jeudi 23 avril 2015

مشروع بيداغوجي شخصي واعد، شرعت في تنفيذه في مدرسة خاصة و - للأسف الشديد - لم يكتمل! مواطن العالَم د. محمد كشكار

مشروع بيداغوجي شخصي واعد، شرعت في تنفيذه في مدرسة خاصة و - للأسف الشديد - لم يكتمل! مواطن العالَم د. محمد كشكار

المكان: مدرسة مونتيسوري الدولية بحمام الأنف.
الزمان: دامت التجربة شهرين، فيفري و مارس 2015.
الخطة التي شغلتها في هذه المدرسة النموذجية: مرشد بيداغوجي عام.

فكرة المشروع البيداغوجي الشخصي الواعد:
فكرة المشروع البيداغوجي الشخصي الواعد تحمل عنوانا: "التكوين البيداغوجي الذاتي المبنِي على البحث العلمي الميداني (Recherche-Action)"، و هو مجال بحثٍ علمي مهمل بل مغيّب تماما في التعليم التونسي العمومي و الخاص داخل المدارس و الإعداديات و الثانويات و مراكز التكوين المهني و خاصة في الجامعات حيث تغيب بيداغوجيا المدرسة البنائية الاجتماعية (Le socio-constructivisme de Vygotsky et Piaget) و تحضر مكانها بيداغوجيا المدرسة السلوكية (Le béhaviorisme de Watson et Skinner ) فتسود المحاضرات الفوقية (Cours magistral). يبدو لي أن مجال البحث العلمي الميداني لم يأخذ حضه من ميزانية الدولة للبحث العلمي مثل ما حصل في مجالَيْ البحث العلمي الأساسي ( Recherche Fondamentale certifiée par un Master ou un Doctorat) و البحث العلمي التطبيقي (Recherche appliquée certifiée par un Master professionnel sans une issue vers un Doctorat).

انطلقت الفكرة من الملاحظة البديهية التالية التي استقيتها من تجربتي كأستاذ في التعليم العمومي لمدة 38 سنة: لاحظت وجود تهميش مبيّت لدور المدرس التونسي في عملية التكوين البيداغوجي و أوكَلت وزارة التربية مهمة التكوين لمتفقدين غير مختصين في علوم التربية خاصة قبل تأسيس معهد تكوين متفقدي الابتدائي و الثانوي بقرطاج. لاحظت أيضا تغييب المعلم و أستاذ الثانوي في بلاتوهات الفضائيات التي تناقش إشكاليات النظام التربوي التونسي و تعويضه بخبراء و أساتذة جامعيين لم يمارسوا التدريس في التعليم الأساسي و لا الثانوي مع التذكير أن "أهل مكة أدرى بشعابها". تعامِل وزارتنا الموقرة مدرّسيها و كأنهم قُصّر غير قادرين على تقديم حلول علمية للنهوض بقطاعهم التربوي. تفتقد الوزارة لمؤسسة تُعنى بالبحث العلمي الميداني.

محاولة شخصية مني و درءًا لهذا النقص الفادح، ارتأيت أن أحمّل مسؤولية التكوين البيداغوجي في مدرسة مونتيسوري الدولية بحمام الأنف للمربين العاملين فيها دون انتظار الوصفات الجاهزة للسادة المتفقدين أو محاضرات الأساتذة الجامعيين غير المختصين في علوم التربية. نجحتُ في تنظيم أول ملتقى في طريق تحقيق أهداف هذا المشروع و ذلك يوم الاثنين 16 مارس 2015، حضره جل مربين المدرسة حيث ألقى ثلاثة منهم ثلاث محاضرات متبوعة بنقاش. على سبيل الذكر لا الحصر، أسرد عليكم بعض أهداف التكوين الذاتي: يُدرَّب المدرس على اكتساب بعض المهارات و القيم مثل مواجهة الجمهور و تحسين الإلقاء و مقارعة الحجة بالحجة و قبول الرأي الآخر و التدرّب على استعمال الوسائل التكنولوجية الحديثة (Les T. I. C. E.) و الاستفادة من فوائدها في عملية التعلّم و اكتساب مَلَكَة النقد العلمي الهدّام بطبيعته للتصورات غير العلمية السائدة في نظامنا التعليمي المهزوم و المأزوم من أجل البناء العلمي على قاعدة علمية صلبة.

للأسف الشديد لم تُتَح لي فرصة مواصلة مشروعي و أوقِفت عن مباشرة العمل في المدرسة لأسباب خارجة عن صلاحيات الأسرة التربوية المونتيسورية بحمام الأنف بما فيهم باعث المدرسة نفسه و الذين أحمل عنهم انطباعا أولا ممتازا ( Ma première impression est bonne, mais attention : « il faut se méfier de la première impression »): في قانون وزارة التربية التونسية لا توجد خطة اسمها "مرشد بيداغوجي عام" لذلك دعاني الباعث لطلب ترخيص من الإدارة الجهوية للتعليم ببنعروس لتسميتي رسميا كمدير للمدرسة (8 أقسام ابتدائي و قسمان إعدادي) مع الإشارة أنني لا أرغب و لا أصلح لشغل مثل هذا المنصب الإداري غير البيداغوجي المتعب و قد سبق و تحصلت عليه مرتين في التعليم العمومي، مرة قبل الثورة و أخرى بعد الثورة و قدمت استقالتي في المرتين بعد التسمية و قبل التنصيب. رُفض مطلبي للسبب الوجيه التالي: سبب قرأته بنفسي في كراس الشروط للمدارس الخاصة المنشورة على النت و التي تشترط في المدير أن يكون مدرسا قد مارس التعليم في مدرسة ابتدائية عمومية على الأقل لمدة خمس سنوات. من سوء حظي لا يتوفر فيّ هذا الشرط المعقول جدا و أجهل تماما التعليم الابتدائي الذي اكتشفت خلال شهرين أنه يمثل عالَما مستقلا بطقوسه، عالَم لا يعرفه أستاذ تعليم ثانوي في علوم الحياة و الأرض من أمثالي، حتى لو كان حاصلا على شهادة الدكتورا من جامعة كلود برنار بليون 1 في علوم التربية متخرج حديثا سنة 2007 و درّس 38 عاما في الإعدادي و الثانوي، في تونس و الجزائر.

أتمنى أن تتواصل تجربة التكوين الذاتي داخل  مدرسة مونتيسوري الدولية بحمام الأنف من بعدي و في غيابي و هذا هو الهدف الأساسي و الرئيسي من التجربة فهي لا تعتمد على مجهود شخص واحد مهما كان مستوى تكوينه الجامعي بل هي مجهود جماعي و عمل فريق. أذكّر بواجب قد يتغافل عنه بعض المدرّسين غير المغرَمين بمهنة التدريس: المدرّس باحث ميداني بطبعه، يبحث في التطور العلمي و الذهني لكل تلميذ من تلامذته (Développement scientifique et mental de l`apprenant) و يحاول  دعم قدرات المتعلم  و سد ثغراته المعرفية حتى يجتاز بمفرده العوائق التعلمية و الإبستومولوجية و البسيكولوجية. ودّعتُ المدرسة و أنا راضٍ عما فعلته و تقاضيت مقابلا ماديا مُرضِيا لنرجسيتي الأكاديمية - ألف دينار في الشهر - و خرجت منها مستفيدا باكتشاف شخصية ماريا مونتيسوري، حسب رأيي أعظم عالمة ميدانية في التاريخ المعرفي الحديث و صاحبة الطريقة البيداغوجيا البنائية عن جدارة و امتياز.

إضافة تجربة بيداغوجية رائدة قد تفيد المسؤولين في وزارة التربية التونسية:
تجربة بيداغوجية رائدة اكتشفتها في مدرسة مونتيسوري الدولية بحمام الأنف، تجربة غائبة تماما في التكوين و التعليم العمومي التونسي في جميع مراحله، و تتمثل في "مجالس المواد" (Conseil-Matière)، مثلا: في هذه المدرسة توجد أربعة مجالس، عربية و فرنسية و أنڤليزية و تنشيط (تربية بدنية، تربية تشكيلية، موسيقى و مسرح). سأكتفي بالحديث عن مجلس العربية الذي شاركت فيه ثلاث مرات و يحضره مرشد بيداغوجي عمومي متعاقد صحبة كل أساتذة المواد المدرّسة بالعربية المتربصين المنتدبين خصيصا للتدريس بهذه المدرسة الخاصة دون المتعاقدين (Les vacataires)، يتعلمون البيداغوجيا و يتشاورون في كل ما يهم التلميذ و العلم المدرَّس في حصصهم. تصوروا معي لو عُمِّمت هذه التجربة على التعليم العمومي، أي فائدة علمية و بيداغوجية عظيمة سيجنونها التلاميذ و المدرسين المتربصين و المترسمين؟ فائدة - حسب رأيي - قد تفوق ما يحصل عليه المدرس عادة في الاجتماعات البيداغوجية الدورية في مراكز الرسكلة الجهوية تحت إشراف متفقدين كلاسيكيين حيث يغيب الحوار بين المدرسين الحاضرين و تحضر مكانه الوصفات الجاهزة و التوصيات الشكلية المفروضة فوقيا دون نقاش و المسنودة بسلطة المتفقد الإدارية البيهافيورية المتمثلة أساسا في الجزاء و العقاب بواسطة العدد البيداغوجي المسند اعتباطا للمدرس (Le béhaviorisme )، خلال ثلاثين سنة في تونس زارني ست مرات، أي زيارة تقويمية كل خمس سنوات. أبعدَ هذا الاعتباط اعتباطًا؟

ملاحظة بيداغوجية موجهة لأندادي مواليد الخمسينات من سكان مسقط رأسي قرية جمنة بولاية ڤبلي و سكان جميع الأرياف التونسية: نتعلّم منك يا جمنة و نحن أصغر من أن نُعلّمك.
تتلخص نظرية مونتيسوري في تربية الأطفال قبل الست سنوات في الشعار التالي على لسان الطفل: "أعِنّي على أن أتعلم بنفسي" (“Aide-moi à faire seul”) و نحن أطفال جمنة لم ننتظر اكتشاف النظريات التربوية الحديثة و طبقنا منذ أجيال - بطريقة عفوية مكتسبة و موروثة ثقافيا - شعارا قد يكون أفضل تربويا من شعار مونتيسوري و هو التالي: "اتركني أتعلم بنفسي". كنا - وحدنا دون رقيب كهل مختص أو غير مختص - نصنع لُعبنا بأيدينا و نتعلم منها و من المحيط و الأقران. عندما أقول " طبقنا شعارا قد يكون تربويا أفضل"، أنا أعي ما أقول، قلت "تربويا أفضل" و لم أقل "علميا أفضل" و لهذا انقرضت تقريبا طريقتنا البيداغوجية غير العلمية من جمنة و عوضتها رَوضات أطفال تجارية غير تربوية. كادت تجربتنا أن تكون علمية صِرفة لو توفرت عينُ رقيبٍ عالِمٍ ميداني، عينٌ مسندة بعقل  يلاحظ و يسجّل و يدوّن و يطوّر طريقتنا في التعلم الذاتي و يستنتج و يقارن و ينشر فربما قد نكون سبقنا علماء الغرب من أمثال مونتيسوري و فيڤوتسكي و بياجي و اكتشفنا "نظرية التعلم البنائي الذاتي" قبلهم جميعا.

إمضاء م. ع. د. م. ك.
لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى، و على كل مقال قد يبدو لكم ناقصا أو سيئا نرد بمقال كامل أو جيد، لا بالعنف اللفظي.

ملاحظة هامة:
جميع حقوق التأليف و النشر لجميع مقالاتي الألف إنتاجا و ترجمة أصبحت أخيرا و الحمد لله مسجلة و محفوظة لدى "اتحاد المدوّنين" و "شركة ڤوڤل العالمية". (سري للغاية و معترف بشهادتهما لدى المحاكم التونسية و الدولية).

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط، الجمعة 24  أفريل 2015.



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire