lundi 6 mai 2024

"ربي يعرف آش يعمل" ؟

 

 

"ربي يعرف آش يعمل"، جملةٌ قصيرةٌ مقتضبةٌ، وصلت أذنيّ غصبًا عني، سمعتها البارحة، الأحد، على الساعة السادسة صباحًا في طبرقة وأنا جالس وحدي في المقهى قبل الرجوع إلى تونس بعد المشاركة في حفل أربعينية أخي المناضل صالح كشكار. قالها فلاح (ظاهر من لباسه القريب من التقليدي) ردًّا على التعليق التالي لجليسه الفلاح حول هطول المطر مدرارًا يوم السبت بطبرقة: "هالعارِض هظايا باش يهلك الزرع".

حوارهما أوحى إليّ بالمقال التالي:

صحيح وأكيد أن "ربي يعرف آش يعمل". ومَن سِواه أدرَى بما يفعل" ؟ معرفته بما يفعل، أفهمها أنا خلافًا لما يبدو أن  الفلاح، مستهلِك المسلّماتِ، قد فهمها. المسلّمات ("ربي يعرف آش يعمل") تَختزلُ الفكرة العميقة، والاختزالُ عادة ما يشوّه الأصلَ. أظن أنه قَيَّمَ قدرة الله بمدى تحكّمِه في الأضداد، أي يَهَبُ لنا الغيثَ والحجرَ، الصحةَ والسقمَ، الغِنَى والفقرَ، الفرحَ والحزنَ، الحياةَ والموتَ، الصبرَ والجزعَ، إلخ.

كغير مختص في علوم اللاهوت أقدّم لقرّائي الكرام وجهة نظري المتواضعة في الموضوع: كلامُ الفلاّحَين سليمٌ للغاية، لكنني سأضيف له ما جادت به قريحتي البسيطة: "هالعارِض هظايا باش يهلك الزرع" هو تقييمٌ واقعيٌّ لما تحدثه  الفياضانات من انجرافٍ للتربة الصالحة للزراعة.

"ربي يعرف آش يعمل": أولاً، هو إقرارٌ لا طائل من ورائه لأن ربي أمرنا أن نسعى وهو يسعى معنا. ثانيًا، الله -سبحانه وتعالى- منحَ الحياةَ إلى جميع الكائنات الحية (إنسان، حيوان، نبات وفطريات)، أكرمَها وأصبغَ عليها صفة من صفاته، ألا وهي صفة الخلود كأنواع وليس كأفراد (Excepté les espèces disparues comme les dinosaures)، ميّزها عن مخلوقاته الأخرى (التي نسمّيها نحن "غير حية" إلى أن نكتشف ما يخالف ذلك، فمفهوم الحياة نفسه، يبدو أن العلماء قد تجاوزوه ولم يعد موضوع بحث في مخابرهم كما أكد ذلك العالِم البيولوجي هنري أتلان)، خلقَها من هباءةٍ (Une molécule d`ADN ou d’ARN هباءةٍ قادرةٍ على تجديدِ نفسِها بِنفسِها عن طريق التكاثر الجنسي واللاجنسي.

كل المخلوقات، منحَها الرزق السهل واستثني منها البشرَ فقط، لكنه في المقابل خصَّنا بما هو أفضل من الرزق السهل، ألا وهو آلة البحث عن الرزق الصعب، مخٍّ بمليون مليار وصلة عصبية (dix puissance quinze synapses). مخٌّ نستطيع بواسطته أن نتجنّب قدر المستطاع مضارّ الكوارث الطبيعية: نُقيمُ سدودًا صغيرةً حِفاظًا على التربة من الانجراف أو سدودًا كبيرةً لتجميع المياه واستعمالها للرّيّ، عوض الرضا السلبي بحكمةِ الأضداد الإلهية التي نجهلُ مكنونَها وهل هي أضداد فعلاً أو تبدو لنا كذلك، حكمةٍ لا يعلمُ مدلولَها الحقيقيَّ إلا هو سبحانه. نبقى نحن في مَنطِقِنا البشريِّ العقلانيِّ فهو مَنْطِقٌ واضحٌ، مَنْطِقٌ لا يحتملُ الأضداد (La rationalité a horreur des contradictions).

 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire