمتان التي جعلتا منه عدوا للنظام الفرنسي و بطلا شعبيا مخلدا في قلوب التونسيين.

عمر المختار، بطل تحرير ليبيا، قاهر الاستعمار الايطالي الفاشستي، كان مؤدب صغار في الكتاب.


و في المقابل، ماذا جلبت لنا الشهائد العليا لوزراء بن علي سوى الاستبداد و الفساد؟

1.2.         الوهم الثاني السائد يتمثل في التصور بأن  حاملي الدكتورا يتمتعون بغزارة علم في عديد المجالات

يتكون الدكتور في اختصاص محدود جدا و هذه طبيعة الباحث العلمي الذي لا يمكن أن يلم بكل شيء حتى و لو كان في علم واحد لذلك يضطر أن يحدد مجال بحثه حتى يستطيع التعمق فيه. أضرب هنا مثلا معبرا: قد يختص دكتور في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية في دراسة عامين فقط من العهد العباسي لذلك لو أخرجته من اختصاصه لألفته مواطنا مثقفا مثلك مثله في ميدان السياسة و الاقتصاد و كتابة الدستور.

أنا، مثلا، أحمل دكتورا في علوم التربية فرع تعلّميّة البيولوجيا و في الوقت نفسه لا أفقه شيئا في تعلّميّة العربية أو تعلّميّة الرياضيات و لا أفهم أكثر من أي مواطن - غير مختص - في السياسة و الدين و الطب و غيرها من الاختصاصات العلمية و غير العلمية. لذلك يجب التنصيص على اختصاص الدكتور الذي نستضيفه في حصة تلفزية حتى يكون المشاهد على بينة من أمره، هل يتكلم السيد في اختصاصه أو يتطفل على اختصاص غيره؟ و الفرق شاسع بين الوضعيتين.

1.3.         الوهم الثالث السائد يتمثل في احتقار المستوى العلمي و الثقافي لفاقدي أو متوسطي الشهائد العلمية:

يعتقد البعض خطأ أنه كلما ارتفعت الشهادة العلمية، ارتفع معها الذكاء أوتوماتيكيا. الذكاء أنواع، ذكاء الطبيب ذكاء، و ذكاء الميكانيكي ذكاء، و كلاهما ضروري لاستمرارية الحياة. قد يبدع معلم الابتدائي "نظرية بيداغوجية في تعليم الصغار" يعجز عن فهمها الأستاذ الجامعي، و قد يخترع  فني سامي آلة لم تخطر يوما على بال مهندس بارع. يبدو لي أنه من الأفضل و الأنفع لنا جميعا أن نحترم الأشخاص حسب ذكائهم و إنتاجهم في ميدانهم مهما كان ظاهريا بسيطا و ليس حسب شهائدهم العلمية مهما كانت عالية.

2.     خطأ ترتكبه عن سبق إصرار و ترصد كل الفضائيات العربية - خاصة قناة الجزيرة القطرية

         في جل برامجها تقريبا، تقدم هذه الفضائيات حاملي شهادة الدكتورا بإضافة لقب دكتور في بداية اسمه الحقيقي و لا تعلن قصدا عن اختصاص الدكتور حتى تستغل حجة سلطة المعرفة و العلم و تأثيرها على الناس في غير مجالها و غير محلها، كأن تؤيد سياسة المحطة مثلا رؤيتها في عدم أحقية المرأة في تولي منصب القاضي بالاستعانة برأي دكتور في الرياضيات. أنا لا أرى مانعا إن أعطى هذا الأخير رأيه في القضية كمواطن لكن أعترض على استغلال صفته العلمية لتدعيم رأيه الرجعي. لو استعانت بدكتور في القانون أو دكتور في الفقه الإسلامي لكان أفضل.

         في القنوات الفرنسية لا يقدمون الضيوف بألقابهم الأكاديمية التي لا تعني للمشاهد شيئا بل يقدمونهم حسب اختصاصاتهم. درست في جامعة كلود برنار بليون 1 بفرنسا، قسم "تعلّميّة البيولوجيا" و لم أر يوما اسم الأستاذ مكتوبا على بابه أو مكتبه و مسبوقا بكلمة دكتور أو حتى حرف "د".


إمضاء مواطن العالَم م. ع. د. م. ك.
يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه و يثقوا في خطابه أما أنا - اقتداء بالمنهج العلمي - أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات و أنتظر منهم النقد المفيد.
لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى و على كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف الرمزي أو اللفظي أو المادي.



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire