samedi 3 avril 2021

وجهة نظر منقولة: ما معنى "مُشرِكٌ" في الجاهلية ؟ ترجمة وتأثيث مواطن العالَم والديداكتيك

 


المُشرِكُ (associationniste) ليس ملحدًا (athée) وليس متعدد الآلهة (polythéiste).

المُشرِكُ مُوَحِّدٌ (monothéiste)، لكنه يعتقد في وجود قوى وسيطة بينه وبين الله الواحد الأحد (puissances intermédiaires)، قوى قادرة يتقرّب إليها لكي تشفع له يوم القيامة، مثل الجن والملائكة أو أولاد الله (مثل عيسى من وجهة نظر المسيحيين) وبنات الله (مثل مناة والعزّى عند مشرِكي قريش).

الملحد ينفي وجود الآلهة أصلا، سوى إله واحد أو آلهة متعددة.

متعدد الآلهة يؤمن بوجود آلهة متعددة ولا يكتفي بإله واحد أحد.

 

Source : Le Coran des historiens ? Sous la direction de Mohammad Ali Amir-Moezzi & Guillaume Dye, Les Éditions du Cerf, 2019, Paris.  Prix : 69 euros (environ 240 dinars). Formé de trois volumes (total=3400 pages). Volume 2b : Commentaire et analyse du texte coranique. Sourates 27 à 114, 1415 pages (p. p. 1075-1076).

 

إمضائي: "الوطنية والعالمية، علينا اليوم الجمع بين هذين المفهومين المتناقضين في الفكر المعقّد: الجمع بينهما يخلق مواطن العالَم" (Edgar Morin )

 

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 3 أفريل 2021.

 

 

vendredi 2 avril 2021

هل العلم موضوعي أو متحيّز ؟ المؤلف مواطن العالَم والديداكتيك

 


أنطلِق في هذا الموضوع من مقال نشره في الأنترنات سنة 2004  الأستاذ "بيار كليمان"، أستاذ بجامعة كلود برنار بفرنسا ومدير أطروحتي السابق, وعنوانه "العلم والأيديولوجية". اعتمدَ الأستاذ في هذا المقال على أبحاثي الشخصية  في تونس وأبحاث غيري في بلدان أخرى.

يقول الأستاذ: "أودّ هنا طرح ملائمة المقاربة التعلّميّة والإبستومولوجية (الإبستومولوجيا مبحث نقدي في مبادئ العلوم) للمشاركة في تحليل العلاقات التي تربط بين وسائل الإعلام من جهة والعلوم والمجتمع من جهة أخرى. يتبوأ التفاعل بين العلم والإيديولوجية مركزا هامّا في أعمال فلاسفة العلوم انطلاقا من كتابات العلماء. لكن ما يضيفه التعليم أ و تعميم التعليم لهذا التفاعل بين العلم والإيديولوجية نادرا ما كان محلّ بحث. أقصد بمفهوم " الأيديولوجية"، الأيديولوجية العلميّة السّائدة في تاريخ علوم الحياة، والأيديولوجية التي يحملها المدرّس أو الوسيط الثقافي للعلوم. ما يعنينا هنا هو التفاعل بين القِيم والمعارف العلميّة (Interaction entre valeurs et connaissances scientifiques). نحن نرى أنه من الضروري, في عهد التعليم وتعميم العلوم,  أن نوضّح حدودَ المعارف العلميّة وتحديد نوعيّة القِيم التي يحملها مَن سينشر هذه المعارف: لنضرب مثلا على ذلك: يظهر من نتائج البحوث المذكورة أعلاه أنّ أصحاب التصوّرات غير العلميّة  (Les conceptions non-scientifiques) الذين يدعون أنّ الذّكاء مرتبط بوزن و/أو حجم الجمجمة (يدّعون أن الرجل أذكى من المرأة لأنّ مخه أكبر من مخّها وزنا وحجما).  هذه التصوّرات غير العلميّة -للأسف- لا زالت حاضرة في بعض البلدان بصفة متفاوتة مع العلم أنّه ليس لها أيّ أساس علمي، فهي إذن "تصوّرات أيديولوجية  غير علمية". يدلّ هذا المثال السابق على أنّ الخطاب العلمي لا يخلو من أيديولوجية تُغذِّي -في بعض البلدان- التمييزَ العنصري بين الجنسين بتفضيل الذّكر على الأنثى. ففي تونس مثلا يعتقد ثلث الأساتذة المستجوَبين في البحث أن الرجل أذكى من المرأة وفي لبنان نصف الأساتذة المستجوَبين يعتقدون نفس الشيء. يفتقر تكوين الأساتذة إلى التأكيد في المناهج التعليمية على التفاعل الموجود بين العلم والأيديولوجية وينطبق هذا أيضا على تكوين الصحفيّين والوسطاء العلميّين الآخرين. نلاحظ في النهاية أنّ الأيديولوجية الحتميّة (Le déterminisme) التي ينتمي إليها هذا المثال تتواجد أيضا في عدّة ميادين أخرى يبثّها الإعلام منها العلمي وغير العلمي مثل مفهوم "المكتوب" في التدين (عكس ما ورد في القرآن: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم") والتنجيم وقراءة الكف وعلم الفراسة وعلم القزحيّة (العيون هي مرآة الروح)، وحديثا فكرة الحتميّة الجينيّة  (Le déterminisme génétique) التي تقول بحتميّة تحقق البرنامج الوراثي المكتوب في الجينات على شكل رموز في الهباء العضوي (La molécule d’ADN). يقول بعض معتنِقي إيديولوجية الحتمية الجينية:  يكون العنيفُ عنيفًا، لا لأنّه اكتسب هذا السلوك في حياته بل لأنّه ورثه عن والديه العنيفَين في جيناته أو مورّثاته الكروموزومية 

(Ses 25 mille gènes). 

تؤمن الحتميّة البيولوجيّة (Le déterminisme biologique)  بسيطرة البيولوجي على السيكولوجي, مثلا: المرأة لا تصلح لأن تكون قاضية في المحكمة لأنّها عاطفيّة ولأنّها متقلبة المزاج بسبب الحيض. قال عالم الوراثة "ريشار شارل لفونتان" : "مقاومة إيديولوجية الحتميّة البيولوجيّة تشبه مقاومة الحريق. كلّما أطفأت واحدا اشتعل غيره في موضع آخر". (انتهى الاستشهاد)

 

بعد هذا العرض النظري نمر إلى بعض الأمثلة التي تدل على تحيّز بعض العلوم:

-         كل العلوم المنتسبة لإيديولوجية الحتميّة الجينيّة التي تدّعي أن القدرات الذهنيّة العالية عند البشر (مثل الذكاء والإبداع الموسيقي والسينمائي والرياضي والغنائي) تحددها الجينات منذ الولادة لذلك يسمونها "موهبة". يحاول العلماء, أسرَي هذا الإطار في التفكير العلمي (Le paradigme), أن يبرهنوا على أفكارهم الإيديولوجية بالاكتشافات العلمية الحديثة ويوظفوا البراهين العلمية لخدمة أغراض أيديولوجية. مثلا: يُرجِع أصحاب هذه النظرية أسباب العنف في أحواز  باريس, حيث يسكن مهاجرو شمال إفريقيا, إلى أسباب وراثية متعلقة بالجينات التي ورثوها عن آبائهم العنيفين وليس لأسباب اجتماعية مثل الفقر والعنصرية والإقصاء. يفسرون الفشل الدراسي لأبناء هذه الجالية بالعامل الوراثي فقط دون الأخذ في الاعتبار العوامل الاجتماعية والسيكولوجية. ذهب بعض متطرّفي الحتميّة الجينيّة إلى إنشاء بنوك حيوانات منوية من خُصًى (Les testicules) الرجال الحاصلين على جائزة نوبل حتى يخلقوا -على هواهم وحسب اعتقاداتهم- عباقرة من صلب عباقرة ناسين أو متناسين دور القرين في الوراثة ودور المكتسب في تكوين القدرات الذهنية العالية.

-         كل العلوم الرأسمالية,  من اقتصاد سياسي وتجارة وغيرها, تتحيز للبرجوازية وتُمجِّد النظام الرأسمالي  وتبيح المحظور من الربح السهل على حساب عَرَقِ العمال بالفكر والساعد وعَرَقِ الفلاحين. أبدع الرأسماليون في "علمهم" المتحيز وأنشؤوا بيوتا سمّوها بنوكا حيث يُجبَر الموظفون الفقراء على ادخار ما تيسّر من أموالهم ليسرقها الأغنياء على شكل  قروض قد تُسترجع "يوم القيامة". 

-         كل العلوم الطبية التي تحدد على هواها مواصفات عالمية لنسبة السكر والكولسترول في الدم: يخضع تحديد هذه النسب لإملاءات شركات الأدوية الكبرى فتجعل السليم مريضا وتربطه بنموذج الطب الغربي السائد وتمتص دمه وعَرَقَه وترهق ميزانيته الضعيفة فيمرض حتى و لو كان معافى فيقضي جل وقته في قاعات الانتظار في العيادات الخاصة أو في المستشفيات.

-         كل العلوم العسكرية المنحازة للأقوياء التي لا تنتج إلا الدمار وتزرع الموت في شكل القنابل العنقودية التي نشرها الجيش الإسرائيلي في كل شبر من الأراضي اللبنانية خلال حرب جوان 2006. تتنافس "الدول العظمى" في صنع أسلحة الدمار الشامل ويا ليتها تنافست في صنع السلام الشامل. احلموا معي ولو للحظة, لو صُرفت كل هذه الأموال في تحسين الأجور والمسكن والصحة والغذاء، لأصبحنا كلنا أغنياء.

-         كل العلوم الفضائية التي اقتحمت القمر والمريخ ولم تأت بدواء للجوع والفقر والسيدا. ألم يكن أجدر بالإنسان أن يحل مشاكل أخيه الإنسان قبل السفر الاستكشافي أو السياحي إلى الكواكب الأخرى ؟

-         اكتشف العلماء الأمريكان القنبلة النووية واستعملها السياسيون الأمريكان فأبادت في يوم واحد في "هيروشيما" و"نڤازاكي" 150 ألف من المدنيين اليابانيين الأبرياء. والغريب أن دول العالم الثالث ما زالت تسعى لامتلاكها ظنّا منها أنها قد تحميها من العدوان الخارجي ولم تتّعظ بما جرى للباكستان عند احتلال جارتها أفغانستان وإسقاط حليفها نظام "طالبان" من قِبل حلفائها الأمريكان. حينئذ قالت باكستان مبررة عدم تدخلها لنجدة أبناء عمومتها: "لن أتدخل حفاظا على قنبلتي النووية من نقمة الأمريكان"، فأصبح هذا السلاح الفتّاك سببا في الانبطاح وفقدان الكرامة عوض حماية الشعب من الأعداء.

 

خلاصة القول

نعم، العلم متحيز للأغنياء الممولين للمخابر العلمية أما نحن المعذّبون في الأرض فلا تصلنا فوائد العلم إلاّ بعد استنفاذ طاقتنا الشرائية الضعيفة أصلا. يصرف الأغنياء على صنع العلم مالا وفيرا كتجارة مربحة ويكتب الأقوياء التاريخ لتسجيل بطولاتهم في قهر الضعفاء.

أظن أن الواجب يحتِّم علينا أن لا ننسى أن العلم صنعه العلماء فلا وجود إذن لعلم دون علماء والعلماء بشر وعلمهم ذاتي 100% وموضوعي 100% والعلماء صنفان:

-         صِنف من العلماء يُذكرون فيُشكرون ويُمجّدون ويُخلّدون لأنهم خلقوا نظريات علمية تحولت إلى تكنولوجيا لصنع الأدوية النافعة والأمصال الواقية والسيارات والطائرات والبواخر والحاسوب والأنترنات وغيرها.

-         وصِنف آخر منهم يُذكرون فيُذمون و يُلعنون لأنهم حوّلوا بعض النظريات علمية إلى تكنولوجيا لصنع أسلحة الدمار الشامل من الكلاشنكوف إلى القنابل العنقودية والكيمياوي المزدوج وأسسوا حيل الرأسمالية المتوحشة  للتحكم في مصائر الشعوب المستضعفة وصَنعوا وسائل التعذيب وأقاموا المصانع المربحة للأغنياء والملوثة لبيئة الفقراء واستنفذوا واستغلوا ولوّثوا مصادر الطاقة من نفط وأسماك وكأنها ملكهم الشخصي أو إرث ورثوه عن أجدادهم ناسين أو متناسين أن الثروات الطبيعية في الخليج العربي وأمريكا وروسيا وغيرها هي ملك لجميع البشر وليس لهم حق احتكارها أو تبديدها كما يشاؤون تاركين إرثا ثقيلا للأجيال القادمة يتمثل في غابات معرّضة للتصحر ومحيط ملوّث وألغام تحصد سنويا الآلاف من الأبرياء.

 

قد ينقل العالِم نفسه من الصنف الثاني المذموم إلى الصنف الأول المحمود، عندما يصبح مثقفا  مثلما فعل العالِم "أينشتاين": ساهم في صنع القنبلة النووية، ثم أصبح فيما بعد من أكبر منتقديها. العالِم "نوبل"، مكتشف الديناميت، ندم أيضًا على فعلته فأوصى قبل موته بتخصيص ثروته كاملة لمنجزي الاكتشافات العلمية النافعة في الطب والفيزياء ما عدى الرياضيات (يُحكَى أن "نوبل" حَرَمَ علماء الرياضيات من نيل جائزته لأسباب ذاتية بحتة: شك في وجود علاقة عاطفية بين زوجته وزميل لها يعمل أستاذ الرياضيات).

 

المصدر: كتابي، الإشكاليات العامة في النظام التربوي التونسي - سَفَرٌ في الديداكتيك وعِشْرَةٌ مع التدريس (1956-2016)، طبعة حمرة، 2017 ، 488 صفحة (ص.ص. 232-237).

 

إلى المنشغلين والمنشغلات بمضامين التعليم:

نسخة مجانية من كتابي "الإشكاليات العامة في النظام التربوي التونسي" على شرط التسلم في مقهى الشيحي أو نسخة رقمية لمَن يرغب فيها ويطلبها على شرط أن يرسل لي عنوانه الألكتروني (mail).

تقنية بلاغية فريدة، وظفها القرآن في سورة "فصلت"، آية 5. ترجمة وتأثيث مواطن العالَم والديداكتيك

 


 (Q 41: Les explicites)

نص الآية: "وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ". (أَكِنَّةٍ: enveloppe)، (وَقْرٌ: surdité).

في هذه الآية جعل الله الكفّارَ ينعتونَ أنفسَهم بأبشعِ النعوتِ وهم يصفونَ حالتَهم (leur état) وموقفَهم (leur position) وسلوكَهم (leur comportement).

الفريد في هذه التقنية البلاغية يتمثل في أن الكفّارَ عادةً ما لا يكونوا واعين بعيوبهم ولا يتجرّؤون على الجهر بها بصوتٍ عالٍ.

 

Source : Le Coran des historiens ? Sous la direction de Mohammad Ali Amir-Moezzi & Guillaume Dye, Les Éditions du Cerf, 2019, Paris.  Prix : 69 euros (environ 240 dinars). Formé de trois volumes (total=3400 pages). Volume 2b : Commentaire et analyse du texte coranique. Sourates 27 à 114, 1415 pages (p. 1364).

 

إمضائي: "الوطنية والعالمية، علينا اليوم الجمع بين هذين المفهومين المتناقضين في الفكر المعقّد: الجمع بينهما يخلق مواطن العالَم" (Edgar Morin )

 

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 2 أفريل 2021.

 

 

التهم التي وجّهها الكفّار إلى محمد صلى الله عليه وسلم والتهم التي وجّهوها للقرآن الكريم، وجهان لعملة واحدة. ترجمة وتأثيث مواطن العالَم والديداكتيك

 


قالوا في الرسول:

-         ساحرٌ (sorcier): "أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلا مَّسْحُورًا" (س 25: آ 8)

-         كذّابٌ (menteur): "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ" (س 42: آ 24)

-         مختلقٌ (forgerie): "مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ" (س 38: آ 7)

-         مفترٍ (créer le Coran de toutes pièces) وشاعرٌ:  "بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ" (س 21: آ 5) (...) "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا" (س 25: آ 4)

 

وقالوا في القرآن:

-         لم ينزل عَلَى بَشَرٍ: "وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ" (س 6: آ 91)

-         سحر: "لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ" (س 21: آ 3)

-         لا يمكن أن يبلغه رَسُولٌ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ: "وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا" (س 25: آ 7)

 

Source : Le Coran des historiens ? Sous la direction de Mohammad Ali Amir-Moezzi & Guillaume Dye, Les Éditions du Cerf, 2019, Paris.  Prix : 69 euros (environ 240 dinars). Formé de trois volumes (total=3400 pages). Volume 2b : Commentaire et analyse du texte coranique. Sourates 27 à 114, 1415 pages (p. 1367).

 

إمضائي: "الوطنية والعالمية، علينا اليوم الجمع بين هذين المفهومين المتناقضين في الفكر المعقّد: الجمع بينهما يخلق مواطن العالَم" (Edgar Morin )

 

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 2 أفريل 2021.

jeudi 1 avril 2021

من حق أبنائنا علينا أن نضحي من أجلهم كما ضحى من أجلنا آباؤنا وأمهاتُنا ! (جزء 2) المؤلف مواطن العالَم والديداكتيك

 



2.    الحجة الثانية: قصة واقعية حدثت في عائلة جار زميل أستاذ تعليم ثانوي وصديق، وهو الأقرب إلىّ قلبي وطبقتي الاجتماعية 

  أعرف عن قرب زميلا وصديقا وأبا لبنت جميلة وولدين وسيمين، مناضل اجتماعي صامت محترم ومتوسط الحال وزوجته لا تشتغل إلا في المنزل. حصل على قرضٍ من البنك وعِوَضَ أن يبني مسكنا يُكمل فيه سنين عمره المتبقية وهو "مُكهِّبْ" (مُشرِف) على الستين، خصّص الأب كامل القرض لحاجيات ابنه المرسّم على نفقته بالجامعات الفرنسية وبقي يسدّد بالتقسيط المتعب والمضني نفقات "الربا" البنكي على مدى سنوات متحملا ضنك العيش من أجل أن يتعلم ابنه البكر في أرقى الجامعات الغربية. أليست هذه قمة في نكران الذات ومثالا يُحتذي به في التضحية من أجل مستقبل الأبناء ؟ أطلب من دولة ما بعد الثورة أن تكون حنونة وتضحي من أجل  أبنائها الفقراء اقتداءً بحنان بهذا الأب المثالي وتحرص على ضمان مستقبل جميع أبنائها كما  حرص هذا الأخير على ضمان مستقبل ابنه ؟ نجح الابن وأنهى دراسته الجامعية وتخرّج مهندسا في الاتصالات واشتغل بفرنسا وفي العطلة المدرسية الماضية استضاف كامل عائلته في جولة سياحية بفرنسا وأدخل السرور والبهجة والرضاء إلى قلبَيْ والديه وعوّضهما أحسن وأفضل تعويض على تعب السنين وجازاهما على صبرهما أجمل جزاء.

 

 

3.    الحجة الثالثة: قصة واقعية حدثت في عائلة جار زميل مدير عام في وزارة التربية وصديق، وهو الأقرب إلىّ فكريا

أعرف عن قرب عائلة متوسطة اجتماعيا، مناضلة ومحترمة يسودها الود والحب والاحترام والوئام متكونة من أربعة أفراد، أب مدير عام في وزارة التربية والتعليم، أم أستاذة أولى بالتعليم الثانوي، بنت جامعية تحتاج إلى مصاريف كبيرة وشاب طالب بألمانيا. خصص الأب كامل مرتبه لحاجيات ابنه المرسّم على نفقته بالجامعات الألمانية واكتفي هو وباقي العائلة بمرتب الأم. أليست هذه قمة في نكران الذات لثلاثة أفراد في عائلة متماسكة جدا ومثالا يُحتذي في التضحية من أجل مستقبل ابنهم ؟ أطلب من دولة ما بعد الثورة أن تكون حنونة وتضحي من أجل  أبنائها الفقراء اقتداءً بالحنان المثالي لهذه العائلة وحرصها على ضمان مستقبل ابنها ؟

 

4.             الحجة الرابعة: وطنية وديمقراطية وعلمية

فقرة، أريد أن تُكتب حرفيا في الدستور الجديد: تعليم ديمقراطي متساوٍ لأولاد التونسيين جميعا أغنياء وفقراء ومتوسطين، أجانب وعرب مقيمين، تعليم "قائم الهرم" وليس تعليم "مقلوب الهرم"، تعليم تكون الميزانية فيه نسبيا تصاعدية من الأساسي إلى الثانوي إلى العالي، يضمن الحقوق التالية لكل أبناء التونسيين دون تمييز: ترسيم مجاني، أدوات مدرسية مجانية، نقل مجاني من المدرسة إلى البيت ومن البيت إلى المدرسة، وجبة يومية ساخنة صحية متوازنة مجانية، منحة جامعية لكل طالب وليس قرضا، وتعليم أساسي وثانوي دون تفقد بيداغوجي غير ناجع مع تكوين أكاديمي مستمر للمدرّسين. في نهاية المرحلة الأساسية (15 سنة)، أطالب بتوجيه 70 في المائة من التلامذة إلى تعليم مهني طويل وجيد قد يفضي إلى الجامعة (مثل ما هو الحال الآن في الدولة الألمانية المصنّعة جدا)، توجيه يكون حسب رغبة التلميذ واجتهاده، و30 في المائة فقط إلى تعليم نظري رياضي وتجريبي ينتهي بشهادة التبريز للتدريس في الثانوي أو بشهادة الدكتوراه للتدريس بالجامعة أو بشهادة مهندس أو بشهادة طبيب عام أو مختص أو غيرها من الشهائد العلمية المعتبرة. أطالب بتعيين مقتصد وممرض واستشاري نفسي في كل مؤسسة تربوية. أطالب بمنحِ ميزانية تسيير محترمة للمدارس الابتدائية فورا و"تَوْ" وأطالب بتجهيز كل المدارس الابتدائية بمجموعات صحية للمعلمين والتلاميذ " تَوْ " أيضا. الآن... الآن... وليس غدا.

 

 

يوجد هذا النظام التربوي المجاني في بعض البلدان الأسكندنافية كفنلندا أو النورفاج وأنا مقتنع بأن أبناءهم ليسوا أفضل من أبنائنا. نستطيع توفير كل هذا لأبنائنا لو تقشفنا قليلا، وضحينا من أجلهم كثيرا، ولو صرفنا عليهم ما كان يُصرف على الحزب الحاكم في العهد البائد، ولو حوّلنا لفائدتهم ما سرقه بن على وحاشيته، ولو خفّضنا قليلا من تبذير المال العام في السكن الوظيفي والسيارة الخاصة والبنزين المجاني لمسؤولينا "الكبار"، ولو سرّحنا أغلبية الجيش البيروقراطي من موظفي الدولة الذين يعطلون عمل الإدارات العمومية، ولو ألغينا التفرغ للنقابيين البيروقراطيين الانتهازيين أو الحزبيين الموالين، ولو فتحنا وقتيا (في العطل المدرسية مثلا عندما تكون المؤسسات التربوية خالية من التلامذة والطلبة)  فضاءات المؤسسات التربوية الرياضية لعموم الرياضيين  مقابل مساهمة مادية محترمة في ميزانية تعليمنا العمومي.

 

زد على ما سبق من تبذير في غير محله -كان أولى بالأموال أن تصرف في محلها، أي في التعليم العمومي- أذكّر بما نستورده خطأ في رمضان الكريم من أطنان من البيض واللحوم والبطاطا لسد حاجات غير أساسية تبعدنا عن المقصد الحقيقي من وراء فريضة الصيام وتجلب معها من حيث لا ندري أمراض القلب والشرايين والسكري. أضيف: نستورد أيضا في الصيف والشتاء أنهارا من المشروبات الكحولية، نضعف ميزانيتنا وننهك صحتنا وقد تتفكك من أجلها أواصر بعض أسَرِنا. نستورد بالعملة الصعبة أنواعا فاخرة من السيارات والماكياج، نتجمل بها وننسى أن نِصف التونسيين أميون أو شبه أميين ولن تغطي عيوبهم المساحيق، ونستورد ملايين اللترات من العطورات الغالية وننسى أن عددا كبيرا من التونسيين لا يتوفر لديهم الماء الصالح للشراب أو الاستحمام. بعض نخبتنا فاسدون راشون ومرتشون، منهم إعلاميون وصحافيون وحزبيون معارضون وموالون ومحامون وقضاة وأمنيون وتجمعيون، إداريون وسفراء ووزراء ونواب ومستشارون وولاة ومعتمدون ورؤساء بلديات وعُمَد ورؤساء شعب، لن تمنع العطورات المستوردة الغالية تسرّب رائحتهم النتنة إلى أنوفنا وأنوف العالم الحر حتى ولو استحمّوا بها ليلا نهارا، صباحا مساء ويوم الأحد. نشتري سيارات غير اقتصادية بمئات الملايين ولا توجد في مؤسساتنا التربوية سيارة وظيفية واحدة لخدمة أبنائنا وبناتنا وأساتذتنا في مدارسنا الابتدائية والإعدادية ومعاهدنا.

 

 

ملاحظة

         كل من سيقول: "هذا خطاب مثالي... ليس في الإمكان أحسن مما كان... "لا تبحث عن نصف النهار في الثانية بعد الزوال" ... كن واقعيا... وغيرها من القوالب الرجعية المتكلسة.

سأجيبه وأقول له على لسان شاعرنا العظيم، أبو القاسم الشابي:

ومن لا  يحب صعود الجبال .........يعش أبدَ الدهر بين الحفر

 

المصدر: كتابي، الإشكاليات العامة في النظام التربوي التونسي - سَفَرٌ في الديداكتيك وعِشْرَةٌ مع التدريس (1956-2016)، طبعة حمرة، 2017 ، 488 صفحة (ص.ص. 225-229).

 

إلى المنشغلين والمنشغلات بمضامين التعليم:

نسخة مجانية من كتابي "الإشكاليات العامة في النظام التربوي التونسي" على شرط التسلم في مقهى الشيحي أو نسخة رقمية لمَن يرغب فيها ويطلبها على شرط أن يرسل لي عنوانه الألكتروني (mail).