vendredi 21 novembre 2014

لم يكن المواطن التونسي، في أي عصر من العصور، سفيها في تبديد قواه، كما هو اليوم بعد الثورة! مواطن العالَم د. محمد كشكار

لم يكن المواطن التونسي، في أي عصر من العصور، سفيها في تبديد قواه، كما هو اليوم بعد الثورة! مواطن العالَم د. محمد كشكار

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط، الاثنين 9 ديسمبر 2013.

قال سعد الله ونّوس: "لم يكن الإنسان، في أي عصر من العصور، سفيها في تبديد قواه، كما هو اليوم في هذه المنطقة من العالم."
 قياسا على ما سبق أقول: لم يكن المواطن التونسي، في أي عصر من العصور، سفيها في تبديد قواه، كما هو اليوم بعد الثورة!

و لكم بعض الأدلة المادية الواضحة حسب وجهة نظري الانطباعية غير العلمية:
-         يبلغ عدد البلديات في تونس 264 قصر بلدية، و رغم هذا الكم المهول من الميزانيات الضخمة المرصودة لها و رغم توظيف الآلاف من عمال النظافة و ترسيمهم بعد الثورة و الترفيع في أجورهم و مِنَحِهِم، لا زالت شوارعنا و ساحاتنا في مدننا و قرانا تغص بالقمامة المقرفة.

-         يشتغل في التعليم التونسي العمومي قرابة 120 ألف مدرس، و رغم هذا الجيش العرمرم من المربين لا زال رب العائلة التونسي يلتجئ مكرها إلى الدروس الخصوصية لضمان نجاح أبنائه في الأساسي و الثانوي.

-         كل سنة تُناقش في جامعاتنا الآلاف من شهائد الدكتورا و الماجستير، و رغم هذا الوقت الثمين و الجهد الكبير المهدور في البحث العلمي لم ننتج معرفة و لم نشارك و لو بالقليل في النهضة العلمية العالمية، و بقيت بحوثنا مخزّنة على رفوف المكتبات الجامعية  لأنها نُسَخٌ باهتة من المعرفة الغربية القديمة المستهلكة.

-         نصرف على التعليم أكبر ميزانية، نسبيا في العالم، و رغم هذه التضحية الكبيرة تلفظ مدارسنا و معاهدنا سنويا مائة ألف منقطع مبكر عن التعليم، جلهم يرجع إلى الأمية.

-         رغم غلاء أسعار اللحوم الحمراء عندنا و رغم النقص الواضح في ثروتنا الحيوانية (نستورد أضحيتنا من بلاد "الكفّار" بالعملة الصعبة، صعبة فعلا بسبب تخفيض قيمة الدينار مقابل الدولار)، نضحّي سنويا بمئات الآلاف من الخرفان و العجول و الماعز، ما ضرّ لو اقتصرنا ظرفيا على التضحية الروحانية على الأقل لأجل مسمى حتى يرتفع مستوى معيشتنا و نقدر على التضحية المادية من إنتاجنا الوطني.

-         رغم ضعف أجورنا و رغم إيماننا بأن شهر رمضان هو شهر التقوى، نصرف فيه من المال ما يكفينا ثلاثة أشهر أو أكثر.

-         رغم أننا نخصص جوامع و مساجد مكيفة كالقصور للتقوى و نصلي خمس مرات في اليوم، لم تنهنا صلاتنا عن الفحشاء و المنكر.

-         يتخرج من جامعاتنا سنويا عشرات الآلاف من حاملي الشهائد بعد أن أنفقنا عليهم  من الخزينة العامة عشرات الملايين من الدينارات، و رغم هذا المجهود العظيم، يبقى جلهم غير منتج و معطل عن العمل و عالة على والديه و على المجتمع.

-         يذهب الموظف التونسي إلى العمل تحمله وحده سيارة من أربعة إلى 7 خيول، و آخر إحصاء يقول أن 5 في المائة فقط من الموظفين التونسيين يقومون بواجبهم في العمل على أحسن ما يرام. أليس الحصان ينتج أكثر من الإنسان في تونس؟ أليس الحصان يرقص في مهرجاناتنا و يحرث أرضنا و يسابق في مسابقاتنا و ينقلنا في السهول و الجبال و يباع لحمه بأرخص الأثمان دواءً لفقر الدم.

-         رغم أن ثرواتنا الطبيعية من الفسفاط تضمن لنا - لو استخرجناها و بعناها - دخلا سنويا يقدر بألفي مليون دينار تونسي، ما زلنا نتسول قروضا مشروطة ومجحفة من البنك العالمي و صندوق النهب الدولي والاتحاد الأوروبي  واليابان و قطر.

-         دستور فرنسا كتبه شخصان فقط، ريجيس دوبريه و شارل ديقول، ثم عُرِض على الاستفتاء. دستور اليابان كتبه المستعمر الأمريكي من ألفه إلى يائه ولم يمنع هذا الدستور المستورد اليابان من التفوق على جميع الأمم في جميع المجالات. بريطانيا العظمى لا تملك دستورا بالمعنى الشكلي للكلمة لكنها تمتلك فقه قضاء مكتوب ضَمِن لها تحقيق الديمقراطية و الحرية على أفضل وجه موجود في العالم الحر. أما نحن فقد انتخبنا مجلسا تأسيسيا لكتابة الدستور، مجلسا يتكون من 217 عضو، مجلسا كلفنا عشرات الملايين من الدنانير التونسية، مجلسا مر على انتخابه عامان و لم ينه كتابة الدستور (أنهاه في ثلاث سنوات بعد نشر هذا المقال في أول تاريخ).

الإمضاء
"لا أحد مُجبر على التماهي مع مجتمعه. لكن إذا ما قرّر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذن أن يتكلم بلسانه (المجتمع)، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه"، عبد الله العروي.
"المثقف لا يجيد فعل شيء على الإطلاق، اللهم، إلا الإنتاج الرمزي، وإنتاج الأفكار و الكلمات. غبر أن هذه الأفكار تحتاج لما يجسدها لكي تصبح موجودة، لكي تصبح قادرة على تغيير الواقع، أي أنها تحتاج لحركات اجتماعية"، جان زيغلر.
"يخون المثقف وظيفته، إذا كانت هذه الأخيرة تتقوّم بالرغبة في التأثير على النفوس"، ريجيس دوبريه.
"ما أسهل أن نرتدي عباءة أجدادنا  و ما أصعب أن تكون لنا رؤوسهم"، مطاع الصفدي.

م. ع. د. م. ك.
يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه و يثقوا في خطابه أما أنا - اقتداءً بالمنهج العلمي - أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات و أنتظر منهم النقد رغم أن الشكر يفرحني كأي بشر، لذلك لا يضيرني إن قرأني واحد أو ألف لكن يبقى الكاتب منعزلا إذا لم يكن له قارئ ناقد.
لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى، و على كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف المادي أو اللفظي أو الرمزي.


jeudi 20 novembre 2014

لا فضل لـ"ـمثقف" على "أميِّ" إلا بالعمل و الوعي. مواطن العالم د. محمد كشكار

لا فضل لـ"ـمثقف" على "أميِّ" إلا بالعمل و الوعي. مواطن  العالم د. محمد كشكار

قال الكاتب الفيلسوف التونسي العفيف الأخضر: "حجم دماغ الإنسان لم يتغير خلال عشرات  آلاف السنين لكن العقل، منتوج هذا الدماغ، قطع خلال هذه الحقب تطورا مدوخا. لقد عجز ابن عمنا الشامبانزي، الذي انحدرنا و إياه من جد مشترك منذ 8 ملايين سنة عن الانخراط في مسار الإبداع التكنولوجي أو على الأقل عن تطويره فظل قردا، فما الذي جعل ذلك الحيوان الفِقري المشابه له شكلا و شفرة وراثية يواصل مسار تطوره إلى الإنسان المعاصر؟ لا شيء يقول فرديريك انجلز غير العمل الذي حوله إلى إنسان. أو "العمل أولا و الوعي ثانيا" لقد استطاع العقل البشري، بالعمل و التفكير، أن ينقل الإنسان من الكهوف إلى ناطحات السحاب، من الفكر السحري إلى الفكر العقلاني و من الاهتداء بالعرافة إلى الاهتداء بالمعرفة" (الحداثة  و انتقاداتها. 2 نقد الحداثة من منظور عربي-إسلامي، إعداد و ترجمة محمد سبيلا و عبد السلام بنعبد العالي، دار توبڤال للنشر، الطبعة الأولى، 2006، الدار البيضاء، 102 صفحة، مقال الحداثة و العقل، صفحة 79).

قال الأستاذ جوهر امبارك ساخطا في القناة التونسية الخاصة "المتوسط" يوم الاثنين مساءً، 20 أكتوبر 2014: "يقول آخر إحصاء تونسي للسكان أن عدد الأميّين التونسيين بلغ خمسة ملايين فرد من جملة 11 مليون تونسي سنة 2014".

تعليق م. ع. د. م. ك.
أظن أن القائمين على الإحصاء يصنفون أميّا "كل مواطن تونسي لم يتعلم القراءة و الكتابة و كل من تعلمهما و نسيهما" (مثلا انقطع عن التعليم منذ المرحلة الابتدائية). و أنا أصنف المثقف "كل مواطن تونسي يقرأ و يكتب و ينتج معرفة و ينشر" و هم للأسف نخبة و قلة قليلة جدا في تونس مقارنة بالبلدان الغربية.
يبدو لي أن صفة "أمي" تُعدُّ في تونس استنقاصا من قيمة المواطنة، أما أنا فلا أفضلية عندي و لا فرق بين المثقف و الأميِّ إلا بالعمل و الوعي. و على سبيل الذكر لا الحصر، سأسوق لكم المقارنة التالية بين "مثقف تحت التمرين" (م. ع. د. م. ك.) و بعض "الأميين" من أبناء موطني و مسقط رأسي جمنة (لا أحبذ ذكر أسمائهم حتى لا أخدش شعورهم لو فهموا كلمة أمي بالمعنى العام و ليس بالمعنى الموضوعي الذي سأعطيه لها أنا):
-         ماذا حقق الأمي رغم أميته؟
هؤلاء الأميون خضّروا الصحراء و زرعوا آلافا من أجود أشجار النخيل "دڤلة النور" و شغّلوا على كامل السنة أو موسميا المئات من العمال الفلاحيّين المحليّين و الوافدين من جهات أخرى و صدّروا آلاف الأطنان من التمور إلى الخارج و جلبوا ملايين الدولارات من العملة الصعبة، ومنهم مَن تاجر و سوّق الإنتاج المحلي. كدّوا و اجتهدوا فخلقوا ثروة و طنية و نهضة فلاحية و كسبوا من عرقهم و حققوا في جمنة "الحلم الأمريكي بالثروة" بعد ما كانوا فقراء فأصبح منهم الملياردير و المليونير و أصبحت جمنة، بفضل حرصهم و مثابرتهم، أول قرية بلدية منتجة للدڤلة في الجمهورية التونسية.

-         ماذا فعل "المثقف تحت التمرين" بثقافته؟
قضيت قرابة نصف عمري أتعلم (7 ابتدائي + 3 إعدادي + 4 ثانوي + 13 عال) و أكثر من نصف عمري أعلّم و أتعلم في نفس الوقت (38 عام أستاذ). لم أخلق ثروة وطنية و لا نهضة علمية. دخلت للمدرسة الابتدائية بجمنة فقيرا و تخرجت دكتورًا من جامعة كلود برنار بليون بفرنسا فقيرا أيضا. لم أخلق في حياتي و لو موطن شغل واحد. أيُّ عجز هذا؟ أيهما أفضل للوطن إذن؟ ثقافتي أم أميتهم؟ من حسن حظ تونس أن جل مثقفيها ليسوا من أمثالي! فيهم بن عاشور و الحداد و الشابي و جعيط و العياري و "المرزوقي قبل الثورة" و غيرهم كثيرون و الحمد لله. و من سوء حظ تونس أن جل أمييها ليسوا جمنين!

ملاحظات انطباعية عابرة حول الثقافة و الأمية:
في عهد وسائل الاتصال الحديثة السمعية و البصرية (إذاعات، فضائيات، أنترنات، التعليم السمعي المرئي بالمراسلة) و في عهد عولمة الاتصال الافتراضي (الفيسبوك و تويتر) لم تعد الأمية حكرا على مَن لم يتعلم فكثير من الأميين اكتسبوا بفضل ذكائهم (الذكاء موزع بالفطرة بين المتعلمين و غير المتعلمين) ثقافة شعرية شعبية أو مسرحية أو موسيقية أو سياسة، و في المقابل لم تعد الثقافة حكرا على المتعلمين الذين يحذقون الكتابة و القراءة فهنالك متعلمين أصحاب شهائد عليا لكنهم غير مثقفين يعني سجيني اختصاصهم العلمي لذلك نستطيع أن نقول عنهم أنهم "اكتسبوا" صفة الأمية "بفضل" كسلهم الفكري لأنهم اكتفوا بمعارف اختصاصهم مثلما يكتفي الفلاح الأمي بإتقان فلاحته. و في أوائل القرن الماضي، نال طه حسين شهادة الدكتورا من جامعة السوربون بواسطة التعلم السمعي و الإنصات و الرغبة و الانتباه دون أن يقرأ أو يكتب حرفا واحدا بيده و أصبح من أكبر مثقفي مصر و هو أعمى البصر لكنه نيّر البصيرة، و قديما كان الرسول محمد صلى الله عليه و سلم أميا.


خلاصة القول
المواطن الصالح هو مَن يستفيد و يفيد، مَن يستنفع و ينفع، مَن يوظف العلم و التكنولوجيا أحسن توظيف لفائدة نفسه و عائلته أولا و موطنه و وطنه ثانيا، لا يهم إن كان مثقفاً أو أمياً. أما المثقف الذي يكتفي بالكتابة و النشر على الفيسبوك فهو كَــ"الزِّيرْ المِتَّكِّي لا اِفَرَّحْ لا اِبَكِّي".

إمضاء م. ع. د. م. ك.
قال الفيلسوف اليساري المغربي العظيم عبد الله العروي: "لا أحد مُجبر على التماهي مع مجتمعه. لكن إذا ما قرّر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذن أن يتكلم بلسانه (المجتمع)، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه". و مجتمعنا التونسي عربي مسلم أو لا يكون مع احترام حقوق الأقليات العرقية و العقائدية.
يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه و يثقوا في خطابه أما أنا - اقتداء بالمنهج العلمي - أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات و أنتظر منهم النقد الهدام المفيد.
لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى، و على كل مقال قد يبدو لكم ناقصا أو سيئا نرد بمقال كامل أو جيد، لا بالعنف اللفظي.

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط، الثلاثاء 21  أكتوبر 2014.


mercredi 19 novembre 2014

هل فقد الكثيرون من المثقفين العرب مصداقيتهم في ما يدّعون أو يعلنون من المواقف؟ نقل و تعليق مواطن العالَم د. محمد كشكار

هل فقد الكثيرون من المثقفين العرب مصداقيتهم في ما يدّعون أو يعلنون من المواقف؟ نقل و تعليق مواطن العالَم د. محمد كشكار


المصدر: كتاب "ثورات القوة الناعمة في العالم العربي. من المنظومة إلى الشبكة."، علي حرب، الدار العربية للعلوم و النشر، الطبعة الثانية 2012، 240 صفحة. استعرته من منتدى مقابسات للفكر و التواصل

نص علي حرب
صفحة 48
         و لكن الكثيرين من المثقفين لا مصداقية لهم في ما يدعون أو يعلنون من المواقف. فهم ضد الاستبداد في مكان، و لكنهم يقفون معه أو يسكتون عليه في مكان آخر. فهم ضد المجازر التي ترتكبها إسرائيل في غزّة، و لكنهم يصفقون للمجازر التي ترتكبها "القاعدة" في العراق بحق عراقيين. و هم مع الحرية و الديمقراطية في تونس و القاهرة، و لكنهم ضدها في لبنان، إذ هم مع محاولة تعريبه و أسلمته، على الطريقة التي تؤدي إلى فقدان ميزته، كبلد شكّل و ما يزال يشكّل منبرا لحرية الكلمة و مساحة لممارسة الحريات الديمقراطية التي استفاد منها كل الهاربين من جور حكوماتهم أو من فقر بلدانهم.

إضافة م. ع. د. م. ك.
في حرب الخليج الأولى و الثانية، وقف العديد من المثقفين اليساريين التونسيين مع نظام صدام العراقي الاستبدادي بدعوى الوقوف ضد أمريكا و وقفوا قبله مع الاحتلال السوري للبنان بدعوى معاداة إسرائيل و مجدوا و لا زالوا يمجدون نظام ستالين الديكتاتوري بدعوى مناهضة الإمبريالية. أنا، كتونسي يساري غير ماركسي، أقف و بحزم سلمي و فكري ضد الأنظمة الديكتاتورية الثلاثة، صدام و الأسد و ستالين، و في الوقت نفسه أقف ضد أمريكا و إسرائيل و الإمبريالية و لا أرى نفسي متناقضا، بل على العكس أرى نفسي أكثر منهم انسجاما و تطابقا مع مبدأ مناهضة الاستعمار و الديكتاتورية أيّا كان مأتاهما، عربيا كان أو غربيا، لأن نتيجتهما الكارثية واحدة على الشعوب العربية.
انتهت إضافة م. ع. د. م. ك. و أرجع الآن إلى نص علي حرب.

نص علي حرب
         و هم إلى ذلك قد فقدوا المصداقية و المشروعية و الفاعلية منذ زمن طويل، سواء من حيث نماذجهم في فهم العالم أو من حيث برامجهم لتغيير الواقع. فالعالَم، تغير و يتغير، بعكس تصوراتهم و خططهم. و الأهم أنه يتغير على يد قوى جديدة، كانت مستبعدة أو مهمشة، و ربما محتقرة، من جانب المثقفين الذين يدعون احتكار الوعي و العلم و المعرفة بأحوال العالم، فإذا بهذه القوى تبدو حية، ناشطة، فعالة أكثر مما يحسب دعاة التقدم و التغيير.

تعليق م. ع. د. م. ك.
         أخص بالانتقاد هنا، رفاقي اليساريين الماركسيين التونسيين: ماركس قال أن الفلاسفة في عصره غرقوا في تفسير العالم و فهمه لكنهم لم يحاولوا تغييره و المطلوب فهمه و تغييره. أما رفاقي المعاصرين فلم يقتدوا بمعلمهم و حاولوا تغيير الواقع التونسي دون فهمه و لذلك لم يحالفهم الحظ، لا في الفهم و لا في التغيير. للأمانة، لقد حاولوا فهم الواقع التونسي لكن باستعمال آليات قديمة متكلسة و بتوظيف مبادئ ماركسية عامة منقرضة أو في طريق الانقراض مثل: الحتمية المادية و الحتمية التاريخية و صراع الطبقات و ديكتاتورية البروليتاريا و اللينينية و الستالينية و الماوية و الاشتراكية "العلمية". يبدو لي أنهم لم يحسوا بتغير العالم من حولهم، فصراع الطبقات لم يعد المحرك الأساسي للتاريخ، و العلم أصبح يؤمن بالتفاعل و الانبثاق غير المعروف مسبقا، مما يقودنا بالضرورة لللاحتمية المادية و اللاحتمية التاريخية، و البروليتاريا لم تعد طبقة تحتكر الفقر و لم تعد طبقة متجانسة و الفقراء أصبحوا طبقات جديدة متعددة متنوعة متكونة من العمال بالفكر و من المهمشين و من المعطلين عن العمل و من الفقراء المثقفين و المدونين و الفيسبوكيين و أصحاب الشهائد العليا العاطلين عن العمل. لم تعد طبقة البروليتاريا و لم تك يوما طبقة ثورية، فالحزب الشيوعي الطلائعي هو الوحيد الذي  اعترف زَيفا بثوريتها و هو الوحيد الذي سلبها حقها في التعبير و استعار اسمها ليتحكم في مصيرها بعنوان ديكتاتورية البروليتاريا و البروليتاريا كانت أوّل ضحاياه في الاتحاد السوفياتي و دول أوروبا الشرقية و ألبانيا و كمبوديا و كوريا الشمالية و الصين الماوية. لقد أثبتت الطبقات الجديدة غير البروليتارية ثوريتها عن جدارة في الربيع العربي و غابت الطبقة البروليتارية حسب التعريف الماركسي و غاب ممثلوها كأحزاب طلائعية عن شوارع و ساحات الربيع العربي و لم نر من طلائعيتهم إلا ركوبهم على الثورة بعد بروزها مثلهم مثل الأحزاب الإسلامية. انتهى تعليق م. ع. د. م. ك. و أرجع الآن إلى نص علي حرب.

نص علي حرب
         هذه هي حال العاطلين عن العمل الذين كانوا يفعلون بصورة سلبية أو عقيمة، فإذا بهم يسهمون الآن في تفجير الانتفاضة في غير مكان من العالم العربي. و هذه هي خاصة حال الأجيال الجديدة من الشباب و المدونين و العاملين على الشبكات. و من المفارقات أن فلاسفة العرب و مفكريهم ما زالوا يثيرون أسئلة النهضة و مشكلات الحداثة، فيما الفاعلون العرب الجدد قد تجاوزوا الحداثة إلى ما بعدها، بانخراطهم في الحداثة الفائقة و السيّالة للعصر الرقمي و الواقع الافتراضي. و ها هم يتصدرون الواجهة و يصنعون الحدث الذي سارع المثقفون إلى تلقفه و التعيش عليه، لأن مجتمع المثقفين ليس ملكوتا للفضيلة و لا هو مملكة للحرية و العدالة، بل هو الأسوأ داخل المجتمع الكبير، كما تشهد علاقات المثقفين بعضهم ببعض. و ذلك يعني أن المثقفين لم يعودوا عقول المجتمعات النيّرة. و لم يكونوا أصلا ضمائرها الحية.

لنعترف بفشلنا و إفلاسنا، و بأن جيلنا قد أورث الأجيال الجديدة كل هذا التردي و التراجع. و مؤدى الاعتراف أننا الوجه الآخر للأنظمة التي ندينها و ننتشي لانهيارها، بنخبويتنا و تهويماتنا النرجسية. فالحاكم و المثقف متألّه و عاشق لذاته، نابذ لغيره. الأول ينفرد بالسلطة و يستبد بها بقدر ما يظلم من اختاروه لرعاية مصالحهم. و الثاني يحتكر الحقيقة و يعتقد بأنه فريد عصره و مجاله، بقدر ما يحتقر من يدّعي أنه يدافع عن حقوقهم.

تعليق م. ع. د. م. ك
         أحمد الله أنني لم أجد نفسي في تعريف علي حرب للمثقف العربي الكلاسيكي و لم أك  يوما وجها لنظام بورقيبة  أو نظام بن علي و لم أنتمِ إلى حزب و لم تصادِر تفكيري أي إيديولوجيا بل على العكس أجد نفسي بكل تواضع من ضمن الفاعلين التونسيين الجدد لأنني انخرطت منذ 2008 في العصر الفيسبوكي و الواقع الافتراضي بنشر مقالات انتقادية حول التعليم و حول الوضع الاجتماعي بصفة عامة و شاركت على قدر العمر المتقدم و الصحة الضعيفة في مظاهرات ثورة 14 جانفي 2011 قبل و بعد هروب بن علي.

البصمة الفكرية الكشكارية
بكل شفافية، أعتبر نفسي ذاتا حرة مستقلّة مفكرة  و بالأساس مُنتقِدة، أمارس قناعاتي الفكرية بصورة مركبة، مرنة، منفتحة، متسامحة، عابرة لحواجز الحضارات و الدين و العرق و الجنس و الجنسية و الوطنية و القومية و  الحدود الجغرافية أو الأحزاب و الأيديولوجيات.
على كل مقال سيء، نرد بمقال جيد، لا بالعنف المادي أو اللفظي أو الرمزي.

Mes deux principales devises dans la vie, du moins pour le moment :
-         Mohamed Kochkar : faire avec les conceptions non scientifiques (ou représentations) pour aller contre ces mêmes conceptions et en même temps auto-socio-construire à leurs places des conceptions scientifiques
-         J. P. Sartre : Les idéologies sont liberté quand elles se font, oppression quand elles sont faites

إمضاء جديد و محيّن للـ د. محمد كشكار
مواطن العالَم (أعتذر لكل المواطنين في العالَم غير الغربي على فعله و يفعله بهم حتى الآن بعض المواطنين في العالَم الغربي ، من المفروض إخوانهم في الإنسانية)، مسلم (أعتذر لكل المواطنين غير المسلمين على ما فعله بهم بعض أجدادي المسلمون)، عربي (أعتذر لكل المواطنين غير العرب على ما فعله بهم بعض أجدادي العرب) تونسي (أعتذر لكل المواطنين التونسيين على ما فعله بهم نظام بورقيبة و نظام بن علي طيلة سنوات الجمر الخمسة و خمسين)، "أبيض- أسود" البشرة (أعتذر لكل المواطنين السود في  العالَم  علىِ ما فعله بهم بعض أجدادي البيض)، يساري غير ماركسي (أعتذر لكل المواطنين غير اليساريين و لليساريين غير الماركسيين في  العالَم  علىِ ما فعله بهم بعض رفاقي الماركسيين اللينينيين أو الستالينيين أو الماويين)، و غير منتم لأي حزب أو أي أيديولوجيا ( أعتذر لكل المواطنين غير المنتمين حزبيا أو أيديولوجيا في العالَم عن كل خطأ ارتكبته في حقهم الحكومة و المعارضة و المتعاطفين معهما).

تاريخ أول إعادة نشر على النت: حمام الشط في 12 سبتمبر 2012.




mardi 18 novembre 2014

اتعظ عقلاء ألمانيا من كارثة اليابان النووية و لم يتعظ آيات الله في إيران و باكستان. مواطن العالم د. محمد كشكار

اتعظ عقلاء ألمانيا من كارثة اليابان النووية و لم يتعظ آيات الله في إيران و باكستان. مواطن العالم د. محمد كشكار

بعد كارثة اليابان النووية الأخيرة، قرّرت لجنة متكونة من عقلاء ألمانيا - و ليس من رجال السياسة - التخلي نهائيا عن استعمال النووي لأغراض صناعية سلمية في أجل أقصاه عام 2022 رغم أن الطاقة النووية تمثل اليوم  22 بالمائة من احتياجات ألمانيا الطاقية. تهيأت ألمانيا لتعويض هذا المصدر الملوِّث للبيئة و أنشأت مصانع لإنتاج الطاقة النظيفة و المستديمة من الثروات الطبيعية المتوفرة و المتجددة في كل بلدان العالم و هي الشمس و الريح و الماء. أما " آيات الله " في باكستان، فهم  يفتخرون بالقنبلة النووية الإسلامية الخضراء و زملائهم في إيران يحاولون إنتاج مثيلتها و يصرّ الاثنان على إلحاق الضرر بأجيال الحاضر و المستقبل. أما دويلات العالم الثالث، مثل الجزائر و مصر و تونس و سوريا، التي تسعى لبناء مفاعلات نووية لإنتاج الطاقة، فأمرها والله مُضحك و ذلك للأسباب التالية: أولا، يفعل الجاهل بنفسه ما يفعل العدو بعدوه. ثانيا، ما أحوج هذه الحكومات الطفيلية لمصادر الطاقة الملوثة و قد حبت الطبيعة بلدانها بشمس ساطعة و رياح دائمة. ثالثا، تفكر الدول المتقدمة في مصلحة مواطنيها الحاليين و تحاول الحفاظ على الثروات الطبيعية للأجيال القادمة أما نحن فنبذر حاضرنا و نسعى لتلويث مستقبلنا بأيدينا. رابعا و أخيرا، ألم نتعظ و نأخذ درسا من كارثة اليابان؟ فإذا كانت اليابان بتقدمها العلمي و التكنولوجي لم تستطع مواجهة تسرب و انتشار الإشعاعات النووية في البر و البحر، فماذا يا تُرى، ترانا نحن فاعلون لو حلت بنا - لا قدر الله - كارثة من هذا الحجم؟

رد على تعليق قارئ يتحجج بنجاعة السلاح النووي في ردع العدو
يا ريت القنبلة النووية تقدر على حمايتنا من اعتداءات أمريكا و إسرائيل: لم تمنع القنبلة النووية الباكستانية أمريكا من احتلال أفغانستان حليفة الباكستان، لا بل قالت الباكستان حينها أنها انبطحت لأمريكا حماية و حفاظا على قنبلتها الإسلامية الخضراء. لم يمنع المشروع النووي الحربي الإيراني من احتلال العراق - ذو الأغلبية الشيعية - من قبل أمريكا، "الشيطان الأكبر و عدو فارس الأول". لم تمنع القنبلة النووية السوفياتية من انهيار و تفكك الاتحاد السوفياتي و لم تقدر روسيا النووية على حماية جارتها يوغسلافيا من ضربات الناتو، يوغسلافيا التي تنتمي هي و روسيا إلى نفس العرق السلافي. لم يحم مشروع هتلر النووي ألمانيا من الهزيمة. لم تحرر القنبلة النووية الصينية الأراضي الصينية في فورموزا. لم تمنع القنبلة النووية أمريكا ذاتها من هجوم 11 سبتمبر و تحطيم البرجين. لا تستطيع إسرائيل تفعيل قنبلتها النووية للدفاع عن نفسها لأنها ستكون أول المتضررين بالإشعاع النووي. ضَربُ اليابان بقنبلتين نوويتين أمريكيتين لم يمنع هذه البلاد من النهوض و التقدم لتحتل الصدارة الاقتصادية عالميا قبل أمريكا. القنبلة النووية لم و لن تحمي البلدان من اعتداءات الخارج، أما الديمقراطية و التقدم العلمي فهما الضامنان الأساسيان للاستقلال الحقيقي و الحرية و الكرامة.

إمضاء م. ع. د. م. ك.
"الذهن غير المتقلّب غير حرّ".
لا أحد مُجبر على التماهي مع مجتمعه. لكن إذا ما قرّر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذن أن يتكلم بلسانه (المجتمع)، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه. عبد الله العروي.
يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه و يثقوا في خطابه أما أنا - اقتداء بالمنهج العلمي - أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات و أنتظر منهم النقد المفيد.
لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى و على كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف الرمزي أو اللفظي أو المادي.
"الكاتب منعزل إذا لم يكن له قارئ ناقد".
عزيزي القارئ, عزيزتي القارئة، أنا لست داعية فكري و لا سياسي, أنا مواطن عادي مثلك، أعرض عليك  وجهة نظري المتواضعة و المختلفة عن السائد, إن تبنيتها, أكون سعيدا جدا, و إن نقدتها, أكون أسعد لأنك ستثريها بإضافة ما عجزت أنا عن إدراكه, و إن عارضتها  فيشرّفني أن يصبح لفكرتي معارضين.
البديل يُصنع بيني و بينك. لا يُهدى البديل و لا يُستورد و لا ينزل من السماء (قال تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) و واهم أو ديكتاتور من يتصور أنه يملك البديل جاهزا.


تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في  2011.


lundi 17 novembre 2014

أطالب بالكف عن تنميط الخصوم الفكريين و السياسيين! مواطن العالم د. محمد كشكار

أطالب بالكف عن تنميط الخصوم الفكريين و السياسيين! مواطن  العالم د. محمد كشكار

1.     أطالب بالكف عن اعتبار كل الإسلاميين التونسيين رجعيين إلا الذين لم ينبذوا التكفير، و الولاء للخارج على حساب مصلحة الوطن، و الجهاد المسلح ضد إخوانهم أو ضد غير المعتدين من غير المسلمين، و تقديس الماضي المؤسِّس إلى درجة تفضيله على المستقبل. و لا تنسوا أن فيهم مَن قُتِل أو عُذِّب أو نُفِي أو طُرِد من عمله أو حُرِم من مصدر رزقه أو أُرهِبت عائلته المضيقة و الموسعة.

2.     أطالب بالكف عن اعتبار كل القوميين التونسيين منغلقين و متعصبين إلا الذين يتمسكون بعلوية و أفضلية العرب على البربر و الكرد و الفرس و الأتراك و الهنود و غيرهم من الأمم الأخرى. و لا تنسوا أن فيهم مَن قُتِل أو عُذِّب أو نُفِي أو طُرِد من عمله أو حُرِم من مصدر رزقه أو أُرهِبت عائلته المضيقة و الموسعة.

3.     أطالب بالكف عن اعتبار كل اليساريين التونسيين منبَتِّين إلا الذين يصرّون على التكلم بغير لسان المجتمع التونسي والنطق بغير منطقه. و لا تنسوا أن فيهم مَن قُتِل أو عُذِّب أو نُفِي أو طُرِد من عمله أو حُرِم من مصدر رزقه أو أُرهِبت عائلته المضيقة و الموسعة.

4.     أطالب بعدم الكف عن اعتبار كل رموز الدساترة و التجمعيين التونسيين (أعني بهم مسؤولي الحكومة المنفذين ابتداء من خطة وال فما فوق، و ليس الخبراء و الكفاءات العلمية التي بنت تونس الحديثة) متهمين حتى يبرِّئهم القضاء. و حتى إن برّأهم القضاء فلن أبرِّئهم أنا من المسؤولية القانونية و الأخلاقية على الجرائم السياسية (الفساد و تدليس الانتخابات و التعذيب و الترهيب، إلخ) التي وقعت في عهد بورقيبة و بن علي و أدينهم على صمتهم حفاظا على مكاسبهم حتى و لو لم يشاركوا في هذه الجرائم بصفة مباشرة و لم يستفيدوا منها ماديا، فإن كانوا على علم بها فهم بصمتهم متواطئون مع المجرمين و إن كانوا على غير علم بها فهم متقاعسون عن تحمّل المسؤولية الملقاة على عاتقهم. و لا تنسوا أنهم هم المسؤولون  قانونيا و أخلاقيا عن قتل شهداء الحرية الإسلاميين و القوميين و اليساريين و هم ليس لهم شهيدا واحدا للحرية منذ الاستقلال، و لا تنسوا أنهم هم مَن عَذِّب و نَفَى و طَرَد المناضلين السياسيين المعارضين من أعمالهم و حَرَمهم من مصدر رزقهم و أرهَب عائلاتهم المضيقة و الموسعة. سامحهم الله الذي تبدو الكبائر عنده كاللَّمَمِ أما أنا العبد الضعيف فذنبهم قد فاق طاقتي للعفو.

إمضاء م. ع. د. م. ك.
قال الفيلسوف اليساري المغربي العظيم عبد الله العروي: "لا أحد مُجبر على التماهي مع مجتمعه. لكن إذا ما قرّر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذن أن يتكلم بلسانه (المجتمع)، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه". و مجتمعنا التونسي عربي مسلم أو لا يكون مع احترام حقوق الأقليات العرقية و العقائدية.
يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه و يثقوا في خطابه أما أنا - اقتداء بالمنهج العلمي - أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات و أنتظر منهم النقد الهدام المفيد.
لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى، و على كل مقال قد يبدو لكم ناقصا أو سيئا نرد بمقال كامل أو جيد، لا بالعنف اللفظي.

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط، الثلاثاء 18  نوفمبر 2014.


dimanche 16 novembre 2014

مقارنات معبّرة لا يجوز تعميمها. مواطن العالم د. محمد كشكار

مقارنات معبّرة لا يجوز تعميمها. مواطن العالم د. محمد كشكار

مقارنة 1
-         في تونس: عندما نذهب نحن، أساتذة علوم الحياة و الأرض، لحضور اجتماع بيداغوجي بمركز التكوين برادس، قبل السنة الدراسية 2011-2012، يقوم المتفقد، غير المختص في علوم التربية، بإعطائنا درسا مملا في البيداغوجيا و التعلمية ثم نرجع إلى تلامذتنا خاويين الوفاض إلا من توجيهات السيد المتفقد التسلطية العقيمة.
-         في فرنسا: حضرت مرة واحدة في حياتي اجتماعا بيداغوجيا في فرنسا، طرح المتفقد موضوع الحصة "كيف نشاهد حشرة تحت المجهر؟". تداول على المنصة عشرون أستاذا، كل واحد منهم عرض تجربته في القسم. استفدت كثيرا من تلك الحصة.

مقارنة 2
-         في جينيف: يدرّس أستاذي و صديقي في المؤتمرات التعلمية التونسية،  أندري جيوردان، الإبستمولوجيا (نقد المعرفة) لأطباء المستشفى العمومي. يبدأ درسه الأول بالتعليمة التالية: اذهبوا و افرغوا أكياس القمامة في المستشفى و صنفوا محتوياتها و هاتوها معكم. يرجع الأطباء و في سلة الفضلات الكثير من الأدوية التى وصفوها لمرضاهم. يسألهم الأستاذ: لماذا يرمي المريض المقيم الدواء الذي وصفتموه له و لا يستعمله و يوهمكم أنه استفاد منه؟
-         في تونس: لا تُدَرّس الإبستمولوجيا  في كليات العلوم التونسية فما بالك بالمستشفيات العمومية.

مقارنة 3
-         في جينيف: يحترم الطبيب معرفة المريض بمرضه و يسمعه و يستفيد منه.
-         في تونس: لا يحترم الطبيب المريض نفسه و يسخر من معرفة هذا الأخير بمرضه.

مقارنة 4
-         في مصر: يتحابب سكان العمارة الواحدة و يتصافحون يوميا لكن لا يصلحون درجا مهشما في السلم الحجري لعمارتهم و لا يطلون جدرانها الخارجية على امتداد سنوات.
-         في فرنسا و في بعض العمارات السكنية التونسية: لا يتحابب سكان العمارة الواحدة و لا يتصافحون البتة لكن يكوّنون نقابة تسهر على العناية بعمارتهم و ترميمها عند الحاجة.

مقارنة 5
في فرنسا:  تزوج فرنسي مسيحي تونسية مسلمة و غيّر دينه من أجلها و أسلم في جامع باريس. ذهب لزيارة أهله المسيحيين و قدّم لهم عروسته المسلمة ، فرحبوا به و بزوجته و امتنعوا وقتيا عن شرب الخمر و أكل لحم الخنزير احتراما لمشاعر ابنهم المسلم الجديد و زوجته المسلمة.
في تونس: قاطع أهل العروسة ابنتهم و لم يصادقوا على إسلام زوجها و طالبوه بإعلان إسلامه في جامع الزيتونة و كأن الإسلام مقيم حصريا بتونس.


تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 24 جوان 2012.