jeudi 14 septembre 2017

هل يعود البدءُ بفصلِ المجانين في المارستان إلى عوامل طبية أو اقتصادية؟ فوكو. نقل مواطن العالَم

(L`Universel dépasse de loin le Culturel, mais ne le nie pas)

"ليس من شك في أن ما أنجِز من استصلاح لموقع المجنون في القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر لم يكن حدثًا معرفيًّا، أكثر دقة بهذه الظاهرة شديدة الغرابة، ولم يكن الأطباء هم مَن بدأ بالاهتمام بالجنون: إنما يعود البدء بفصل المجانين في المارستان إلى عوامل اقتصادية.
ويوضح فوكو ذلك مبينًا علاقته بالحجز، إن ضمان التحكم في السوق واليد وسعر الإنتاج في الوقت ذاته جعل الحجز يُستعمل بشكلٍ ملتبس، بحيث يحقق في الآن نفسه هدفين معًا: استيعاب البطالة، أو على الأقل تغييب آثارها الاجتماعية الأكثر بروزًا ومراقبة الأسعار عندما تنذر بالارتفاع، فـ"للحجز معنى واحد في أوروبا قاطبة، على الأقل في أصوله الأولى، لقد كان يشكل جوابًا، قدمه القرن التاسع عشر عن أزمة اقتصادية عمت العالم الغربي برمته: انخفاض الأجور وتفشي البطالة وندرة السيولة.
ذلك أن إبعاد الجنون يتأكد في مجال المؤسسات بواسطة الاحتجاز، فيما أن الجنون قد أبعِد ونفِي فإنه يجب احتجاز المجنون، إجمالاً يُناط بهذه المؤسسة منع التسول والعطالة من حيث هما مصدر كل تسيب..

(...) قد انقلب كامل النظام القِيمي والأخلاقي في العصر الوسيط، ذلك أن خطيئة "الفراغ" أصبحت أكبر وأعظم ذنبًا. (...) فالجنون ليس مرضًا، فالجنون ذو وظيفة سوسيولوجية ثابتة موجودة في كل المجتمعات. (...) فالحجز لم يكن له هدف طبي بل هدف أخلاقي اجتماعي واقتصادي. (...) إذ الاحتجاز ذو دلالة أخلاقية أكثر منها طبية. "إنه تطهير ناجح".

(...) يستفاد من ذلك أن المحاجر (المارستان) ليست في الأصل مؤسسات طبية إذ يجمع فيها بلا تمييز: الفقراء والمتمردون والمتشردون وكذلك المجانين. ويربط فوكو بوضوح بين إنشاء المستشفى العام "والتعبير المباشر عن السلطة الملكية وهو يعتبر هذه الأخيرة سلطة النظام الملكي البرجوازي الذي ينتظم في فرنسا آنذاك".
(...) ففي حين أن المدينة، حمت نفسها من المتشردين سابقًا، بوضع حراس على مداخلها، فإنها تعد الآن محاجر، داخلها، "(...) إن العاطل لا يُطرَد ولا يُعاقَب، بل يتم الاعتناء به على نفقة الدولة ولكن على حساب حريته الفردية..."

سؤال مواطن العالم، أوجهه مباشرة إلى الأستاذ عمر بوجليدة مؤلف هذا الكتاب المذكور أسفله، وهو - من حسن حظي - يتابع مقالاتي الأخيرة حول كتابه: هل يعود، البدء بفصل المجانين في المارستان في بغداد في أوائل العهد العباسي، أيضًا إلى عوامل اقتصادية وليست طبية؟

المصدر: الحداثة واستبعاد الآخر، عمر بن بوجليدة، الطبعة الأولى، ابن النديم للنشر والتوزيع، وهران، دار الروافد الثقافية - ناشرون، بيروت، 2013، 158 ص (هدية من أعز الناس، أحبه وأقدّره واسمه بلڤاسم عـ...).

دعاءٌ مُكرَّرٌ: بارك الله في الفيلسوف الفرنسي "فوكو" و بارك الله في أستاذ الفلسفة التونسي "عمر بوجليدة"، هذا الأخير شرح لي فلسفة فوكو، ولولا الثاني ما كنتُ لأفهم الأول!

إمضائي
"الفلسفةُ هي الحوارُ" فيلسوف حمام الشط حبيب بن حميدة
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"نَحْنُ نسأل مَن نكون في هذا الحاضر؟ لا لنكتشف مَن نَحْنُ فقط بل لنرفض مَن نَحْنُ، أي أن نتخيل كيفية وجود مُغايِرة، تأكيدًا لحق الاختلاف، حق الآخر...". فوكو (عمر بوجليدة، 2013)
"لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة والبراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى وعلى كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف الرمزي أو اللفظي أو المادي" (مواطن العالَم)
وَ"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك فدعها إلى فجر آخر" (جبران)

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الخميس 13 سبتمبر 2017.
Haut du formulaire





mardi 12 septembre 2017

ملاحظةٌ عابرةٌ

ملاحظةٌ عابرةٌ: حديثانِ مفقودانِ لدى مُثقفِينا في المقاهي: حديثُ الإبستمولوجيا وحديثُ الأنتروبولوجيا. يبدو لي أن دونَهما لن يستقيمَ حديثٌ ولن تقومَ للثقافةِ العربيةِ-الإسلاميةِ قائمةٌ. مواطن العالَم


"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" (جبران)

lundi 11 septembre 2017

العقد البيداغوجي بين الأستاذ والتلميذ: هذا ما كنتُ أقوله لتلامذتي في الحصّة الأولى. مواطن العالَم، أستاذ تعليم ثانوي متقاعد منذ خمس سنوات

أطرح عليكم هذا الاجتهاد الشخصي حول طُرق التدريس وأعرضه عليكم للنقد، لأن النقد يصقل ويطور الفكرة أما الشكر فيخدّر العقل ويقتل الإبداع.

كنتُ أقول لتلامذتي في الحصة الدراسية الأولى في أول السنة ما يلي:
أهلا و سهلا بكم في قسمكم ومعهدكم وأتمني لكم عاما سعيدا، سوف يُتوج بالنجاح إن شاء الله إن عملنا معية لتحقيق ذالك. بعد التحية, أعرّف بنفسي: أنا أستاذ علوم الحياة والأرض, عيّنوني منذ 36 سنة أستاذا لتدريس هذه المادة ومنحوني - بكل مجانية - "ترخيصا للتدريس مدي الحياة دون قيد أو شرط"، وما زلت أمارس هذه المهنة بكل رغبة ولذة التدريس. آليت علي نفسي أن أحسّن مستواي العلمي والبيداغوجي والتعلمي،  لذلك لا زلت حتى الآن أتعلم مثلكم وأتعلم منكم أيضا وأنا علي قاب قوسين أو عامين من التقاعد.
نمرّ الآن إلي المهمّ وهو "العقد البيداغوجي"  الذي يربط بيني وبينكم، وهو عقد ضمني غير مكتوب ومسكوت عنه دون قصد من جل مدرسي الابتدائي والثانوي والعالي.

سأحاول شرح هذا العقد حتى تتبين الحقوق من الواجبات:
v    سنبدأ ببعض الحقوق التي كفلها لكم القانون ولا تتمتعون بها فعليا إما لِتقصيرٍ منكم أو بتعسف من غيركم:
§        أول حق هو حقكم في الاحترام الكامل من قِبل المدرس والإدارة والعَمَلَة، يعني ممنوع اللمس والضرب
 والسب والشتم والإقصاء المجاني وتخفيض العدد والتدخل في الشؤون الخاصة والتشهير بالأخطاء.
§         ثاني حق هو حقكم في فهم الدرس حتى وإن أدّى الأمر إلي تأخير في البرنامج باستثناء برنامج السيزيام والنوفيام والباكلوريا.
§        ثالث حق هو حقكم في نقاش العدد الذي يُسند إليكم ومقارعة الأستاذ الحجة بالحجة لكن بكل أدب ولياقة.

v    ولكم  بعض الواجبات أيضًا:
§        أول واجب هو احترام المدرس وليس تقديسه، لأنك لو لم تحترم المدرس فلن تتركه يقوم بواجبه ولن تستفيد من علمه، ولو قدّسته فلن تستفيد أيضا، لأنك ستصدّق كل ما يقوله وأنت مسلوب الإرادة، والعلم لا يطلب التقديس بل يطالب بالنقد فهو مبني أصلاً علي الخطأ  والصواب.
§        ثاني واجب هو عدم التأخر الزمني في الحضور وعدم تعطيل سير الدروس والانتباه لكل ما يقوله الأستاذ أو التلاميذ المتدخلون في القسم.
§        ثالث واجب هو مراجعة الدروس في المنزل، ليس لأن المدرس كلفك بها فقط، بل لأن المعلومات لا تُفهم ولا تَستقر في الذاكرة إلا بالمراجعة والهضم الشخصي المتأني والقيام بالتمارين، والذكاء غالبًا ما يُكتسب ولا يُورّث.

v    بعد ذكر بعض الحقوق وبعض الواجبات، أعود إلي طريقتي الخاصة في العمل والتعامل مع التلاميذ وهي وليدة تجربة وعلم حيث أقول لهم:
§        لن أستعمل سلاح العقوبات المدرسية التأديبية مهما فعلتم، حتى وإن وصل الأمر إلي التعرض لي في الشارع، رغم إيماني الراسخ بأن انعدام الانضباط في المعهد قد يمثل صورة من صور إهمال تربية التلميذ. اشطبوا إذن بالأحمر كلمة " عقوبة" - علي الأقل معي أنا - لأنني لست مسؤولا عن زملائي ولا عن الإدارة ولا عن الوزارة. وهذا الموقف من العقوبة ليس طِيبة ولا كرما مني، بل هو موقف علمي مبني علي اطلاع واسع علي تجارب تربوية في مجتمعات أخري. وكلامي هذا لا يعني البتة التشجيع علي التسيّب لهذا سأقترح عليكم بعض الإجراءات، إن وافقتم عليها فستقوم مقام القانون الداخلي بيننا: يُقصَي من القسم كل تلميذ  يعطل سير الدرس ولا يستجيب لتحذيرات المدرس المتكررة، وكل مَن يقِل أدبه علي زميله أو علي المدرس. الحكمة من هذا الإجراء هو حماية الأكثرية من أخطاء الأقلية وتجنيب التلاميذ الوضعيات غير الحضارية وغير التربوية، كالمواجهة الكلامية المتشنجة في القسم بين المدرس والتلميذ. بعد خروج التلميذ يهدأ المدرس ويواصل درسه ويهدأ التلميذ خارج القسم. فإذا كان المدرس مخطئا، يدعو التلميذ إلي الرجوع للقسم ويعتذر له أمام الملأ، وإذا كان التلميذ مخطئا يرجع للقسم بعد دقائق ويطلب العفو من المدرس ويواصل التعلّم. يُسند واحد علي عشرين لكل من يُضبط في محاولة أو عملية غش في الامتحان لأنه سيتفوق علي زملائه دون وجه حق وسيأخذ عددا مرتفعا لا يدل على مستواه العلمي الحقيقي، وقد يعلمه الغش، هذا السلوك غير التربوي، الكسل والاعتماد على الحيلة لتحقيق النجاح. ولن أحيله على مجلس التربية لأن لا يُعاقب على جُرم شجعته الظروف المحيطة على ارتكابه بسبب الضغوطات الخارجة عن نطاقه مثل اكتظاظ القسم وطول البرنامج أو عدم ملاءمة هذا الأخير لاهتمامات التلميذ.
§        سأقترح عليكم بعض الأدوات المدرسية وأترك لكم حرية اختيار النوعية الغالية منها أو الرخيصة حسب إمكانياتكم المادية إلا الكتاب المدرسي فهو إجباري وضروري وسنستعمله في القسم وفي المنزل للاستفادة من المعلومات والتمارين. تمنيتُ لو كان الكتاب اختياريا أيضا مثل ما هو موجود في البلدان المتقدمة.
§        ألاحظ دائما مستوي متواضعًا في اللغة الفرنسية لدي تلاميذ السنة أولى الثانوي بسبب التعريب الكامل في التعليم الأساسي [في تونس يدوم التعليم الأساسي تسع سنوات من الأولى أساسي إلى التاسعة أساسي، يعني مرحلة الابتدائي ومرحلة الإعدادي, يدرس التلاميذ خلاله - باللغة العربية - الرياضيات والفيزياء والتقنية وعلوم الحياة والأرض] لذلك ألفتُ انتباهكم إلي أهمية هذه اللغة في تكوين مستقبلكم الدراسي، وليس أدل علي ذالك أنكم في مرحلة الثانوي تدرسون بالفرنسية، الرياضيات والفيزياء والكيمياء والتقنية وعلوم الحياة والأرض والإعلامية، وفي مرحلة الجامعة  تدرسون بالفرنسية أيضا الطب والهندسة والطيران وكل الشعب العلمية دون استثناء. لا تتجاهلون إذن اللغة الفرنسية لأن لا يتجاهلكم العلم الحديث. وأحسن طريقة لتحسين مستواكم هو استعمالها في القسم وخارج القسم. لا تغفلوا أيضا عن تعلم اللغة الأنقليزية فهي اللغة العالمية الأولى في العالَم. أما اللغة العربية فهي هُويتكم ولغتكم الأصلية وأوصيكم بها خيرًا لأن اللغة يفرضها رجالها ونساؤها وتقدمُ بلدانها وازدهارُ اقتصادها.
§        أرى أن "خطأ التلميذ في القسم" أصبح يُعتبر إيجابيا، لا بل أصبح محركًا للقسم. كان وضع الخطأ سلبيا في المنظومة التربوية القديمة وأصبح اليوم ايجابيا في المنظومة التربوية الجديدة. فكلما أخطأ التلميذ أكثر، استفاد هو وزملاؤه أكثر، ونجح الدرس أكثر.
§        أما تقييم الامتحانات فيخضع إلى ضوابط علمية : لديكم ثلاثة فروض كل ثلاثة أشهر, فرض في الأشغال التطبيقية داخل القسم وفرض مراقبة بنصف ساعة يحتوي علي أسئلة مباشرة حول الثلاثة دروس الأخيرة وفرض تأليفي في آخر الثلاثي يتكون من أسئلة تخص الذاكرة والفهم والرسم والملاحظة وخاصة توظيف المعلومات.
§         أرى أن من حق التلميذ المطالبة بمقياس الإصلاح  في بداية الامتحان حتى يستفيد منه أثناء الإجابة وعند الإصلاح .
§        يوجد - كما تلاحظون داخل القاعة - مخبر إعلامية خاص بعلوم الحياة والأرض، وهو الوحيد في المدارس الإعدادية والمعاهد غير النموذجية في الجمهورية التونسية. سنحاول استغلال الحاسوب والاستفادة من  مزاياه المفقودة عند المدرس وفي الكتاب المدرسي التونسي، وهي كثيرة، نذكر منها علي سبيل الذكر  لا الحصر : الحاسوب لا يضرب ولا ينهر. الحاسوب لا يتعب ولا يمل من الإعادة والتكرار. الحاسوب يوفر  أستاذا افتراضيا تحت الطلب في المعهد والشارع والمنزل وفي القطار إن شئتم. يوفر الحاسوب أستاذا افتراضيا يختاره التلميذ من تونس أو من الصين. يملك الأستاذ الافتراضي في الحاسوب من المعلومات ما لا يملكه كل أساتذة العالم مجتمعين. يقدم الأستاذ الافتراضي في الحاسوب صورًا علمية تفوق ألف مرة في الدقة والوضوح والألوان ما يقدمه الكتاب المدرسي التونسي الوحيد والإجباري. يجعل الأستاذ الافتراضي القلبَ ينبض في الحاسوب أمام أعينكم، ويُحيي افتراضيا العظامَ وهي رميمٌ، فتري الديناصورْ يقفز ويطيرْ.


تاريخ أول نشر على النت: معهد برج السدرية في 27 نوفمبر 2008.




  

dimanche 10 septembre 2017

مَن هو الشخص "المجنون" في القرن 17م حسب فوكو. مواطن العالَم

(L`Universel dépasse de loin le Culturel, mais ne le nie pas)

هو  الشخص "المنحرف والغبي والمعوق والمختل عقليًّا والمنحل والولد العاق والأب المبذِّر والمومس والأخرق".. "والغارقين في اللاعقل ويعيشون في غيابات الجنس والفلسفة والأدب وكل أشكال الإبداع (هامشة 42)، كما ضم المرابين والمشعوذين وكل الذين خرجوا عن أخلاق المجتمع أو شككوا في قِيمه (إضافة كشكار: مثل حجز "مجانين" العرب في المورسطان)".

ما الفرق بين "المجنون" والمريض؟
"ذلك أن المريضَ لا يتغير وضعه الأُسري بل يحتفظ بموقعه وحتى بدوره والقيمة التي يمثلها، وخطاب المريض ليس محرَّفًا مثل خطاب المجنون، وهكذا فهناك تقارب لكن هناك افتراق واضح بينهما"..
"ذلك أنه على امتداد زمن طويل كانت العائلة هي التي تُعِين المجنون ضمن أفرادها وليس الطبيب."..
"ذلك أن المجنون ذو وضع متفرد، فهو موضوع لعب، إذ يُلعب به ولا يُفعل ذلك مع المريض. وليس هناك كوميديات تتخذ المريضَ هُزُءًا، المجنون موضوع سخرية وموضوع ضحك والغريب أن المجنون يتخذ الآخرين موضوع لعب. ويتخذ جِد العقل لعبًا. إنه يلعب بِجِد العقلاء ويتخذه هزءًا ويمسك إلى وقت ما بالحقيقة العجيبة للعقل التي يعتقد الآخرون أنهم مالكوها"..
"إذن المجنون لعبة والمجنون في هذه اللعبة مُحرز على الإعجاب، وعلى العموم توجد قرابة عجيبة بين الجنون والاحتفال."..

دعاءٌ مُكرَّرٌ: بارك الله في الفيلسوف الفرنسي "فوكو" و بارك الله في أستاذ الفلسفة التونسي "عمر بوجليدة"، هذا الأخير شرح لي فلسفة فوكو، ولولا الثاني ما كنتُ لأفهم الأول!

هامشة 42: "الأب بيرغوري (وهو من كهنة الكنيسة) في الحجز لأنه كان يُقرِض الناس مالا بفائدة مرتفعة، وفي شارنتون لَقَطَ الماركيز دوصاد (الكاتب الفرنسي Sade) أنفاسه، لقد وضعوه في الحجز لأنه كان يدعو الناس من خلال سلوكه وكتاباته إلى تجاوز كل الحدود والانغماس في لذات الجسد وشهواته دونما اعتبار لأية رقابة دينية كانت أو أخلاقية.. وقضى الشاعر الفرنسي ميرابو (Mirabeau) زمنًا في الحجز أيضًا، بل إنهم وضعوا في الحجز امرأة تجرأت وأعلنت أنها لا تحب زوجها، لقد كانت وقحة، فتجرأت على تحطيم أوثان العائلة..

المصدر: الحداثة واستبعاد الآخر، عمر بن بوجليدة، الطبعة الأولى، ابن النديم للنشر والتوزيع، وهران، دار الروافد الثقافية - ناشرون، بيروت، 2013، 158 ص (هدية من أعز الناس، أحبه وأقدّره واسمه بلڤاسم عـ...).

إمضائي
"الفلسفةُ هي الحوارُ" فيلسوف حمام الشط حبيب بن حميدة
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"نَحْنُ نسأل مَن نكون في هذا الحاضر؟ لا لنكتشف مَن نَحْنُ فقط بل لنرفض مَن نَحْنُ، أي أن نتخيل كيفية وجود مُغايِرة، تأكيدًا لحق الاختلاف، حق الآخر...". فوكو (عمر بوجليدة، 2013)
"لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة والبراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى وعلى كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف الرمزي أو اللفظي أو المادي" (مواطن العالَم)
وَ"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك فدعها إلى فجر آخر" (جبران)

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الاثنين 11 سبتمبر 2017.
Haut du formulaire




وضعية "مجانين" جمنة الأحرار غير المحتجزين (الساسي بنحمد نموذجًا) ومكانها التاريخي في تحليل الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو لظاهرة الجنون في تاريخ البشرية. مواطن العالَم

(L`Universel dépasse de loin le Culturel, mais ne le nie pas)

أبدأ بالخطأ الذي ارتكبته عن جهلٍ - قبل قراءة فوكو (عمر بن بوجليدة، 2013) - وهو التالي:
كنتُ أقول بتعالٍ شوفيني: "يا علماء الغرب، زوروا جمنة لتتعلّموا منها وتطّلِعوا على وضعية "مجانين" جمنة الأحرار غير المحتجزين (الساسي بنحمد نموذجًا)".

أين يضع فوكو تاريخيًّا ظاهرة ترك "المجانين" أحرارًا مثلما حصل في جمنة وفي كل القرى التونسية؟
معاملتُنا لـ"مجانينِنا" هي معاملةٌ اجتماعيةٌ أفضل من حجزهم في معتقلات تُسمَّى تعسفًا "مستشفيات عقلية" (إجراءٌ كان قانونيًّا وسائدًا ومبارَكًا في كل الدول الغربية). معاملتُنا لـ"مجانينِنا"هي معاملةٌ كانت سائدة في أوروبا قبل أوائل القرن 16م وليست حكرًا على  جمنة أو باقي قُرَى تونس. كانت سائدة في عصر النهضة (العصر الكائن زمنيًّا في الحِقبة التاريخية التي تبدأ بعد العصور الوسطى وتنتهي قبل "كوجيتو" ديكارت -  Je pense donc je suis - هذا الكوجيتو المتهم بعزل الجنون - أو اللاعقل - فلسفيا قبل عزله فعليًّا واجتماعيًّا وليس طبيًّا كما يتوهم غيرُ دارِسي تاريخ الجنون). عصرٌ سابقٌ لعصر العقلانية والحداثة (بعد "كوجيتو" ديكارت وقبل عصر الرأسمالية). "عصرُ النهضة التي سُمِحَ فيها للعقل بالهذيان".

أنهِي بتصويب الخطأ الذي وقعتُ فيه عند تقييمي لتجربة جمنة مع "مجانينِها": نحن لم نكن متفوقين على الغرب في كيفية التعامل مع "مجانينِنا"، لكن يبدو لي أنه توجد محاسن في عدم تطبيق بعضِ قِيمِ عصر العقلانية والحداثة ولو دون وعيٍ مِنّا. عصرٌ لم ندخُله بعدُ، لذلك بقينا نسمح بهذيان العقل ويظهر أن للتخلّف - عن تطبيق بعضِ قيم الغرب - أحيانًا مزايا، مزايا قد لا ندركها إلا بَعدِيًّا (a posteriori) وقد لا نعي بها، لكن هذا لا يُفقِدها نجاعتَها، والدليل أن الغربَ نفسَه تفطّن لخطئه المتمثل في اعتقال "مجانينِه" فأغلق كل "مستشفياته العقلية".

دعاءٌ: بارك الله في الفيلسوف الفرنسي "فوكو" و بارك الله في أستاذ الفلسفة التونسي "عمر بوجليدة" الذي شرح لي فلسفة فوكو ولولا الثاني ما كنتُ لأفهم الأول!

المصدر: الحداثة واستبعاد الآخر، عمر بن بوجليدة، الطبعة الأولى، ابن النديم للنشر والتوزيع، وهران، دار الروافد الثقافية - ناشرون، بيروت، 2013، 158 ص (هدية من أعز الناس، أحبه وأقدّره واسمه بلڤاسم عـ...).
إمضائي
"الفلسفةُ هي الحوارُ" فيلسوف حمام الشط حبيب بن حميدة
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"نَحْنُ نسأل مَن نكون في هذا الحاضر؟ لا لنكتشف مَن نَحْنُ فقط بل لنرفض مَن نَحْنُ، أي أن نتخيل كيفية وجود مُغايِرة، تأكيدًا لحق الاختلاف، حق الآخر...". فوكو (عمر بوجليدة، 2013)
"لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة والبراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى وعلى كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف الرمزي أو اللفظي أو المادي" (مواطن العالَم)
وَ"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك فدعها إلى فجر آخر" (جبران)

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الأحد 10 سبتمبر 2017.
Haut du formulaire



vendredi 8 septembre 2017

خدعوكَ يا الشعب التونسي الفقير بقولهم أنك كريمٌ! مواطن العالَم

(L`Universel dépasse de loin le Culturel, mais ne le nie pas)

مَن هم الذين خدعوك؟

تعريف  مفهوب "الشعب" (Le Peuple) حسب هدّام الأصنام (Le déconstructeur des mythes et des idoles)، الفيلسوف الفرنسي المعاصر، ميشيل أونفري (بتصرف): 
الشعبُ هو مجموع المواطنين من أمثالي وأمثالك، المحكومين (Les gouvernés) من قِبلِ المسؤوليين السياسيين الحاكمين المسيطرين المتحكمين في رزقي ورزقكَ، القامعين لحريتي وحريتكَ، المغتصبين لكرامتي وكرامتكَ، المتشبثين بالكراسي خدمةً لمصالحهم الخاصة على حساب مصلحتي ومصلحتكَ، الموظفين السامين الحكوميين والرؤساء المدراء العامين في القطاع العمومي والأغنياء الرأسماليين الجشعين المستغلين لعرق الكادحين بالفكر والساعد. يحكموننا بواسطة آلة جهنمية اسمها السلطة، سلطة ظالمة لم يأتِ بها عقلٌ أو دينٌ، سلطةٌ تُقوّم بالعصا كل نَفَسٍ للظلمِ مقاومٌ وتعنِّف المعارضَ المسالِمَ وتصالح السارقَ والمرتشي والظالمَ، سلطةٌ تبجّل الجاهلَ وتهمّش العالِم. سلطةٌ ترتكب كل هذه الفضائع باسم العقلانية والعلم والحداثة، حداثةٌ ليبرالية تتفنن في استعباد أو استبعاد الآخر، أنا وأنتَ وأنتِ، حداثةٌ لا مسؤولة ولا معقولة ولا أخلاقية، حداثةٌ تبرّر فعلها الدنيء هذا باختلاقِ علومٍ خِصيصًا لهذا الغرض بالذات، علومٌ اسمها "الاقتصاد السياسي" و"علم الإجرام" و"العلاج النفسي" والعلوم الإنسانية عمومًا ما عدى الفلسفة، ملهمتي في هذا المقال. فلسفةٌ لأعوارِ الليبراليةِ معرّيةٌ ولألاعيبِها كاشفةٌ. فلسفةٌ متمرّدةٌ نقديةٌ جديدةٌ لمؤسسها العظيم نيتشه ولأتباعه ميشيل فوكو و ميشيل أونفري. فلسفةٌ تعيد أنسنة الإنسانية على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي إدڤار موران. فلسفةٌ تحث على اختلاق علومٍ جديدةٍ، لا رأسمالية ولا شيوعية، علومٌ تنتج منوالاً اقتصاديًّا تضامنيًّا اشتراكيًّا ديمقراطيًّا على النمط الأسكندنافي أو النمط الجمني (تجربة واحة ستيل بجمنة-ڤبلي 2011-2017)، منوالٌ يقر باقتصاد السوق ويشجع المبادرات الفردية، لكنه منوالٌ يوظف اقتصاد السوق لخدمة الشعب وليس منوالاً رأسماليًّا يدجّن الشعبَ لخدمة اقتصاد السوق.

تعريف مفهوم "الفقر" حسب ميشيل فوكو:
"ذلك أن الفقر مثلا أصبح مسألةً اقتصاديةً، وبالتالي سيصبح الفقرُ عنصرًا أساسًا في الدولة، إذ يشكل الفقراء قاعدةَ ومجد الأمم، وبؤسهم الذي لا نعرف كيف نقضي عليه، يجب أن نمدحه ونكرّمه" (الحداثة واستبعاد الآخر، عمر بوجليدة، 2013، ص 49).

تعريف مفهوم "المواطن التونسي الفقير" حسب المواطن الفقير، مواطن العالَم، التونسي الأصل والنشأة والإقامة:
الفقير في تونس هو المواطن الذي يقلّ دخله الوحيد عن خمسين دينار في اليوم الواحد.

إمضائي
"
الفلسفةُ هي الحوارُ" فيلسوف حمام الشط حبيب بن حميدة
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"نَحْنُ نسأل مَن نكون في هذا الحاضر؟ لا لنكتشف مَن نَحْنُ فقط بل لنرفض مَن نَحْنُ، أي أن نتخيل كيفية وجود مُغايِرة، تأكيدًا لحق الاختلاف، حق الآخر...". فوكو (عمر بوجليدة، 2013)
"
لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة والبراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى وعلى كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف الرمزي أو اللفظي أو المادي" (مواطن العالَم)
وَ"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك فدعها إلى فجر آخر" (جبران)

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الجمعة 8 سبتمبر 2017.


mardi 5 septembre 2017

تحليل التجربة الفكرية الغيرية لـ"نادي مقابسات" ذي المرجعية الفلسفية الإسلامية (مؤسسوه أساتذة فلسفة لا يحبذون إلحاقه بِمدار حزب النهضة وأنا أصدّقهم) في محاولة الإعتراف بالآخر (اليسار) كذاتٍ مستقلةٍ مغايرةٍ وليس كموضوعًا للدرس فقط. مواطن العالَم

(L`Universel dépasse de loin le Culturel, mais ne le nie pas)

Expérience altruiste

تنبيه منهجي:
أنا أعي جيدًا أن التجربة التي سأتحدثُ عنها تجربة محدودة في العدد والزمان والمكان وأعرف أيضًا أن التوقف عند مثالٍ واحدٍ (Un seul exemple) يختزل الفكرة وقد يشوّهها (L`exemple réduit l`idée et pourrait la déformer) لكنني - ورغم العوائق المنهجية - سأحاوِلُ.

ملاحظة ديونتولوجية:
للأمانة العلمية، أخذتُ الوعاءَ اللغويَّ والمضمونَ الفلسفيَّ من كتاب "الحداثة واستبعاد الآخر" للفيلسوف عمر بوجليدة، 2013،  ص 43-45، واستبدلتُ نَصَّه بِنَصِّي.

نَصِّي:
هذا الآخر (الخوانجي التونسي) الذي هُمِّشَ طويلاً ونُبِذَ بعيدًا وبِنيّةٍ مبيّتةٍ عن الفضاء الثقافي العام (مسرح، سينما، إعلام، نشر، نوادي ثقافية ومدرسية، جمعيات حقوقية، الاتحاد العام التونسي للشغل، إلخ.) من قِبل اليسار الستاليني التونسي (البوكت والأوطاد). هذا الآخر (الخوانجي التونسي) لم يعد يقبلُ أن يكون موضوعًا للدرس فقط بل يريد أن يصبح ذاتًا وليس اختراعًا تصنعه ذاتٌ ما (اليسار الستاليني التونسي) لتوظفه وتستعمله لتعريفِ نفسِها بوصفها ما ليس هي (حركة تونسية-أممية يسارية حداثية عَلمانية ديمقراطية حقوقية)، فينحط هذا الآخر عندئذٍ مِن كائنٍ فعلِي إلى كائنٍ صورِي لا يمتلك أيَّ دَوْرٍ وجودي قِيمِي (Un être axiologique) بل يمتلك فقط دورًا أداتي لِشيءٍ - مقابلٍ - يتوهم الستالينيون التونسيون أنه يساعدهم على تمييزِ هويتهم الستالينية الشمولية الإقصائية المنغلقة والدخيلة الوافدة والمنبتة عن بيئة المجتمع التونسي ذي الأغلبية الساحقة المسلمة مثلها بالضبط مثل الهويات السياسية الأخرى المتواجدة بتونس كالإخوانية والوهابية وهوية حزب التحرير رغم مرجعياتها الإسلامية السياسية المشتركة.

ففي عصر الثورة التونسية البوعزيزية ما يزال الآخر (الخوانجي التونسي) غريبًا وبعيدًا، لم يرتق بعد في ذهنِ الستالينيين التونسيين إلى أن يكون موضع الغيرية وعنوانًا معروفًا ومعترفًا به للاختلاف ولا حتى مصدرًا لحركةٍ موجبةٍ، وبالتالي يغيب عند هؤلاء المتعصبين المنغلقين مفهوم "الآخر" بإطلاقٍ من تأملاتهم الوثوقية (Dogmatiques).

لقد جَلَّلَ اليسار الستاليني التونسي ذاتَه ونفخَ فيها وصدّق حجمَها الوهمي وأسس جل خطابَاته السياسية والفكرية والثقافية والنقابية والحقوقية على إقصاءِ الخطابات الإسلامية عموما وخصوصًا الخوانجية منها في كل هذه المجالات واستبعد الخوانجية التونسيين من جل الفضاءات العمومية ولم يترك لهم - مكرهٌ أخاكم لا بطل - إلا المساجد والجوامع والكتاتيب والجنائز والأعياد الدينية، فحكمَ بالتالي على الذات الخوانجية التونسية بالتقوقعِ على نفسِها ونفاها خلال ستين سنة وطوالَ العهدَين السابقَين (بورڤيبة وبن علي) من جل الساحات الثقافية الممكنة.

يقول الستاليني التونسي وهو ينظر إلى حداثته هو (الستالينية) وعَلمانيته هو (لائكية الثورة الفرنسية المعادية للكنيسة مع التذكير أن الدولة الستالينية لم تكُ يومًا ديمقراطية ولا تعددية ولا حقوقية ولا حرية تعبير أو نشر ولا لائكية بل كانت دولةٌ قمعيةً تسود داخلها ديكتاتوريةُ الحزبِ الواحدِ،  دولةٌ تُعلِي من شأن الإلحاد بل تدرّسه وتمنع المسيحيين والمسلمين واليهود من الاحتفال العلني بأعيادهم الدينية)، يقولُ: "كيف يمكن لي أن أنكر وجاهة "الحداثة" و"العلمانية" ولا أرى فيهما الحل الأوحد لتخلف مجتمعنا التونسي العربي المسلم المعاصر، اللهم إلا إذا قارنتُ نفسي بهؤلاء الخوانجية التونسيين الرجعيين الظلاميين الجرذان الإرهابيين الذين اختلطت عليهم الأمور وأعماهم كرههم لليسار عن المنطق والحس السليم فباتوا عُميٌ صمٌّ بُكمٌ لا يفقهون".

يبدو لي أن مهمة الانتقال من الأنا الستالينية إلى الاعتراف بالآخر كذات وليس كموضوع هي من أهم وأوكد المهمات الديمقراطية إلا أن اليسار الستاليني التونسي - خلافًا لليسار الغربي - لم يتحرر بعدُ من وهم تحقيق الجنة الشيوعية في تونس بغض النظر ورغمًا عن تركيبة المجتمع التونسي المسلم. إن التيار الستاليني التونسي لا يعترف بالتيار النهضاوي التونسي إلا ليتمكن من إقصائه واستبعاده حتى يطرد خطره المستقبلي المحتمل على وجوده وذلك بتغليق الأبواب على فكره السياسي الإسلامي للحد من تأثير هذا الفكر ومن ثَم إخراجه ثانية (بعد الثورة) من الفضاء الثقافي العام ظنًّا منه أن الغائب على العين غائب على الفعل في الواقع. لم يتعظ اليسار التونسي من تجربته الفاشلة قبل الثورة بل أراد تكرارها بعد الثورة. غاية الستالينية التونسية كانت ولا زالت السيادة والسيطرة وتحويل كل مَن خالفها إلى خصومٍ وأعداءٍ حتى ولو كان عددهم بالملايين أسوة ب"أب الشعوب" الذي نفى وشرّد وقتل وسجن قرابة ثلث شعبه السوفياتي (يكون نقدي في غير محله لو قام الستالينيون التونسيون بنقدهم النظري الذاتي خاصة وأنا أصدّق شعاراتهم الاشتراكية النبيلة ولي فيهم أصدقاءٌ كُثْرُ أحبهم وأحترمهم وأجلهم وأقدرهم وهم أبرياء من جرائم ستالين ولا أحمّلهم وزرها ومتأكد أنهم صادقي السريرة ولا يحبذون القتل للوصول للسلطة كما فعل الدواعش الإسلاميون). غايةٌ الستالينيين التونسيين نبيلة لكنها مستحيلةٌ أما وسائلهم لتحقيقها فهي أقل ما يُقال فيها أنها غير ديمقراطية، والغاية عندي - مهما كان مستوى نبلها - لا تبرر الوسيلة.. كان ستالين في عونهم!

يحق للقارئ أن يسأل وما الربطُ مع العنوان؟
"نادي مقابسات" هو نادي ثقافي ذو مرجعية فلسفية إسلامية (مؤسسوه أساتذة فلسفة لا يحبذون إلحاقه بِمدار حزب النهضة وأنا أصدقهم) يحاول الإعتراف بالآخر (اليسار) كذاتٍ مستقلةٍ مغايرةٍ وليس كموضوعٍ للدرس فقط. استدعى هذا النادي مفكرين يساريين ماركسيين (أمثال سليم دولة ود. أم الزين بن شيخة وغيرهم من الأقل شهرة وأقل إنتاجًا من اليساريين غير الماركسيين أمثالي) ووفر لهم منبرًا حرًّا بأتم معنى الكلمة وجمهورًا أظن أن أكثرَه نهضاويون وفسح لهم المجالَ واسعًا ليعبّروا عن وجهاتِ نظرهم المختلفة تمامًا عن وجهاتِ النظر الإسلامية عمومًا والنهضاوية خصوصًا.

خاتمة:
أتمنى أن أرى وأسمع يومًا مفكرًا إسلاميًّا غير منتمٍ يحاضرُ في منتدى ثقافي ذي مرجعيةٍ ستالينيةٍ مع الإشارة أنني لستُ إسلاميًّا ولستُ ستالينيًّا، أتعاطف مع الاثنين لكنني أعارضُهما جذريًّا، سياسيًّا وفكريًّا.

إمضائي
"الفلسفةُ هي الحوارُ" فيلسوف حمام الشط حبيب بن حميدة
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"نَحْنُ نسأل مَن نكون في هذا الحاضر؟ لا لنكتشف مَن نَحْنُ فقط بل لنرفض مَن نَحْنُ، أي أن نتخيل كيفية وجود مُغايِرة، تأكيدًا لحق الاختلاف، حق الآخر...". فوكو (عمر بوجليدة، 2013)
"لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة والبراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى وعلى كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف الرمزي أو اللفظي أو المادي" (مواطن العالَم)
وَ"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك فدعها إلى فجر آخر" (جبران)

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الثلاثاء 5 سبتمبر 2017.
Haut du formulaire