jeudi 28 janvier 2021

ماذا جلبت النظرية الماركسية للأقليات في العالم ؟ تأليف أمين معلوف، ترجمة وتأثيث مواطن العالَم (كِلانا لم يعد ماركسيَّا وفي نفس الوقت كِلانا بقي غير معادٍ للماركسية)

 


نص أمين معلوف، ترجمة وتأثيث مواطن العالَم:

سألتُ نفسي، ألا يوجد في تاريخ الشيوعية، منذ البداية، سوء فهمٍ كبيرٍ، سوء فهمٍ رُوِّجَ بطريقة واعية، وغير واعية، رُوِّجَ من قِبل المؤسسين والتابعين وحتى المعارضين لها. سوء فهمٍ، نستطيع أن نسميه كالآتي: وَعْدُ ماركس بالخلاص لم يكن حكرًا على العمال بل شمل أيضًا الأقليات. وهكذا فَهِمَ رسالتَه كثيرٌ من الناس.

ليس صدفةً أن يكون مؤسس الحزب الشيوعي العراقي من الأقلية المسيحية الكلدانية: وُلِدَ الرفيق فهد في بغداد سنة 1904، وأعدِمَ في ساحة عامة سنة 1949.

ليس صدفةً أن يكون مؤسس الحزب الشيوعي السوري من الأقلية الكردية (إضافة مواطن العالَم:  بعض مؤسسي الحزب الشيوعي المصري والحزب الشيوعي التونسي ينتمون للأقليات. ماركس نفسه كان أصلُه من الأقلية اليهودية، تنصّرت عائلته حديثًا).

ليس صدفةً أن ينضم للحركة الشيوعية العالمية كثير من يهود روسيا وألمانيا وبولونيا وبلدان أخرى.

ليس صدفةً أن يدخل عرب 48 وبكثافة إلى الحزب الشيوعي الصهيوني بعد النكبة. كان آنذاك التنظيم الوحيد الذي يسمح لهم بالمشاركة في الحياة السياسية على قَدم المساواة مع اليهود دون الشعور بعقدة خيانة هويتهم العربية.

 

قالوا للأعمى: ماذا تشتهي؟ قال: قفة من العيون !

وماذا يشتهي أفراد الأقليات ؟ يشتهون تجاوز هوياتهم الضيقة والانصهار في هوية أرحب ! لقد وجدوها في الهوية الشيوعية الأممية. وهذا الشيء في حد ذاته يُعتبر تحررًا وتطورًا، ليس بالنسبة للمناضلين أنفسهم بل للمجتمع كله. المنتمون الجدد أصبحوا يعتبرون أنفسهم ثوارًا ضد الاستلاب وضد استغلال الإنسان للإنسان، وأصبح بعضهم يفتخر بخيانة الطبقة البورجوازية أو الأرستقراطية التي ينحدر منها، ولم يقبلوا بسهولة أن يُقال لهم أن انتماءاتهم الدينية أو العرقية قد تكون سببًا من أسباب انخراطهم في الحركة الشيوعية.

أنا نفسي (أمين معلوف)، وكمنتمٍ لأقلية لبنانية مسيحية، شملتني هذه الموجة، لكنني دخلت، ثم بسرعة وبعد عام انسحبت، وفهمت أنني لست من طينة المناضلين ولا حتى التابعين (إضافة مواطن العالَم: بما أنني أنتمي للأغلبية السنية في تونس، لم أكن في حاجة للانتماء لأي حزب وربما لذلك السبب لم أنضم في شبابي الماركسي لأي تنظيم شيوعي في تونس السبعينيات). لم أقطع علاقاتي مع أصدقائي المنتمين ولم أحتفظ من الشيوعية إلا بالمبادئ التي لا تتناقض مع مبادئي القديمة التي تتمثل في الإيمان بعالمٍ لا يُظلم فيه أي بشرٍ بسبب لونه أو دينه أو لغته أو عرقه أو جنسه أو جنسيته أو ميولاته الجنسية أو انتمائه الطبقي.

 

هل كانت البلدان العربية ستتطور لو لعبت فيها الأحزاب الشيوعية دورًا أهم ؟

لا أعتقد ذلك بل أنا مقتنعٌ بعكس هذا الاحتمال المتفائل خاصة بعد ما رأينا ماذا فعلت الأحزاب الشيوعية في البلدان الشيوعية: البلدان العربية، ظهر فيها زعماءٌ نُسخٌ مصغرة من ستالين عوض أن تحصل فيها معجزات تنموية. من هذه الناحية، لا أشعر بأي نوعٍ من الندم أو الحنين.

 

Référence: Le naufrage des civilisations, Amin Maalouf, Grasset, 332 p, 22 €, p. 96.

 

إمضائي

الاستقامةِ الأخلاقيةِ التي أتبنّاها تتجاوز الاستقامةِ الأخلاقيةِ الدينية لكنها لا تنفيها، لا تناقضها ولا تعاديها بل تكمّلها وتحميها: الاستقامةِ الأخلاقيةِ التي أتبنّاها تُمارَس على المستوى الفردِيِّ 

(La rectitude morale et la spiritualité à l`échelle individuelle

 وهي فردية أو لا تكون، وقد تتوفّر عند المتدين (Le croyant) وعند غير المتدين (Le non-croyant)، وقد يكتسبها الفرد من الدين (الجهاد الأكبر) أو من الفلسفة أو من الاثنين معاً كحالتي. الاستقامةِ الأخلاقيةِ الدينية لا تُكتسَبُ عادةً إلا من الإيمان بِدينٍ معيّنٍ، ولا تهم غير المتدينين، وهي كالدين اجتماعية أو لا تكون 

(La spiritualité d`une société ou d`un état).

الهُوية هُويّات، أنا مواطن العالَم، كشكاري، ڤَصْرِي-شِتْوِي، حَمَادِي، جمني، حمّام-شطي، تونسي، شمال إفريقي، أمازيغي، عربي، وطني، قومي، أُمَمِي، مسلم، عَلماني، يساري غير ماركسي، عربي اللسان، فرنكفوني الدراسة والثقافة، محافظ في السلوك، حداثي في الفكر. كل هُوية تُضافُ إليّ، هي لشخصيتي إغناءُ وكل هُوية تُقمَعُ فيّ هي لها إفقارُ.

 

و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

 

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، السبت 3 ماي 2019.

 

 

mardi 26 janvier 2021

اليوم فقط فهمتُ حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم "مَن دخلَ بيتَ أبي سفيان فهو آمِنٌ" و"اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ"، وحكمة ميركل مع المليون لاجئ ! تأليف أمين معلوف، ترجمة وتأثيث مواطن العالَم

 



يبدو لي أن ميركل قرأت التاريخ جيداً، أما الرسول فقد يكون وحياً أو اجتهاداً، الله أعلَم !
ماذا يقول التاريخ ؟

نص أمين معلوف، ترجمة وتأثيث مواطن العالَم: أسوق إليكم خمسة أمثلة من التاريخ الحديث والمعاصر:
1. فرنسا: سنة 1685، قرر لويس الرابع عشر، ملك فرنسا، تهجير الأقلية البروتستانتية الفرنسية (Les huguenots). هؤلاء المهجّرون من فرنسا ساهموا وبصفة كبيرة في نهضة العواصم الأوروبية الثلاث التي احتضنتهم، أمستردام ولندن وبرلين، وبفضلهم أصبحت هذه المدينة الأخيرة مدينةً منافسة لباريس (La grande rivale de Paris). في المقابل، ساهم هذا التهجير المكثف في إفقار فرنسا ثقافيًّا.
2. اسبانيا: سنة 1492، سنة سقوط غرناطة، هُجِّر اليهود والمسلمون قسريّاً من قِبل كاثوليك اسبانيا المنتصرين، فنتج عن هذه الهجرة أن اسبانيا فقدت نخبتها وعجزت عن الاستفادة من فتحها لأمريكا، ولم تتجاوز تخلفها مقارنة بالأمم الأوروبية إلا بعد 500 عام.
3. أمريكا: ليس صدفةً أن تختص أمريكا، أقوى دولة في العالم، في استقبال أفواجٍ متعاقبةٍ من المُهجَّرين المغضوبِ عليهم في بلدانهم الأصلية مثل المتشددين البريطانيين، اليهود الألمان، الناجين من الثورات الروسية والصينية والكوبية والإيرانية والبروتستانت الفرنسيين.
4. جنوب إفريقيا: نجح مانديلا في تحويل العسكر والشرطة، أدوات القمع لدى نظام البِيض العنصري، إلى مساندين لـ"أمة-قوس قزح" (Nation arc-en-ciel).
5. مصر: مباشرة بعد ثورة 52، اتخذ عبد الناصر حُزمةً من الإجراءات القمعية: مصادرة، سجن، نزع ملكية، تأميم، إلخ. بهدف سلبِ الأقليات الأجنبية أملاكهم، لا لذنبٍ اقترفوه بل لكونهم أقليات احتفظت بهُويتها وثقافتها وتعايشت مع السكان الأصليين في وئام وسلام، ولكون بعضهم يحمل جنسية دول العدوان الثلاثي في 56 بعد قرار تأميم قناة السويس (فرنسا، بريطانيا، إسرائيل). وبهذه الإجراءات التعسفية أصدر عبد الناصر حكماً بالإعدام على مصر الليبرالية والعالمية (L`Égypte cosmopolite et libérale): تسبب في هجرة مكثفة لكل الأقليات "المتمصِّرة" على ضفاف النيل، البعض منها منذ عدة أجيال والبعض الآخر منذ عدة قرون. الأقليات، هُمُ اللبنانيون، السوريون، اليهود، الأرمن، اليونانيون، الإيطاليون، الفرنسيون، الأنڤليز، الأتراك، إلخ. هذه الأقليات كانت تفضل حكم الباشوات على حكم العسكر، وكانت تنظر بعين الرضا إلى تواجد الجنود البريطانيين في مصر، وترى فيهم ضمانة للاستقرار عكس ما يراه السكان الأصليون من الأقباط والعرب. أقليات عوقبت على مواقفها اللاوطنية. هل تستحق العقاب بتلك الكيفية أو لا تستحق؟ تلك هي المسألة.

كلمة طيبة في أفراد الأقليات: هُمُ المُلَقِّحونْ كعاملات النحل، يحومون، يُدَوِّمون، يجمعون رحيقَ الزهور، مما قد يظهرهم في صورة انتهازيين أو طفيليين. لذلك لا نقتنعُ بإيجابيةِ دورِهم إلا بعد غيابهم أو فقدانهم. نستطيع أن نقارنهم بالشريان الذي يربط العالم المتخلف بالعالم المتقدم، لو قطعناه قطعَنا.

خاتمة مواطن العالَم: هل فهمتم لماذا اليوم فقط فهمتُ حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم "مَن دخلَ بيتَ أبي سفيان فهو آمِنٌ" و"اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ"، وحكمة ميركل المتمثلة في منحها اللجوء السياسي لمليون لاجئ (سوريين وعراقيين وأكراد وأفغان: نُخَبُ بلدانهم الأصلية، فنانون، أطباء، ممرّضون، مهندسون، تقنيون، مدرّسون، إلخ) ؟

غمزة موجهة لأولي الألباب من بني وطني: المضحك-المبكي أننا ما زلنا في تونس القرن 21 نتغنى ونتباهى بكوننا مجتمعٌ متجانسٌ (Une société homogène)، أي مجتمعٌ عربيٌّ مسلمٌ سنّيٌّ مالكيٌّ أشعريٌّ... ماذا فعلنا بتجانسِنا وماذا فعل أجدادُنا بِعدم تجانسِهم ؟ تقدّموا عن عصرهم وتخلفنا عن عصرنا ! وهذا أكبر دليل على جهلنا بتاريخ حضارتنا العربية-الإسلامية قبل جهلنا بتاريخ الحضارات الأخرى: عدمُ تجانسِ مواطني دولة الخلافة العباسية كان سببًا من أسباب ازدهار عصرها الذهبي (القرن الثالث والرابع هجري)، وعدمُ تجانسِ مواطني الدولة الأموية في الأندلس كان سببًا من أسباب نهضتها الثقافية (القرن 12 ميلادي). يبدو لي أن عدمَ تجانسِ المواطنين كان العاملَ الأساسيَّ الذي ساهم في ازدهار الحضارة العربية-الإسلامية في تلك العهود (خليط من الأعراق واللغات والثقافات: عرب، فرس، أتراك، سود أفارقة، هنود، أكراد، أوربيون، إلخ. وخليط من الديانات: مسلمون، مسيحيون، يهود، إلخ. تقريباً مثل أمريكا اليوم وفرنسا بصفة أقل).

إمضاء مواطن العالَم: و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

mercredi 20 janvier 2021

هل الجينات تحدّد مسبّقا الصفات الجسمية للكائنات الحية ؟ ترجمة مواطن العالم

 



المصدر:

Henri Atlan, La fin du « tout génétique » ? Vers de nouveaux paradigmes en biologie, éditions INRA, Paris 1998, 91 pages.

 

نص هنري أتلان:

في مقال بعنوان "السبب و النتيجة في علم الأحياء" 1961، يميّز "أرنست ماير" بين مقاربتين مهمتين تصفان أنواع الأسئلة المطروحة في البيولوجيا:

1.     المقاربة الأولى  تتمثل في "البيولوجيا الوظيفية" (La biologie fonctionnelle) التي تحاول أن تفهم آليات الوظائف البيولوجية كالتنفس والهضم والطرح داخل الخلية، أصغر وحدة تركيبية ووظيفية في كل جسم حي. في هذا الإطار، تطرح أسئلة من نوع "كيف ؟" (Comment). والطريقة المعتمدة هي طريقة "فيزيائية-كيميائية" تسعى جاهدة لإعادة الظواهر الملاحظة إلى آلياتها الفيزيولوجية الدقيقة. يستشهد ماير بكلود برنار الذي يصر على إضافة مفهوم "خطة التنظيم" للاختزالية "الفيزيائية-كيميائية" لكي نفهم "علم الوظائف الحيوية". من الواضح أن فكرة كلود برنار تفوح منها رائحة "مذهب الإحيائية" (Le vitalisme) لكن ماير بيّن كيف أن "البيولوجيا الجزيئية"، بفضل اكتشاف "الشفرة الجينية" (Le code génétique)، قد أعادت صياغة هذه الفكرة وخلّصتها من سياقها الإحيائي. تنطوي فكرة " خطة التنظيم" على "غائية" (Le finalisme  على حافة شكل من أشكال "قصدية" الحياة (L’intentionnalité  ) أو "قصدية" الحي (للحياة و للحي هدف بيولوجي محدّد سلفا)، وهذا مما لا يقبله الفكر العلمي المادي. غير أن الملاحظة المباشرة، خاصة ملاحظة "تطوّر الجنين" في رحم أمه، من نطفة إلى جنين كامل الأعضاء والوظائف، توحي بقوة وجود مثل هذه الغائية سلفا في جينات هذا الأخير. يؤكد ماير أن هذا المشكل قد حلّ بفضل الاكتشافات المؤسِّسة للبيولوجيا الجزيئية والتي تتجسم في اكتشاف تركيب الحمض النووي وخاصة الشفرة الجينية. مكّنتنا هذه الاكتشافات من التعامل مع آليات تركيب وصنع البروتينات على أنها آليات "نقل معلومات"  وَوَصْفٍ لجزيئات ضخمة (الحمض النووي والبروتينات) بأنها جزيئات حاملة لمعلومات وراثية. لقد سمح لنا في الواقع اكتشاف الشفرة الجينية (مفتاح التطابق بين تركيب الحمض النووي وتركيب البروتينات) من التعرض بكفاءة لفكرة المعلومات الوراثية في البيولوجيا. انطلاقا مما سبق وبسرعة رهيبة ينتقل ماير من الشفرة الجينية إلى فكرة "البرنامج الوراثي". بالنسبة له وبوضوح، لقد كُتِبَ البرنامج الوراثي سلفا في جينات الحمض النووي وهذا البرنامج يوفّر لنا  تفسيرا آليا ماديا وليس إحيائيا للتطور الموجّه للكائنات الحية. يتراءى لنا أن ليس لهذا التطور غاية.. لا.. له غاية، لكن بصفة آلية. حول هذا الموضوع، اخترع ماير عبارات، سوف تعرف شهرة كبيرة، خاصة عبارة "القصدية الآلية" (L’intentionnalité mécanique  ). تتوفر في هذا النموذج كل مظاهر القصدية لكنها تبقى فقط مظاهر لأن تنفيذ البرنامج الوراثي في الخلية يقع آليا ويشتغل مثل برنامج الحاسوب، يعني دون قصد أو بِـقصدٍ آلي بواسطة آلة الخلية لتركيب وصنع البروتينات. قِسْ على ذلك تطوّر أو عمل الكائنات الحية الذي نستطيع فهمه وتفسيره بالتنفيذ الآلي البسيط للبرنامج الوراثي دون اللجوء لقصد أو نية مسبقة روحانية أو فكرية. يحاول ماير تجاوز الغائية الروحانية التي تحدد هدفا مسبقا للحياة بفكرة أن الهدف موجود ماديا وآليا في الحمض النووي لكن غير مقصود روحانيا أو ما ورائيا.

2.     المقاربة الثانية تتمثل، حسب ماير، في "البيولوجيا التطوّرية" (La biologie évolutionniste)، التي لا تبحث في كيفية عمل أجسام الكائنات الحية بل تسأل لماذا هم هكذا ويشتغلون كما هم يشتغلون ؟ لا يجب أن نحمّل هذا السؤال صيغة غائية مثل: من أجل ماذا هم هكذا ؟ بل نترجمه إلى السؤالين التاليين: كيف حصل هذا ؟ كيف تمت الأشياء بهذه الصفة ؟    يتعلق الأمر إذن بالجانب التاريخي للبيولوجيا ويستحضر ماير أكيدا النظرية الداروينية الجديدة الكلاسيكية القائلة بـ"التحول النوعي" (Mutation ) و"الانتقاء الطبيعي". التطور البيولجي هو الذي ينتج كائنات حية غائية في ظاهرها لكن هي ليست كذلك حقا لأنها تشتغل بواسطة برنامج وراثي مسبق.

وهذا ملخص لأسس "براديـﭬم" قائم الذات هو براديـﭬم "الكل وراثي" (Le tout génétique ou le déterminisme génétique) وهو يُدَرَّسُ على نطاق واسع وقد حُظِيَ بتطوّر كبير وما زال إلى اليوم يتعزّز بصفة مذهلة. مع ذلك نلاحظ منذ أمد قصير نوعا من الإضعاف التدريجي لهذا البراديـﭬم. كيف نفسّر هذا التناقض ؟

بغض النظر عن ضعفه المفاهيمي، الذي سوف نرجع إليه في مقال آخر، لقد أثبت استغلال هذا الإطار من التفكير (براديـﭬم) خصوبة علمية عالية وسمح بتطوّر خارق للعادة للنتائج التجريبية الحيوية. بلغ هذا الاستغلال قمته مع مشروع اكتشاف جينات الحمض النووي البشري (سنة 2000، انخفض تقديرها العلمي داخل كل خلية بشرية من 100 ألف جينة إلى 25 ألف فقط). استغل هذا الاكتشاف بعض المؤمنين بالحتمية البيولوجية أو الوراثيين وقالوا لنا: ما دام كل شيء مكتوب في البرنامج الوراثي فيكفي أن نحل شفرته ورموزه حتى نفهم كل طبيعة الكائن الحي مهما كان بكتيريا أو إنسان أو أي كائن حي آخر. من هنا أتت الفكرة الداعية لقراءة تسلسل المعلومات المبرمجة في الجينات حتى نكتشف- مثل قائمة معلومات في برنامج حاسوب- منطق طبيعة تنظيم الجسم البشري.

الاستغلال المفرط لهذا البراديـﭬم هو الذي كشف ضعفه بنفسه وبدأت تتزعزع بجدية فكرة "الكل وراثي"، هذه الفكرة التي تقول أن كل أو جل تطوّر وعمل الأجسام الحية مقرر مسبقا ومكتوب في جينات البرنامج الوراثي في الحمض النووي لكل كائن حي. بدأت هذه الفكرة تُعَوَّضُ تدريجيا بنموذج أكثر تعقيدا. يرتكز هذا النموذج الجديد على جملة من الأفكار كالتفاعلات والتأثيرات المتبادلة بين الوراثي، الذي لا ننكر دوره المركزي، وبين ما "ما بعد الوراثي" (L’Épigenèse ) الذي بدأنا نتلمّس أهميته. هل يبشر هذا الانزلاق الفكري بولادة براديـﭬم جديد ؟

 

الجديد:

في مارس 1997، نشرت مجلة "طبيعة  بيوتكنولوجيا" مقالا ممضَى من قِبل أستاذ البيولوجيا الخلوية والجزيئية بجامعة بركلاي، ريشار سترومان. في هذا المقال الذي أثار قليلا من الضجة، كيفما يشير إلى ذلك العنوان "الثورة الكونيانية القادمة في البيولوجيا" (The coming Kuhnian revolution in biology)، يحلل سترومان، وكما ورد أيضا في العنوان الفرعي للمقال "ما بعد الوراثي ونظرية التعقيد" (La complexité) ويقول: يتكون هذا البراديـﭬم المنبثق والجديد، من مفهومَيْ "ما بعد الوراثي" و"التعقيد" ويضيف إليهما مكون ثالث أو مفهوم ثالث، هو "التنظيم الذاتي" (L’auto-organisation).

لقد انبثقت البيولوجيا الجزيئية (La biologie moléculaire) من شلاّلٍ رائعٍ من الاكتشافات وأوجدت خلال بضع سنين حلولا لسلسلة من المشاكل الكبرى تخص الحمض النووي الحامل المادي للجينات وتركيب البروتينات بجميع مراحله الوسيطة. لكنها وقعت في خطأ نظري وإبستومولوجي يتمثل في اعتقادها تفسير كل الوظائف الخلوية اعتمادا على هذا الجزء الأساسي من المعلومات الجديدة وقد جرّنا هذا التوسع الفاحش إلى تمشّيات مغلوطة أفضت بدورها إلى  سيطرة براديـﭬم "الكل وراثي". رغم أن البراديـﭬم الجديد الذي يسمَّى "ما بعد الوراثي" عرف كيف يصلح البراديـﭬم السابق "الكل وراثي" ويكمله بإضافة تمثلات أكثر تعقيدا، تمثلات تدخل في حسابها آليات "ما بعد الوراثي" في عمل وتطور الكائنات الحية، لكن من المؤسف أن براديـﭬم " الكل وراثي" سبق وأرسي عديد المعتقدات غير العلمية في المجتمعات العلمية: نستحضر من بينها على سبيل الذكر لا الحصر، المعتقد المركزي المتمثل في التفسير الخطي البسيط لمراحل صنع البروتينات من جينة إلى أنزيم إلى وظيفة أو صفة خلقية. نعلم منذ وقت طويل أن هذا التسلسل المبسّط، المكتشف لدى الكائنات غير مكتملة النواة كالبكتيريا، لا يصلح لتفسير نفس الظاهرة عند الكائنات مكتملة النواة كالإنسان، حيث تشارك عدة جينات أو مورّثات في التعبير عن صفة واحدة من الصفات الخلقية أو قد تساهم جينة واحدة في التعبير عن عدة صفات وراثية كتحديد الفصيلة الدموية مثلا. ونعلم أيضا أن هذا التسلسل الخطي ذو الاتجاه الواحد، من الحمض النووي (ADN) داخل النواة إلى نسخته على شكل حمض نووي ريبي (ARN) داخل السيتوبلازم وصولا إلى ترجمة هذا الأخير إلى بروتينات مسؤولة عن الوظائف البيولوجية، تسلسلٌ لم يعد قادرا وحده على تفسير تركيب وصُنْعِ البروتينات داخل الخلية الواحدة مهما كان اختصاصها عصبية أو عضلية أو دموية أو جلدية أو قلبية أو شحمية أو رئوية أو كبدية أو عظمية أو غيرها. نواجه هذا النموذج الناقص بنموذج أفضل يتكون من علاقات رجعية ذات اتجاهين وليس اتجاه واحد: الجينات تتدخل في صنع البروتينات، والبروتينات بدورها تأثر على عمل الجينات، وتنبثق الوظيفة البيولوجية ليس من بروتين واحد و إنما من التفاعل الذي يتم بين عدة بروتينات، كل هذه الشبكات من العلاقات المعقدة التي أحْدِثَتْ في السيتوبلازم قد ترجع وتأثر أيضا في عمل الحمض النووي داخل النواة. بصفة عامة، نلاحظ بُرَوزَ براديـﭬم واعد يجدّد الاعتناء بـ"الجزيئات الناقلة للمعلومات" (مثل جينات الحمض النووي أو جينات الحمض النووي الريبي أو جينات العضيّة الخلوية المتخصصة في التنفس الخلوي وإنتاج الطاقة -Les mitochondries- أو جينات السيتوبلازم والبروتينات)، ولا يختزلها في جينات الحمض النووي فقط، مما ينقل مركز الاهتمام والثقل من براديـﭬم "الكل وراثيّ" -حيث يُخْتَزَلُ كل شيء في المصدر الأصلي أي الحمض النووي- إلى براديـﭬم "ما بعد الوراثي"، حيث التحليل أصبح أكثر تعقيدا مما يُجبرنا على إقامة حلقات من العلاقات الرجعية (تنطلق من "أ" نحو "ب" ثم ترجع نحو "أ") في كل مرحلة من مراحل صُنْعِ البروتينات بين الحمض النووي والبروتينات وبين البروتينات والوظائف البيولوجية.

 

إمضائي:

لا أحد مُجبر على التماهي مع مجتمعه. لكن إذا ما قرّر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذن أن يتكلم بلسانه (المجتمع)، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه. عبد الله العروي

يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه ويثقوا في خطابه أما أنا -اقتداء بالمنهج العلمي- أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات وأنتظر منهم النقد المفيد.

لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة والبراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى وعلى كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف اللفظي أو المادي.

 

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 17 أوت 2010.

 

mardi 19 janvier 2021

الطبيب الفيلسوف المختص في سبينوزا، المنظِّر في علوم البيولوجيا، عضو سابق بلَجنة علم الأخلاق الفرنسية، العالِم الباحث، وأستاذ البيوفيزياء بالجامعة، السيد هنري أتلان، قال في اليوتوب ؟ ترجمة مواطن العالَم، دون إضافةٍ أو تعليقٍ

 


1.     مسألةُ الخلطِ بين ظاهرتَينِ 

(La confusion entre deux phénomènes):

-         لا يجب الخلط بين الظاهرتَينِ، ظاهرةُ السببيةِ 

(Une causalité

وظاهرةُ الارتباط المتلازم 

(Une corrélation

عند التحدثِ عن مفهوم الذهني (Le mental) ومفهومِ المادي (Le biologique) في المخ البشري.

-         الذهني والمادي في المخ البشري شيءٌ واحدٌ بتعبيرتين مختلفتين، والشيءُ الواحدُ لا يمكن أن يكون في نفس الوقت سببًا ونتيجةً لنفسه.

-         الاستحضارُ الواعي لصورةٍ ذهنيةٍ لشخصٍ ما 

(Une décision volontaire) 

ليس نتيجةً لقرارٍ واعٍ 

(Une décision consciente). 

التصوير الطبي بيّن أن القرار الواعي يأتي بعد الاستحضارِ الواعي للصورةِ أو يصاحبها وليس قبلها، وبيّن أيضًا أن ترتيبها في اللاواعي (Une initiation inconsciente) هو الذي يسبقها. القرارُ الواعي إذن ليس سببًا للاستحضارِ الواعي، والاستحضارُ الواعي بدوره ليس نتيجةً لقرارٍ واعٍ، لأن الاثنين في الواقعِ هما شيءٌ واحدٌ بتعبيرتين مختلفتين، واحدةٍ ماديةٍ والأخرى ذهنيةٍ.

 

2.     وهمُ حرية الإرادة (L`illusion du libre arbitre):

في الحقيقةِ، نحن لا نملكُ حريةَ اختيارنا بين اتجاهين، لأنه لا يمكن اختيارُ شيءٍ من عدمٍ، فكل اتجاهٍ نختارُه نحن في الواقع مُجبَرون ولسنا مخيّرين في اختيارِه، فحتى ولو تراءى لنا أن اختيارَنا حرٌّ، فهو في الواقعِ اختيارٌ مقيدٌ بأسبابٍ فيزيائيةٍ-كيميائيةٍ حتميةٍ متعدّدةٍ، منها الفيلوجيني والأونتولوجي والبسيكولوجي والأنتروبولوجي والسوسيولوجي والوراثي وحتي الجيني أيضًا.

 

3.     لا وجودَ لغائيةٍ (La non-existence des causes finales):

-         لا وجودَ لغائيةٍ حتميةٍ مسبقةٍ 

(Un déterminisme finalisé)، 

كأن نقول مثلاً أن العينَ خُلِقتْ لترى أو نقول "الوظيفة تخلق العضوَ" 

(La fonction crée l`organe).

-         لكن توجدُ حتميةٌ غير غائيةٍ 

(Un déterminisme non finalisé

مقيدةٌ بعواملَ فيزيائيةٍ-كيميائيةٍ خاصةٍ بكل جسمٍ.

-         الجوابُ بالغيبياتِ في هذه الحالةِ هو الجهلُ بالجوابِ أو العجزُ عن البحثِ عنه.

 

4.     الذكاءُ الاصطناعيُّ (L`intelligence artificielle):

-         الحاسوب أو الروبو أو الآلة يكتسب استقلالية نسبية عن المبرمِج فتصبح الآلةُ قادرةً على الإتيانِ بأفعالٍ أو ردودِ أفعالٍ غير مبرمجةٍ من قِبل المصمِّمِ. الآلةُ لا تعي أفعالَها أو على الأقل لا تعيها مثلما يعي الإنسان أفعالَه، لأنها لا تملك مخا مثل مخنا، مخّها مكوّنٌ من السيلسيوم ومخّنا من الكربون، مع الإشارة الهامة أن خلايانا المخية (Nos neurones) وميكرو-بروسَسُّوراتها (Ses microprocesseurs) تشتغلان بنفس الكيفية: +\- أو 0\1 أو تبعث ذبذبات كهرو-كيميائية\لا تبعث ذبذبات كهرو-كيميائية (Potentiel d`action \Potentiel de repos).

-         الحاسوب صلب، يكره الماء والحرارة. المخ رخو، يسبح في الماء ولا يشتغل إلا في حرارة 37 درجة.

 Henri Atlan, philosophe, biophysicien, éthicien et écrivain

 

إمضاء مواطن العالَم

و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

 

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الجمعة 17 ماي 2019.

 

lundi 18 janvier 2021

هل توجد علاقة سببية بين حرية الاختياروالمسؤولية عن الأفعال ؟ هنري أتلان، طبيب فرنسي، فيلسوف ومنظر في البيوفيزيق والبيوإتيق، ترجمة مواطن العالَم

 

 حرية الاختيار (Le libre arbitre)

المسؤولية عن الأفعال (La responsabilité individuelle)

 

هل نحن مسؤولون فقط عن الأفعال التي اخترناها بكل حرية ؟ بالطبع لا ! هنالك عديد الأفعال خارجة عن حرية اختيارنا ولكن رغم ذلك نتحمل ما ينجرّ عنها بكل مسؤولية أخلاقية وقانونية، مثل:

-         عندما يعلن رجل أعمال إفلاسه فهو لم يختر إفلاسه لكنه يُحاسَب كمسؤول عن إفلاسه.

-         عندما يقوم أولادك بأخطاء في حق الغير، أنت لم تختر أفعالهم لكنك تبقى دائمًا مسؤولاً عنها.

-         عندما يذهب حمارُك إلى حقلِ جارِك ويأكل ثمارَه، أنت لم تختر ما فعله حمارُك لكنك تبقى دائمًا مسؤولاً عن أفعاله.

 

إمضائي

"إن إنكار الثقافة الغربية لا يستطيع أن يشكل في حد ذاته ثقافة. والرقص المسعور حول الذات المفقودة لن يجعلها تنبعث من رمادها" الفيلسوف المغربي عبد الله العروي

"لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة والبراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى وعلى كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف الرمزي أو اللفظي أو المادي" (مواطن العالَم)

"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك فدعها إلى فجر آخر" (جبران)

 

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الثلاثاء 15 أوت 2017.

Haut du formulaire