jeudi 14 avril 2016

مقدمة لكتابي الثالث القادم قريبا إن شاء الله وعنوانه "سلسلة نقد السائد. جزء 1: نقد السائد في النظام التربوي التونسي". مواطن العالَم محمد كشكار، دكتور في إبستمولوجيا تعليم البيولوجيا ( Didactique de la biologie)

مقدمة لكتابي الثالث القادم قريبا إن شاء الله وعنوانه "سلسلة نقد السائد. جزء 1: نقد السائد في النظام التربوي التونسي". مواطن العالَم محمد كشكار، دكتور في إبستمولوجيا تعليم البيولوجيا
( Didactique de la biologie)

في هذا الكتاب، سمحتُ لنفسي أن أكتب أثرا "خالٍ من تلك العتمة وذاك الركام من الاستشهادات والإحالات المضنية التي تلهي القاريء الصفحة تلو الأخرى وتصدك عن المسك بجوهر الموضوع" (جملة قالها الموسيقار الألماني العبقري فاغنر تمجيدا لكتاب صديقه الفيلسوف الألماني العظيم نيتشه. المصدر: كتاب "نيتشة والفلسفة"، محمد المزوغي، 2010)، رغم أنني أعي جيدا أن كل أثر علمي عادة ما يخضع لمعايير علمية وقواعد محددة وأن للكتابة العلمية ديونتولوجيتها وأن ناقل العلم مثلي لا يجب أن يكتب جزافا بل كل ما يورده يجب أن يكون مضبوطا وموثقا ومبرهنا عليه. تسع سنوات سجن لذيذة قضيتها في البحث العلمي بين ماجستير ودكتورا، تخللها كد وجهد فُرِضا عليّ ديونتولوجيا من قِبل أساتذتي المحترمين الأعزاء فقبلتها كَرها، وحالما حصلتُ على الشهادة الأخيرة قلتُ للجامعة والجامعيين ما قالته أم كلثوم في الأطلال :
أعطني حريتي أطلق يديَّ .. إنني أعطيت ما استبقيت شيَّ 
آه من قيدك أدمى معصمي .. لِمَ أبقيه وما أبقى عليَّ 
أشعر أنني لم أخلَق للبحث العلمي، وشهادة الدكتورا في نظري هي بمثابة بطاقة دخول إلى مجال البحث العلمي وليست تتويجا له كما يعتقد غير الجامعيين. أنا أخذت بطاقة الدخول وعوض أن أدخل القسم غادرت المعهد نهائيا كالتلميذ العاق أو المتنطع. أحس ميلا كبيرا لغير النفع المادي المباشر في الوجود، أعني الفن. النتيجة أنني لا في العلم فلحت ولا في الفن!
يأتي كتابي هذا خاليا من أي استشهاد يُذكر عكس ما جاء في كتابي بالفرنسية وهذا أمر ناشز ومحرج للغاية في ميدان علم التعلمية (Didactique) الذي بُني أصلا على أساس الدقة العلمية والصرامة في الإحالات والاستشهادات المكثفة والأمانة في ذكر المراجع. لكنني لم ولن أجرؤ على التهجم على العلم الذي بحثت فيه وتمتعت به، العلم الذي فتح عينيّ على آفاق أوسع وأرحب من علم البيولوجيا، اختصاصي الأول والأساسي وأتمنى أن لا أموت بالنسبة للعلم كما مات نيتشه حسب تعبير العالِم الفيلولوجي الكبير هرمان أوسنر ولا أريد أن يزدريني أصدقائي الديداكتيين الجامعيين التونسيين وفي الوقت نفسه أشك في أن أصبح يوما ما ديداكتيكيا حقيقيا.
أحسُّ أن علمَ الديداكتيك يسجُنُ عقلي ويضيِّقُ من مجال حركتي الفكرية ويقمعُ رغبتي في التحرر والولوج إلى مجالات فكرية أخرى أوسعَ وأرحبَ وأشملَ.
هذا التوجه الفكري الذي اخترتُه بمحض إرادتي، دون ضغوط خارجية، يوفرُ لي مساحة من التفكير أكبر مما يتمتعُ به زميلي الباحث الديداكتيكي الجامعي الملتزم حرفيا بما سطره الأوائل والرواد العظام. نتائج هذا الاختيار الانتحاري علميا انعكست على خياراتي الحياتية وأثرت في مسار حياتي المهنية والشخصية وقلصت من صداقاتي، وغيرت من طريقة تعامل زملائي الأساتذة معي وخاصة مَن اضطلع بمهمة التفقد منهم.
خرجتُ من بيضة الديـ(داكتيـ)ك لا أشبه أبي في صرامته واستقامته (son orthodoxie). لا أروم الرجوع إليها أو الانتساب إليه. أتراني، هل ارتكبتُ خيانة علمية أم تراني أضفتُ وعمّدتُ ولادة علمبة؟ لن أتصالح مع أبي إلا إذا غيّر جلده واسمه ليصبح اسمه "إبستمولوجيا التعليم" وجلده الفلسفة حيث لا صرامة ولا استقامة!
أشعرُ أنني متلائم أكثر مع التسمية المؤسِّسة المعبّرة الجديدة-القديمة لعلم الديداكتيك، ولا أشعرُ بالانتماء إلى قسم علوم التربية. 
أي تربية أيها الأبله؟
- نكوّنُ محاميا من جيوب دافعي الضرائب الموظفين العموميين للدفاع عن المظلومين ، يتخرّجُ فينقلب لسانا حادا يدافع بِنَهَمٍ عن الظالمين من الطرابلسية إلى زين العابدين.
- نكوّنُ طبيبا يؤدي اليمين ويتعهد بعلاج كل الموجوعين، يتخرجُ فيهجر المستشفى الذي درّبه ويترك المرضى الذين علموه مهنته ويفتح عيادة خاصة للمتهربين من دفع الضرائب من الميسورين.
-
نكوّنُ أستاذا لنقل العلم لأبناء الفقراء والمحرومين، يترسمُ فيصبح مقاولا يبيع العلم في الڤاراجات والدكاكين.
-
 ندرّسُ معارفَ (Les connaissances scientifiques) خالية من القيم الإنسانية الكونية (Les valeurs humaines universelles)  ونحن نعرف مسبقا أن المعارف بلا قِيم كحافلة ركاب تجري دون سائق.
-نغتالُ الإبداعَ في عيون أطفالنا بدعوى الانضباط السلوكي والتجانس الذهني. نشعِل النار ونقول الدخان مْنِينْ؟ نربي دجاجا أبيض متجانسا ونقول فقر الدم (ثقافة الاختلاف وقبول الآخر) مْنِينْ؟ نقدّم تعليما موحّدا لتلامذة مختلفين في الذكاء (الذكاء الفني والذكاء العملي والذكاء النقدي، إلخ.) ونتوهم أننا نعدل بينهم وبعد التخرج نزجّ بهم في مجتمع غير متجانسٍ إلا في عقول المربّين ونطالب متسلقَ الجبال بتوظيف ما تعلمه في درس السباحة.
- لا نعطي أهمية كبرى لتعليم القيم الإنسانية الكونية والفلسفة ولا ندرّس العَلمانية الأنڤلوسكسونية ومقارنة الأديان وفي نفس الوقت نتساءل من أي مدرسة تخرّج هذا الكمّ الهائل نسبيا من الدواعش التونسيين؟
-
لا نُولِي عناية خاصة لتنمية الميول الفنية وصقلها ونتعجب من انتشار الرداءة في الإنتاج والأذواق متجاهلين أن حاسة التذوق الفني ليست هِبةً من السماء بل هي انبثاقٌ من تفاعل المكتسب مع الوراثي. الموهبة وحدها لا تصنع فنانا مبدعا وكذلك لن يصنعه التدريب وحده مهما فعلتَ.

إمضائي:
وإذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك فدعها إلى فجر آخر" جبران"

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط، الخميس 14 أفريل 2016.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire