mercredi 3 octobre 2018

ماذا سأفعل لو فرضنا جدلاً أنني أصبحتٌ وزيرًا للتربية التونسية!جزء 3 (عشرة أبوابٍ). مواطن العالَم محمد كشكار، دكتور في تعلّميّة البيولوجيا، دراسة مشتركة وإشراف مشترك بين جامعة تونس وجامعة كلود برنار، ليون 1، فرنسا، 2007



تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 14 جوان 2010.

ملاحظة هامة: استجابةً لطلبات بعض القرّاء، قسّمتُ المقال الأصلي الطويل إلى ثلاثة أجزاء تُنشَر تِباعًا.

6. باب إلغاء العقوبات المسلطة على التلاميذ:
قرار1.6: على الوزارة إلغاء عقوبة الطرد النهائي للتلميذ كما ألغِيت عقوبة الإعدام للمجرمين للتشابه الواضح بينهما. لا نستطيع تدارك الخطأ لو وقعنا فيه بعد تسليط العقوبتين. الأولى إعدام فكري والثانية إعدام جسدي. تمتاز الثانية على الأولى بحضور محام محنّك. نعوّض عقوبة الطرد النهائي بنُقلة عقاب إلى معهد بعيد عن مقر السكن، يقترحها مجلس التربية بالمعهد.
قرار2.6: إذا قدّر وحصل وبدأ المدرس بالاعتداء اللفظي أو المادي على تلميذ وردَّ التلميذ بالمِثل أو أكثر، فعلى الأستاذ عدم تتبّع التلميذ إداريا ولا مدنيا، وعلى المدرس تقديم اعتذارٍ للولي وللإدارة لأن البادئ أظلم. كرامة الأستاذ عالية في السماء وهي أرفع من أن ينالها تلميذٌ متهورٌ مهما فعل. قد يخطئ الحَدَثُ أو المراهق والشيء من مأتاه لا يُستغرب لكن على المدرس-القدوة التعقل والتروّي قبل اتخاذ أي إجراء تأديبي ضد أي سلوك غير حضاري يصدر عن التلميذ.

7. باب التكوين المهني:
قرار 1.7: على الوزارة إرجاع  العمل بنظام التكوين المهني وتحسينه وتمكين المنتسبين إليه من اجتياز الباكلوريا ومواصلة تعليمهم العالي إن توفرت فيهم شروط التفوّق. توجيه 80 في المائة من الناجحين في النوفيام (امتحان نهاية المرحلة الثانية من التعليم الأساسي أو المرحلة الإعدادية) إلى التعليم المهني. توجِّه دولة ألمانيا, وما أدراك ما دولة ألمانيا, 70 في المائة من تلامذتها إلى التعليم المهني عند نهاية مرحلة الأساسي التي تدوم عندهم 10 سنوات. إذا كانت ألمانيا المصنّعة تحتاج إلى 70 في المائة من أبنائها في المهني فنحن أحوج منها إلى نسبة أكبر من أبنائنا المهنيين لبناء دولة فتية مصنعة.

8. باب معضلة دفتر المناداة:
قرار1.8: على الوزارة إلغاء العمل بدفتر المناداة الذي تسبب في رفت عدد من التلامذة وتعويضه بجهاز رقمي دون سلك توفره الإدارة لكل أستاذ مثل الجهاز الذي يستعمله النادل في مقاهي الحمامات (في حياتي لم أجلس فيها وإنما سمعت عنها) ويسجل عليه طلبات الزبائن فتظهر فوريا على شاشة جهاز آخر عند العامل على الكونتوار. يرجع النادل إلى الداخل فيجد طلبات الزبائن حاضرة دون صياح ولا ضجيج. يستطيع المدير أن يعرف ويسجل فوريا كل الغيابات وتمر شبكة المعلومات عبر كل الأساتذة وقد تصل المعلومة فوريا إلى الأولياء المربوطين بالأنترنات وبهذه الطريقة يراقب الولي ابنه يوميا والوقاية خير من العلاج. قد يظهر لبعض الزملاء أن هذا المطلب مثالي وغالي الثمن, لقد قال لي أحد زملائي، مدرس تقنية، أن تلامذة النهائي تقنية قادرون على تصنيع هذا الجهاز البسيط تكنولوجيًّا وقال لي مدير صديق أن الوزارة تحضّر لتطبيق هذا النظام الرقمي قريبًا (نحن في 2018 والمقال نُشِر في 2010. أيُّ قريبٍ هذا؟).
قرار2.8: على الوزارة تخصيص قاعة لكل اختصاص, مثلا قاعة التاريخ والجغرافيا, قاعة الفرنسية, قاعة العربية جنب المخابر العلمية. يصبح للقاعة بطاقة تعريف وهيبة واحترام. يأخذ كل أستاذ مفتاحا يفتح به القاعة ويغلقها عند الخروج فنحافظ على القاعات من الإهمال وعلى التجهيزات من الإتلاف.
قرار3.8: على المتفقد أن يُعْلِمَ مسبقا المدرّس المقصود بتوقيت زيارته. من حق المدرس المعني أن يعيّن مرافقا إجبارييا للمتفقد. يكون هذا المرافق زميلا من رتبة المدرس الخبير في نفس الاختصاص ومن أي مؤسسة. لا يسند المتفقد أي عدد تقييمي اعتباطي بل يوجه وبكل لطف المدرس المعنِي إلى تكوين أكاديمي في معرفة يفتقدها. هذا التكوين يُوفِّره مركز تكوين جهوي على أيدي مكونين مختصين في الميدان (أساتذة جامعيين أو مدرس خبير أو خبير في ميدان خارج عن التعليم مثل المهندسين والأطباء) وليس على أيدي مدرسين عاديين مكلَّفين بالتكوين وهم غير متكونين في موضوع التكوين. على الوزارة إرساء تفقد علمي وموضوعي وليس فجائيا وبوليسيا. على متفقدينا تقييمنا تقييمًا موضوعيًّا مثل ما يطالبوننا هُمُ بتقييم التلميذ موضوعيا مع العلم أنه، لا المتفقد ولا المدرس الحالي دَرَسَا علم التقييم في الجامعة والاثنان في الجهل سواء ومن يقيّم دون علم كمن يزن دون ميزان.

9. باب علوم الحاسوب:
قرار 1.9: على الوزارة تعميم الإعلامية أو التكنولوجيات الحديثة ( استعمال الحاسوب والسبورة الرقمية التفاعلية) على كل مراحل التعليم والتركيز على الابتدائي قبل الإعدادي والثانوي لما تمثله هذه التجهيزات من تحفيز للصغار. تعميم التدريس بواسطة التكنولوجيات الحديثة على كل المواد العلمية والإنسانية.
قرار 2.9: على الوزارة تخصيص معاهد مهنية في كل ولاية تهتم بتدريس تلامذة مسلك علوم الإعلامية فقط.

10. باب المساواة بين المدرّسة والمدرّس:
قرار1.10: على الوزارة احترام مبدأ تكافؤ الفرص بين المرأة والرجل ومبدأ التمييز الإيجابي لصالح المرأة في المؤسسات التربوية وانتداب 50 في المائة من كل جنس في كل المستويات وصولا للوزير فمرة وزيرة للتربية التونسية ومرة وزير.

11. باب اقتسام المسؤولية:
قرار1.11: لو ساءت ظروف العمل في مؤسسة تربوية ما, فعلى الجميع, مدرسين وعملة وتلامذة وأولياء وإدارة, تَحمُّلِ المسؤولية وحلّ الإشكال فيما بينهم دون انتظار أو اتكال على الوزارة.

12. باب الحزم المفيد للتلميذ:
قرار1.12: على الوزارة معاملة مع التلاميذ بحزم لأن التسامح المبالغ فيه وغياب السلطة يمثل نوعا من سوء المعاملة للطفل. لكن الحزمَ لا يعني تشديد العقوبات بل يعني الانضباط والوقاية قبل ارتكاب التلميذ لسلوك غير حضاري (Le manque d`autorité chez les enfants est une forme de maltraitance. Le grand philosophe français Michel Serres a dit : L`autorité, c`est la valorisation et l`augmentation).

13. باب مفتوح:
على الوزارة تعيين يوم ثانٍ في كل ثلاثية لاستقبال الأولياء، لا للسؤال عن نتائج أبنائهم وإنما للاطلاع على ما يدرس أبناؤهم ونسميه "يوم مدرسي مفتوح على المجتمع". يخرج المدرسون من قاعاتهم المغلقة إلى الساحة في الصيف أو إلى الممر المحمي في الشتاء, يعرض مدرسو العلوم بعض التجارب العلمية على جمهور الأولياء ويفسر مدرسو العلوم الإنسانية بعض النظريات الفلسفية ويقرأ مدرسو العربية بعض القصائد الشعرية. سوق عُكاظْ علمية ثقافية تقرِّب الولي من المعرفة التي يتعلمها ابنه وقد سبق لي وأن شاهدتُ هذه التجربة بأم عيني في معهد في نانسي بفرنسا عام 2000.

14. باب الخيال العلمي التونسي:
قرار1.14: على الوزارة توفير سيارة صغيرة وحافلة متوسطة لكل مؤسسة تربوية. تُستعمل السيارة الصغيرة لقضاء احتياجات المؤسسة العاجلة والطارئة، أما الحافلة فتُستغل في الرحلات الدراسية والترفيهية. يبرمج  كل مدرس طلباته: مدرس  علوم الحياة والأرض يروم هو وتلامذته زيارة حديقة "إشكل" ببنزرت لمشاهدة الطيور المهاجرة عن قرب, مدرس التاريخ يرغب في زيارة "قصر الجم", مدرس الفيزياء يريد زيارة مدينة العلوم.
قرار2.14: قبل 15 سبتمبر تاريخ الرجوع إلى الدراسة, يتصل التلامذة رقميا بمؤسساتهم فيتعرفون مسبقا على مدرسيهم, كل من سيرته الذاتية المنشورة على الـنت. يختار التلميذ قسمه ومدرّسه في كل اختصاص ويدوّن ميولاته التربوية في موقع المؤسسة. يتصل المدرّس أيضا ويعرف تلامذته ويختار أقسامه. ينسّق المجلس البيداغوجي بين رغبات التلامذة ورغبات مدرّسيهم ويحاول التوفيق بينها ويلبّي رغبات الشريكين في العملية التربوية قدر المستطاع.
قرار3.14: على الوزارة توفير اثنين أو ثلاثة مدرّسين من نفس الاختصاص في القاعة الواحدة وفي نفس الحصة حتى يختار التلميذ مع مَن يريد أن يتعامل أثناء الحصة وبهذه الطريقة نقضي على بطالة أصحاب الشهائد ونستفيد من طاقاتنا البشرية التي صرفنا عليها الكثير.
قرار4.14: للتلميذ الحق في مغادرة الحصة والقاعة متى شاء وله حرية اختيار الالتحاق بقاعة أخرى مع مدرس آخر في مادة أخرى. لا تستغربوا من هذا القرار فهو ليس طوباويا كما قد يتراءى لكم لأول وهلة فقد كان الكاتب المصري العظيم طه حسين يفعل هكذا في جامع الأزهر في أوائل القرن العشرين. كانت تُقام في الجامع حلقات متباعدة ومتعددة الاختصاصات من نحوٍ وشعرٍ وفقهٍ، حلقات يسيّرها شيوخ علم. كان طه حسين يستمع إلى شيخ اللغة فعندما يسأم التعقيد اللغوي يأخذ محفظته بصمت وأدب ويغادر الحلقة متجها إلى حلقة الشعر حيث الخيال والغزل العذري ثم يعود بعد الترفيه ليواصل الإنصات مع التركيز لمدرس الأدب. لا يمس هذا التصرف الحر من كرامة المدرس ولا يخِل باللياقة والأدب وإلا لَمَا فعلها عميد الأدب العربي. على العكس من ذلك قد يحفّز هذا التصرف التلميذ على اكتساب المعرفة التي يرغب فيها ويميل إليها ويوجه نفسه بنفسه نحو المسلك التعليمي المطلوب (أدبي أو علمي أو اقتصادي) كما تدعو وزارتنا اليوم إلى ذلك في التوجيه المدرسي لتلامذة السنة الأولى ثانوي (أربع سنوات قبل الباكلوريا).
قرار5.14: على الوزارة أن تنشر, بطاقة مواظبة التلميذ وأعداده وملاحظات مدرسيه, فوريا على شبكة رقمية داخلية سرية لا يطلع عليها إلا المعنيون بالأمر من أولياء ومدرسين وإدارة. كل ولي يطلع فقط على نتائج ابنه بواسطة كلمة سر فيستفيد من هذه المعلومات الرقمية التقييمية ويستغلها في تربية ابنه أو ابنته.
قرار6.14: على الوزارة تجهيز كل قاعة درس بحواسيب وسبورات رقمية تفاعلية. إذا رغب المدرس, يمكن ربط قاعة الدرس  بـالنت بواسطة كاميرا حتى يتابع التلميذ المريض الغائب درسه من سريره في منزله أو في المستشفى.  يستطيع أن يستغل هذه التقنية التلميذ الذي لم يفهم الدرس في القسم فيعيده في البيت مرة أو مرتين حسب قدراته الذهنية وهنا تتجسم البيداغوجيا الفارقية بفضل التكنولوجيات الحديثة.

15. باب الاستشراف المستقبلي المحلي والعالمي:
قرار 1.15: على الوزارة استشراف مستقبل التعليم في تونس والتحضير للمرحلة القادمة 2100 حيث سينقرض نظام التعليم في صيغته الحالية وتتطور المؤسسة التربوية الحالية ويختفي التلميذ الكلاسيكي والمدرس الكلاسيكي المباشر ليتركا مكانيهما لتلامذة حقيقيين يتعلمون عبر الأنترنات ومدرسين من لحم ودم يبرمجون ويقدّمون دروسهم عبر الأنترنات. يُحكى أن في ماليزيا, البلد الإسلامي الوحيد المتقدم نسبيا, توجد جامعة افتراضية تضم 40 ألف طالب، طلبة لا يأتون إلى الجامعة إلا لماما لمتابعة دروس تطبيقية أو لإجراء الامتحانات في آخر السنة الدراسية. لا تستخفون بالتعليم الافتراضي فسائق الطائرة يتدرب افتراضيا قبل أن يطير فعليا ومن حسن حظنا أن الطبيب الجراح يجرّح افتراضيا قبل أن يجرّح المريض فعليا.

باب إضافي حول تعليم الأخلاق الدينية والمدنية (3 أكتوبر 2018):
الأخلاقُ سلوكاتٌ تُمارسُ في الفضاءاتِ العموميةِ المفتوحةِ، وتعليمنا للأسف يُصنّفها معارفَ ويدرّسها داخل فضاءاتٍ خاصةٍ مغلقةٍ (قاعات الدرس والجوامع). كيف تُدرّس الأخلاق في معاهد كندا؟ يُطالب التلميذ بـ40 ساعة عمل تطوّعي خارج المعهد خلال ثلاث سنوات ودونها لن يحصل على شهادة الباكلوريا مهما كان معدله. علينا ابتكار طرقنا الملائمة لديننا وبيئتنا وتقاليدنا.

خلاصة القول: يُعتبر التعليم التونسي من أسوأ الأنظمة التعليمية لو قارنّاه بأنظمة التعليم في الدول الغربية المتقدمة. يُعتبر التعليم الفرنسي، وهو قدوتنا، من أسوأ الأنظمة التعليمية في أوروبا أما التعليم الفنلندي والألماني والصيني فيُعتبرون من أفضلها. يبدو لي أن المقارنة بالأحسن أفضل وأجدى وأرفع من المقارنة بالأسوأ.

ملاحظة1: أعتذر مسبقا لزملائي مدرِّسي العربية والفرنسية والإعلامية عن أي سوء فهم قد يكون صدر مني في المقال نحو اختصاصهم.
ملاحظة2: لا تلوموني إن لم أرتب جيدا قراراتي فعذري الوحيد أنني لم أباشر بعدُ عملي الجديد ولن أباشره إلى يوم يُبعثون.
ملاحظة3: رد لطيف على هجوم عنيف من بعض القراء في تعليقاتهم حول هذا المقال الذي نُشر سابقا في مواقع أخرى: طبعا مقالاتي مجرد كلام وأحلام في هذا الزمن الردئ لكن ممكن تتحقق في زمن أفضل. أنا لم أقل ولم أدّع أنني قادر على تنفيذ ما ورد في مقالي من قرارات وزارية افتراضية أو أريد تنفيذها بمفردي بل هي مجرد وجهة نظر، هي فكرة ذاتية لا تلزم أحدًا وللمرة الألف أؤكد أنها نظرية وقائلها أستاذٌ بسيطٌ نكرةٌ. التطبيق يا قرائي الأعزاء يلزمه سلطة مادية ومعنوية واستشارة المجموعة المعنية. موافقة هذه الأطراف المتشابكة، مع الأسف الشديد، ليست الآن في جيبي. أنا حر أكتب ما أشاء وفي أي موضوع أشاء والفضل يرجع للـ"فايسبوك هذه المساحة الحرة التي متّعتنا بها التكنولوجيا الحديثة. أحلم بما أريد وكيف ما أريد ولا رقابة لأحدٍ على ما أفكر فيه وأظن أنني لم أجبر أحدا على قراءة ما أكتب. أنا مجرد مدرس من بين  120 ألف مدرس، أنا لست وزيرا، إنما قلت مَجازًا ومن باب الخيال والحلم والاستشراف وعلم المستقبل، قلت "لو" واجعلوا ألف سطر تحت كلمة لو، لو أصبحت وزيرا وأنا واثق أنني لن أصبح وزيرا إلى يوم يبعثون. أنا لست داعية فكري ولا سياسي، ولست معلما ولا واعظا، لكن لا أقبل رقيبا على أفكاري مهما بدت لبعض القراء أفكارًا طوباوية، اتركوها وشأنها إن لم تعجبكم أو ردّوا بمقال أحسن وأعطونا وجهة نظر معاكسة لوجهة نظري التي لا تروق لبعضكم وهذا من حقكم، لكن ليس من حقكم التحقير والاستخفاف بما يكتبه غيركم، وكأنكم أنتم الوحيدون على صواب وكل الآخرين على خطأ.

استنتاجي العام 
(Ma conclusion générale):
احترموا التلميذَ، ارفعوا معنوياته، نبّهوه لأخطائه، حمّلوه مسؤولياته ولا تعاقبوه. وَقِّروا المدرّسَ، بَجِّلوه، عظِّموا من شأنه وجِلّوا رسالته. وفي الأخير وفّروا للاثنين ظروفًا ملائمةً للعمل وسترون العجبَ، سوف ينبثق من سلوكاتِكم الإيجابيةِ المذكورةِ أعلاه مجتمعٌ إيجابيٌّ، والله المستعان.

إمضائي
و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران



mardi 2 octobre 2018

ماذا سأفعل افتراضيا لو أصبحتٌ وزيرًا للتربية التونسية! جزء 2 (بابان أساسيان و6 أبوابٍ فرعيةٍ). مواطن العالَم محمد كشكار، دكتور في تعلّميّة البيولوجيا، دراسة مشتركة وإشراف مشترك بين جامعة تونس وجامعة كلود برنار، ليون 1، فرنسا، 2007



تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 14 جوان 2010.

ملاحظة هامة: استجابةً لطلبات بعض القرّاء، قسّمتُ المقال الأصلي الطويل إلى ثلاثة أجزاء تُنشَر تِباعًا.

4. أبواب القانون الأساسي الخاص بالمدرسين:
1.4. باب الانتداب
قرار1.1.4: على الوزارة عدم التمييز، بين معلم ابتدائي وأستاذ إعدادي وأستاذ ثانوي، في الحقوق والواجبات والتكوين العلمي وشروط الانتداب والمرتب وعدد ساعات العمل (18 لكل المراحل) وتُطلق على الثلاثة صفة واسم مدرّس وكفى (Éducateur).
قرار2.1.4: يتخرج المدرس من مدرسة المهن التربوية كما خَطط لذلك مشروع الوزارة الذي لم يُطبَّق. يدرُس فيها الطالب البيداغوجيا والتعلمية وعلم نفس الطفل والابستيمولوجيا وعلم التقييم وإدراك عملية الإدراك لمدة عامين على أيدي أساتذة دكاترة جامعيين مختصين وليس على أيدي متفقدين متطفلين أو أساتذة ثانوي ملحقين أو أساتذة جامعيين غير مختصين. يدخل إلى هذه المدرسة العليا الحائزون على الماجستير, كل في اختصاصه.

2.4.  باب التحفيز:
قرار1.2.4: يرتقي المدرس من درجة إلى درجة مرتين في حياته. مرة أولى, من مدرس إلى مدرس أول بعد 15 سنة أقدمية ويُضاف له شهريا نصف المرتب ومرة ثانية, من مدرس أول إلى رتبة مدرس خبير بعد خمس سنوات أقدمية في الرتبة الثانية ويُضاف له النصف الثاني من المرتب فيصبح المدرس الخبير يتقاضى ضعف مرتب المدرس المبتدئ. إذا انطلقنا من مبدأ أن كل المدرسين المنتدَبين حاصلين على شهادة الماجستير في اختصاصاتهم, يرتقي فوريا, دون قضاء مدة 15 سنة في التعليم, إلى مدرس أول كل من تحصل على الماجستير في علوم التربية أو التبريز في اختصاصه ولا يرتقي فوريا إلى مدرس خبير إلا من تحصل على الدكتورا في علوم التربية فقط لأنها الدكتورا الوحيدة التي ترجع بالفائدة المباشرة على تلامذة التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي ( بماذا يستفيد التلاميذ لو تحصل مدرّسهم على دكتورا في علم الوراثة مثلا، ممكن يتحسن أداؤه العلمي قليلا لا أكثر ولا أقل).
قرار2.2.4:  على الوزارة تمكين الأساتذة المجتهدين والمنضبطين في العمل من حوافز مادية يقرّرها سنويًّا المجلس البيداغوجي في المعهد. يرجع المدرس المُشِعّ والمنضبط والمجتهد إلى عمله في سبتمبر وهو ينتظر زيادة في المرتب لا تقل عن 1 من 20 من مرتبه الجاري وقتها.

1.4.       باب المرتبات والإلغاءات:
قرار1.3.4: على الوزارة مضاعفة المرتبات الحالية (2018) لكل من يعمل بوزارة التربية بما فيهم الوزير نفسه ويُمنَعُ عليهم الإضراب منعًا باتًّا. لكم أن تسألوا من أين سآتي بالميزانية الإضافية؟ آتي بها من الإلغاء المتدرج للمصالح الطفيلية التالية مع ضمان حقوق من يعمل فيها:
-         على الوزارة إلغاء كل الإدارات الجهوية وجيشها العرمرم من الإداريين. ذهبتُ مرة في رمضان إلى الإدارة الجهوية ببنعروس للسؤال عن غياب منحة الإنتاج الهزيلة. قصدتُ الموظفَ المعروفَ. وجدتُ بابَه مُوصَدًا. سألتُ ثلاثةً من زملائه, قالوا ذهبَ إلى الوزارة في مأمورية. قابلتُ في الممرّ رئيس المصلحة المالية وكان يعرفني فسألني: ما حاجتك يا كشكار؟ حكيتُ له ما وقع. رجعَ إلى مكتبه وأخذَ مفتاحَ مكتبِ الموظفِ المغلقِ وفتحَه. وجدنا الموظف المعني نائمًا مختبئًا وراء كوم من الملفات. خرجنا الاثنان دون تعليق. ما هو تعداد سكان تونس, ألا يُساوون سكان مدينة من مدن الصين أو الهند, فلماذا تُهدر أموال المواطنين المساهمين في إقامة هذه اللامركزية المزيّفة؟ ولماذا لا نستغل إنجازات التكنولوجيا الحديثة التي نتغنى بها طول الوقت ونُقِيم أنترنات داخلية  (Intranet) تربط بين كل مؤسسات وزارة التربية فيستطيع الوزير وبنقرة واحدة على فأرة حاسوبِه أن يعرف عدد التلاميذ المتغيّبين في الحصة الأولى في معهد بنڤردان.
-         على الوزارة إلغاء عديد المصالح البيروقراطية المتواجدة في عُقْرِ دارِها هي. تحتوي وزارة التربية في السويد على موظفين اثنين فقط, الوزير وكاتبه, و تبلغ مساحتها 300 متر مربع فقط. ذهبتْ مرة وزيرة التربية الفرنسية في زيارة ودية لوزيرة التربية السويدية. دخلت قاعة الانتظار المتواضعة في الوزارة المعنية, جلستْ, قدّمتْ لها امرأة عادية اللباس القهوة ورحّبتْ بها فسألتها الوزيرة الفرنسية: عندي موعد مع الوزيرة السويدية وقد حان الوقت. أجابتها المرأة العادية قائلة: أنا الوزيرة فأهلا وسهلا بك في السويد. لا تتمتع الوزيرة في السويد بسيارة مجانية ولا بسكن مجاني ولا بطباخين مثل ما هو الحال في فرنسا. عندما تريد الوزيرة زيارة مؤسسة تربوية, تضع البلدية المعنية سيارة وسائقًا على ذمتها. السويد, بلد العدل, والله لو رجع عمر بن الخطاب, رضي الله عنه, حيا وسألوه: يا فاروق, أي بلد حقق شعارك "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا". لأجاب فورا ودون تردد: السويد، السويد، السويد.

أطالب بالزيادة في المرتبات، لا لطمعٍ أو جشعٍ في نفسي، فهي قنوعة والحمد لله، وحتى إن لم تكن كذلك فـ36 عام من الفقر والغبن والتهميش من قِبل المجتمع (مَثَلٌ دارج تونسي: "أعْطِ بنتك لِمعلّمْ حتى تَلقالْها راجل") كافية لتعلمني القناعة رغم أنفي، بل أصبحتْ القناعة تسري في عروقي وتزاحم فيّ الكريات الحمراء وخوفي أن تجلبَ لي جلطة وأموت شهيد القناعة التربوية. أطالب بالزيادة حتى يصبح معلم أولادكم محترمًا وقدوةً فينتفع بشخصيته المتوازنة تلاميذه ويحاولون تقليده ويصبُون للوصول إلى ما وصل إليه ولا يتشبهون بالمحترفين والمنحرفين من بعض لاعبي كرة القدم أو بعض الفنانين السوقَة سارقي أموالنا وعرقنا بالباطل ومفسدي شبيبتنا. أطالب بالزيادة حتى نحمي المدرّس (ألم يكد أن يكون رسولا) من الانحراف وبيع العلم في "الڤاراجات"  (garages) وزيادة الأعداد بالرشوة  وتضخيم المعدلات السنوية لتلامذة الباكلوريا حتي يتمتعوا بحق الاسعاف في الباكلوريا. أطالب بالزيادة وبتنظيرنا بالقضاة، ألا يعطونهم مرتبا محترما حماية لهم من الطمعِ، نحن أوْلى لأننا نمارس أشرف مهنة في التاريخ وفي الوجود لأنها هي التي صنعت القاضي والطبيب والمحامي والخبير وغيرهم من الإطارات العليا في المجتمع وبقيت مهنتنا في أدنى درجات السلم الوظيفي في الوظيفة العمومية. يتقاضى موظف البنك سبعة عشر شهرية في العام ونحن نتقاضى منحة إنتاج لا تكفي عَلَفًا للدجاج. أطالب بالزيادة لأننا بُناة الدولة وأساسها وعِمادها ومن مصلحتها أن تُقوّينا حتى لا ينهار بُنيانُها.

4.4. باب المديرين: يُمنَعُ عليهم الإضراب منعًا باتًّا بل يُجرّمُ إضرابُهم لأنهم مسئولون على البشرِ والحجرِ.
قرار.4.4. 1: يدير المعهد أو الإعدادية مديران اثنان عوضًا عن واحدٍ، وتُلغَى خِطة ناظر، مدير متصرِّف (Un directeur-gestionnaire) ومدير تربوي (Un directeur-éducateur). يُعيّن لخطة مدير متصرِّف أحدُ خِرِّيجِي مدرسة المهن التربوية الحائزين مسبقًا على الماجستير في الاقتصاد والتصرف أو ماجستير في الادارة، ويُعيّن لخطة مدير تربوي مَن يكون حائزا على الماجستير في البيداغوجيا أو الديداكتيك، والاثنان يتخرّجان من مدرسة المهن التربوية. يسيّر المدير المتصرِّف المؤسسة ويسهر على توفير التجهيزات التعلّمية واللوجستية. يترأس المدير التربوي المجلس البيداغوجي المنتخب من قِبل المدرسين والأولياء والتلاميذ. يُسطِّر المجلس البيداغوجي سياسة المؤسسة بدايةً من جدول الأوقات إلى مجالس التربية. لا يتمتع المديران بأي سلطة مستقلة عن المجلس البيداغوجي. تُنفَّذ قرارات المجلس البيداغوجي حرفيا في المؤسسة حتى ولو اختلفت مع أوامر الوزارة لأسباب محلية طارئة.

5.4. باب التخفيض في ساعات العمل:
قرار5.4. 1: نظرا لأن مهنة التعليم تُعتبر مهنة شاقة مثل ما هو الحال في الابتدائي فعلى الوزارة تخفيض 3 ساعات عمل لكل مدرس بلغ 45 عاما وتخفيض 3 ساعات أخرى لكل من بلغ الخمسين. يحال الأستاذ على التقاعد عند سن 55 مهما كانت أقدميّته في التعليم.
قرار5.4. 2: على الوزارة تحديد الحصة الدراسية الواحدة بـ45 دقيقة تليها راحة بـ15 دقيقة مثلما يقع عندنا في شهر التقوى والإيمان, شهر رمضان العظيم، وفي أمريكا العظيمة أيضا.

6.4. باب الإصلاحات في المرحلة الابتدائية من التعليم الأساسي:
قرار.6.4. 1: على الوزارة تعيين مدرس مختص في كل مجال علمي أو أدبي في الابتدائي (مثلا: مدرس لغة عربية أو مدرس لغة فرنسية أو مدرس علوم أو مدرس فنون أو مدرس رياضة) ويُعمَّق تكوينه في هذا المجال فقط مع تكوينه أيضا في علوم التربية.

 5. باب تغيير هندسة بناء المؤسسات التربوية:
قرار1.5: على الوزارة بناء سور عالٍ حول كل المؤسسات التربوية وتعيين حارس دائم في الباب يحميها من الدخلاء مثلما هو موجود الآن بمعهد الصادقية بتونس العاصمة الذي خِلته, عند مروري أمامه لأول مرة, مجلسا للنواب لنظافته وزخرفة معماره. على الوزارة إخراج الساحة من وسط المؤسسة إلى جانبها. يخرج التلميذ من قاعة الدرس فيلتحق بالساحة الخارجية حيث توجد دار الثقافة ودار المسرح وقاعة الرياضة الحرة والمكتبة الكلاسيكية والرقمية وقاعة المراجعة حيث يتولى القيمون, الذين تحولوا بعد التكوين إلى منشطين ثقافيين, تسيير النوادي القارة والمستمرة والمفتوحة على الدوام  تحت إشراف وزارة الرياضة ووزارة الثقافة.
قرار2.5: على الوزارة بناء قاعة رياضة مجهّزة في كل مؤسسة تربوية فلا يُعقل أن أمارس أنا في الستينات كل أنواع الرياضة داخل قاعة مغطاة في ڤابس (1967) ويلعب أولادي في ملاعب معشّبة بالحشائش الطفيلية والأشواك البرية (معهد برج السدرية في 2010) أو لا يلعبون تماما بحجة "ملعب يستحيل فيه اللعب" (Terrain impraticable).

إمضائي
و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران





lundi 1 octobre 2018

ماذا سأفعل لو فرضنا جدلاً أنني أصبحتٌ وزيرًا للتربية التونسية! جزء 1 (ثلاثةُ أبوابٍ). مواطن العالَم محمد كشكار، دكتور في تعلّميّة البيولوجيا، دراسة مشتركة وإشراف مشترك بين جامعة تونس وجامعة كلود برنار، ليون 1، فرنسا، 2007


ماذا سأفعل لو فرضنا جدلاً أنني أصبحتٌ وزيرًا للتربية التونسية! جزء 1 (ثلاثةُ أبوابٍ). مواطن العالَم محمد كشكار، دكتور في تعلّميّة البيولوجيا، دراسة مشتركة وإشراف مشترك بين جامعة تونس وجامعة كلود برنار، ليون 1، فرنسا، 2007

ما هي الأبواب المطروقة في كامل المقال؟ 15 باب أساسي و6 أبواب فرعية: 1. باب الميزانية، 2. باب البيداغوجيا، 3. باب النجاح والامتحانات، 4. أبواب القانون الأساسي الخاص بالمدرسين (4. 1. باب الانتداب، 4. 2. باب التحفيز، 4. 3. باب المرتبات والإلغاءات، 4. 4. باب المديرين، 4. 5. باب التخفيض في ساعات العمل، 4. 6. باب الإصلاحات في المرحلة الابتدائية من التعليم الأساسي، 5. باب تغيير هندسة بناء المؤسسات التربوية، 6. باب إلغاء العقوبات المسلطة على التلاميذ، 7. باب التكوين المهني، 8. باب معضلة دفتر المناداة، 9. باب علوم الحاسوب، 10. باب المساواة بين المدرّسة والمدرّس، 11. باب اقتسام المسؤولية، 12. باب الحزم المفيد للتلميذ، 13. باب مفتوح، 14. باب الخيال العلمي التونسي، 15. باب الاستشراف المستقبلي المحلي والعالمي.


ملاحظة هامة: استجابةً لطلبات بعض القرّاء، قسّمتُ المقالَ الأصليَّ الطويلَ إلى ثلاثةِ أجزاءٍ تُنشَر تِباعًا.


نص المقال:
بعد ما قرأ شقيقي الأكبر صالح كشكار (تُوفِّي يوم الثلاثاء 19 جوان سنة 2018) مقالي السابق المنشور بالـ"فايسبوك" بعنوان "حكايتي مع الوزير", طلب مني أن أكتبَ مقالاً أحكي فيه ماذا سأفعل افتراضيا (أؤكد افتراضيا ونظريّا) لو عُينتُ، لا سمح الله، وزيرًا. حفاظا على مصداقيتي الفكرية النقدية وتمسّكا بحيادي الفكري حِيالَ أطروحات المعارضة التونسية، أطمْئِن قرّائي الأعزّاء أنني لن أرشّح نفسي لأي منصب سياسي، ولن أكون وزيرًا وذلك للسبب البسيط الآتي: أنا أدّعي أنني ناقدٌ مفكرٌ حرٌّ ومستقلٌّ وأتمنى أن أكون في مستوى هذه المهمة العظيمة والقائمة بذاتها وأرى أن كل مثقف ينخرط في السلطة، قد يفقد استقلاليته الفكرية ويفقد في الوقت نفسه القدرة على نقد منظومة أصبح يسكن داخلها وأنا لا أريد أن أفقد استقلاليتي الفكرية. لنفترض جدلاً أنني سُمِّيتُ اليوم وزيرًا، فاسمعوا وعوا يا معشر المعلمين والأساتذة وإذا وعيتم فاحلموا وتخيلوا عسى أن يتحقق حلمنا يومًا, هم يرَوه بعيدا ونحن نراه قريبا. شعارنا في المرحلة الانتقالية: "بالموجود والمجهود قد نقترب من المنشود".

استوحيتُ الرد الاستباقي التالي على قرائي من تعليقات قرائي قبل النشر وهؤلاء الأخيرين يمثلون بالونة الأكسجين التي أطلِقُها للتجربة قبل النشر قصد تَلَمُّسِ رد الفعل على ما أكتب: قد يبدو للبعض أن أفكاري طوباوية ومثالية، وحتى لو كانت كذلك فما الضرر في ذلك فالثورات الكبرى بدأت أحلامًا طوباوية وحلم اليوم هو حقيقة الغد. أؤكد لكم أن كل أفكاري مستقاة من الواقع الحالي في العالَم أو من واقع تونس الستينات (كانت جل المعاهد في الستينات مجهزة بقاعة رياضة مغطاة متعددة الاختصاصات ومنذ تلك الفترة لم تُبْنَ ولو قاعة واحدة في أي معهد مُحدَث بعد تلك الفترة إلا ما ندر). لقد تصورتُ البدائل المستقبلية  المطروحة في هذا المقال انطلاقا من دراستي الأكاديمية للديداكتيك بتونس وفرنسا. لم تصدر مني في هذا المقال فكرة واحدة لا تستند إلى نظرية علمية وكما يقول العلماء "كل تطبيق جيد تسبقه بالضرورة نظرية جيدة".

إليكم أيها الزملاء الكرام قراراتي القابلة للنقاش والباحثة عن التفنيد قبل التنفيذ في تونس 2050 ولا أدعي وليست مهمتي ولا في استطاعتي تقديم مشروع تربوي بديل شامل ومتكامل, إنما هي صرخة استغاثة أخلاقية ضد واقع مؤلم تلظى بناره الأستاذ محمد كشكار لمدة 36 عامًا. فهل يُعاتَبُ من صمت دهرًا وصرخ ساعة في الفايسبوك؟

1.    باب الميزانية: يبدو لي أن الهرم التعليمي في تونس هرم مقلوب لأن الدولة تُخصّصُ حصة الأسد من الميزانية للتعليم الثانوي ثم الإعدادي ثم الابتدائي ولو عكست لأصابت وصححت الخطأ ووضعت الهرم على قاعدته الأساسية المتمثلة في التعليم الابتدائي (انظر مقالي السابق في هذا الموضوع بالذات).
2.    باب البيداغوجيا:
قرار1.2: على الوزارة تطبيق الشعار الذي رفعته في مشروع مدرسة الغد منذ عام 2000 والمتمثل في اعتماد مقاربة المدرسة البنائية لبياجي وفيڤوتسكي (Le socio-constructivisme، يَبني التلميذ معرفته بنفسه بالاحتكاك بالمحيط  وبمساعدة المدرس والأقران) نموذجًا بيداغوجيًّا- تعلميًّا ومنهجًا في التعلم مع احتفاظ المدرس بحرية اختيار النموذج المناسب للوضعية المناسبة من بين كل النماذج التربوية الأخرى مثل التلقين والتقليد والدرس-المحاضرة والتخلي عن التدريس في القسم وترك التلميذ يتعلم بنفسه دون مساعدة ظاهرة من المدرّس.
قرار2.2: على الوزارة التخلص التدريجي من النموذج السائد في المؤسسات التعليمية وهو  نموذج المدرسة السلوكية لواتسون وسكينر 
(Le béhaviorisme،
 يُلقَّنُ التلميذ المعرفة من قِبل المدرس ولا يشارك في بنائها فيصبح "كالحمار يحمل أسفارا"، مع احترامي الشديد للتلامذة، هذا وصفٌ و ليس شتمًا والمهم أخذُ العبرة من التشابه بينهما في حمل المعلومات وعدم الاستفادة منها، وليس مقارنةً بين محتوَيْ مخيّْهِما). يكتسب التلميذ الحالي معلومات  لا يستفيد  منها ولا يوظفها في المكان المناسب والوضعية المناسبة.
قرار3.2: على الوزارة تطبيق بيداغوجيا المشروع منذ الابتدائي (مشروع علمي بسيط أو معقد يختاره التلميذ وينفذه داخل مجموعة من التلامذة تحت إشراف مدرسيهم) حتى ندرب التلميذ على البحث العلمي والعمل الجماعي والمبادرة الشخصية والاعتماد على النفس والاستقلال المتدرج عن المدرس منذ الصغر.
قرار4.2: على الوزارة التقليل من تدريس النظري المجرد في الثانوي وتعويضه بتدريس التطبيقات العملية في الفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة والأرض.
قرار5.2: إدراج تدريس الممارسات الاجتماعية المرجعية أو التقليدية (Les pratiques sociales de référence) في البرنامج الرسمي والحد من سيطرة المعرفة العالمة  (Le savoir savant) التي تخص فقط العلوم الصحيحة والتجريبية مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة والأرض وما ينتج عن تطبيقاتهم من تكنولوجيا. توجد المعرفة العالِمة في الجامعات والمؤتمرات العلمية والمجلات العلمية المختصة. توجد الممارسات الاجتماعية التقليدية متغلغلة في المجتمع لكنها مهمَّشةٌ ومتجاهَلةٌ مِن قِبلِ رجال العلم القابعين في أبراجهم العاجية والمتكبّرين على هذا النوع الأساسي من المعرفة الشعبية النفعية المباشرة. يقولون أن هذه المعرفة الاجتماعية التقليدية لا ترتقي إلى مرتبة المعرفة العالِمة ولا إلى  نُبلِها. نرى اليوم أن بعض الممارسات الاجتماعية مثل الرياضة بدأت تقتحم باحتشام عالم المعرفة العالِمة المغلق وبدأنا نسمع ببحوث معمقة ودكاترة في الرياضة. لماذا لا ندرس نظريا وتطبيقيا كيفية إعداد بعض الأطباق الشهية التونسية كالكسكسي والبَرْكوكِشْ؟ لماذا لا يتعلم تلامذتنا إناثا وذكورا الخياطة والنجارة والحدادة والبناء و"البريكولاج" في التعليم العام مثل ما يفعل تلامذة فنلندا وليس في المهني فقط؟ لماذا لا يتعلم تلامذتنا إناثا وذكورًا السياقة وقانون الطرقات داخل المعهد؟ لماذا نفصل بين المدرسة وما يقع في المجتمع؟ لماذا لا تكون مدرستنا مرآة للمجتمع تعكس تجربته وعِلمه ومعرفته وتقاليده أيضا؟
قرار6.2: على الوزارة برمجة مواضيع تعليمية تهم التلامذة التونسيين في القرن الحادي والعشرين بعد سبر آرائهم مِثل تعليم السياقة وقانون الطرقات والموسيقى والمسرح والموضة والوقاية من أمراض الشباب (لماذا يحتكر هذه المعرفة الأطباء والإطار شبه الطبي فقط) والتربية العاطفية والنفسية والجنسية والتدريب على فنون البستنة والطبخ وتربية الصغار وتعدد الحرف أو حب الترقيع الحِرفي (bricolage البريكولاج) كما كان معمولا به في فرنسا في مادة العلوم التطبيقية. يُنتدَبُ لهذا النوع من التعليم العام مدرِّبون من القرية أو المدينة القريبة حسب كفاءاتهم وليس حسب شهاداتهم, يُشرف عليهم مدرس خبير. قد يمنع عمل الأم والأب خارج المنزل توريث صغارهم مهاراتهم المكتسبة مثل ما كان الحال قديما، ابن النجار يصبح نجارًا وابن الحداد حدادًا.
قرار7.2: تقوم الوزارة مشكورة كل عام بإحصاءات لتقييم نتائج الامتحانات ونتائج التوجيه وهي إحصاءات دقيقة وموثوق بها ومتعِبة ومكلفة حسب ما قال لي بعض أصدقائي المديرين في الوزارة. لماذا لا تَدرُس الوزارة وتَفحَصُ نتائجَ الإحصاءات وتوظفها لإصلاح التعليم؟ أنا أدرّس علوم الحياة والأرض للسنة الأولى ثانوي (4 سنوات قبل الباكلوريا) منذ 15 سنة على الأقل ولم ألاحظ أي إصلاح واضح على هذا المستوى.
قرار8.2: على الوزارة تعريب تدريس العلوم في الابتدائي والإعدادي والثانوي والجامعة أو فرنستها تماما ولا نتركها على حالها معرَّبة في الأساسي فقط (9 سنوات: ابتدائي وإعدادي) ومُفرنَسة في الثانوي والجامعة. يصل التلميذ إلى الثانوي حاملا مصطلحات علمية معرّبة فيجد صعوبةً كبيرةً في فهم المصطلحات الفرنسية التي يتعرض لها في الثانوي. أنا أميل لفَرْنَسَة تدريس العلوم في كل مراحل التعليم من الروضة إلى الجامعة، وذلك لا لضعف حسي العربي وإنما لأن التعريب دون مراجع علمية بالعربية ودون أساتذة متكونين بالعربية ودون مجلات علمية مختصة تنشر إنتاجًا علميًّا عربيًّا خالصًا، هذا النوع المخضرم من التعريب الحالي على الطريقة التونسية، يُعدُّ تجهيلاً وليس تعريبًا، يُعدُّ تفقيرًا لثقافة الأستاذ والتلميذ. كان الأوربيون يدرُسون العلوم عربية الإنتاج في الأندلس بالعربية ولم يروا غضاضة ولا رأوه نقصًا في ثقافتهم حتى نهضوا وأنتجوا عِلمَهم ودوّنوه بلغتهم.
قرار 9.2: على الوزارة برمجة الانتقال التدريجي من تدريس العلوم بالفرنسية إلى تدريسها باللغة الأنڤليزية لما لهذه الأخيرة من ثِقَلٍ علمي اقتصادي ثقافي في العالم. يبدو لي أن عالم الثقافة بالأنڤليزية أرحب ألف مرة من عالم الفركوفونية الذي سجنتنا فيه الهيمنةُ الفرنسية لمدة قرن ونصف من الزمن.

3.    باب النجاح و الامتحانات:
قرار1.3: على الوزارة الأمر بعدم تجاوز 20 تلميذا في كل قسم وفي كل مستويات مراحل التعليم مع العلم أن في سنغافورة, بلد التعليم المتقدم جدا, يصل الفصل الواحد إلى 30 تلميذٍ. لا يكفي أن نغير عاملا واحدا حتى تتحسن المنظومة التربوية كاملة لأن العوامل السببية متداخلة ومتشعبة ومعقدة.
قرار2.3: في المرحلة الانتقالية، على الوزارة إرجاع العمل بـ"الامتحانات-الغرابيل" الثلاثة السيزيام (امتحان نهاية المرحلة الأولى من التعليم الأساسي أو المرحلة الابتدائية) والنوفيام (امتحان نهاية المرحلة الثانية من التعليم الأساسي أو المرحلة الإعدادية) والباكلوريا دون إسعاف بالنجاح لمن لم يتحصل على معدل 10 من 20 في انتظار إلغاء  جميع الامتحانات الوطنية عندما يشتدّ عُودُ الإصلاح التربوي.
قرار3.3: لا يرتقي تلميذ من مستوى أدنى إلى مستوى أعلى إلا إذا كان حاصلا على معدل سنوي 10 على 20 دون إسعاف بالنجاح لمن تحصلوا على 9 من 20. يكفينا إسعافًا, لقد امتلأت مؤسساتنا بالموظفين غير الأكفاء الناجحين بالإسعاف وقريبا نصبح شعبا مُسْعَفًا تضحك من جهله الأمم.
قرار4.3: على الوزارة إلغاء الأسبوع المغلق وترك الحرية للمدرس يبرمج امتحاناته بالاتفاق المسبق مع الزملاء والإدارة.
قرار5.3: على الوزارة السماح للتلميذ بالاستعانة بالوثائق والمستندات خلال امتحانات توظيف المعلومات, مثلا: ما ضرّ لو استعان تلميذ بوثيقة تحتوي على قصائد شعرية في امتحان الإنشاء أو مُستَنَدٍ يذكّره بالقواعد والنظريات في امتحان الرياضيات أو الفيزياء. أما تنشيط الذاكرة وتقييم الحفظ في كل المواد فيكون شفويا وفي السبورة باعتماد مقياس علمي متعدد المهارات وأمام لجنة مكوَّنة من مدرسين اثنين على الأقل لضمان العدل والإنصاف.

إمضائي
و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 14 جوان 2010.