lundi 7 octobre 2019

لأنني يساري غير ماركسي، أطالبُ بحل الأحزاب الماركسية ("البوكت" و"الوطد الموحَّد")، وأطالبُ أيضًا بعدم منح تأشيرة في المستقبل للأحزاب ذات المرجعية "الماركسية السياسية" في البلدان الإسلامية وغير الإسلامية. مواطن العالَم




-         وهل "البوكت" و"الوطد الموحَّد" أحزابٌ ماركسيةٌ؟
-         لو لم تكن كذلك، فلتعلِنْ على الملأ أنها ليست كذلك، وتتخلى نهائيًّا عن مرجعيتها الوحيدة، أعني بها "الماركسية السياسية"، كما فعلتُ أنا وفَعَلَ جُلُّ المثقفين الماركسيين في العالَم.
-         ماذا تقصد بـ"الماركسية السياسية"؟
-         أقصد بها ( Le modèle marxiste politique pure et dure qui a été pratiqué par Lénine, Staline et Mao)، والذي ينص تنظيرًا وتطبيقًا على: إلغاء الديمقراطية البورجوازية التمثيلية لمونتسكيو (أنا معهم)، إلغاء الديمقراطية الشعبية المباشرة أو التشاركية لروسّو (أنا ضدهم)، إلغاء المِلكية الخاصة (أنا مع إلغاء الملكية الكبيرة المرتكزة على استغلال العامل المنتج واستلاب المستهلك، والحفاظ على الملكية العائلية الحِرفِيّة الصغيرة الخالية من استغلال البشر للبشر مثل صغار الفلاحين والتجار والحِرَفِيين).
أما الباقي الآتي كله فأنا ضده: إلغاء الدولة تدريجيًّا عند لينين فقط، التربية على الإلحاد ومنع التربية الدينية، إلغاء التعددية الحزبية، إلغاء التداول السلمي على السلطة بين الفرقاء السياسيين، إلغاء حرية الصحافة، تركيز الديمقراطية المركزية (من القمة إلى القاعدة - عارضتْ فكرتَه في حينها المُنظِّرة الماركسية الألمانية العظيمة روزا لوكسمبورغ، ولهذا السبب أحبها)، تركيز ديكتاتورية طبقة البروليتاريا على باقي الطبقات (بقيت شعارًا ولم يطبقها أي زعيم من الثلاثة بل طبقوا مكانها ديكتاتورية قيادة الحزب الشيوعي الأوحد، لقد مارس هذا اللعين ديكتاتوريتَه على قواعده نفسها وعلى كل الطبقات الأخرى بما فيهم طبقة البروليتاريا التي انتحل صِفتَها وسَرَقَ شرعيتَها وحَكَمَ انتهازيًّا باسمها، المسكينة المُهانة والمضطهدة في دول أوروبا الشرقية الاشتراكية أكثر ألف مرة من نظيراتها في دول أوروبا الغربية الرأسمالية الليبرالية).
-         وهل كل هذا الهَمْ الجائر من الممنوعات أو الكمْ الهائل من الإلغاءات موجودٌ بالفعل في "البوكت" و"الوطد الموحَّد"؟
-         لا طبعًا، ليس موجودًا بالفعل لكنه موجودٌ بالقوة (en puissance)، أي في أمخاخِ منتسبِيهِما، وإلا لماذا لا يتبرّؤون من "الماركسية السياسية" علنًا كما فعلتُ أنا وفَعَلَ جُلُّ المثقفين الماركسيين في العالَم؟ المصيبة أنهم يتبنّون فكريًّا شعارات الماركسية  وهم دون الزعماء الثلاثة شجاعة وجرأة وإقدامًا، يتبنّون ويتبنّنون لكنهم لا يجنون من ورائها إلا الفاصل وراء الفاصل بعد الصفر.
-         أوَ تسخر من ستالين الذي هزم هتلر وأنشأ المصانع والجامعات والطرقات؟
-         لا، أنا أسخر منكم أنتم.
-         تمجّده إذن؟
-         محمد كشكار يمجّد ستالين؟ أعوذ بالله، لم أمجّده في شبابي وأنا يساري ماركسي فكيف أمجّده الآن وأنا يساري غير ماركسي؟ لا.. لا.. لا  أمجّده بل أذَكِّرُ فقط بإنجازاته الاقتصادية العظيمة.
-         وهل هنالك فرق بين التمجيد وذكر الإنجازات العظيمة؟
-         نعم، هنالك فرق، لو كانت الإنجازات الاقتصادية تُغني عن الحرية المفقودة في عهده، لَما لُعِن ستالينْ، عوض المرة مرتينْ، في بلده الأصلي وفي البلدان أجمعينْ.
-         فهِّمنا يا سيدي.. لكن لا تنسى أن اليسار فكرة، والفكرة أكبر من التجربة ولا تسقط بسقوط جدار في برلين عام 1989.
-         صَحيح.. وما دام اليسار فكرة كما تدّعون وأنا بالفكرة أولى من أحزابكم الاثنين، فالفكرة لا تُسجَن في حزب أو حزبين، خاصة في مثل أحزابكم التعيسة، الأتعس من "مقهى الشيحي التعيسة التي لم تعد تعيسة"، والفكرة أيضًا لا يمكن أن تروم القعود في أمخاخٍ  منغلقة كالتي تحملونها فوق أكتافكم. الفكرة حرة أو لا تكون، واليسار قِيمٌ تضامنية أو لا يكون، قِيمٌ تجسمت في الدول الرأسمالية أكثر من تَجَسُّمِها في الدول الشيوعية،  قِيمٌ نجدها في "صندوق الضمان الاجتماعي الفرنسي" (La sécurité sociale)، في شركة سككها الحديدية، في تعليمها العمومي والمجاني، في اقتصادها الاجتماعي التضامني (12% من مجموع الاقتصاد الفرنسي). قد نجدها أيضًا عند نهضاوي أو قومي أو مستقل، عضو بـ"جمعية حماية واحات جمنة"، أو عضو بـ"جمعية إيثار الخيرية بجمنة"، أكثر مما نجدها عند طبيب من "البوكت" أو عند محامٍ من "الوطد الموحَّد"، الأول يتاجر بحاجة مواطن فقير للعلاج، والثاني بحاجته للعدالة. أحزابُكم أقفاصٌ من خشبْ، والفكرة عصفور من ذهبْ، والعصفور لا يُسجَن في قفصٍ، من خشبٍ كان أو ألماسٍ أو ذهبْ!

خاتمة: بِـفِكرِي وبِـعونِ الله، سوف أغلقُها دكاكينَكم، أحطّمها أقفاصَكم، وأحرِّرُها الفكرةَ من سجونِ أمخاخِكم.

إمضائي (مواطن العالَم، أصيل جمنة ولادةً وتربيةً، يساري غير ماركسي حر ومستقل، غاندي الهوى ومؤمن بمبدأ "الاستقامة الأخلاقية على المستوى الفردي" - Adepte de l’orthodoxie spirituelle à l’échelle individuelle):
"وإذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك، فدعها إذن إلى فجر آخر" (جبران)
À un mauvais discours, on répond par un bon discours et non par la violence. Le Monde diplomatique


تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 8 أكتوبر 2019.


vendredi 4 octobre 2019

تأملات فلسفية كشكارية من وحي الكاتب "الفوضوي-المحافظ"، الفيلسوف العظيم جورج أورويل (1903-1950)؟ مواطن العالَم



أنا نِصْفُ مثقفٍ، كائنٌ هشٌّ عجوزٌ مهزوزٌ، منتوجٌ تعيسٌ من منتوجات هذا العصر التعيس تعاسة النمط الغربي الرأسمالي-الليبرالي الحديث والسائد، للأسف الشديد، في العالم أجمع. نمطٌ جبّارْ منافقٌ قهّارْ، جبّار بعلومٍ براءاتُ اختراعِها محتكرةٌ من قِبله وَحْدِهِ واكتشافاتُها منحازةٌ إلى مصالحه المادية الضيقة جدًّا، منافقٌ متاجرٌ بحقوق الإنسان الغربي ضد الإنسان غير الغربي، قهّار يحرق بالنووي والنار.

نِصْفُ مثقفٍ وأموتُ لو قُطِعت عني شهرًا واحدًا جِراية التقاعد الهزيلة، أو ألغِيَ اشتركي فجأةً في "تُوبْناتْ"، أو أغلِقت في وجهي مقهى الشيحي ذات صباحٍ الله لا يُقدّر، أو مُنِع يومًا تهريبُ عُلبِ سجائرْ "PINE"، أوكْسِجِينِي المفضّل!

ليس لي رغبةٌ في العودة إلى حياة البداوة (حياةٌ أبسطُ وأنظفُ وأخشنُ)، حياةٌ تعتمد على المشقة والجهد البدني الضروري لفلاحة الأرض أو تربية الأغنام، لكن.. لكن وبمعنى أعمق أحِنُّ إلى زمن الطفولة في جمنة الخمسينيات، أحِنُّ إلى كل هذا (حياةٌ أبسطُ وأنظفُ وأخشنُ)، ومعه أيضًا "شوية" تَقَدّم حضاري، تَقَدٌّمٌ لا يتجاوزُ بشريةَ البشرْ، لكنه ليس كالذي في أمريكا أو قَطَرْ (Une croissance à la mesure de l’homme, la vertu est le juste milieu, a bien dit un jour Aristote). وفي الوقت نفسِه، تَقَدٌّمٌ لا يَخلقُ كائنًا مشوّهًا مثلي أنا محمد كشكار:
كائنٌ نِصْفُ مثاليٍّ - نِصْفُ واقعيٍّ، نِصْفُ مثقفٍ - نِصْفُ جاهلٍ، نِصْفُ عاقِلٍ- نِصْفُ مجنونٍ، نِصْفُ حداثىٍّ- نِصْفُ محافظٍ، نِصْفُ حضريٍّ- نِصْفُ بدويٍّ، نِصْفُ حمّام شطّي- نِصْفُ جمني، نِصْفُ ماركسيٍّ- نِصْفُ برودونيٍّ، نِصْفُ مادّيٍّ- نِصْفُ روحانيٍّ، نِصْفُ مسالمٍ- نِصْفُ عنيفٍ، نِصْفُ ساذجٍ- نِصْفُ "مْزَوَّرْ"، نِصْفُ عربي القلم واللسان- نِصْفُ فرنكفوني القلم واللسان وأخجل من جهلي المُطْبَقِ باللغة الأكثر استعمالاً في العالم، نِصْفُ أمميٍّ- نِصْفُ قوميٍّ، نِصْفُ نُخبويٍّ- نِصْفُ ديمقراطيٍّ، مسلمٌ نِصْفُ مُلتزِمٍ- نِصْفُ عاصٍ، نِصْفُ متأصّلٍ في هُويته- نِصْفُ منبتٍّ في حضارتِه الأمازيغيةِ-الإسلاميةِ-العربيةِ، نِصْفُ عالِم- نِصْفُ حالِم، نِصْفُ مفكّر- نِصْفُ "خَلْواضْ"، نِصْفُ لَباسْ - نِصْفُ "مُوشْ لباسْ"، نِصْفُ سيّدٍ - نِصْفُ عبدٍ، نِصْفُ فقيرٍ- نِصْفُ متوسطِ الحالِ، نِصْفُ-نِصْفُ أو شِبْهْ-شِبْهْ في كل شيء، حتى في يساريتي وأحلامي نِصْفُ-نِصْفُ...

النمط الغربي الرأسمالي-الليبرالي الحديث والسائد، للأسف الشديد، في العالم أجمع ، نمطٌ قهرني، هزمني وبحبال شهواته المصطنعة كتّفني (des désirs non naturels et non nécessaires). إغراءاتُه المادية الحسية غزت جسمي وفكري: اخترقتْ مسامَّ جِلدي، عَششتْ في تلافيفَ قشرتي المخية، ونسجتْ في داخلها شبكاتٍ من الوصْلات العصبية (des réseaux neuronaux ou un million de milliards de synapses: l’homme neuronal).
يَصحّ فيك، أيها "النمطُ"، ما قاله المتنبي في الحُمّى:
"وزائِرَتي كأنَّ بِها حَياءاً *** فليسَ تَزورُ إلاّ في الظّلامِ
بَذَلتُ لهَا المطارِفَ والحَشَايا *** فَعافَتها وباتَت في عِظامِي".

أيها "النمطُ"، الله لا تربحك دنيا وآخرة، لقد جعلتَ مني كيانًا نافرًا من (حياةٌ أبسطُ وأنظفُ وأخشنُ) ولها كارهًا ومنها ومن الحنينِ إليها مطأطئ الرأسِ ذليلاً "حاشِمًا"، رغم أن الأنتروبولوجيا (علم الإنسان) قد قالت حول الانتماء قولتَها الفصلْ "لا حضارةَ أفضلَ من حضارةٍ، ولا ثقافةَ شعبٍ تفوقُ ثقافةَ شعبٍ آخرَ" (أعلَيتِ من مَقامِنا، كعرب ومسلمين، أيتها الأنتروبولوجيا، ورفعتِ رؤوسَنا عاليًا أمام الغربيين العنصريين والذين عنّا كالدخان متعالين، الله يُعلي من مقامِكِ ويُهنِئ مَنامِكِ ويُزيّن أيامِكِ، آمين يا رب العالَمين).

أيها النمط، دلّلتني، وعلى حبك ربّيتني وعلى ألاعيبك البهلوانية درّبتني وعلى حِبالِك البائدةِ رقّصْتني ومن حليبك المغشوش أرضعتني، ثم، وعلى حين غِرّة وفي غفلة مِنِّي، غدرتني، جعلتَ مني كاراكوزَا وأضحكْتَ عليَّ "أمة لا إله إلا الله"، ومن حواسّي الستة "سَلْسَلْتَني وَسَرْسَبْتَني"، وبإرادتي شبه الحرة في براديـﭬم تَحرُّرِكَ سجنتني، قفلتَ البابَ ومعك أخذتَ المفاتيحَ وتركتني حرًّا دون عَسَسٍ كعصفورٍ في قَفَصٍ.

خاتمة: الحمد لله أن الاستلابَ الثقافيَّ (L’aliénation culturelle) لا يُورَّثُ، ومع كل ولادةٍ جديدةٍ يولَدُ أملٌ جديدٌ.

ملاحظة: هذا النص، أعتبرُه، أنا، من أفضلِ ما أوْحَتْ به إليَّ قراءاتي في الفكر العالمي، العربي والفركفوني والأنـﭬلوفوني المترجَم للغة الفرنسية أو العربية.

Référence : Le Monde diplomatique, octobre 2019, extraits de l`article «marier réalisme et utopie», par Frédérik Lordon, philosophe, p. 3
إمضائي (مواطن العالَم، أصيل جمنة ولادةً وتربيةً، يساري غير ماركسي حر ومستقل، غاندي الهوى ومؤمن بمبدأ "الاستقامة الأخلاقية على المستوى الفردي" - Adepte de l’orthodoxie spirituelle à l’échelle individuelle):
"وإذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك، فدعها إذن إلى فجر آخر" (جبران)
À un mauvais discours, on répond par un bon discours et non par la violence. Le Monde diplomatique

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 4 أكتوبر 2019.
Haut du formulaire

mercredi 2 octobre 2019

في تونس، مدرستُنا مدرستانِ، واحدة متوسطة لأبناء الفقراء، والأخرى قريبة من الحسن لأولاد الأغنياء وأولاد المتوسطين المتعسّفين مادّيّا على أنفسهم. مواطن العالَم



يبدو لي أن حِرصَ الكثير من الأولياء على ضمان تعليمٍ أفضلَ لأولادهم (تعليم  خاص في تونس أو بِعثات دراسية للخارج على الحساب الثقيل الخاص أو دروس خصوصية -  Étude) قد خَلَقَ، ودون قصدٍ منهم، تعليمًا يمشي بسرعتين مختلفتين (enseignement à deux vitesses): الخاص يحث الخطى والعمومي يَعْكُزُ.
مَن المسئول؟ مَن يصنعُ الفشل المدرسي في تونس؟ (حوالي 100.000 تلميذ "فاشل" تَلفظهم المدرسة في نهاية كل سنة دراسية وذلك منذ عقود، مئة ألف يعودون في أغلبهم للأمية).
الدولة أولا، الدولة التي تخلت عن دورها التربوي وعن مدرسة الجمهورية (L’école républicaine)، مدرسة المِصعد الاجتماعي للفقراء (L’ascenseur social des pauvres)، مدرسة الاستقلال التي تعلمت فيها أنا (58-74) حيث المبيت مجاني للمعوزين أمثالي والأكل مجاني والأدوات المدرسية مجانية (مثل فنلندا حاليًّا أو أفضل قليلاً) (servi, logé, nourri, blanchi).
مدرّسو المدرسة العمومية أنفسهم ثانيًا، هم ولا أحد غيرهم مَن يتحمّل القسط الأكبر من المسئولية.

كيف؟:
-         الإغراء المادّي للساعات الزائدة في الـﭬاراجات أو في المدارس الخاصة (قد يصل المدرس-تاجر-العلم إلى مضاعفة مرتبه على أقل تقدير، وفيهم مَن يكسب 10 أضعاف مرتبه)، جشعٌ أنهَكَ المدرس خارج المدرسة مما نتج عنه في عديد الحالات إهمالٌ مضاعف: انخفض أداؤه البيداغوجي خلال عمله الرسمي داخل المدرسة، وانخفض مستوى إعداده لدروسه خارج المدرسة. لا أعمّم وأستثني بعض المربين غير الجشعين الذين يلتجئون إلي "الأوتيد" (L’étude) اضطرارًا، أي الذين يُراعون القناعةَ والعلمَ والله في هذا المجال، وهم فئةٌ قليلةٌ جدًّا.
-         يخطئ المدرس عندما يصنّف تلامذته إلى أذكياء وأغبياء مع العلم أن عالم الوراثة والفيلسوف ألبير جاكار قال: "لا نستطيع أن نصنّف الذكاء" (on ne peut pas catégoriser l’intelligence). الذكاء ليس شيئًا جامدًا حتى نقيسه في زمن محدّدٍ (QI : Quotient Intellectuel)، بل هو قدرة ذهنية (performance intellectuelle)، قدرة مجرّدة متحركة وقابلة للتغيير للأفضل أو للأسوأ حسب الجهد الشخصي والمحيط المادي والذهني للتلميذ (المدرس، الأقران، البرامج، المستوى المادي والفكري للوالدَين والإخوة، الفضاء المدرسي والعائلي، الشارع، إلخ).
-         يخطئ المدرس عندما يدرّس معارفَ تفوقُ بكثيرٍ مستوى التلميذ فتعوقه عن الفهم، أو معارفَ دون مستواه فيملّ الدرس ويزدري المدرس. حسب عالِم النفس والبيداغوجيا، لاف فيـﭬوتسكي، يجب على المدرس أن لا يدرّس معارفَ تفوقُ بكثيرٍ ولا معارف أقل، بل يدرس معارفَ تفوقُ بقليل حتى يجذب اهتمام التلميذ فلا يملّ الدرس ولا يزدري المدرس، ويركّز عمله في "المنطقة الأقرب للنمو الذهني للتلميذ" (ZPD : Zone Proximale de Développement mental)، لأن ذكاءَ التلميذ ذكاءٌ متحركٌ بالتفاعل مع المحيط (L’épigenèse cérébrale : l’interaction entre l’innée et l’acquis ou entre l’ADN et l’environnement)، فلو تغير محيط التلميذ إلى الأفضل (الإصلاح التربوي المرجو والمنتظر الذي طال انتظاره طويلاً) فقد يتحسّن ذكاؤه.
-         يخطئ المدرس عندما يؤنّب التلميذ المخطئ متجاهلا أن "خطأ التلميذ هو محرّك القسم" (L’erreur de l’élève est le moteur de la classe): خطأ التلميذ في القسم يستفيد منه أقرانه (يفهمون أكثر بالتكرار) ويستفيد منه أيضًا المدرس (يكتشف الخلل في درسه وقد يفهم لماذا تلميذه لم يفهم - Le grand épistémologue Gaston Bachelard a dit : Les professeurs ne comprennent pas que leurs élèves ne comprennent pas)
Pour en savoir plus  sur ce sujet, je vous invite à lire mon deuxième livre [Le système éducatif au banc des accusés ! «Les professeurs ne comprennent pas que leurs élèves ne comprennent pas»], Édition libre, 2016
-         يخطئ المدرس عندما يعمل أكثر مع مجموعة من التلامذة النجباء (نجباء لظروف مختلفة) ويهمل التلامذة الذين يتعرّضون لصعوبات تعلمية (يتعرّضون لأسباب مختلفة) (Il favorise les favorisés)، لو عَكَسَ المدرس طريقتَه البيداغوجية لأصاب، وما خُلِقَ الإصلاح التربوي إلا لمساعدة هؤلاء الأخيرين (Il aurait du favoriser les défavorisés). المفارقة تكمن في أن العدلَ البيداغوجي في القسم يتجسم، عكس ما يفعلُ عن حسن نية الكثيرون من زملائي، في العدل الفارقي (La justice différenciée)، أي على المدرس أن يهتم بالتلامذة الذين يتعرّضون لصعوبات تعلمية أكثر من اهتمامه بالتلامذة النجباء.
-         حقيقةٌ أرددها ولن أكلَّ أو أملَّ حتى ولو أغضبت بعض زملائي، معذرة أيها الأحبة، كشكار في المقهى أكبر مجامل، لكنني في الفكر والعلم لا أجامل: حوالي 90% من المدرسين (ابتدائي، إعدادي، ثانوي وجامعي) لم يتلقوا أدنى تكوين أكاديمي في علوم التربية الضرورية للتدريس (Je ne prends pas en considération les stages aux CREFOC avec des inspecteurs dont la majorité n’ont pas de diplômes universitaires en pédagogie ou en didactique : maîtrise, master ou doctorat - لا أعمّم وأستثني بعض المتفقدين الحاصلين على ديبلوم في الديداكتيك، وهم فئةٌ قليلةٌ جدًّا.)، علوم مثل الإبستمولوجيا (معرفة المعرفة أو نقد المعرفة)، تاريخ العلوم، البيداغوجيا، الديداكتيك (اختصاصي)، علم نفس الطفل،  علم التقييم (الامتحانات والتقييم التكويني - L’évaluation formative)، علوم الإعلامية والتواصل الخاصة بالتعليم (TICE : Techniques d’information et de communication dans l’enseignement)، إلخ. لكن، وللأسف الشديد، تونس تُعَدُّ من البلدان القلائل التي لا توجد فيها كلية تربية، صحيح عندنا المعهد الأعلى للتربية والتكوين المستمر بباردو (ISEFC ou Université virtuelle) الذي تخرّج منه مئات أو آلاف المختصين (لا أعرف العدد بالضبط)، مختصين  في شتى علوم التربية، وأنا واحدٌ منهم بالتوازي مع دراستي ماجستير ودكتورا بجامعة كلود برنار بمدينة ليون بفرنسا (UCBL1, Doctorat en didactique de la biologie, 2007).
-         حتى لا أطيل عليكم، أنهِي بأهمّ سبب لتدهور مدرستنا العمومية، حسب تقديري طبعًا، ألا هو غياب النظام الصارم داخل مدارسنا (je veux dire la discipline)، انضباطٌ  كان سائدًا في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وللأسف الشديد تخلينا عنه في العقود الأخيرة (Un grand pédagogue a dit : l’absence d’autorité chez les enfants est une forme de maltraitance).
لتعرفوا أكثر وجهة نظري حول النظام التربوي التونسي، بكل لطفٍ أدعوكم لقراءة كتابي الرابع والأخير: "الإشكاليات العامة في النظام التربوي التونسي - سَفَرٌ في الديداكتيك وعِشْرَةٌ مع التدريس (1956-2016)"، طبعة حرة، 2017، وشكرًا.

إمضائي (مواطن العالَم، أصيل جمنة ولادةً وتربيةً، يساري غير ماركسي حر ومستقل، غاندي الهوى ومؤمن بمبدأ "الاستقامة الأخلاقية على المستوى الفردي" - Adepte de l’orthodoxie spirituelle à l’échelle individuelle):
"وإذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك، فدعها إذن إلى فجر آخر" (جبران)
À un mauvais discours, on répond par un bon discours et non par la violence. Le Monde diplomatique


تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 3 أكتوبر 2019.


في أحزاب أقصى اليسار، حتى الانتهازية عندها رجال، "رجالٌ من ذهبْ"! مواطن العالَم



لماذا كل ما أنشره، أنا، من نقد لاذِعٍ لليسار، لا ينشره إلا قلة قليلة جدًّا من اليساريين غيري؟:
-         ليس لأنني أعرف أكثر منهم أو أقرأ أكثر منهم أو أفهم أكثر منهم.
-         ليس لأنني أشجع منهم أو أجرأ منهم أو أصدق منهم.
-         ليس لأن نقدي غير موضوعي فبعضهم يُقِرّ بوجاهته في جلساتهم الخاصة.
-         لماذا إذن؟
-         لأنهم ينتمون، وعلى مدى عقود متتالية، إلى مجموعات مغلقة ومنغلقة على نفسها (des sectes fermées)، انتماءٌ يريحهم من الحيرة والبحث والشك والتساؤل ووجع الرأس الذي أعاني منه يوميًّا (إنه، والله، "وَجَعٌ-مُتْعَةٌ"، متعةٌ ذهنية، متعةٌ لا تُضاهيها في تجرّدها كل المتعِ الحسية التي، للأسف، أنتم لا تعرفون غيرها، آه يا رفاق الأمس لو تذوقونها يومًا!)، انتماءٌ كالعكاز يتكئون عليه عند الأزمات ويَهُشُّون به على مصالحهم الرثة، انتماءٌ يشعرهم بالرضا عن النفس الكسولة، انتماءٌ يجعل لهم مكانة (un statut) في مجتمعهم الإيديولوجي الضيق، انتماءٌ فيه اعتراف بمكانتهم الوهمية داخل أحزابهم الوهمية، انتماءٌ يُغلق أفواهَهم عن النقد العلني وإلا خسروا مكانتهم وخسروا معها كل خراجها المتمثل في قضاء مصالح خفيفة. أنا لم ولا ولن أنتمي.
-         لأنهم يطمعون في ترقية حزبية تُعلي من شأنهم في عيون رفاقهم وتفتح في وجوههم أبوابًا للانتهازية كانت حكرًا على النومَنْكْلَتُورَة(nomenclature) . في نُوأُوسْفِيرْ اليسار  (noosphère)، حتى الاستفادة من الانتهازية، يلزمك تناضل طويلاً من أجلها لكي تصبح انتهازيًّا برتبة جنرال، الانتهازية عندهم ليها رجال بين ظفرَين. أنا لا أنتظر شيئًا من أحدٍ.

خاتمة:
أعضاء أحزاب أقصى اليسار (البوكت والموحّد وتونس إلى الأمام)، المنتمون ومعهم المستقِلّون المزيّفون ومَن لَفَّ لفّهم، قال فيهم بورقيبة، قال فيهم كشكار وقال فيهم الشعب "زيرو فيرﭬول". هُمُ أناسٌ مثلنا يفهمون ويفقهون، لكنهم لا يريدوا أن يَعُوا لأنهم انتهازيون ومن السياسة يتمعّشون.
قال فيهم بورقيبة عندما سألوه، بعدما سمح للحزب الشيوعي التونسي المحظور من استعادة نشاطه العلني سنة 1981: "كيف تمنح تأشيرة لحزبٍ شيوعي في بلاد مسلمة؟" أجاب بسخريّتِه الذكية المعهودة، لكنها سخريّةٌ تَنُمُّ عن معرفةٍ عميقةٍ بأنتروبولوجيا المجتمع التونسي، قال: "أعطيتهم تأشيرة لأنني أعرف أنهم لن يتجاوزوا باب عليوة" (باب عليوة يحدّ العاصمة جنوبًا). نَمْ يَا حَبِيبِي.. نَمْ.. في المُنَسْتِيرِ نَمْ.. لَقَدْ صَدَقَتْ فِيهِمْ فِراسَتُك يَا أبُو رُقَيْبَة، إنَّهُمْ لَمْ يَتَجَاوَزُوا دَكاكِينَ حُزَيْبَاتِهِمِ!

إمضائي (مواطن العالَم، أصيل جمنة ولادةً وتربيةً، يساري غير ماركسي مستقل، غاندي الهوى ومؤمن بمبدأ "الاستقامة الأخلاقية على المستوى الفردي" - Adepte de l’orthodoxie spirituelle à l’échelle individuelle):
"وإذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك، فدعها إذن إلى فجر آخر" (جبران)
À un mauvais discours, on répond par un bon discours et non par la violence. Le Monde diplomatique


تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 2 أكتوبر 2019.





mardi 1 octobre 2019

نقدٌ شديدٌ موجهٌ إلى قيادة حزب النهضة وتمجيدٌ موضوعيٌّ لقاعدي نهضاوي جمني: لو كان لنا صالح الخمّار في كل قرية ودُوّار، لَما كان نبيل القروي في الدور الثاني! مواطن العالَم




1.     الخبر:
مَن هو صالح الخمّار؟ طبعًا أقصد صالح وأعضاء جمعيته المتطوّعين والجمنين الكل.
هو قاعدي نهضاوي جمني ورئيس جمعية "إيثار"، مقرّها ونشاطها بقرية جمنة (10.000 ساكن)، أسِّسَتْ منذ السنوات الأولى بعد الثورة.
ما هو نشاطها؟
جمعية خيرية 100%، وتتمثل أنشطتها فيما أتذكر، أنا جمني أقطن في حمام الشط، فالمعذرة إن سهوتُ  أو أخطأتُ أو نسيتُ البعض من اهتماماتها:
-         تقديم - دون دعاية حزبية وثقتي في ولد عبد الكريم كبيرة - إعانات نقدية أو عينية للتلامذة المعوزين (لباس وأدوات مدرسية في أول كل سنة دراسية) وللطلبة المعوزين أيضًا (منحة شهرية).
-         تقديم أضحية سنوية مجانية للعائلات الفقيرة (العيد الماضي حوالي 70 خروف).
-         توفير سرير طبي وقارورة أكسجين للمرضى المحتاجين لهذه التجهيزات وقتيًّا.
-         توفير كراسي متحركة مجانيًّا للمعوقين عضويًّا.

ما هو مصدر تمويلها؟
-         أثرياء القرية ومتوسّطوها الخيّرون من الفلاّحة والتجّار والموظفين وعمالنا بالخارج.
-         "جمعية حماية واحات جمنة" التي تُدير مشروع واحة المعمّر بجمنة (10.000 نخلة دﭬلة نور، دَخْلٌ سنوي قرابة المليار ونصف من المليمات) برئاسة اليساري المستقل والمناضل النقابي الفذ صديقي طاهر الطاهري، يعاضده في تطوّعه ومهمته النبيلة نهضاويون وقوميون وتيّاريون ومستقلون، "حكومة جمنية" متطوعة جسّدت الوحدة الوطنية بين التيارات السياسية المختلفة في أبهى حُلَلِها، حكومة تسيير ذاتي صغيرة ومنتخبة ديمقراطيًّا، حكومة تطبّق منوال اقتصادي اجتماعي تضامني لفائدة كل سكان القرية وعمال الواحة الجمنين (130) أجراء لا شركاء.

2.     التعليق:
لو أن حزب النهضة نظّم "إنجاز صالح الخمّار" وعمّمه على كل قرى ودَواوِير تونس من الشمال إلى الجنوب، لَما وَجَدَ نبيل القروي محتاجين لمقرونته، ولَما أكلَ فقراؤنا مالاً حرامًا وضْعًا وشرْعًا، مال المافيا التونسية والإيطالية والأمريكية، مع تقديري واحترامي الكبيرَين لبعض المتبرّعين لجمعية "يرحم خليل" من التونسيين والتونسيات الصادقين الطيبين، مثل جارتي بحمام الشط وأم صديقي بساقية سيدي يوسف، أرملتَين مُتَوَسِّطَتَي الحال.
المفارقة أن حركات إسلامية عربية (إخوان مصر وحماس غزة) اشتهروا بنشاطهم المكثف في مجال التكافل الاجتماعي (بناء مدارس ومستشفيات وتقديم إعانات للفقراء).
لماذا لم تفعلها النهضة، والتكافل يخدم الفقراء ويخدمها هي نفسها روحانيًّا وسياسيًّا؟ هل من مجيب؟ السؤال موجه إلى قيادة النهضة ، بكل لطفٍ واحترامٍ وأدبٍ، من قِبل مفكر جمني يساري غير ماركسي مستقل.

إمضائي (مواطن العالَم، أصيل جمنة ولادةً وتربيةً، يساري غير ماركسي مستقل، غاندي الهوى ومؤمن بمبدأ "الاستقامة الأخلاقية على المستوى الفردي" - Adepte de l’orthodoxie spirituelle à l’échelle individuelle):
"وإذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك، فدعها إذن إلى فجر آخر" (جبران)
À un mauvais discours, on répond par un bon discours et non par la violence. Le Monde diplomatique


تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 1 أكتوبر 2019.