Affichage des articles dont le libellé est الإسلام، العَلمانية. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est الإسلام، العَلمانية. Afficher tous les articles

mardi 16 décembre 2014

رفعا لكل التباس: العَلمانية لا تحارب الدين و إنما تحارب الرجعية و العنصرية و اللاتاريخية و الخرافات و التعصّب الديني. مواطن العالم د. محمد كشكار

رفعا لكل التباس: العَلمانية لا تحارب الدين و إنما تحارب الرجعية و العنصرية و اللاتاريخية و الخرافات و التعصّب الديني. مواطن العالم د. محمد كشكار


تاريخ أول نشر على النات: حمام الشط في 11 مارس 2012. 

لا ينبغي أن نخلط بين العَلمانية و الإلحاد أو بين العَلمانية و الكفر كما يزعم بعض الإسلاميين المتزمتين اليوم. فالعَلمانية لا تعني الكفر، و لا تعني التديّن على الطريقة التقليدية السلفية. العَلمانية تعني توليد تديّن جديد ينهض على أنقاض التديّن السلفي القديم. هنا تكمن روح العَلمانية أو جوهرها.

العَلمانية لا تحارب الدين و إنما تحارب الخرافات و التعصّب الديني، و لا تحارب التديّن و إنما تحارب علماء و دعاة دين السلطة القمعية. المشكلة هي أن هؤلاء العلماء و الدعاة المأجورين لم يعودوا يعبؤون بهذه التمييزات الدقيقة. فراحوا يخلطون عن قصد و سوء نية بين الأمرين. لم يعودوا يميّزون بين الدين الإسلامي في سموّه و تنزيهه و تجريده و تعاليه، و بين التجسيدات المادية له، أو الاستخدامات الانتهازية و التوظيفات السياسية له. و هنا يكمن وجه الخطورة في تجربة الإسلام السياسي الرجعي (ضد الإسلام السياسي). ف الإسلام السياسي يحمل في طياته الإيجابي و السلبي في آن. فالعلّة ليست في الدين الإسلامي ككل، و ليست في الدين الإسلامي في تجريده للخالق المنزه الأكبر الذي يتعالى على صغائر الحياة الأرضية (قال البوصيري في قصيدة البردة: "يا نفس لا تقنطي من زلةٍ عَظُمَـــــتْ إن الكبائر في الغفران كاللّمَـــــم"، اللّمم هي الصغيرُ من الذنوب، مثل القُبلة والنظرة وما شابهها)، و ينفتح على المطلق، مطلق الله. العلّة ليست في الدين الإسلامي كحاجة داخلية للإنسان يتحصّن بها أمام الموت و ما بعد الموت، و إنما هي في الفهم الضيّق المتعصب و المشوَّه لمبادئ الدين الإسلامي السمحة. و بالتالي كان ينبغي الخروج من فهم سلفي رجعي للدين الإسلامي من أجل التوصل إلى فهم حديث، واسع، حر باستعمال و توظيف العلوم الحديثة كالأنتروبولوجيا و الأركيولوجيا و الألسنية و علم النفس و الفلسفة و تحقيق النصوص المقدسة و العلوم التجريبية و تاريخ الأديان المقارن.

و لكن عملية الخروج هذه لن تكون سهلة على الإطلاق. فليس من السهل أن ننفصل و بإرادتنا عن تراث 15 قرنا، تراث شكّلنا و صاغنا عندما كنا أغصانا غضة طرية. ليس من السهل أن ننفصل عن العقائد و الأفكار التي رضعناها مع حليب الطفولة. كان ينبغي أن يحصل صراع داخلي و قطيعة إبستومولوجية مع الماضي السحيق. و هذا ما بدأ يحصل بالفعل في العالم العربي الإسلامي و يسيل الحبر لكنه للأسف الشديد حِبرٌ أسال معه الدماء. و إلى لآن لم تُحسم المواجهة و لن تُحسم عن قريب بين الأصوليين و العَلمانيين إلا بعد معارك طويلة شرسة - أتمنى أن تكون فكرية سلمية - كالتي سجلها التاريخ بين التنويريين النهضويين الأوروبيين و الأصوليين المسيحيين الأوروبيين في أواخر القرون الوسطى على أيدي رُوّاد النهضة العِظام أمثال بيترارك، المتمزق بين الإيمان المسيحي و الفلسفة اليونانية (1304م - 1374م)، و لورنز قالا، أحد النهضويين و الإنسيين (Humaniste 1407م - 1457م)، و إيراسموس، زعيم النهضة الأوروبية (1469 م - 1532  م)، و جيوردانو برونو، شهيد الأصولية المسيحية (1548 م - 1600 م) الذي أحرقته محاكم التفتيش المسيحية الإيطالية حيا. على هذا المستوى من العمق ينبغي أن نموضع الصراع بين العَلمانية و الأصولية الإسلامية الرجعية المتزمتة و المتعصبة، و إلا فلن نفهم شيئا من شيء، و لن نتوصل إلى أي شيء يُذكَر.
                  
                   كانت الكتابات التي ألّفها المجدّدون المسلمون المعاصرون، أمثال جمال الدين الأفغاني و محمد عبدَه و الطاهر بن عاشور و الطاهر الحداد و محمد أركون و هشام جعيط و عبد المجيد الشرفي و هاشم صالح و آمال قرامي و محمد الطالبي و أبو يعرب المرزوقي و محمد حداد و محمد الشريف الفرجاني و ألفة يوسف و غيرهم، قد انخرطت في معركة واسعة ضد التزمت الديني الإسلامي. و قال رُوّادُها بأن هذا التزمت هو الذي كبح جماح التقدم الفكري في عصور الانحطاط منذ القرن الثاني عشر ميلادي إلى اليوم، أي منذ موت ابن رشد و حرق كتبه و التنكر لفلسفته التي مثلت عاملا مهما من عوامل النهضة الأوروبية في القرون الوسطى و هذا هو نفس التزمت الذي حال دون تأسيس أخلاق عملية مقننة غير ميتافيزيقية و نظام سياسي و اجتماعي عادل و كتابة دستور وضعي يضمن الديمقراطية و حقوق الإنسان و حرية التعبير المطلقة الخالية من كل قيد أو شرط إلا من أخلاقيات المهنة و ضمير المبدع و المساواة التامة و الكاملة في الحقوق بين المرأة و الرجل. لكن للأسف راح الجناح الملحد في العَلمانية يهاجم العقيدة الإسلامية التقليدية هجوما مجانيا شديدا. ينبغي أن نميّز هنا بين عَلمانية القرن 18 و 19 و 20 الملحدة (ديدرو، هولباخ، لامتري، باسكال، كانط، سبينوزا، سارتر، ماركس، فوكو و غيرهم) و عَلمانية اليوم المؤمنة التي أنتهج نهجها و أسير على خطوات كتّابها و مفكريها و فلاسفتها العرب المسلمون، رُوّاد التنوير المعاصرون في العالم العربي المذكورين أعلاه.
                  
                   لأول مرة أصبح التراث الإسلامي عُرضة للدراسة العقلانية النقدية، و لذلك فإن المثقفين العرب الذين يتحاشون هذه النقطة و يعتقدون بإمكانية تواجد العَلمانية في العالم العربي دون وضع التراث على محك النقد التاريخي الصارم، هم واهمون.

                   إذن فهناك تديّن تقليدي، و تديّن عَلماني. هناك تديّن رجعي، لاتاريخي، قسري، قمعي، خارجي، شكلاني، خالِ من الإيمان المجرّد الخالص لله سبحانه و تعالى، و تديّن داخلي، حميم، صادق، شخصي، حر. لم تستطع أوروبا أن تنهض إلا بعد أن تخلّت عن التديّن التقليدي الرجعي اللاتاريخي و اعتنقت محله تديّنا عَلمانيا جديدا متصالحا مع البيان العالمي لحقوق الإنسان الضامن أخلاقيا و مبدئيا للحق في المعرفة و الصحة و التعبير و الاعتقاد و حقوق المرأة في المساواة الكاملة و التامة مع الرجل رغم اختلافهما البيولوجي و حقوق الطفل في الرعاية و التعليم و التكوين و مساند مشجع متحمس للاكتشافات العلمية و الفلسفية الحديثة.

                   لم و لن يستسلم العَلمانيون العرب للمقادير، و لم و لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام ما يجري في العالم العربي الإسلامي. و لم و لن يبرّروا استسلامهم بحجة الالتصاق بالشعب كما فعل أشباه المثقفين من العرب الذين أرادوا ركوب الموجة الأصولية و التماهي معها دون نقدها... فالارتباط بقضية الشعب أو الالتصاق بها لا يعني النزول إلى مستوى الدهماء و الغوغاء و دغدغة العصبيات الدينية البغيضة، بل على العكس فهو يعني بالضرورة الارتفاع بالشعب عن طريق التثقيف و التوعية و نشر التعليم! نعم لقد أعطانا فلاسفة التنوير الأوروبي درسا بليغا في كيفية مواجهة التعصب الديني و الأصولية النصوصية الرجعية اللاتاريخية السلفية و السنّية و الشيعية و الوهابية و الإباضية. و نحن بأمس الحاجة إلى استلهام هذا الدرس ضمن الظروف العصيبة التي نشهدها اليوم في عالمنا العربي و الإسلامي.

ملاحظة هامة
كَتبَ النص الأصلي هاشم صالح في كتابه "مدخل إلى التنوير الأوروبي"، صفحة 147، تأليف: هاشم صالح، دار الطليعة للطباعة و النشر و رابطة العقلانيين العرب، الطبعة الأولى 2005، الطبعة الثانية 2007، بيروت - لبنان، 264 صفحة.
شرح فيه أسباب النهضة الأوروبية في أواخر العصور الوسطى. يتحدث هذا الكتاب عن روّاد النهضة الأوروبية، و تناقضهم الفكري مع الرهبان و مع العقيدة المسيحية نفسها، في أواخر القرون الوسطى، بداية من القرن الرابع عشر ميلادي حتى القرن الثامن عشر، عصر العقل و عصر التنوير أو عصر فلسفة الأنوار أو قرن الأنوار كما يحلو للفرنسيين تسميته و الافتخار عن جدارة بمنجزاته أو عصر التحرّر العقلي و الفكري، صاحب المشروع النضالي الضمني غير العلني بسبب خوف الفلاسفة من السلطة و الكنيسة المرتبطة بها عضويا، هذا العقل التنويري الذي يريد تخليص البشرية الأوروبية و غير الأوروبية من ظلمات العصور الوسطى و هيمنة رجال الكنيسة.  استعرتُ من هاشم صالح القالب اللغوي و طوّعتُه و حشوتُه أفكارا شخصية و نقدا لواقعنا العربي الإسلامي المعاصر المَعيش في القرن الواحد و العشرين. يبدو لي أنني قد قمت بذلك بشفافية دون سرقة أدبية فجة أو سخيفة و دون تعسّف أو تحريف أو تجنِّ على النص الأصلي و دون إسقاط مرحلة على مرحلة أو حضارة على حضارة أو دين على دين أو نقد على نقد.

إمضاء م. ع. د. م. ك.
"أنا متشائم بالذكاء و متفائل بالإرادة" أنتونيو قرامشي
قال الفيلسوف اليساري المغربي العظيم عبد الله العروي: "لا أحد مُجبر على التماهي مع مجتمعه. لكن إذا ما قرّر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذن أن يتكلم بلسانه (المجتمع)، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه". و مجتمعنا التونسي عربي مسلم في أغلبيته أو لا يكون مع احترام حقوق الأقليات العرقية و العقائدية فهي ملح الديمقراطية.
يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه و يثقوا في خطابه أما أنا - اقتداء بالمنهج العلمي - أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات و أنتظر منهم النقد الهدام المفيد.
لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى، و على كل مقال قد يبدو لكم ناقصا أو سيئا نرد بمقال كامل أو جيد، لا بالعنف اللفظي.
قال الشاعر العراقي سعدي يوسف: "أسير مع الجميع وخطوتي وحدي". هذه وضعيتي أنا و قلة من اليساريين التونسيين داخل العائلة اليسارية الموسّعة التي تجمع أربع عائلات ضيقة وهي  العائلة الفوضوية و العائلة الماركسية و العائلة القومية الاشتراكية و عائلتي أنا، أعني العائلة  الاشتراكية الديمقراطية على النمط الأسكندنافي و ليس على شكل حزب الديمقراطيين الاشتراكيين التونسي (M. D. S).


lundi 15 décembre 2014

ما الفرق بين التفكير العلمي و التفكير الديني؟ مواطن العالَم د. محمد كشكار


ما الفرق بين التفكير العلمي و التفكير الديني؟ مواطن العالَم د. محمد كشكار

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 27 نوفمبير 2008.

أنطلق في هذا المقال من محاضرة ألقاها أحمد شبشوب, الأستاذ و الباحث التونسي القدير في علوم التربية, أثناء المؤتمر الوطني الرابع لتعلّمية العلوم أو فلسفة تعليم العلوم.
Didactique des sciences ou épistémologie de la formation et de l’enseignement comme j’aurais voulu l’appeler   

نظّمت كلية العلوم في مدينة صفاقس التونسية سنة 1998 ، مؤتمرا، عنوانه "’التربية العلمية للتلاميذ: أيّ عوائق يجب تجاوزها؟" و ألقى الأستاذ محاضرة، قال فيها: "في الواقع نحن ننتمي إلى ثقافة ما زالت شديدة التأثّر بما هو سحريّ و / أو ما هو وراء الطبيعة مع العلم أن التعليم المكثف للعلوم العصرية مازال حديث العهد في تونس: في سنة 1875 بدأت مدرسة "الصادقية" تنشره لدى النخبة، و المفروض أن الإصلاح التربوي لسنة 1958 قام بتعميمه على كامل التونسيين، لكن علينا أن ننتظر قانون جويلية1991  ليصبح التعليم إجباريا حتى سن السادسة عشرة، ثم قانون التوجيه سنة 2002، و رغم تعليمه الطويل مازال التونسي المتوسط يعتمد في حياته اليومية على طريقة تفكير, في إدراك العالم و تفسيره, تتداخل فيها النتائج المادية و الأسباب غير المادية و هذا مخالف للتفكير العلمي".

أبدأ بتعريف التفكير العلمي: يعتمد منهجية تتألف من المراحل التالية:
-         الملاحظة : تنبع الملاحظة من نظريات مسبقة عند العالِم و هي لا تحدث صدفة كما يعتقد الكثيرون في أسطورة حادثة التفاحة عند "نيوتن". عين العالِم, عين واعية و مدركة و ليست كعيون غير العلميين و العامة.
-         الإشكاليات: تمثل مداخل البحوث العلمية و تأتي بعد الملاحظات الصادرة من العلماء بعد تفكير و ليس صدفة.
-         الفرضيات : تطرح قبل البحث وهي استشراف لنتائجه لكن تبقي رهينة التجارب, تؤكدها أو تنفيها.
-         التجارب: يقوم بها العالِم أو الباحث أو التقني و يتحرى فيها الدقة و الأمانة العلمية.
-         النتائج: يجمعها العالِم أو الباحث أو التقني و يتحرى فيها الدقة و الأمانة العلمية.
-         تحليل النتائج و تفسيرها: هي أهم مرحلة لأنها الأصعب و لا يقوم بها إلا العالِم أو الباحث الملم بالنظريات العلمية السابقة.
-         الاستنتاجات : هي خلاصات البحوث العلمية الذي ينشرها العالِم أو الباحث في المجلات العلمية المختصة أو يلقيها في المؤتمرات العلمية الجامعية لتوضيح رؤيته الجديدة للآخرين.

يبدو لي أنه لا يوجد فصل ميكانيكي بين هذه المراحل لا في الزمن و لا في الترتيب، بينما يوجد بينها تداخل و تدافع و تفاعل و أخذ و رد و تغيير في الترتيب.

بعد هذه المقدمة, نحاول مقارنة منهجين سائدين في العالم : التفكير العلمي و التفكير الديني:
- ينبني التفكير العلمي على الأرض فهو أرضي و على الإنسان فهو إنساني صرف يحرّكه الشك )الشك طريق إلى مزيد من الشك و ليس طريقا إلى اليقين(، و يحركه أيضا الخطأ و الصواب و التطور و الاختلاف في وجهات النظر و هو يحمل تاريخا و فلسفة و إيديولوجيا. يستطيع الإنسان أن يجدد و يضيف فيه بلا حدود و يعيد بناء أسسه و يفنّد نظرياته القاصرة أو غير العلمية.

- أما التفكير الديني فهو آت من "السماء"، فهو سماوي و إلهي و غيبي، و هو صواب لا يحتمل الخطأ، و يقين يقود حتما إلى مزيد من اليقين، و هو ثابت في نصه متحول في تفسيره. يستطيع الفرد أن يجتهد داخل دائرة صدقه دون أن يمس ثوابته.

- يتصف التفكير العلمي بالشفافية والتحدي فهو يعرض نفسه متطوعا للنقض على صفحات المجلات المختصة وفي المؤتمرات العلمية لكل من استطاع إلى ذلك سبيلا, لا يحمل جنسا و لا جنسية و لا هوية و لا وطنية و لا عصبية و لا لون و لا عرق و لا دين. يراجع نفسه بلا خجل و يتخلى في أكثر الأحيان عن الأفكار السابقة التي كان يمجدها في يوم ما إن أثبتت التجربة خطأها.

- يتعالى التفكير الديني على التفكير العلمي بنسبه غير البشري  (الله مصدره و ليس الإنسان)، و  يقينه المطلق و عدم التزامه بالزمان و المكان (صالح لكل زمان و مكان)، و عصبيته للمؤمنين به و تكفيره للمكذبين به من غير المؤمنين، و إقصائه للمخالفين له حتى لو كانوا متدينين (الكفر ليس الإلحاد، المسلم كافر بالمسيحية و اليهودية و لا يؤمن إلا بالإسلام دينا غير محرّف على الأرض أما المسيحي فهو كافر بالإسلام. الملحد لا يؤمن بكل الأديان السماوية و لا يؤمن بوجود إله أصلا).

- يتواضع التفكير العلمي بإنسانيته و ماديته و نسبيته و تحديد مكانه و زمانه و شكه المتجدد و المتواصل.

- يقبل بالتفكير العلمي كل العالَم، و يؤمن بالتفكير الديني بعض العالَم. يعرض الأول نفسه على الدحض و التعديل و يطالب الثاني بالتسليم و التقديس دون جدل.

خطان متوازيان و لو حدث أن تواجدا في شخص واحد فهو ثنائي التفكير، و لا ضرر في ذلك عند عظماء العلماء المتدينين مثل الفيلسوف المسلم الكاتب و الطبيب "ابن سينا" (980-1037) و المعلم الثاني بعد أرسطو الفيلسوف المسلم "الفارابي" (872 - 950) و الراهب المسيحي عالم النباتات و الأب المؤسس لعلم الوراثة "مندال" (1822-1884).

أما الضرر الجسيم - حسب رأيي - فيكمن في الخلط بينهما، و هذا وارد في عقول  بعض المتدينين حين يستشهدون بالعلم لتقوية إيمانهم و لو عكسوا لأصابوا، و كأن العلم في أذهانهم أعظم شأنا من الإيمان، أما بعض العلمانيين  بفتح العين (و ليس بكسرها لأن المفهوم مشتق من كلمة العالَم و ليس من كلمة العلم كما يعتقد الكثيرون. العلمانيون بفتح العين هم الذين يؤمنون بهذا العالم الأرضي و يثقون بالإنسان و قدرته على صنع مصيره بنفسه)، فهم يتنافسون في محاربة المقدس و تكذيب الدين بالعلم و هذه تجارة خاسرة لأن الإيمان إحساس ذاتي لا يخضع للتجارب العلمية أو العلوم الإنسانية.

خلاصة القول حسب اجتهادي المتواضع: للعلم منهج, من مشي فيه و احترم قواعده, حقق المعجزات، و للدين باب من دخل فيه و صدّق معجزاته وجد فيه راحة باله.

هذان النمطان من التفكير يستطيعان التعايش إذا احترم كل واحد منهما الآخر، لأن غاياتهما السامية تتمثل في تحقيق القيم الإنسانية النبيلة على الأرض, من عدالة و تضامن و صدق و إخلاص و سلم, و مقاومة القيم الهدامة - السائدة منذ ظهور الإنسان على الأرض -  من ظلم و جشع و كذب و خيانة و حرب.

العلم "عمومي مشترك" و الدين "ذاتي و اجتماعي في نفس الوقت". أنت حر في دينك تمارسه كيفما يشاء ربك و تشاء أنت في علاقة عمودية، و لن تأتي فيه بجديد مهما علا شأنك. أما العلم فتمارسه كيفما يشاء اتفاق العلماء و تشاء أنت في علاقة أفقية، لذلك تستطيع أن تبدع في مجالك و تثبت صحة فرضياتك فتُجازَى على قدر إبداعاتك أو تُكذّب فرضياتك فيستفيد الآخرون من فشلك أو من نجاحك.

الرسالات الدينية موجهة للبشرية جمعاء فهي ليست حكرا على المتدينين و العالَم الإنساني المادي المحسوس مِلك للعلمانيين و لغيرهم. من المفروض أن يكون العَلماني "متدينا محتملا" بالنسبة للمتدين المعتدل و المتسامح، و يكون المتدين "عَلمانيا محتملا" بالنسبة للعلماني المتفتح و المتفائل.

العلم و الدين - لكل محرابه - فلا يهدم الواحد منهما محراب الآخر، و إذا رُمت المقام في أحدهما أو في كليهما فالدين رحب، يسكنه المؤمنون فقط و هم كثر, و العلم أرحب يدخله المؤمنون و غير المؤمنين. من الأفضل أن لا نسجن أنفسنا في خانة الخيارات الخاطئة مثل: أنت مؤمن بنظرية التطور لداروين، إذن أنت ملحد، أو العكس أنت مؤمن  بالله إذا أنت لا تعترف بهذه النظرية. مِن الممكن أن يكون الإنسان مؤمنا بالله و يعترف بنظرية التطور أو ملحدا و لا يعترف بها. يكوّن التفكير الديني و التفكير العلمي عالَمَين مختلفين و منفصلين و مستقلين لا تطابق كامل بينهما و لا تناقض كامل أيضا، و المواجهة بينهما معركة خاسرة للاثنين معا. قد يلتقيان في علم الأخلاقيات (L’éthique).

بعد ما نشرت هذا المقال في الجريدة الأسبوعية للاتحاد العام التونسي للشغل "الشعب", قرأت في موقع (WIKIPÉDIA)  
 و اكتشفت أن ما قلته يتوافق تماما مع ما قيل عن لسان عالم الإحاثة (Paléontologiste)   الأمريكي العظيم "قولد" (Stephen Jay Gould)، و هذا نصه:
  يهدف مبدأ "فصل السلطات العقائدية و الفكرية و الخلقية" بين الدين و العلم (Principe de NOMA : Non-Overlapping Magisteria ou non recouvrement des magistères) إلى  إرساء استقلالية متبادلة في الاختصاصات. و باسم هذا المبدأ, يوبّخ "قولد" الأصوليين الذين يعتقدون أن قيمة  النص في الكتاب المقدس تساوي قيمة النص في المجلة العلمية الثانية في أمريكا, و باسم هذا المبدأ أيضا  يختبر العلماء الذين, بسبب إلحادهم, يهاجمون اعتقادات المتدينين


En français : Les fausses alternatives : créationniste religieux ou évolutionniste athée ? On peut être athée et créationniste comme on peut être religieux et évolutionniste
Deux mondes : Pas de concordisme, ni affrontement systématique entre les deux mondes

Dans le site « WIKIPÉDIA », j’ai lu sur S. J. Gould (paléontologiste américain) : « principe de NOMA (Non-Overlapping Magisteria) : non recouvrement des magistères, destiné à instaurer une autonomie réciproque des compétences de la science et de la religion dans leurs domaines respectifs. Au nom de ce principe, Gould fustige les fondamentalistes religieux, pour lesquels le texte de la Bible a la même valeur que les Proceedings of the National Academy of Sciences (2ème revue scientifique américaine). Mais il réprouve également les scientifiques qui, en raison de leur athéisme, attaquent les croyances religieuses

الإمضاء: "أنا أكتب - لا لإقناعكم بالبراهين أو الوقائع - بل بكل تواضع لأعرض عليكم وجهة نظر أخرى و
"على كل مقال سيّئ نردّ بمقال جيّد لا بالعنف اللفظي أو المادي أو الرمزي".





jeudi 24 janvier 2013

الإسلام و العَلمانية. نقل مواطن العالَم د. محمد كشكار


الإسلام و العَلمانية. نقل مواطن العالَم د. محمد كشكار

يقول غولدزيهر:
"إن الإسلام قد جعل الدين دنيويا".

يليه مباشرة نص هشام جعيط:
لقد أراد أن يبني حكما لهذا العالَم بوسائل هذا العالَم.

تعليق م. ع. د. م. ك:
و هذه الجملة الأخيرة - حسب رأيي - هي أفضل تعريف لمفهوم "العَلمانية". هذا المفهوم المكروه، من قبل الإسلاميين و أغلبية المسلمين، دون تبرير علمي.

المصدر:
ص 85 من كتاب هشام جعيط  "أوروبا و الإسلام"، دار الطليعة بيروت، الطبعة الثالثة 2007، 128 صفحة.

تاريخ أول إعادة نشر على مدونتي و صفحاتي الفيسبوكية و مواقع نت أخرى
حمام الشط، في 24 جانفي 2013.