jeudi 7 mars 2019

مجموعةٌ من الأسئلةِ، أرّقتني طيلةَ عقودٍ! وجدتُ لها اليومَ جوابًا في كتابٍ؟ فكرة كريستيان دو دوف، ترجمة وتأثيث مواطن العالَم



الأسئلة التي كانت تُحيّرني:
-         لماذا يتحارب البشر فوق الأرض وفيها من الخيراتِ ما يكفيهم وزيادة؟
-         لماذا نصرف أموالاً طائلةً على الهدمِ ولو صرفناها على البناء لأصبحت الدنيا جنة على وجه الأرض، ولانقرضَ الفقرُ والجهلُ والجوعُ وزالت جل الأمراضِ؟
-         لماذا لا نرى للأخلاق الوضعية ولا للأخلاق الدينية أيّ تأثيرٍ على سلوكات العالَمين الأنانية والعُدوانية؟
-         لماذا لم يجلب لنا العِلمُ كل المنافع التي كنا ننتظرها منه؟
-         لماذا تَبنّيتُ مفهوم المواطنة العالمية؟ (justification a posteriori)
-         لماذا اخترتُ مفهوم "ما فوق الوراثي" (L`épigenèse) كموضوع لأطروحة الدكتورا سنة 2007؟ (justification a posteriori)

نص صاحب الفكرة في كتابه، صفحة 165:
الانتقاء الطبيعي الدارويني 
(La sélection naturelle)
 ميّز القِيم (Les traits) التي تعزز اللحمة داخل المجموعة البشرية وفي نفس الوقت تدعم العداوة بين المجموعات البشرية البدائية:
على المستوى الجماعي، ميّز الانتقاء الطبيعي بعض القِيم، مثل التضامن، التعاون، التسامح، الشفقة، الإيثار. قِيمٌ وصلت إلى حد التضحية بالنفس من أجل مصلحة المجموعة، قِيمٌ إيجابيةٌ كوّنت أسس العيش المشترك داخل المجتمعات البشرية. لكن الانتقاء الطبيعي لهذه القِيم بقي بشكل عام مقتصرًا على أعضاء مجموعات معينة.
تتمثل النتائج السلبية لهذه القيم الإيجابية في النزعة الدفاعية المفرطة، انعدام الثقة في الآخر، التنافسية والعِدائية حيال أعضاء المجموعات الأخرى. قِيمٌ سلبية كوّنت بذور الصراعات والحروب التي تركت بصماتها على طول تاريخ البشرية جمعاء حتى يومنا هذا.
هذا التحليل يرجع بنا إلى عصورٍ كانت فيها مجموعات قليلة من البشر البدائيين تتخاصم حول أهم المصادر الغذائية التي توفرها لهم الغابة والسافانا الإفريقية عشرة آلاف سنة قبل عصرنا الحالي. في البداية كانت تُحدَّد المجموعة حسب علاقات القرابة الدموية السائدة داخل العائلة أو القبيلة طِبقًا للصفات المبرمجة في الجينات إضافة م. ع.:ADN: C`est un logiciel performant et sophistiqué mais il est très ancien et conçu pour l`homme primitif de la forêt
لا تغترّ أيها الإنسان، فأنتَ والشانبانزي تتشابهان في 98،5% من الجِينات المشتركة 
(Gènes communs)،
 وأنت وشجرة المَوز في 60%، ونبات الأرز يفوقُك في الجينات عددًا: هو 30-40 ألف جِينة، وأنتَ 25-30 ألف فقط!
مرّ زمنٌ وأتى آخر، وتوسعت المجموعة الصغيرة فضمّت أراضي مشتركة، مصالح مشتركة، امتيازات مشتركة، اعتقادات مشتركة، قِيم مشتركة (Des valeurs partagées)، أحكام مسبقة مشتركة، أحقاد مشتركة، أي الاشتراك في كل ما يدعم وحدة المجموعة، "مجموعتنا ضد مجموعتهم" (إضافة م. ع.: مقولة "مجموعتنا ضد مجموعتهم" تُتَرجَم بلغة عصرنا، فتصبح:  يهود ضد عرب، غرب ضد باقي العالَم أي المركزية الأوروبية، دار الإسلام ضد دار الحرب، بورجوازية ضد بروليتاريا، شيوعية ضد رأسمالية، يسار ضد يمين، داعش ضد بشار، إخوان ضد السيسي، مدينة ضد ريف، الرجل ضد المرأة، الحاكم ضد المحكوم، الأغنياء ضد الفقراء، العالَم الأول ضد العالم الثالث، أعراف ضد عمال، إلخ.).
ما هي الإيديولوجيات العصرية التي تدعم اليوم الوحدة داخل المجموعة الواحدة وتؤجج الصراعات وتشعل الحروب بينها وبين المجموعات الأخري؟
هي إيديولوجية القومية، غربية كانت أو عربية. هي الإيديولوجية الدينية، إسلامية (سوريا، العراق، ليبيا، مصر، أفغانستان) كانت أو يهودية (إسرائيل) أو بوذية (بيرمانيا، التيبت، الكشمير). إضافة م. ع.: هي الإيديولوجية الامبريالية، رأسمالية (أمريكا) كانت أو شيوعية (الصين).

صفحة 166:
الانتقاء الطبيعي الدارويني عند البشر لم  يُميّز قيمتَي الحيطة والحكمة الضروريتَين لتوليد الرغبة في تقديم التضحية بالامتيازات الحينية في سبيل التحضير لمستقبل أفضل للإنسانية جمعاء: البحث عن المصلحة الحينية، سواء كانت فردية أو جماعية، يفسر استغلالنا اللامسئول للثروات الطبيعية، ويفسر أيضًا تجاهلنا للعواقب الوخيمة التي قد تنجر عن فعلنا المشين هذا. عواقبٌ بدأت اليوم تهدد جنسنا البشري وتهدد بالانقراض أنواعًا كثيرة من الكائنات الحية الأخرى، حيوانات ونباتات.
لم يعد يشغلنا كل ما يتجاوز مستقبلنا الحيني مثل ما بعد التقاعد أو أمل حياتنا أو مصير أولادنا وأحفادنا.
ما أردتُ تبليغَه كعالِم بيولوجيا يتمثل في التأكيد على أن القيم السلبية (النزعة الدفاعية المفرطة، انعدام الثقة في الآخر، التنافسية والعدائية حيال أعضاء المجموعات الأخرى) هي قيم فطرية جينية وراثية  مبرمجة لإنتاج إنسان لزمانٍ غير زماننا، زمان سبقنا بعشرة آلاف سنة عند بداية تشكل المجموعات البشرية الصغيرة في إفريقيا أولا (من 3000 إلى 10000 نسمة). قيم وسلوكات كانت صالحة وضرورية في ذلك العصر، عصر ندرة الموارد الغذائية أو صعوبة التحصل عليها. صفات ساعدتنا على الصمود في طورٍ من أطوار تطورنا الطبيعي (L`évolution) ولولاها لانقرضنا كالديناصورات ولَذهبت ريحنا ولم يبق إلا أحافيرنا (Fossiles humains). هذه القيم أو الصفات أو السلوكات أصبحت اليوم عبئًا ثقيلاً نحمله منذ الولادة، وباتت معطِّلة للقيم الإيجابية فينا (التضامن مع المجموعات الأخرى، التعاون معها والتسامح والشفقة والإيثار).
انتهى الاستشهاد.

خلاصة القول وليس خاتمته:
الإنسانُ لا يولدُ إنسانًا متحضّرًا منذ البداية بل يصبح متحضِّرًا بجهده وعلمه وثقافته: ليس قياسًا على الإنسان الغربي الحالي، فهو في الواقع أقل منا في العمق تحضرًا وإلا لَما احتلنا وقتل منا الملايين ظلمًا وبهتانًا، ولَما قصفنا بالطائرات في بور سعيد وبنزرت والساقية ودمشق وبغداد وطرابلس و.. و... ولَما باع لنا سلاحًا فتّاكًا من صنعه وترويجه وتآمره وانتهازيته.
يولد الإنسان طبيعيًّا  (L`homme de la nature)، وهو حضاريًّا أقرب لإنسان القرن  3000 قبل-م أكثر من قُربه إلى إنسان القرن 21م. تولد معه غرائزه المحدَّدة شبه كليًّا من قِبل جيناته، غرائزٌ تشد إلى الأسفل، إلى الحيوانية، إلى الطبيعة، إلى الأنانية. غرائز تحدّد القيمَ السلبية فينا (النزعة الدفاعية المفرطة، انعدام الثقة في الآخر، التنافسية والعِدائية حيال أعضاء المجموعات الأخرى).
المتدينون يسمّونها "النفس الأمّارة بالسوء"، وعلماء النفس يسمّونها "الهُوَ" في اللاوعي (Le Ça ).  نفسٌ أمّارةٌ بالسوء، نفسٌ موروثةٌ (Le tout-génétique)، تقابلها  نفسٌ مكتسبةٌ بواسطة ما يقع عبر التفاعل بين الجينات الموروثة ومحيط الجينات الخلوي والخارجي عن الجسم تمامًا (L`épigenèse, sujet de ma thèse de doctorat, UCBL1, 2007)، نفسٌ أمّارةٌ بالخير وإذا كنتَ علمانيًّا سمّها النفس المتحضرة المتسلحة بالقيم الإيجابية فينا (التضامن مع المجموعات الأخرى، التعاون معها والتسامح والشفقة والإيثار).
جهادٌ ضد "النفس الأمّارة بالسوء" أو صراعٌ مريرٌ بين الثقافة والطبيعة 
(Interaction entre culture et nature d`où émerge l`homme de l`homme au dépens de l`homme de la nature)، 
صراعٌ بين "الأنا" في الوعي (Le Moi) و"الهُوَ" في اللاوعي (Le Ça ).
  جهادٌ يحدّ من سيطرة شهواتنا وغرائزنا على سلوكاتنا اليومية، يهذبها، يعلمها، يربيها، يَشْكُمُها، يطهِّرها من أدرانها ويقودها برفقٍ نحو الرقي والتمدن والتحضر والرقة واللياقة والأدب والذوق الفني الرفيق وصقل الحواس والحب والتواضع ونكران الذات والتطوع من أجل خدمة الغير.
نصقلها بالدين، بالفلسفة،  بالفن، بالتصوف، بالعلم، بالزهد، بالتقوى، كلها أنواع راقية من مواد التطهير: وسائل نبيلة لبلوغ غايات أنبل.
وإذا لم نبذل هذا الجهد فرديًّا وجماعيًّا، ونحن التونسيون في الواقع وللأسف لم نبذله، يساريون وإسلاميون وقوميون وليبراليون، لذلك لم تُغيرنا الأخلاق الإسلامية ولا اليسارية، فلا دين فينا نفع ولا علمَ ولا فلسفةَ!

أما كيف ثبّت فيّ هذا الكتابُ اختياري للمواطنة العالمية (justification a posteriori)، فأظنه سؤالٌ لا يتطلب شرحًا على الشرح الذي سبق. المواطنة العالمية، أراها تمرّدًا على الفطرة وعلى التقوقع وخروجٌ إراديٌّ دون انبِتاتٍ، خروجٌ عن الانتماء القومي الضيق أو الديني المتعصب، خروجٌ إلى آفاقٍ أرحبَ، آفاقٍ نكتسبها لا نرثها. المواطنة العالمية هي حب كل البشر دون تمييزٍ، هي سموٌّ على القبلية والوطنية الشوفينية، هي مستقبلُ العالَم خاصة في عصر الاتصالات والمواصلات، عصر اختفت فيه الحدود ومعها التأشيرات والجدران العازلة، عصر أصبح فيه للإنسان جناحان افتراضيان وأصبحنا كالعصافير لا نمر من البوابات الحدودية، حلمٌ تحقق، حلمٌ غير مبرمجٍ في جيناتنا.
أحلامي كل دقيقة تكبر ويومي أصبح أفضلَ من أمسِي. يبدو أن واقعي أصبح أسرع من أحلامي: أكتبُ مقالاً يتفاعل معه في الحين صديقٌ حقيقيٌّ أو افتراضيٌّ في موسكو أو واشنطن، حلمٌ للإنسانية تحقق. للأسف جيناتي لا تطاوعني، خَطْوَتُها بمليون سنة، ما أبطأها، لم أعُدْ أطِيقُ انتظارَها.. المتخلفة!
آه يا جيناتي لو تلحقي بأحلامي، وتزرعي في جنبَيَّ جناحَين، أزورُ ابنتي حبيبتي في كندا، لم أرها منذ ثمان سنوات، أعِدُكِ، أضمّها وأقفل راجعًا، حفيدتي دخلت المدرسة ولم أقبّلها لا عند الذهابِ إلى المدرسة ولا عند الإيابِ!

المصدر:
Livre : Génétique du péché originel. Le poids du passé sur l`avenir de la vie. Christian de Duve (Prix Nobel de médecine, Un biologiste et moraliste), Editions Poches Odile Jacob, Paris, 2017, 240 pages.


إمضاء مواطن العالَم
أنا اليومَ لا أرى خلاصًا للبشريةِ في الأنظمةِ القوميةِ ولا اليساريةِ ولا الليبراليةِ ولا الإسلاميةِ، أراهُ فقط في الاستقامةِ الأخلاقيةِ على المستوى الفردِيِّ وكُنْ كما شِئتَ (La spiritualité à l`échelle individuelle).
"النقدُ هدّامٌ أو لا يكونْ" محمد كشكار
"المثقّفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العموميةِ" فوكو
"وإذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إذنْ إلى فجرٍ آخَرَ" جبران
لا أقصدُ فرضَ رأيِي عليكم بالأمثلةِ والبراهينَ بل أدعوكم بكل تواضعٍ إلى مقاربةٍ أخرى، وعلى كل مقالٍ سيءٍ نردُّ بِمقالٍ جيّدٍ، لا بالعنفِ اللفظيِّ.

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الجمعة 8 مارس 2019.


mercredi 6 mars 2019

هل بقيتْ عدالتُنا معلقةً في السماءِ؟ مواطن العالم




تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط، الخميس 17 جويلية 2014.


قال الفيلسوف الألماني العظيم هيجل: "كانت الثورة الفرنسية، الحدث الذي اتخذ الرؤية المسيحية للمجتمع الحر القائم على المساواة، ونقلها من السماء إلى الأرض".
وعلى خطاه أقول: "لم تقع الثورة العقلانية العربية بعدُ، الثورة التي سوف تتخذ الرؤية الإسلامية للمجتمع الحر القائم على المساواة، وتنقلها من السماء إلى الأرض".


بقي قرآننا وحديث نبينا، محمد صلى الله عليه وسلم، مؤجلَين، وبقيت أقوال صحابته وأقوال مفكرينا ومصلحينا حبرًا على ورقٍ:
- قرآن: "لا إكراه في الدين". ونحن نُعدِم مجتهدينا (مثل الشهيد السوداني محمود محمد طه في عهد حسن الترابي)، أو نغتالهم (مثل الشهيد المصري فرج فودة وقد برر اغتياله بعد وقوعه الشيخ المصري محمد الغزالي)، أو نكفِّرهم (مثل التونسي الطاهر الحداد والمصريين علي عبد الرازق ونصر حامد أبو زيد وجمال البنا).
ونحن نُعدِم مفكرينا أيضًا (مثل الشهيد الحلاج و ابن المقفع)، أو نغتالهم (مثل الشهيدين اللبنانيين حسين مروه ومهدي عامل أو محاولة الاغتيال الفاشلة التي وقعت للمبدع المصري و العربي الوحيد الحاصل على جائزة نوبل للآداب الروائي الرائع نجيب محفوظ)، أو نكفِّرهم (مثل الفرنسي الجزائري محمد أركون والتونسيين الطاهر الحداد وألفة يوسف وعبد المجيد الشرفي ومحمد الشرفي ومحمد الطالبي والمصرية نوال السعداوي).
- قرآن: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ". وهل نحن اليوم كذلك؟ يبدو لي أننا لسنا كذلك!
- حديث: "الناس سواسية كأسنان المشط الواحد لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى". وهل كنا يومًا كذلك؟ يبدو لي أننا ومنذ 14 قرنا لم نكن يومًا كذلك!
- حديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". وهل يحب السلفيون الجهاديون لإخوانهم في سوريا وليبيا والعراق ما يحبون لأنفسهم؟ وزبانية السيسي والمالكي والبشير وبشار وبوتفليقة والسادس: هل يحبون لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم؟
- قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: "متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟". أنبِئك يا فاروق أن العبيد لم يتحرّروا نهائيًّا إلا في القرن التاسع عشر ميلادي، أي بعد صيحتك الشهيرة بثلاثة عشر قرن، في عصر الزعيم المسيحي الأمريكي إبراهام لنكولن وقد تمّ ذلك بفضل تطوّر وسائل الإنتاج ومكننتها.
- وقال أيضا: "لو عثرت بغلة في العراق فأنا المسؤول عنها لأنني لم أمهّد لها الطريق". أنبِئك يا فاروق أن الدول العربية تتمتع اليوم بأكبر نسبة في العالم في حوادث الطرقات لأن مسؤولينا لم يمهدوا الطريق لبغالنا، عفوًا لسياراتنا الحاملة لفلذات أكبادِنا.
- "النظافة من الإيمان والوسخ من الشيطان". يكفي أن تتجول في العواصم العربية لتعرف هل نحن من المؤمنين أو من الشياطين؟
- "أمة اقرأ" هي اليوم أقل أمة تقرأ!
- رمضان: الشهر الفضيل، الشهر الكريم، الشهر العظيم، شهر التقوى، شهر الصبر، شهر التكافل الاجتماعي، شهر الإحساس بالفقر والتعاطف مع الفقير، كلها شعارات إنسانية جميلة لكنها شعارات وهمية محفوظة في القلوب أو في الكتب السماوية على رفوف المكتبات وللأسف لم ننقلها بعدُ إلى الأرض وبقيت معلقة في السماء. أما الواقع المر السائد اليوم داخل الدول العربية الإسلامية، فهو مغاير تمامًا لما دعا له الإسلام ونبي الإسلام، فشهر رمضان، هو شهر يزداد فيه التبذير وتكثر فيه الأنانية وتطغى فيه الفوارق الاجتماعية وتُحتكَر فيه السلع الأساسية الضرورية وتَرتفع فيه الأسعار وتتفشّى فيه كل أنواع الرذيلة الاجتماعية مثل الغش والكسل والكذب واالنميمة والنفاق والغضب لأتفه الأسباب. أنتظر عهدًا يجيء يومًا نصبح فيه قادرين على وصفِ أنفسنا بما هو فينا، وليس بما هو موجود في القرآن وكتب الفقه، يومها فقط نستطيع القول أننا وضعنا إصبعنا على الداء وشرعنا في وصف الدواء.


ملخص الحديث وليس خاتمته: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، آية رائعة قالها الله تعالى مخاطبا الناس. طبقها نسبيا بعض المسلمين المقيمين في الدول غير العربية أو الدول المسيحية، وطبقتها حرفيا مخلوقات الله من غير المسلمين المقيمين في الدول الغربية المسيحية وبعض الدول الآسيوية غير المسيحية، ولم يأخذ بحكمتها تماما المسلمون المقيمون في الدول العربية. لله في خلقه شؤون! هؤلاء الأخيرين - وفي الواقع المعاصر هم الأخيرين في كل مجالات الحياة العصرية - لم يفقهوا معنى الإسلام حتى اليوم فبقوا متخلفين عن واجباتهم منذ حوالي عشرة قرون (منذ حرق كتب ابن رشد نهاية القرن 12م)، بقوا قاعدين ينتظرون رزقًا أو عدلاً أو نصرًا يأتي من السماء. لو لم يمنعني العلم واتقاء جهل الجاهلين، والله أكاد أجزم أن الرزقَ والعدلَ والنصرَ لن يأتوا إلا بالعلمِ والعملِ والصدقِ والإخلاصِ.


إمضاء مواطن العالَم
أنا اليومَ لا أرى خلاصًا للبشريةِ في الأنظمةِ القوميةِ ولا اليساريةِ ولا الليبراليةِ ولا الإسلاميةِ، أراهُ فقط في الاستقامةِ الأخلاقيةِ على المستوى الفردِيِّ وكُنْ كما شِئتَ (La spiritualité à l`échelle individuelle).
"النقدُ هدّامٌ أو لا يكونْ" محمد كشكار
"المثقّفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العموميةِ" فوكو
"وإذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إذنْ إلى فجرٍ آخَرَ" جبران
لا أقصدُ فرضَ رأيِي عليكم بالأمثلةِ والبراهينَ بل أدعوكم بكل تواضعٍ إلى مقاربةٍ أخرى، وعلى كل مقالٍ سيءٍ نردُّ بِمقالٍ جيّدٍ، لا بالعنفِ اللفظيِّ.


تاريخ إعادة نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الخميس 7 مارس 2019.


ساعة كاملة مع وزير الشؤون الدينية: نقاشٌ حول فكرتي ومفهومي الجديد "الجوامع النموذجية"؟ مواطن العالَم


 (de 8h à 9h)
 (Les mosquées pilotes)

حَضَرَ النقاش السيد محمد بن علي مكلف بمكتب العلاقة بالمجتمع المدني بوزارة الشؤون الدينية (صديقي الفيسبوكي، أصيل مدينة نويّل ومنسّق اللقاء. بارك الله فيه وفي نويّل أصل عائلة كشكار)، والسيد كمال عزوز رئيس مصلحة الاطارات الدينية.
استقبلني الوزير القاضي السابق أحمد عظوم واقفًا ببابِ مكتبِه. جلسنا. أهدى إليّ ثمانية كتب يبدو من عناوينها أنها هامة في مجالها، المجال الديني طبعًا. قدّم لي قهوة ولم أدخّن في حضرته.
بدأتُ أنا الحديثَ، جِدٌّ في قالِبِ مَزحٍ لم يخرج عن آداب الاحترام اللائق بشخصه وصِفتَيه، القديمة والحالية، قلتُ له: حَرَمْتَنِي اليوم من "ڤِعْدَةِ الشيحي"!
قال: ومَن هو الشيحي؟
أجابه صديقي وقارئي المواظب: مقهى الشيحي بحمام الشط، محراب مواطن العالَم.
أضفتُ: أكتبُ فيها تغريدتي اليومية لكن اليوم كتبتها في قطار حمام الأنف.
قال: يكون لنا شرف السبق في الاطلاع عليها.
هي التالية: إذا كان ولا بد من الوقوف ضد التطرف الفكري، فلنبدأ بمقاومة التطرف العلمي الغربي (فيزياء الأسلحة وكيمياء المبيدات والتلوث البيئي، إلخ) إنه أشد فتكًا مليون مرة من التطرف الإسلامي.
قال: احسنتَ وأصبتَ.
استرسلتُ في الحديثِ والحديثُ ذو تفرّعات. أخذتُ من الساعة حصةَ الأسدِ. ألم يطلُبني ليسمعني: تحدثتُ عن: مفاهيم التعقيد (La complexité) والتفاعل (L`interaction) والانبثاق 
(L`émergence)
 ونقد المعرفة العلمية (L`épistémologie)  والمدرسة السلوكية (Le béhaviorisme) والمدرسة البنائية (Le constructivisme) وجمنة ("بازْ") والعلم والديداكتيك ويساريتي ومحاضراتي ومقالاتي ووقعِها الإيجابي على الأئمة والسلفيين، وخاصة عن محاضرتي القادمة في المعهد النموذجي بالمنستير بدعوة من السيد لطفي البكّوش متفقد التفكير الإسلامي وإمام الجمعة وعنوانها "هل ندرّس معارفَ أو قِيمًاّ؟" أقصد القيم العلمية لا الإسلامية السمحة ولا تَناقُضَ عندي بينهما. أسررتُ له بأنني أعتبر ساعتَيْ المطالعة في مقهى الشيحي صباحًا هي أسعدُ أوقاتي، أي من الساعة السادسة صباحًا إلى الثامنة،  الثامنة ساعة بداية تقاطُرِ الجلساء والأصدقاء وكان كلُّه آذانًا صاغيةً. أسعدني جدًّا جدّا أن يسمعني وزيرٌ قاضٍ مثقفٌ كريمٌ خلوقٌ بشوشٌ! ثم انتقلنا إلى موضوع اللقاء وهو ما حواه مقالي الأخير وهذا رابطُه الرقمي في خانة التعاليق تحت، لمَن لم يطّلع عليه ويرغب في الاطلاع عليه.
قال: أتصوّر تطبيقَ اقتراحِك كالتالي: مصلّي عالِم يتكلم في الدرس الذي يسبق خطبة الجمعة عن تكوين الجنين ويربطه بالإعجاز العلمي في القرآن.
أجبتُه دون المرورِ بعناءِ التفكيرِ العميقِ لأنه سبق لي وأن تعرضتُ في قسمي سابقًا لمثل هذا التمشّي الذي قد يجرّ المتلقّي إلى سوء الفهم أو الخطأ في الفهم، أعني به الربط السطحي بين الاكتشافات العلمية الدقيقة والحديثة وبين ما جاء في القرآن الكريم من إشارات عامة: لو أراد الله لفصّلها بالتدقيقِ على شكل معادلات رياضية وفيزيائية وكيميائية ثابتة غير متحولة تحوّل العلم البشري وهو على كل شيءٍ قديرٌ. لم يُفصّلها سبحانه وذلك لحكمةٍ نجهلها وعلينا تدبّرها لا الركوب عليها لتبرير فشلنا في الوصول إلي الاكتشافات قبل الغرب. ومَن هم علماء الغرب؟ أليسوا من عباد الله؟ ألا يوجدُ فيهم مسلمون؟ القرآن كتابُ إيمان يَحُثُّ على العلم، وليس كتابَ علمٍ لتعزيز الإيمان، فالإيمان يقينٌ من أوله إلى آخره، إيمانٌ أسمَى وأرقَى وأصدقَ من العلم مليون مرة، أما العلم فهو شكّ في أوله وشكٌّ في آخره، العلمُ قاصرٌ ومبنيٌّ على التجربة والخطأ والصواب وحقائقُه غير ثابتة فلا تألهوه يا أولي الألباب ولا تقدسوه ولا تعظّموه ولا تضعوه في مرتبة كلام الله، إنه كلام البشرْ ينفع أحيانًا وفي أكثر الأحيان يضرْ. أنا أرى أنه من الأنسب والأسلم أن ينحصر دورُ أستاذ الدرس (الذي يسبق خطبة الجمعة) في الشؤون الدنيوية ويترك الربطَ مع الدين من عدمه لخطيب الجمعة، كلّ واحدٍ في اختصاصه لا يتجاوزه تجنبًا للوقوع في الخطأ ولو على حسن نية. أضِفْ إلى ذلك أن ربط العلم بالدين أو بالسياسة قد ينسف الفكرة من أساسها ويعطي حجة لمعارضي الفكرة، تِعِلّةٌ نحن في غِنًى عنها. أرجو أن نبدأ بتطبيقِ الفكرة في بعض الجوامع التي سأطلِقُ عليها اسمَ "الجوامع النموذجية" (Les mosquées pilotes)، مع الإشارة أن تسمية بعض معاهدنا بـ"المعاهد النموذجية" (Les lycées pilotes) تسميةٌ لا تستحقها هذه المعاهد لأنها ليست نموذجية إلا في الاسم وهي معاهد تدرِّس نفس البرنامج بنفس أساتذة المعاهد غير النموذجية. أما "الجوامع النموذجية" التي أقترحها فستكون نموذجية بالفعل، ونترك حرية مبادرة الالتحاق للأئمة الآخرين، أعلمك سيدي الوزير أن بعضهم اتصل بي عبر البريد الفيسبوكي الخاص وعبّروا عن ترحيبهم بالفكرة وقالوا أنهم قاموا بنسخ مقالي لأجل تدارس إمكانية تطبيقه بجدية في جوامعهم.
قال: حسنًا، سوف أدعوك لتقديم محاضرة للأئمة.
قلتُ: بكل سرورٍ على شرط أن أحاضر في اختصاصي أي في علوم التربية ولن أتدخل في اختصاص الأئمة، لا بصفة مباشرة ولا بالإيحاء، لأنهم، الأئمة الأجلاّء، أعلَمُ مني باختصاصهم ولو فعلتها لَكان مَثَلي كمَثَلِ جاهلٍ  يُعلم علماءَ: أنا جاهلٌ بعلوم الدين، والأئمة مختصّون في الدين.

خاتمة: قال، قالا، قلتُ، المقالُ لا يتسع لنقلِ كل ما قِيلَ. شكرًا لصديقي المنسّق وللوزير عَلَى حفاوة الاستقبال والصبر على طريقة كشكار في النقاش، وكأنه في ساحة الوَغَى، طبعٌ خَشِنٌ أعتذرُ عليه في كل مناسبة، والسلام ولعل الحلم يتحوّل إلى حقيقة، وما أحلام اليوم إلا حقائق الغد، غبر أن فكرتي تحتاج لمَن يُجسِّدُها، الوزير أحمد عظوم، لكي تصبح موجودة، لكي تصبح قادرة على تغيير الواقع، أي أنها تحتاج لرجلٍ أمينٍ صادقٍ مثلِه وأملي فيه وفي الله كبيرٌ.

إمضاء مواطن العالَم
أنا اليومَ لا أرى خلاصًا للبشريةِ في الأنظمةِ القوميةِ ولا اليساريةِ ولا الليبراليةِ ولا الإسلاميةِ، أراهُ فقط في الاستقامةِ الأخلاقيةِ على المستوى الفردِيِّ وكُنْ كما شِئتَ (La spiritualité à l`échelle individuelle).
"النقدُ هدّامٌ أو لا يكونْ" محمد كشكار
"المثقّفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العموميةِ" فوكو
"وإذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إذنْ إلى فجرٍ آخَرَ" جبران
لا أقصدُ فرضَ رأيِي عليكم بالأمثلةِ والبراهينَ بل أدعوكم بكل تواضعٍ إلى مقاربةٍ أخرى، وعلى كل مقالٍ سيءٍ نردُّ بِمقالٍ جيّدٍ، لا بالعنفِ اللفظيِّ.

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الأربعاء 6 مارس 2019.



mardi 5 mars 2019

مجموعة من الأسئلة المحرجة والمحيّرة، أود من كل مسلم صادق - يعيش في بلد إسلامي - أن يوجهها لنفسه قبل غيره واليوم قبل غد، حتى يتدارك أمره قبل فوات الأوان؟ مواطن العالَم



تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط، في 6 أوت 2013.

قال الله تعالى: " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير." آل عمران - ٢٦

بكل حب ومودة وأخوّة ولطف ودون خلفيات إيديولوجية متعصبة ومتخلفة، أرجو من إخواني، جميع مسلمي العالَم العربي، أن يطرحوا على أنفسهم الأسئلة المحيّرة والمحرجة التالية:
-         على أي أساس أتى الله الملك إلى غير المسلمين ونزعه من العرب المسلمين منذ القرن الرابع هجري أو الثاني عشر ميلادي؟
-         على أي أساس أعز الله غير المسلمين وأذل العرب المسلمين منذ القرن الرابع هجري أو الثاني عشر ميلادي ؟
-         هل على أساس دينهم وعرقهم ولونهم وجنسيتهم أو على أساس علمهم وعملهم واجتهادهم؟
-         لماذا أعز المسلمين على مدى الأربعة قرون الهجرية الأولى وأذلهم على مدى العشرة قرون الهجرية التالية؟
-         لماذا أذل غير المسلمين على مدى الأربعة قرون الهجرية الأولى وأعز غير المسلمين على مدى العشرة قرون الهجرية التالية؟
-         لماذا نصر الصهاينة على الفلسطينيين مع أن الصهاينة يهود "محرفون لدين موسى عليه السلام" والفلسطينيون مصدقون لدين محمد خاتم الأنبياء وسيد المرسلين والنبيين صلى الله عليه وسلم؟
-         لماذا وفّر للغربيين "المحرّفين لرسالة عيسى عليه السلام" (الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وكندا وأستراليا) وللآسيويين "المشركين" (اليابان وكوريا الجنوبية وهونڤ كونڤ وسنغفورة وتايوان-أو الصين الوطنية) فرص التقدم والعلم والوفرة والصحة والنظافة والثقافة والأمن والأمان ومنعها على العرب المسلمين؟
-         لماذا أعز الأمريكان والصهاينة والأوروبيين بجيوش جرّارة وأسلحة فتّاكة وأصاب العرب المسلمين بالاحتلال والذل والحروب الأهلية؟
-         لماذا بقيت الجزيرة العربية، مهد الرسالة المحمدية - وعلى مدى عشرة قرون - أكبر دولة متخلفة في العالم على جميع المستويات وفي كل المجالات: الاقتصادية والصحية والبيئية والعلمية والتعليمية والفكرية والثقافية والفنية والسياحية والاجتماعية والديمقراطية والحرية والحقوقية والجمالية والمساواة بين النساء والرجال والمساواة بين الرجال والرجال وفي كل المجالات الإنسانية عموما؟
-         لماذا نرى جل العرب المسلمين يصلون خمس مرات في اليوم ويصومون شهرا كاملا كل سنة، ونراهم في نفس الوقت يوما يعد يوم في التخلف يغرقون، في العلم يتأخرون، في الجهل يتقدمون، في الحروب مع الأعداء يُهزمون، في الحروب الأهلية يستأسدون ولبلدانهم وبأيديهم بعد الثورة يُخرِّبون؟

خاتمة: حسب وجهة نظري المحدودة علميا، وكغير مختص في العلوم الدينية والسياسية والاجتماعية والأنتربولوجية (L'anthropologie est la branche des sciences qui étudie l'être humain sous tous ses aspects, à la fois physiques, atomiques, morphologiques, physiologiques, évolutifs,     et culturels, socio-religieux, psychologiques, géographiques, etc).
يبدو لي أن الإسلام كدين ليس هو المشكل وليس هو الحل أيضا، فحل التخلف والجهل والفقر، هو العلم والعمل ولا غير العلم والعمل، وهذا الحل يتماهى ويتماشى ويتأقلم ويتكيّف مع كل الأديان والأعراق، والدليل أن ما يقارب 40 في المائة من المسلمين في العالم يعيشون في سلام ووئام كأقليات في دول عَلمانية و ديمقراطية (أوروبا، أمريكا، كندا، أستراليا، الهند، الصين، سنغفورة)، منهم مئات الآلاف يشاركون كعلماء في إنتاج العلم والمعرفة في شتى المجالات وشتى المستويات، ومنهم مئات الملايين كفلاحين وعمال وموظفين وتجار ورجال أعمال يساهمون في الدورة الاقتصادية والثقافية والفكرية من أجل رقي وتقدم بلدانهم غير الإسلامية.
بِصدقٍ، أنا لا أملك جوابًا وليس لي شك في عدله - سبحانه وتعالى - لكن عندي شك أكيد في صِدقِ إيمان العرب المسلمين بعدله.  وأقول: لله في عدله شؤون! لكنني في الوقت نفسه أؤمن بالعمل قبل العبادة، والعمل هو في حد ذاته عبادة ، ومن سوء حظ العرب المسلمين أنهم قدّموا عبادة على عبادة،  وقدسوا عبادة وأهملوا عبادة، لذلك يبدو لي أنهم أجازوا أنفسهم - قبل أن يجيزهم الله - أعدل جزاء: ربما لأنهم علموا ولم يعملوا، أم أنهم لربهم مراؤون ولعباده منافقون، أم أنهم على أعدائهم وأعداء الإنسانية رحماء وعلى بعضهم أشدّاء.

الإمضاء:
"لا أحد مُجبر على التماهي مع مجتمعه. لكن إذا ما قرّر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذن أن يتكلم بلسانه (المجتمع)، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه" عبد الله العروي
"المثقف لا يجيد فعل شيء على الإطلاق، اللهم، إلا الإنتاج الرمزي، وإنتاج الأفكار والكلمات. غبر أن هذه الأفكار تحتاج لما يجسدها لكي تصبح موجودة، لكي تصبح قادرة على تغيير الواقع، أي أنها تحتاج لحركات اجتماعية" جان زيغلر
"يخون المثقف وظيفته، إذا كانت هذه الأخيرة تتقوّم بالرغبة في التأثير على النفوس" ريجيس دوبريه
"ما أسهل أن نرتدي عباءة أجدادنا  وما أصعب أن تكون لنا رؤوسهم" مطاع الصفدي
مواطن العالَم: يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه ويثقوا في خطابه أما أنا - اقتداءً بالمنهج العلمي - أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات وأنتظر منهم النقد رغم أن الشكر يفرحني كأي بشر، لذلك لا يضيرني إن قرأني واحد أو ألف لكن يبقى الكاتب منعزلا إذا لم يكن له قارئ ناقد.
لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة والبراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى وعلى كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف المادي أو اللفظي أو الرمزي.

lundi 4 mars 2019

متى تَخْرَسِي يا طواحينَ الريحْ، أريدُ أن أكتُبَ؟! مواطن العالَم



منذُ اليومَ قرّرتُ أن أرُدَّ على الإساءةِ بأسوأِ منها وعلى التحيةِ، من طبعي أردُّ عليها دومًا بأحسن منها، ومثلما أعامَلُ سأعامِلُ! طِوالَ حياتي عشتُ في مجتمعي وبين ناسِي كالخروفِ، سبّقتُ الخيرَ في الجميعِ وخِلتُ الكلَّ خرفانًا مثلي. لَسَعنِي بعضُهم فلقّحني، ومَن فاجأني مرة ولسعني فتبًّا له وإن كرّرها دون عقابٍ فتبًّا لي وألف تبَّ. واليومَ والحمدُ لله، الذي لا يُحمَدُ على مكروهٍ سواه، تحوّلتُ إلى ثُعبانْ، واكتشفتُ أن لي سُمًّا، مَخالبَ وأسنانْ:
-         لو نقلتُ نصًّا أعجبني عن فيلسوفٍ أو عالِمٍ، فلا تسألوني عن فحوى ما نقلتُ. أخذتُ هذا الموقفَ، ليس من بابِ التكبُّرِ الذي قد يتبادرُ إلى أذهانِ بعضِ القرّاءِ غيرِ الحصيفينَ، بل هو التواضُعُ العلميُّ بشحمِه ولحمِه. أشرحُ: أنا مستهلِكٌ مثلكم للمعرفةِ وناقلٌ أمينٌ لها (لا أغفلُ دومًا عن ذِكرِ المصدر وبالكامل)، أي لستُ أكثرَ منكم علمًا في غير اختصاصي 
(Didactique de la biologie en français)،
فلو غامرتُ وأجبتُكم على تساؤلاتِكم فقد أجرُّكم إلى الخطأِ دون قصدٍ بل عن جهلٍ. يكونُ إذن من الأفضلِ لي ولكم أن تقرؤوا نفسَ الكتابِ الذي قرأتُه أنا: تأخذونَ العِلمَ من مصادرِهِ، تدحضونَ الفكرةَ، تُكذّبونَها، تُشوّهونَها، تنقدوا كاتبَها، تثلبوه، تشتموه، تُشهّروا به، أنتم أحرارٌ، أنا لستُ وليَّ أمره، لكن على شرط أن تنشروا نُقودَكم على صفحاتِكم لا على صفحتي، أرجوكم وأتوسّلُ إليكم وإن لَزِمَ الأمرُ أبوسُ نِعالَكم!
-         كل مَن تجرّأ على شخصي في الفيسبوك ولو مرةً واحدةً بكلمةٍ واحدةٍ، حذفتُه من قائمةِ أصدقائي وأنا وحدي الذي أقيِّمُ الإساءةَ وليس المسيءُ.
-         كل مَن أخطأ في حقي ولم يعتذرْ وبوضوحٍ، قاطعتُه حتى يعتذرَ.
-         كل مَن قلتُ له صباح الخير من الجيران، سمعني ولم يرُدْ، فلن يسمعها مني ثانيةً.
-         كل مَن جالسني وبادرني مرّةً بما أكرهُ، أسمعتُه على الفورِ ما تيسّرَ أو أكثرَ، فكلنا في الأصل أنانيّونَ، والشتمُ جنونٌ من شِيمِ الجبناءِ، وليس بطولةً، والبادئُ بالعدوانِ أظلَمُ.
-         لو لم يسبقْني ابني دومًا بالتحيةِ، ما سبقتُه وحُبُّه في قلبي أبكَمُ.
-         غاندِيٌّ مسالِمٌ مع المسالمينً حتى الدماغْ (Centre des actes réfléchis) ونِيتشَويٌّ مع المناوئينَ حتى النخاعْ 
(Centre des actes irréfléchis).
-         بقيَ لي واحدٌ أحدْ، لن أقاطعَه وإلى الأبدْ، لأنه لم يسيءْ إليّ يومًا وما أساءَ لأحدْ؟

خاتمة: قرارٌ أخذتُه ولا رِجعةَ فيه، ولم أستشرْ فيه أحدًا، ولم أظلِمْ فيه أحدًا: ما أفعلُه ليس فسادَ أخلاقٍ، بل هو رُخصةٌ من الواحدْ الأحدْ: "لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ " (قرآن).

ملاحظةٌ غير وديّةٍ موجهةٌ إلى الجهلةِ المتطفّلينَ على صفحتي: ما أعرضُه أعلاه ليس وجهةَ نظرٍ مطروحةً للنقاشِ، بل هو مناجاةٌ ذاتيةٌ داخل "أومْفالْتْ" (Umwelt) مواطن العالَم اليساري الصّوفي (La spiritualité à l`échelle individuelle).نعم أنا يساريٌّ صوفِيٌّ، لستُ متديّنًا كالمتدينينَ ولا يساريًّا كاليساريينَ، أحَبَّ مَن أحَبَّ وكَرِهَ مَن كَرِهَ؟ ولا يعنيني إن قرأني واحدٌ أو ألف، ولا أطمحُ لإقناعِ أحدٍ أو الفوزِ برضاءِ أحدٍ.
أيها المتطفّلونَ على صفحتي، يساريونَ وإسلاميونَ، لقد خرجتُ ونهائيًّا من عالَمَيْكِما معًا، فاغرُبوا عن صفحتي واخرجوا من عالَمي غير مأسوفٍ عليكم، أريدُ أن أتفرّغَ كليًّا للكتابةِ، أكتبُ لنفسي وعلى صفحتي وما جنيتُ على أحدٍ!
مِحرابي هو مقهى الشيحي في الفجريّاتْ، أسبّحُ كل صباحٍ بالكلماتْ، وقلمي سيبقى حرًّا بقدرة قادرٍ وإلى المماتْ!

ملاحظةٌ وديّةٌ موجهةٌ إلى أصدقائي الفيسبوكيينَ المحترمينَ، يساريينَ وإسلاميينَ: أرجوكم، افهموني، أنا حرٌّ، أكتبُ ما أشاءُ، كيفما أشاءُ ومتى أشاءُ، ولا رقيبَ عليَّ إلا ضميري وبَسْ، فلا تتدخّلوا بيني وبينَه، جزاكم الله خيرًا والسلام. أنا فرحانٌ بصداقتِكم وفخورٌ بكثرتِكم.

إمضاء مواطن العالَم
أنا اليومَ لا أرى خلاصًا للبشريةِ في الأنظمةِ القوميةِ ولا اليساريةِ ولا الليبراليةِ ولا الإسلاميةِ، أراهُ فقط في الاستقامةِ الأخلاقيةِ على المستوى الفردِيِّ وكُنْ كما شِئتَ (La spiritualité à l`échelle individuelle).
"النقدُ هدّامٌ أو لا يكونْ" محمد كشكار
"المثقّفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العموميةِ" فوكو
"وإذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إذنْ إلى فجرٍ آخَرَ" جبران
لا أقصدُ فرضَ رأيِي عليكم بالأمثلةِ والبراهينَ بل أدعوكم بكل تواضعٍ إلى مقاربةٍ أخرى، وعلى كل مقالٍ سيءٍ نردُّ بِمقالٍ جيّدٍ، لا بالعنفِ اللفظيِّ.

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الاثنين 4 مارس 2019.


dimanche 3 mars 2019

أفضل ما سمعت من آيات التسامح في القَصَصِ الديني المشترك بين المسيحية والإسلام! مواطن العالَم



كان من عادة سيدنا إبراهيم الخليل أن لا يأكل حتى يمر عابر سبيل يشاركه طعامه. قدم عابر سبيل، أكل وشرب ثم طلب من إبراهيم أن يوقد له نارا ففعل. قام الضيف يصلي للنار فنهره النبي و طرده قائلا: أتُعْبَدُ النارُ في بيت الخليل؟ كلّمه الله مربيا: يا إبراهيم كم عمر هذا الضيف؟ قال: ستون سنة. قال: تحملته أنا ستون سنة و أنت لم تستطع أن تتحمله ليلة واحدة ! ما أروع هذه الحكمة الإلهية لو أخذ بها وطبقها دعاة الدين الجدد.

تاريخ أول نشر على مدونتي و صفحتي الفيسبوكية: حمام الشط، السبت 14 ماي 2011.