dimanche 17 septembre 2017

ليس بالدين وحده تحيا وتتقدم الشعوب. مواطن العالَم

(L`Universel dépasse de loin le Culturel, mais ne le nie pas)

أنا لا أعرف شعبًا واحدًا من شعوب العالم المتقدم تطور بفضل الدين وحده، إسلامًا كان أو مسيحيةً أو يهوديةً أو بوذيةً أو غيره.
لكنني في المقابل أعرف أن كل الشعوب التي نهضت هي شعوبٌ اعتمدت على العِلم وعلى مُولِّدَتِه الفلسفة العقلانية أم العلومِ جميعًا.
العلوم وتكنولوجياتها المتفرعة عنها والعَلمانية (Le sécularisme) والعِلمِية (L`esprit scientifique) والفلسفة العقلانية (الفلسفة الدينية ليست فلسفةً عقلانيةً وذلك لسبب موضوعي ألا وهو كونها تشتغل على المعارف اللاهوتية أي الميتافيزيقية، حيث يسود اليقين وينتفي الشك، وحيث تُمجَّد الطاعة ويُستنكَر النقد، عكس ما هو سائد في المجال العلمي) والديمقراطية (النموذج السياسي الأقل سوءًا المطروح اليوم على الساحة من بين نماذجَ أخرى كالشيوعية والإسلام السياسي والدولة اليهودية).
يبدو لي أن أملَنا الوحيدَ، نحن المسلمون، مرهونٌ بالنهلِ مِن مَعِينَين اثنَين: مَعِينٌ أولٌ واقعيٌّ يتمثل في الاستفادة من المكتسبات  التي تجسمت فعلاً في الدول الاشتراكية الديمقراطية كالبلدان الأسكندنافية، ومَعِينٌ ثانٍ محتمَلٌ لكنه واعدٌ وهو الإسلام الديمقراطي على شاكلة المسيحية الديمقراطية الحاكمة اليوم في ألمانيا ميركل.
لو توكلنا على الله واعتمدنا على الإنسان، وصَدَقنا أنفسنا، ولم نكذب على الغير، فقد نحقق مصالحةً بين النقلِ والعقلِ، مصالحةٌ تاريخيةٌ ثانيةٌ ممكنةٌ وغيرُ مستوردةٍ والدليلُ القاطِعُ أنها وقعت ظرفيًّا في عهد المأمون والمعتزلة، ولا زلنا بِإنجازاتِها العلمية والفكرية كلنا نفتخر، مسلمون عَلمانيون ومسلمون إسلاميون، والله ولي التوفيق.

إمضائي
"فلتكن لديك الشجاعة والجرأة للمعرفة.. و.. اجرؤ على استخدام فهمك الخاص" كانط
"الفلسفةُ هي الحوارُ" فيلسوف حمام الشط حبيب بن حميدة
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"نَحْنُ نسأل مَن نكون في هذا الحاضر؟ لا لنكتشف مَن نَحْنُ فقط بل لنرفض مَن نَحْنُ، أي أن نتخيل كيفية وجود مُغايِرة، تأكيدًا لحق الاختلاف، حق الآخر...". فوكو (عمر بوجليدة، 2013)
"لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة والبراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى وعلى كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف الرمزي أو اللفظي أو المادي" (مواطن العالَم)
"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" (جبران)

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الأحد 17 سبتمبر 2017.
Haut du formulaire



samedi 16 septembre 2017

الدينُ يَصنعُ المجتمعَ والمجتمعُ يَصنعُ دِينَه. مواطن العالَم

 العنوانُ هو قولةٌ شهيرةٌ استقيتُها من كتاب "الهويات القاتلة" للكاتب أمين معلوف، فرنسي الجنسية، لبناني الأصل، حاصل على جائزة "ڤنكور" للآداب وعضو الأكاديمية الفرنسية.
... ونحن قديمًا صنعنا من فجرِ الإسلام (النصُّ ثابتٌ والتأويلُ متحركٌ) إسلامًا عقلانيًّا في عصرِ "المأمون" - رضي الله عنه - وبعده قليلاً، عصرُ الجدلِ المُثمِرِ بين النقلِ والعقلِ. صنعنا حضارةً، كان دينُها الإسلام وعقلُها الفلسفة الإغريقية ولغتُها العربية (لغةٌ تخطت حدود العِرق العربي لتصبح في ذلك العصر كالأنڤليزية اليوم).

واليوم ماذا صنعنا بإسلامنا الأول والثاني؟
قِلة مِنّا - والحمد لله الذي لا يُحمدُ على مكروهٍ سواه - صنعت منهما دينًا إقصائيًّا عنيفًا إرهابيًّا متطرفًا لا يمت للأول ولا للثاني بأي صلةٍ على مستوى القِيمِ السَّمْحَةِ المحفوظةِ في القرآن الكريم ولا علاقة له بِفكر المعتزلة المتنور، ولكنه "إسلامٌ" شئنا أم أبَينا. إنه للأسفِ الشديدِ دينُ "داعش" وأخواتها الشقيقات وغير الشقيقات.

أما الأكثرية مِنّا فقد صنعت "إسلامًا" خالٍ من الفلسفة الإغريقية، عقلانيةٌ طلقها المسلمون مذ أحرقوا كتب ابن رشد في نهاية القرن 12م ولم يرُدونها بعدُ، ولم يحتفظوا من الدين إلا بِطقوسٍ مُفرَغةٍ من القِيم مثل صلاتهم وصيامهم، وأصبحوا اليوم يتباهون بما ليس فيهم (مبادئ الإسلام الأول والثاني): 
Des rites cultuels sans valeurs 
-         تقول للمسلمِ المتزمتِ: جل الدول الإسلامية دولٌ متخلفة تسود فيها الرشوة والفساد وانعدام الضمير المهني والكذب والجشع؟
-         يجيبك: الصلاة تنهى عن الفحشاءِ والمنكرِ.
-         لو نجحت صلاتُنا في نهيِنا عن الفحشاءِ والمنكرِ، لَكُنا خيرَ أمة أخرِجت للناس كالأمة الأسكندنافية اليوم (قال شيخ الإسلام ابن تيمية والله أعلَم: "إن الله لَينصر الدولة الكافرة العادلة ولا ينصر الظالمة وإن كانت مسلمة"). 
-         أضيفُ: المسلمون لا يعترفون بالآخر كذاتٍ مستقلةٍ لها حق وحرية التعبير عن كيانها المختلف بوسائلها الخاصة؟
-         قال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
-         وهل طبقتَ أنتَ وغيرك نصيحتَه أم طبقها مواطنون أسكندنافيون عَلمانيون عِلميون "كافرون" صالحون متنورون لا علاقة لهم البتة بِدينِ محمدٍ؟

يبدو لي أن جل مسلمي اليوم، وخاصة العرب منهم، أصبحوا يُنكرون مساوئ ظاهرةً في واقعهم المعيش (Négationnistes)، لا بل يُسقِطون على واقعهم البائس محاسن إسلامٍ لا وجود له إلا في القرآن وفي كتب السيرة النبوية والتاريخ الوسيط.
جَدُّنا محمد صَنَعَ إسلامًا أوليًّا وحّد به العرب قاطبة، وجَدُّنا المأمون صَنَعَ إسلامًا ثانيًا أسس لنهضةٍ علميةٍ وفكريةٍ. ومَن جاؤوا بعدهما ماذا صَنَعوا؟
صَنَعوا بِجهلهم إسلامًا ثالثًا أسس لعصرِ الانحطاط، عصرٌ دام ثمانية قرون، إسلامٌ ورثناه نحن عنهم ولا زال إلى اليوم يسود العالَم الإسلامي وخاصة الدول العربية الـ22.


خاتمة: كيفما كنتم يكون إسلامكم، واللهُ غيرُ مسؤولٍ عن أفعالكم، لا بل سيحاسبكم على كسلكم وتهاونكم ولا "قانون مصالحة" في انتظاركم!

إمضائي
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" (جبران)

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، السبت 16 سبتمبر 2017.
Haut du formulaire



jeudi 14 septembre 2017

رأيٌ محدودٌ في قانون المصالحة المُمَرَّرِ أخيرًا بصفة ديمقراطيّة داخل مجلس النواب (حاتم بن سالم وزير التربية الجديد نموذجًا). مواطن العالَم

يبدو لي أن هذا القانون طُبِّقَ فعليًّا قبل موافقة مجلس النواب والدليل تعيين حاتم بن سالم، وزيرًا جديدًا للتربية. 

كيف؟

في عهد نفس هذا الوزير السابق (2008-2011) وقع تجاوزان مهمان للقانون:
-
 التجاوز الأول، تجاوزٌ ثابتٌ لا يحتاج إلى برهان: "تحية العَلم اليومية في ساحة المؤسسة وداخل كل قاعة درس" (للمقارنة: درّستُ في الجزائر 8 سنوات، كنا نرفع العلم ونحييه في الساحة فقط، مرة واحدة في الأسبوع، صبيحة يوم الاثنين، ولا ننزله إلا آخر الأسبوع. يبدو أن وزيرَنا كان مصابًا بأوفردوز الوطنية أو أوفردوز في حاجة أخرى، والعِلمُ عند الله و"إن بعضَ الظنِّ إثمٌ"). يُحكَى أن تكلُفةَ هذا الإجراء المحترم تجاوزت ملايين الدنانير، تكلُفةٌ باهظةٌ خُصِمت من ميزانية وزارة التربية الضعيفة أصلاً على حساب توفير بعض الحاجيات البيداغوجية الضرورية كالسبورات البيضاء وأقلامها والخرائط ومستلزمات التجارب العلمية الكيميائية والفيزيائية والبيولوجية، إلخ.
-
 التجاوز الثاني، تجاوزٌ غير ثابتٍ عندي كأستاذٍ فردٍ ويحتاج إلى تحقيقٍ: يُقالُ - والعُهدةُ على الراوي - أن في عهده تمت صفقةٌ كبيرةٌ ومشبوهةٌ مع الصين، جُهِّزت على إثرها كامل مخابر الفيزياء بالجمهورية بأجهزة مضروبة. يُحكَى أيضًا أن تكلُفةَ هذه الصفقة تجاوزت ملايين الدنانير بما فيها رشاوي لصالح المشرفين على الصفقة.

كعادتي، وقبل نشرِ أي رأيٍ أو إشاعةٍ سياسيةٍ، طرحتُ المضمونَ على مِحَكِّ جُلَسائي في المقهى فعارضني ثلاثة منهم، لكنهم أقرّوا التجاوزَ الأول وأصرّوا على انتفاء مسؤولية الوزير على التجاوزِ الثاني دون أن ينفوا حدوث الصفقة المشبوهة نفسها.
قال الأول: إن المسؤولَ عن الصفقات هي الوزارة الأولى وليس وزير التربية.
قال الثاني: الصفقة تمت مُراكَنةً بأمرٍ رئاسي وما على الوزيرِ إلا قبولُ الأمرِ الواقعِ.
رددتُ عليهما وقلتُ: لنفرض أن كلامكما صحيح فهل يُخلِي هذا من تَحمُّلِ المسؤولية السياسية والأخلاقية.
قالوا: لا، لكن حاتم بن سالم وزيرٌ أنظفُ من النظافة ونحن نعرفه أكثر منك (العَجُزْ صحيح).
قلتُ: حسب رأيي المتواضع فِعْلاً، أنا أرى أن كلَّ مَن عمِل مع بن علي وتحمّل مسؤوليةً سياسيةً (وزير، سفير، مدير عام أو "شهر"، رئيس مركز، إلخ) هو مُتهمٌ بـ"الأيادي القذرة" حتى يُحاسَبُ قضائيًّا وتَثبُتَ براءته، وهذا الشيء لم يحدث على حد علمي مع حاتم بن سالم وزيرنا "الموقَّر".

إمضائي
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" (جبران)

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الجمعة 15 سبتمبر 2017.


هل يعود البدءُ بفصلِ المجانين في المارستان إلى عوامل طبية أو اقتصادية؟ فوكو. نقل مواطن العالَم

(L`Universel dépasse de loin le Culturel, mais ne le nie pas)

"ليس من شك في أن ما أنجِز من استصلاح لموقع المجنون في القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر لم يكن حدثًا معرفيًّا، أكثر دقة بهذه الظاهرة شديدة الغرابة، ولم يكن الأطباء هم مَن بدأ بالاهتمام بالجنون: إنما يعود البدء بفصل المجانين في المارستان إلى عوامل اقتصادية.
ويوضح فوكو ذلك مبينًا علاقته بالحجز، إن ضمان التحكم في السوق واليد وسعر الإنتاج في الوقت ذاته جعل الحجز يُستعمل بشكلٍ ملتبس، بحيث يحقق في الآن نفسه هدفين معًا: استيعاب البطالة، أو على الأقل تغييب آثارها الاجتماعية الأكثر بروزًا ومراقبة الأسعار عندما تنذر بالارتفاع، فـ"للحجز معنى واحد في أوروبا قاطبة، على الأقل في أصوله الأولى، لقد كان يشكل جوابًا، قدمه القرن التاسع عشر عن أزمة اقتصادية عمت العالم الغربي برمته: انخفاض الأجور وتفشي البطالة وندرة السيولة.
ذلك أن إبعاد الجنون يتأكد في مجال المؤسسات بواسطة الاحتجاز، فيما أن الجنون قد أبعِد ونفِي فإنه يجب احتجاز المجنون، إجمالاً يُناط بهذه المؤسسة منع التسول والعطالة من حيث هما مصدر كل تسيب..

(...) قد انقلب كامل النظام القِيمي والأخلاقي في العصر الوسيط، ذلك أن خطيئة "الفراغ" أصبحت أكبر وأعظم ذنبًا. (...) فالجنون ليس مرضًا، فالجنون ذو وظيفة سوسيولوجية ثابتة موجودة في كل المجتمعات. (...) فالحجز لم يكن له هدف طبي بل هدف أخلاقي اجتماعي واقتصادي. (...) إذ الاحتجاز ذو دلالة أخلاقية أكثر منها طبية. "إنه تطهير ناجح".

(...) يستفاد من ذلك أن المحاجر (المارستان) ليست في الأصل مؤسسات طبية إذ يجمع فيها بلا تمييز: الفقراء والمتمردون والمتشردون وكذلك المجانين. ويربط فوكو بوضوح بين إنشاء المستشفى العام "والتعبير المباشر عن السلطة الملكية وهو يعتبر هذه الأخيرة سلطة النظام الملكي البرجوازي الذي ينتظم في فرنسا آنذاك".
(...) ففي حين أن المدينة، حمت نفسها من المتشردين سابقًا، بوضع حراس على مداخلها، فإنها تعد الآن محاجر، داخلها، "(...) إن العاطل لا يُطرَد ولا يُعاقَب، بل يتم الاعتناء به على نفقة الدولة ولكن على حساب حريته الفردية..."

سؤال مواطن العالم، أوجهه مباشرة إلى الأستاذ عمر بوجليدة مؤلف هذا الكتاب المذكور أسفله، وهو - من حسن حظي - يتابع مقالاتي الأخيرة حول كتابه: هل يعود، البدء بفصل المجانين في المارستان في بغداد في أوائل العهد العباسي، أيضًا إلى عوامل اقتصادية وليست طبية؟

المصدر: الحداثة واستبعاد الآخر، عمر بن بوجليدة، الطبعة الأولى، ابن النديم للنشر والتوزيع، وهران، دار الروافد الثقافية - ناشرون، بيروت، 2013، 158 ص (هدية من أعز الناس، أحبه وأقدّره واسمه بلڤاسم عـ...).

دعاءٌ مُكرَّرٌ: بارك الله في الفيلسوف الفرنسي "فوكو" و بارك الله في أستاذ الفلسفة التونسي "عمر بوجليدة"، هذا الأخير شرح لي فلسفة فوكو، ولولا الثاني ما كنتُ لأفهم الأول!

إمضائي
"الفلسفةُ هي الحوارُ" فيلسوف حمام الشط حبيب بن حميدة
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"نَحْنُ نسأل مَن نكون في هذا الحاضر؟ لا لنكتشف مَن نَحْنُ فقط بل لنرفض مَن نَحْنُ، أي أن نتخيل كيفية وجود مُغايِرة، تأكيدًا لحق الاختلاف، حق الآخر...". فوكو (عمر بوجليدة، 2013)
"لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة والبراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى وعلى كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف الرمزي أو اللفظي أو المادي" (مواطن العالَم)
وَ"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك فدعها إلى فجر آخر" (جبران)

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الخميس 13 سبتمبر 2017.
Haut du formulaire





mardi 12 septembre 2017

ملاحظةٌ عابرةٌ

ملاحظةٌ عابرةٌ: حديثانِ مفقودانِ لدى مُثقفِينا في المقاهي: حديثُ الإبستمولوجيا وحديثُ الأنتروبولوجيا. يبدو لي أن دونَهما لن يستقيمَ حديثٌ ولن تقومَ للثقافةِ العربيةِ-الإسلاميةِ قائمةٌ. مواطن العالَم


"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" (جبران)

lundi 11 septembre 2017

العقد البيداغوجي بين الأستاذ والتلميذ: هذا ما كنتُ أقوله لتلامذتي في الحصّة الأولى. مواطن العالَم، أستاذ تعليم ثانوي متقاعد منذ خمس سنوات

أطرح عليكم هذا الاجتهاد الشخصي حول طُرق التدريس وأعرضه عليكم للنقد، لأن النقد يصقل ويطور الفكرة أما الشكر فيخدّر العقل ويقتل الإبداع.

كنتُ أقول لتلامذتي في الحصة الدراسية الأولى في أول السنة ما يلي:
أهلا و سهلا بكم في قسمكم ومعهدكم وأتمني لكم عاما سعيدا، سوف يُتوج بالنجاح إن شاء الله إن عملنا معية لتحقيق ذالك. بعد التحية, أعرّف بنفسي: أنا أستاذ علوم الحياة والأرض, عيّنوني منذ 36 سنة أستاذا لتدريس هذه المادة ومنحوني - بكل مجانية - "ترخيصا للتدريس مدي الحياة دون قيد أو شرط"، وما زلت أمارس هذه المهنة بكل رغبة ولذة التدريس. آليت علي نفسي أن أحسّن مستواي العلمي والبيداغوجي والتعلمي،  لذلك لا زلت حتى الآن أتعلم مثلكم وأتعلم منكم أيضا وأنا علي قاب قوسين أو عامين من التقاعد.
نمرّ الآن إلي المهمّ وهو "العقد البيداغوجي"  الذي يربط بيني وبينكم، وهو عقد ضمني غير مكتوب ومسكوت عنه دون قصد من جل مدرسي الابتدائي والثانوي والعالي.

سأحاول شرح هذا العقد حتى تتبين الحقوق من الواجبات:
v    سنبدأ ببعض الحقوق التي كفلها لكم القانون ولا تتمتعون بها فعليا إما لِتقصيرٍ منكم أو بتعسف من غيركم:
§        أول حق هو حقكم في الاحترام الكامل من قِبل المدرس والإدارة والعَمَلَة، يعني ممنوع اللمس والضرب
 والسب والشتم والإقصاء المجاني وتخفيض العدد والتدخل في الشؤون الخاصة والتشهير بالأخطاء.
§         ثاني حق هو حقكم في فهم الدرس حتى وإن أدّى الأمر إلي تأخير في البرنامج باستثناء برنامج السيزيام والنوفيام والباكلوريا.
§        ثالث حق هو حقكم في نقاش العدد الذي يُسند إليكم ومقارعة الأستاذ الحجة بالحجة لكن بكل أدب ولياقة.

v    ولكم  بعض الواجبات أيضًا:
§        أول واجب هو احترام المدرس وليس تقديسه، لأنك لو لم تحترم المدرس فلن تتركه يقوم بواجبه ولن تستفيد من علمه، ولو قدّسته فلن تستفيد أيضا، لأنك ستصدّق كل ما يقوله وأنت مسلوب الإرادة، والعلم لا يطلب التقديس بل يطالب بالنقد فهو مبني أصلاً علي الخطأ  والصواب.
§        ثاني واجب هو عدم التأخر الزمني في الحضور وعدم تعطيل سير الدروس والانتباه لكل ما يقوله الأستاذ أو التلاميذ المتدخلون في القسم.
§        ثالث واجب هو مراجعة الدروس في المنزل، ليس لأن المدرس كلفك بها فقط، بل لأن المعلومات لا تُفهم ولا تَستقر في الذاكرة إلا بالمراجعة والهضم الشخصي المتأني والقيام بالتمارين، والذكاء غالبًا ما يُكتسب ولا يُورّث.

v    بعد ذكر بعض الحقوق وبعض الواجبات، أعود إلي طريقتي الخاصة في العمل والتعامل مع التلاميذ وهي وليدة تجربة وعلم حيث أقول لهم:
§        لن أستعمل سلاح العقوبات المدرسية التأديبية مهما فعلتم، حتى وإن وصل الأمر إلي التعرض لي في الشارع، رغم إيماني الراسخ بأن انعدام الانضباط في المعهد قد يمثل صورة من صور إهمال تربية التلميذ. اشطبوا إذن بالأحمر كلمة " عقوبة" - علي الأقل معي أنا - لأنني لست مسؤولا عن زملائي ولا عن الإدارة ولا عن الوزارة. وهذا الموقف من العقوبة ليس طِيبة ولا كرما مني، بل هو موقف علمي مبني علي اطلاع واسع علي تجارب تربوية في مجتمعات أخري. وكلامي هذا لا يعني البتة التشجيع علي التسيّب لهذا سأقترح عليكم بعض الإجراءات، إن وافقتم عليها فستقوم مقام القانون الداخلي بيننا: يُقصَي من القسم كل تلميذ  يعطل سير الدرس ولا يستجيب لتحذيرات المدرس المتكررة، وكل مَن يقِل أدبه علي زميله أو علي المدرس. الحكمة من هذا الإجراء هو حماية الأكثرية من أخطاء الأقلية وتجنيب التلاميذ الوضعيات غير الحضارية وغير التربوية، كالمواجهة الكلامية المتشنجة في القسم بين المدرس والتلميذ. بعد خروج التلميذ يهدأ المدرس ويواصل درسه ويهدأ التلميذ خارج القسم. فإذا كان المدرس مخطئا، يدعو التلميذ إلي الرجوع للقسم ويعتذر له أمام الملأ، وإذا كان التلميذ مخطئا يرجع للقسم بعد دقائق ويطلب العفو من المدرس ويواصل التعلّم. يُسند واحد علي عشرين لكل من يُضبط في محاولة أو عملية غش في الامتحان لأنه سيتفوق علي زملائه دون وجه حق وسيأخذ عددا مرتفعا لا يدل على مستواه العلمي الحقيقي، وقد يعلمه الغش، هذا السلوك غير التربوي، الكسل والاعتماد على الحيلة لتحقيق النجاح. ولن أحيله على مجلس التربية لأن لا يُعاقب على جُرم شجعته الظروف المحيطة على ارتكابه بسبب الضغوطات الخارجة عن نطاقه مثل اكتظاظ القسم وطول البرنامج أو عدم ملاءمة هذا الأخير لاهتمامات التلميذ.
§        سأقترح عليكم بعض الأدوات المدرسية وأترك لكم حرية اختيار النوعية الغالية منها أو الرخيصة حسب إمكانياتكم المادية إلا الكتاب المدرسي فهو إجباري وضروري وسنستعمله في القسم وفي المنزل للاستفادة من المعلومات والتمارين. تمنيتُ لو كان الكتاب اختياريا أيضا مثل ما هو موجود في البلدان المتقدمة.
§        ألاحظ دائما مستوي متواضعًا في اللغة الفرنسية لدي تلاميذ السنة أولى الثانوي بسبب التعريب الكامل في التعليم الأساسي [في تونس يدوم التعليم الأساسي تسع سنوات من الأولى أساسي إلى التاسعة أساسي، يعني مرحلة الابتدائي ومرحلة الإعدادي, يدرس التلاميذ خلاله - باللغة العربية - الرياضيات والفيزياء والتقنية وعلوم الحياة والأرض] لذلك ألفتُ انتباهكم إلي أهمية هذه اللغة في تكوين مستقبلكم الدراسي، وليس أدل علي ذالك أنكم في مرحلة الثانوي تدرسون بالفرنسية، الرياضيات والفيزياء والكيمياء والتقنية وعلوم الحياة والأرض والإعلامية، وفي مرحلة الجامعة  تدرسون بالفرنسية أيضا الطب والهندسة والطيران وكل الشعب العلمية دون استثناء. لا تتجاهلون إذن اللغة الفرنسية لأن لا يتجاهلكم العلم الحديث. وأحسن طريقة لتحسين مستواكم هو استعمالها في القسم وخارج القسم. لا تغفلوا أيضا عن تعلم اللغة الأنقليزية فهي اللغة العالمية الأولى في العالَم. أما اللغة العربية فهي هُويتكم ولغتكم الأصلية وأوصيكم بها خيرًا لأن اللغة يفرضها رجالها ونساؤها وتقدمُ بلدانها وازدهارُ اقتصادها.
§        أرى أن "خطأ التلميذ في القسم" أصبح يُعتبر إيجابيا، لا بل أصبح محركًا للقسم. كان وضع الخطأ سلبيا في المنظومة التربوية القديمة وأصبح اليوم ايجابيا في المنظومة التربوية الجديدة. فكلما أخطأ التلميذ أكثر، استفاد هو وزملاؤه أكثر، ونجح الدرس أكثر.
§        أما تقييم الامتحانات فيخضع إلى ضوابط علمية : لديكم ثلاثة فروض كل ثلاثة أشهر, فرض في الأشغال التطبيقية داخل القسم وفرض مراقبة بنصف ساعة يحتوي علي أسئلة مباشرة حول الثلاثة دروس الأخيرة وفرض تأليفي في آخر الثلاثي يتكون من أسئلة تخص الذاكرة والفهم والرسم والملاحظة وخاصة توظيف المعلومات.
§         أرى أن من حق التلميذ المطالبة بمقياس الإصلاح  في بداية الامتحان حتى يستفيد منه أثناء الإجابة وعند الإصلاح .
§        يوجد - كما تلاحظون داخل القاعة - مخبر إعلامية خاص بعلوم الحياة والأرض، وهو الوحيد في المدارس الإعدادية والمعاهد غير النموذجية في الجمهورية التونسية. سنحاول استغلال الحاسوب والاستفادة من  مزاياه المفقودة عند المدرس وفي الكتاب المدرسي التونسي، وهي كثيرة، نذكر منها علي سبيل الذكر  لا الحصر : الحاسوب لا يضرب ولا ينهر. الحاسوب لا يتعب ولا يمل من الإعادة والتكرار. الحاسوب يوفر  أستاذا افتراضيا تحت الطلب في المعهد والشارع والمنزل وفي القطار إن شئتم. يوفر الحاسوب أستاذا افتراضيا يختاره التلميذ من تونس أو من الصين. يملك الأستاذ الافتراضي في الحاسوب من المعلومات ما لا يملكه كل أساتذة العالم مجتمعين. يقدم الأستاذ الافتراضي في الحاسوب صورًا علمية تفوق ألف مرة في الدقة والوضوح والألوان ما يقدمه الكتاب المدرسي التونسي الوحيد والإجباري. يجعل الأستاذ الافتراضي القلبَ ينبض في الحاسوب أمام أعينكم، ويُحيي افتراضيا العظامَ وهي رميمٌ، فتري الديناصورْ يقفز ويطيرْ.


تاريخ أول نشر على النت: معهد برج السدرية في 27 نوفمبر 2008.




  

dimanche 10 septembre 2017

مَن هو الشخص "المجنون" في القرن 17م حسب فوكو. مواطن العالَم

(L`Universel dépasse de loin le Culturel, mais ne le nie pas)

هو  الشخص "المنحرف والغبي والمعوق والمختل عقليًّا والمنحل والولد العاق والأب المبذِّر والمومس والأخرق".. "والغارقين في اللاعقل ويعيشون في غيابات الجنس والفلسفة والأدب وكل أشكال الإبداع (هامشة 42)، كما ضم المرابين والمشعوذين وكل الذين خرجوا عن أخلاق المجتمع أو شككوا في قِيمه (إضافة كشكار: مثل حجز "مجانين" العرب في المورسطان)".

ما الفرق بين "المجنون" والمريض؟
"ذلك أن المريضَ لا يتغير وضعه الأُسري بل يحتفظ بموقعه وحتى بدوره والقيمة التي يمثلها، وخطاب المريض ليس محرَّفًا مثل خطاب المجنون، وهكذا فهناك تقارب لكن هناك افتراق واضح بينهما"..
"ذلك أنه على امتداد زمن طويل كانت العائلة هي التي تُعِين المجنون ضمن أفرادها وليس الطبيب."..
"ذلك أن المجنون ذو وضع متفرد، فهو موضوع لعب، إذ يُلعب به ولا يُفعل ذلك مع المريض. وليس هناك كوميديات تتخذ المريضَ هُزُءًا، المجنون موضوع سخرية وموضوع ضحك والغريب أن المجنون يتخذ الآخرين موضوع لعب. ويتخذ جِد العقل لعبًا. إنه يلعب بِجِد العقلاء ويتخذه هزءًا ويمسك إلى وقت ما بالحقيقة العجيبة للعقل التي يعتقد الآخرون أنهم مالكوها"..
"إذن المجنون لعبة والمجنون في هذه اللعبة مُحرز على الإعجاب، وعلى العموم توجد قرابة عجيبة بين الجنون والاحتفال."..

دعاءٌ مُكرَّرٌ: بارك الله في الفيلسوف الفرنسي "فوكو" و بارك الله في أستاذ الفلسفة التونسي "عمر بوجليدة"، هذا الأخير شرح لي فلسفة فوكو، ولولا الثاني ما كنتُ لأفهم الأول!

هامشة 42: "الأب بيرغوري (وهو من كهنة الكنيسة) في الحجز لأنه كان يُقرِض الناس مالا بفائدة مرتفعة، وفي شارنتون لَقَطَ الماركيز دوصاد (الكاتب الفرنسي Sade) أنفاسه، لقد وضعوه في الحجز لأنه كان يدعو الناس من خلال سلوكه وكتاباته إلى تجاوز كل الحدود والانغماس في لذات الجسد وشهواته دونما اعتبار لأية رقابة دينية كانت أو أخلاقية.. وقضى الشاعر الفرنسي ميرابو (Mirabeau) زمنًا في الحجز أيضًا، بل إنهم وضعوا في الحجز امرأة تجرأت وأعلنت أنها لا تحب زوجها، لقد كانت وقحة، فتجرأت على تحطيم أوثان العائلة..

المصدر: الحداثة واستبعاد الآخر، عمر بن بوجليدة، الطبعة الأولى، ابن النديم للنشر والتوزيع، وهران، دار الروافد الثقافية - ناشرون، بيروت، 2013، 158 ص (هدية من أعز الناس، أحبه وأقدّره واسمه بلڤاسم عـ...).

إمضائي
"الفلسفةُ هي الحوارُ" فيلسوف حمام الشط حبيب بن حميدة
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"نَحْنُ نسأل مَن نكون في هذا الحاضر؟ لا لنكتشف مَن نَحْنُ فقط بل لنرفض مَن نَحْنُ، أي أن نتخيل كيفية وجود مُغايِرة، تأكيدًا لحق الاختلاف، حق الآخر...". فوكو (عمر بوجليدة، 2013)
"لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة والبراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى وعلى كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف الرمزي أو اللفظي أو المادي" (مواطن العالَم)
وَ"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك فدعها إلى فجر آخر" (جبران)

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الاثنين 11 سبتمبر 2017.
Haut du formulaire