jeudi 26 décembre 2024

وأبغضُ الحَيْرَةِ الجهلُ بالوِجْهَةِ ؟

 

 

نَصُّ مواطن العالَم:

كان ممكنًا ألا أبوحَ بما يشغلني مع أن الكتمانَ ليس من شِيمي والتواصلَ عنديَ مرهمٌ والإفشاءَ دواءٌ. لذا أشهِدكم يا أحبائي وحبيباتي -جنّبكم الخالق ما بلاني- أشهِدكم أنا العبدَ الضعيفَ، رقيقُ الفؤادِ رقيقُ الإشارة في كل هَمسةٍ ولَمسةٍ، أنني غير موقنٍ، غير واثقٍ، غير متفائلٍ بأن الفرجَ آتٍ وغير مُسَلِّمٍ بأن الفقرَ قدرٌ من السماء. وأن النضالَ أصوبُ طريقٍ للخلاصِ أو مَن خافَ سَلِمَ، أن العدلَ بشريٌّ، وأن الظلمَ من طبيعة الإنسانِ ومكتوبٌ في جيناتِه.

في البدايةِ كان المستبدّونَ، وعلى أكتافِ العبيدِ بَنَوْا الأهرامات وفي النهايةِ وبسواعدَ المضطهدينَ شقّوا القنال، وبين العهدِ الأولِ والثاني نزلتِ الرسالات. الأسى على ما راحَ لا يُرجع ما راحَ والبكاءُ على الأطلالِ لن يُحييَ أم كلثوم. وأن العبقريةَ ليست موهبةً والغباءَ ليس وراثيًّا، والكمالَ والجمالَ لله والنقصَ والقبحَ للبشرِ، والعلمَ ليس موضوعيًّا ولا محايدًا، لكن اليومَ خيرٌ من أمسٍ، ولولاه ما كان لي وأنا في هذا العمر، لا ابتسامةَ على شفتايَ أرسمُها مجاملة ولا تفاحةً بأسناني الصفراءَ أقضمُها. وأن الحيادَ والموضوعيةَ والصدقَ والإخلاصَ خصالٌ بشريةٌ ؟ كذا التضامنَ والتآزرَ والتزاورَ والتطوّعَ والرفقَ والتقوى والكرمَ والأمانةَ وانعدام الغدر. الكذبُ حقٌّ، والبؤسُ حقٌّ، والنفاقُ حقٌّ، واللؤمُ والمحسوبيةُ والرشوةُ، حقٌّ أيّدَه وأبّدَه البشرْ ليشقَى بذنبه، لا بذنب غيره، البشرْ.

أشهِدكم أن الإنسانَ أقربُ إلى الحيوانِ منه إلى الإنسانِ، وأنه وعِفةُ النفسِ مَرَجُ البحرين لا يلتقيانْ بينهما برزخٌ لا يبغيانْ، أشهِدكم أن الله حضرَ طيلة الحِقَبِ النبوية ثم غابَ في النفوس قبلَ وبعدَ، وغابَ الحقُّ معه والعدلُ والرحمةُ وكل صفاتِه التسعة والتسعين، في مكةَ لم نعثرْ عليه منذ زمانْ، ولا في القدسِ وجدناهُ ولا في الفاتيكانْ.

أشهِدكم أن الطبيعةَ ليست وحدَها الخلاّقةُ والولاّدةُ، والأملُ في الإنسان عبادةْ، والرجاء فيه وحده آية من آيات الله لا نقصانَ فيها ولا زيادةْ، ومن حسن حظ البشريةِ أن العدوانيةَ والدونيةَ والتمييزَ والعنصريةَ ليست وراثيةً. كذا الأنانيةَ والجشعَ والربحيةَ والثقافةَ والأميةَ والإيثارَ وحب النفس الأمّارة بالسوء. بلاءٌ أصَبْنا به أنفسَنا وما ابتلانا به الواحد الأحد الله الصمد، فكأن الابتلاءَ من جِبِلتنا وهو في الواقع ليسَ كذلك.

صحيحٌ أن جيناتَنا الثلاثينَ ألفٍ ما زالت تبرمجُ لإنسانِ الغابةِ ولم تسمعْ بعدُ بأن المُبرمَجَ أصبحَ يُبرمِجُ وأن المخلوقَ الصغيرَ أصبح يَخلقُ الطائرات والكبائرَ. جيناتُنا لم تسمعْ بعدُ بأن الفراعنةَ تفرعنوا وأن البابِلِيّينَ علّقوا الحدائقَ وأن أثينا أنجبت رَقِيقًا مَهَّدَ للفلسفة ولولاه ما وُلِد سقراط ولا أفلاطون وما نَظَمَ هوميروس ملحمةَ الألياذة بخمسة عشر ألف بيت وما غزا طارق إبيرييا ولا كَتَبَ ابن خلدون المقدمةَ.

وصحيحٌ أيضًا ومن حسن حظنا أن خلايا مخنا تمرّدَتْ على هذا البرنامج ولم تخضعْ له إلا عند التكوين (La genèse du cerveau) ثم شيئًا فشيئًا شَقتْ عصا الطاعةِ وتفاعلتْ مع جاراتِها والمحيطِ والناسِ فنجحتْ في نَسْجِ مليون مليار علاقةٍ عصبيةٍ أو وصلةٍ عصبيةٍ، هي جميعُها مُولّدُ ذكائِنا ومنها انبثقتْ شخصيتُنا وبها تميزنا وبها بين ملايين البشر تفرّدنا (L`épigenèse cérébrale). ولولا تمرّدِها على برمجية "الآدِآن" لَكُنّا اليومَ نتكاثر كالقِرَدَةِ ونقفزُ في فرحٍ ومرحٍ من غصنٍ إلى غصنٍ

L’ADN : C`est un logiciel performant et sophistiqué mais il est très ancien.

وقالت ليَ نفسي لمّا سألتُ: أيا نفسُ أتقنعين بالعيشِ عيشِ الحُفَرْ ؟ دنت منّي, رمقتني بنظرات، "نظرات مَن دنا وتدلَّى فكانت مني قاب قوسين أو أدنَى.. إنها تعلم السرَّ وما يخفى"، ثم قالت لي: أباركُ فيك صعودَ الجبالِ واقتحامَ الصعابِ وركوبَ الخطرْ !

بنيتُ لها فوق الربوةِ عُشًّا، في عليائِها تشمُّ هواءً نظيفًا ومنه تَرصُدُ حركات البشرْ، أوصيتُها ألا تقترب منهم وقلت لها أن البشر خطرْ، وهل في الطبيعة كائنٌ أشَرّْ. زياراتُ الأقاربِ تباعدتْ بل كادتْ تندثرْ، فلا مؤنس لي غير الذكرى أجترُّها وأنتظرُ الأمرّْ، الموتُ. أما الأصدقاءُ فلم أعدْ أراهُمُ إلا في أحلامِ القيلولةِ وعند السَّحَرْ، يا لخُدعةِ العقلِ وسُخريةِ القَدَرْ ! "عُدتُ وحيدًا بدونِ وِحدةٍ"، عُدتُ وأصحابِي، السجائرُ والحاسوبُ والكتابُ والقَمَرْ.

خاتمة: بيدَيَّ اقتلعتُ جذوري وانطلقتُ، ظننتُ أنني منها تحرّرتُ وبلهفةٍ عدوتُ، في الكلم ستين تعبتُ ففتحتْ لي ذراعَيها وفي حضنها ارتميتُ !

ملاحظة للأمانة الأدبية: القالِبُ (Le moule) لِصاحبِه الروائي المصري جمال الغيطاني (كتاب التجليات، السفر الثاني، 1985) والحشوُ حَشوِي بما يَحمِلُ اللّفظُ الأخيرُ من معنى مزدَوَجٍ. 

 

حمام الشط، الأربعاء 20 فيفري 2019.

أول مرة أقرأ فكرة واضحة وجميلة حول السريالية. ترجمة مواطن العالَم

 

 

-       تيار فكري-فني بدأ في الغرب في أوائل القرن عشرين ميلادي وظهر أساسًا ضد الواقعية الاشتراكية محدودة الأفق وضيقة الخيال.

-       انتفاضةٌ دائمة ومتجددة ضد الرضوخ السلبي للعُرف والعادات والتقاليد مهما كان مأتاها، ديني أو دنيوي.

-       تيار فكري-فني لا يرجع بالنظر لأي مدرسة فكرية أو إيديولوجيا سياسية، لا رأسمالية ولا شيوعية.

-       فكرة طلائعية جديدة من خارج سجن الأحزاب الشيوعية وإملاءاتها القامعة للحريات الفردية.

-       ثورة ضد الماضي والمستقبل في نفس الوقت، ضد مستقبلٍ تَعِدُنا به المجتمعات الرأسمالية أو الشيوعية على حد سواء.

-       تيار فكري-فني يرفض الحداثة المدمِّرة: صناعة الأسلحة، صناعة الأسمدة الملوثة للتربة، الاحتباس الحراري، سلعنة المهن وبرلتتها (prolétarisation de tous les métiers) وإفراغها من رسالاتها الإنسانية النبيلة، تقنين الرشوة (commission)، انعدام الضمير المهني، سياسة الكيل بمكيالَين، مجتمع المشهد والاستهلاك المفرط، إلخ.

-       حب الطبيعة والمحافظة على التنوّع البيئي.

-       ممارسة السياسة ضد السياسة المهيمِنة والسياسيين المهيمنِين.

-       ضد كل أنواع الاستلاب: استلاب العامل، استلاب المرأة، الاستلاب الثقافي، إلخ.

-       فكرة تَحثنا على السلوك في الطريق المعاكس للطريق الذي تدلّنا عليه الثقافة المهيمِنة والذوق الفني المهيمِن.

-       ضد الحروب بجميع أنواعها بما فيها حروب التحرير.

-       "تغيير زاوية الرؤيا للواقع 180 درجة" هو أفضل تعريف قرأته عن السريالية.

 

Source d’inspiration : Le Monde diplomatique, novembre 2024.

 

تاريخ أول نشر على صفحتي الفيسبوكية : حمام الشط في 26 ديسمبر 2024.

mercredi 25 décembre 2024

هل استنفذ المقدس عندنا طاقته وأفْرِغَ من معناه ؟


 

المصدر:

كتاب "مخاضات الحداثة التنويرية. القطيعة الإبستمولوجية في الفكر والحياة."، هاشم صالح، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2008، 391 صفحة.

نص هاشم صالح:

صفحة 268 : "طيلة سنوات عديدة كنت أعتقد أن الحل يكمن في الإبستمولوجيا (علم العلوم أو علم فلسفة العلوم). وككل باحث عربي غادر بلاده إلى أوروبا وجامعاتها كنت مسحورا قبل كل شيء بالحداثة والعلم والتكنلوجيا. وكنت مسحورا بتلك النظرية التي أتاحت نشأة هذه الأشياء في أوروبا، وأتاحت لأوروبا أن تتفوق على جميع الأمم الأخرى منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم. ففلسفة العلوم أو فلسفة المعرفة هي التي تدرس شروط إمكانية وجود المعرفة الصحيحة وتمييزها عن المعرفة الخاطئة وهي التي تبلور معايير التقدم وطرائق الاكتشاف والبحث العلمي (إضافة المؤلّف محمد كشكار: وأنا أقول تدرس شروط إمكانية وجود المعرفة "العلمية" وتمييزها عن المعرفة "غير العلمية" ولا أقول "الخاطئة" لأن خطأها لا يظهر إلا للعالِم بينما هي -حتى ولو كانت خاطئة فعلا- هي معرفة عملية وحياتية على الأقل بالنسبة لحاملها ومستعملها). ولكن بعد فترة طويلة من التخبط والتيه رحت أكتشف -و يا لدهشتي الكبرى !- أكتشف أن الحل يكمن أولا في التيولوجيا لا في الإبستمولوجيا ! إنه يكمن في علم الكلام، في علم الله، في علم اللاهوت قبل أن يكمن في علم الطبيعة أو الفيزياء أو الرياضيات. وفهمت عندئذ أن تحرير السماء سوف يسبق حتما تحرير الأرض. وعرفت ألا جدوى من تحرير الأرض قبل تحرير السماء. هذه السماء الضاغطة كالسقف فوق رؤوسنا، هذه السماء التي تراكمت فيها الغيوم السوداء وادلهمّت على مر القرون السكولائية.

لا يفهمنَّ أحدٌ من ذلك أني أدعو إلى الإلحاد، فهذا حل سهل لم يخطر لي على بال. ذلك أني لا أعتقد بإمكانية قيام مشروع نهضوي كبير إلا على الإيمان : أقصد الإيمان الذي يزحزح الجبال، الإيمان المنبعث من تحت الأنقاض أو من تحت الرماد. فالتحرير اللاهوتي الذي ندعو إليه سوف يقدم لنا شحنة هائلة من الانبعاث والتجدد والخلاص. كنا قد ذكرنا أن القرار اللاهوتي الحاسم الذي اتخذه مارتن لوثر 1517م لم يخلّص المسيحية فقط من الأوشاب التي علقت بها عبر التاريخ وينتشلها من الوهدة التي سقطت فيها، وإنما سرعان ما تُرجم على أرض الواقع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، فشمل التحرير كل جوانب الحياة. وكان أن عادت الثقة إلى روح أوروبا والمسيحية من جديد، وكانت انطلاقتها الكبرى وتحررها من عُقَدِها التاريخية المُزمنة.

اسمحوا لي أن أقول في الختام بأن المقدس عندنا قد استنفذ طاقته، وفُرِّغَ من معناه. لقد فُرِّغَ من تنزيهه وتعاليه الذي كان القرآن العظيم قد دشنه لأول مرة في اللغة العربية قبل خمسة عشر قرنا من الزمن. لقد تحول إلى شكليات طقوسية وقوالب قسرية جفّ فيها نبض الإيمان. هذا اللهب الأوّلي، هذه الشرارة المقدسة التي أشعلها محمد بن عبد الله في روابي مكة والحجاز، ماذا بقي منها الآن ؟ كيف تحولت وتشوّهت على أيدي الحركات الحالية حتى أصبحت غريبة عن مقاصدها الأولية ؟ كيف طُمِرت طزاجتها الغضة تحت ركام العصور والخلافات المذهبية ؟ كيف استُهلِكت من كثرة الاستخدام بحق وبدون حق ؟ كيف هرمت وشاخت وأصبحت عالة على التاريخ، هي التي كانت تشحن التاريخ وتدفع بالعرب نحو الفتوحات والأمجاد ؟ كيف خارت القوى، وانحطت العزائم ؟ كيف أصبحت الآيات القرآنية تُسحب في هذا الشأن أو ذاك، لتأييد هذا الزعيم أو ذاك بحسب الحالة والحاجة ؟ كيف دخلنا في معركة الفتاوى الحامية التي تُقذف ضد البعض كالرجم بالصواريخ ؟

يقولون: عاد الدين وعاد الإسلام، وإنهم لواهمون. فما عاد ليس إلا أيديولوجيات سياسية مغلّفة بغلافات تيولوجية. ذلك أن ما يحصل تحت أعيننا اليوم ليس عودة إلى الإسلام ولا انبعاثا أو تجديدا لروح الإسلام، وإنما عَلمنة كاسحة تتم تحت غطاء المعجم اللاهوتي القديم. ولا أحد يرافق هذه العَلمنة الجارية فعلا على أرض الواقع بخطاب نظري عربي إسلامي حديث. لا أحد يشرح لنا ما يجري، ولماذا يجري ما يجري بهذه الطريقة لا بتلك. ذلك أن الأفق مسدود والخطاب الأيديولوجي الأعمى يغطي الساحة فلا يترك أي مساحة للفكر الحر والمستنير. ومن المعروف أن المجتمع عندما يُكبت طويلا ينفجر، وعادة ما يلجأ إلى لغة آبائه وأجداده للتعبير عن نفاذ صبره وضيق عيشه. وهذا ليس تزمتا خاصا بالإسلام والمسلمين كما يزعم الغربيون، وإنما هو تعبير عن الاحتجاج السياسي والاجتماعي المشروع في ظل إخفاق التنمية وغياب الحد الأدنى من الديمقراطية والتعددية الفكرية والسياسية. افتحوا المجتمع قليلا، دعوه يتنفس شيئا ما، عندئذ يعبّر عن نفسه بغير لغة الانفجارات والتفجيرات.

لذلك نقول بأن ما نحن بحاجة إليه اليوم كخطوة أولى نحو الحل هو الانخراط في حركة تاريخية-روحية أو بالأحرى روحية-تاريخية تأخذ بعين الاعتبار النقطة الجوهرية التالية : القيام بعملية تحليل نفسي جماعية للتراث. أقصد بذلك الشروع -أخيرًا- بتطبيق منهجية النقد التاريخي على النصوص الإسلامية الكلاسيكية الكبرى والعصور الأولى للإسلام حين تشكلت الذاكرة الجماعية والوعي الجماعي الإسلامي كله. إن التراث الإسلامي هو من العظمة والكبر بحيث أنه يستحق منا أكثر من مجرد التبجيل والتبرير والتعلق العاطفي والطفولي. لقد آن الأوان لأن نرتفع به إلى مستوى الدراسة العلمية، أو أن نرتفع بالدراسة العلمية إلى مستواه. إنه يتطلب منا أن نحترمه بطريقة أخرى، أي بواسطة الدراسة التاريخية والمنهجية المقارنة المطبقة الآن في أحدث الجامعات الأوروبية.

بشّارْ يا حامِينا ... أحْنا الزبدة وِانتَ السكِّينة ! لوموند ديبلوماتيك، ترجمة مواطن العالَم، يساري غير ماركسي

 

 

تاريخ أول نشر على حسابي الفيسبوكي : حمام الشط، الأحد 23 ديسمبر 2018.

 

كيف نعرّف نظام بشارْ الأسد ؟

- بشّارْ غير المهيَّئِ بما فيه الكفاية، هو الوريثُ لأبيه، حافظ، الأب مهندس النظام السوري الشمولي (Totalitaire)، نظامٌ يندرُ وجودُه في العالم العربي. مؤسسَةٌ للعنف، صُمِّمت لتزجَّ بشعبٍ بأكمله في قفصٍ، وتنزعُ منه كل طموحٍ أو رغبةٍ في الثورة.

- سنة 1994، دُعِيَ بشّارْ إلى دمشق من أجل تدريبه للجلوس على الكرسيِّ الرئاسيِّ وهو ما يزال طالبًا في طب العيون في أنڤلترا، دُعِيَ على عجلٍ إثر وفاة أخيه باسل، الوريث الشرعي، في حادثٍ غامضٍ.

-"ربيعُ دمشق" (2000-2001)، عرائضُه، حواراتُه، ندواتُه الديمقراطيةُ، محاولاتُه الإصلاحيةُ التعدديةُ، كلها لم تكن إلا سحابة صيفٍ، وإلا -حسب البعض- كانت فخًّا منصوبًا لكشف المعارضين.

-"مَن شابه أباه فما ظلم"، بشّارْ لا يسمحُ ولا يطيقُ أي نفسٍ احتجاجيٍّ مهما كان ضيقًا أومحدودًا.

- ما هي الحكمة الأساسية التي يرتكز عليها نظام الأسد الابن ؟ الاعتمادُ دومًا على العائلةِ والطائفةِ والعشيرةِ، لكن يبدو لي أنه من الخطأ أو التبسيط أن ننعتَ نظامَه بالنظام العلوي. من المؤكد أن الشخصيات النُّصَيْرِيةِ (النصيريةُ، مذهبٌ أعادت تعميدَه السلطات الفرنسية إبّان الاحتلال 1923-1943، وأطلقت عليه نعت العلوي) هي التي تسيطر على أهم مراكز النفوذ في سوريا، لكن النظامَ يعتمد أيضًا على ثنائيةِ بورجوازيةِ الدولةِ وبورجوازيةِ الأعمالِ. بشّارْ يحذقُ إرضاءَ الطرفَينِ، يُرقّي رجالَ الدولةِ ويمنحُ تسهيلات في الصفقات لرجالِ الأعمالِ، كما كان يفعلُ أبوه.

- نظامٌ يتبجّحُ بالاستقرارِ، استقرارٍ حققه على حسابِ حقوقِ المواطنينَ وكرامتِهم، لكن -وإحقاقًا للحقِّ- فقد استفاد السوريونَ أيضًا من هذا الاستقرار : وفّرَ لهم حاجياتَهم الدنيا من التعليمِ والغذاءْ والنقلِ والدواءْ.

- نظام "الممانَعة"، إستراتيجيةٌ ذكيةٌ ورثها عن أبيه، إستراتيجيةٌ تتمثلُ في صمودِ الضعفاءْ ضد الأقوياءْ (مثل إسرائيل وأمريكا)، أو على الأقل ادّعاءُ ذلك قولاً (مواطن العالم : و"الفعل إجِيبَه ربي") أمام حلفائه "المناهضين" مثله للإمبريالية والصهيونية أعداء الأمة العربية.

من بين مآثِرِ إستراتيجيةِ "الممانَعة"، نذكر:  حوّلت أنظارَ العالَم عن كل الأدواء التي تُنغِّصُ عيشَ الأغلبية الغالبة من السوريين وذلك منذ عقودٍ، لكنها لم تستطعْ أن تحجبَ الحقيقةَ التي تقول أن الجيش السوري "بطل الممانعة وذراعها العسكرية الضاربة" لم يطلقْ ولو رصاصة واحدة ضد العدو الإسرائيلي منذ حرب 1973 (مواطن العالم : "يُحكَى أن البندقية السورية، العَلمانية والمتدينة، بندقيةٌ أصبحت "حشّامةٌ" منذ 1973، تستحِي أن تكشف عن عورتَها أمام البرّاني، الجندي الإسرائيلي").

- يبدو أن جل يوميات ضحايا الحرب الأهلية السورية أصبحت تخلق انزعاجًا لدى القرّاء : الاستدعاءُ غير المكتملِ لجرائم النظام نجده منهجيًّا تقريبًا مصحوبًا بشهادات تؤكد، مثلاً، على حضور "الخيِّرِين والأشرار في الجهتَين المتنازعتَين" أو على "المطالبة الواضحة بالديمقراطية" التي جعلت السوريين يقفون كالرجل الواحد ضد تقسيم بلادهم وتجزئتها إلى دويلات طائفية متناحرة.

خاتمة مواطن العالَم: برافو لبشّار، لقد حقق انتصارًا عظيمًا على شعبه، تمّ له ذلك بمساعدة روسيا وإيران وحزب الله, وهنيئًا للحركات الظلامية الحديثة سَحْقَها للشعب السوري بسواعدَ تونسيةٍ وأموالٍ سعوديةٍ-قطريةٍ ومساندةٍ عسكريةٍ تركيةٍ وأمريكيةٍ. يحدثُ في سوريا الحبيبة كل هذا الخَوَرْ، والعدو المحتل على مرمَى حَجَرْ.

Référence : Le Monde diplomatique, décembre 2018, Extrait de l`article « Stratégies du pouvoir syrien », par Akram Belkaid, p. 25, commentaire sur le livre de Subhi Hadidi, Ziad Majed et Farouk Mardam-Bey, Dans la tête de Bachar Al-Assad, Solin-Actes Sud, Arles, 2018, 208 pages, 18,80 euros.

ملاحظة: عُشّاقُ بشّار، والله العظيم أنا أحترمكم وأتفقُ مع غاياتِكم العروبيةِ الوحدويةِ النبيلةِ، لكن الغايةَ حسب اعتقادي لا تُبرّرُ الوسيلةْ، وأياديكم ليست ملوثة بجرائم الدكتاتور، "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى"، وبشّار، مثله مثل زملائه ستالين وماو وبول بوت وصدام والڤذافي والقائمة تطول، شخصيات عامة ومن حقي الاشتغال عليها. ألفتُ نظركم إلى التالي: النقدُ هذا آتٍ من لوموند ديبلوماتيك، أما شِعرُ المَديحِ في العنوانِ فلِي ! ارجموا الجريدة إذن واشكروني، أو على الأقل "قِيلونِي" يرحم والديكم !

إمضاء المترجم مواطن العالَم، يساري غير ماركسي

"المثقّفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو

و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران


 

الفلسفة صالحتني مع نفسي وعلّمتني كيف أحب قَدَرِي وأرْضَى به نصيبَا

 

 

فيلسوفٌ دخل بيتي والباب مقفلٌ والشبابيك منيعةٌ بالحديد، هَمَسَ في أذنيّ وقال: "أحِبَّ قدرك وارْضَ بحلوه ومرّه فليس لك في هذا اختيارٌ" (نيتشه).

دخل الثاني، لقد أصبح بيتي لهم مزاراً، شَرَحَ ما قاله الأول: "لو أردتَ أن تكون سعيدًا، تعلّمْ أن تكونَ راضيًا بما عندك، ولا تبتئس بما ليس عندك".

ودون استئذان تكلّم فيلسوف السعادة: "السعادة يا بُنَيْ أن تعوّد نفسَك على تجديد الرغبة فيما لديك، فهذه زُبْدَةُ الحكمة".

صاح في وجهي أفصحُهم وقال: "أعرفُ أنك سجينُ نفسك وأنا جئتُ لأحرّرك من عبودية انفعالاتك الحزينة، غضبك على مَن ظلموك، خوفك من غدك، جبنك أمام الانتقام، حسَدك لمن سلكوا معك نفس الطريق ثم فاتوك ولقدرك تركوك واستياؤك من وضعك المادي وإحساسك بالذنب لعدم قدرتك على تحقيق ما رسمتَ وخطّطتَ".

وكيف عرفتَ ؟

"سيماهم في وجوههم، الانفعالات الحزينة تجعل أصحابها أشقياء".

اتركني وحالي، مالك ومالي.

"بؤسك مُعدٍ".

كيف الخلاص ؟

"حياتك ملآنة أفراح دائمة مرتبطة بأفكار ملائمة ومطالعة وكتابة ونشر وقُرّاءٌ بالمئات منتشرون في شتّى بِقاع الأرض وأنت لم تتحرّك من مكانك في قهوة الشيحي كل يوم صباحًا وقهوة الأمازونيا كل يوم مساءً وفلاسفة تقرأهم وفلاسفة تسمعهم وفيلسوفاً ومثقفين تجالسهم يوميًّا وروتين جميلُ. والله لو كان لدينا ما لديك لحمدنا الله عن وعيٍ وشكرناه بكرة وأصيلا. نحن مذهولين من ذهولك الدائم وتعجّبك الدائم وسؤالك الدائم وحجاجك الدائم وأنتَ طفلٌ-فيلسوفٌ في الخامسة والستين من عُمُرِهِ".

حمام الشط، الأربعاء 13 جوان 2018.

 

 

أنا لا أعرِفُ مَن أنا، وأنتَ أيضًا لا تعرِفُ مَن أنتَ، ولا أحدٌ مِنّا يعرِفُ حقيقةَ الآخرَ ! (عِلمٌ وليس فلسفةً). مواطن العالَم

 

 

L`idée principale de cet article est inspirée du livre de Michel Serres, Hominescence, éd. Le Pommier, 2001.

في العالَم نُعرّفُ أنفسَنا بٍجوازِ سفرِنا، في الشرطة والبلدية بِبطاقة تعريفِنا الوطنية، في الكنام بِمُعرَّفِنا الوحيدِ، في الفيسبوك بِكلمة سرّنا، في حيِّنا اسمُنا يكفي. كلها هُويات جزئيّة تُخفِي من هُويتُنا أكثر مما تَكشِفُ. حتى طبيبُنا لا يعرف من جسمِنا أكثر مما تقول له التحاليلُ والصورُ.

كل هُويةِ فريدةٍ من هُوياتِنا الحقيقية تنبثق من تفاعُلٍ بين هُويتَينِ (Émergence)، هُويةٌ داخليةٌ موروثةٌ من الوالدين بالتناصفِ وتُسَمّى هُويةٌ بيولوجيةٌ أو هُويةٌ جينيةٌ لا نعرف إلا القليلَ القليلَ من أسرارِها

 Identité héréditaire, biologique ou génétique = ADN : 30 mille gènes = 23 chromosomes paternels + 23 chromosomes maternels.

وهُويةٌ خارجيةٌ مكتسبةٌ من المحيط

Environnements interne et externe = Cellule, corps, autrui, famille, école, etc

تفاعلٌ يُسَمَّي ما بَعْدَ الوراثي أو التخلّق (Épigenèse).

المفارقة الكبرَى أننا نعرف هُويتَنا الخارجيةَ ونجهل هُويتَنا الداخليةَ ولا أحد غيرنا أيضًا يعرفها ولا حتى الراسخون في العِلمِ مِنّا أو من الغربِ ؟

ثلاثون ألف جينة أو مورِّثة تتفاعلُ داخلَنا فيما بينها، تتفاعلُ مع محيطها الجيني داخل الآدِآنِ

 Épigenèse génétique à l`intérieur même de la molécule d`ADN.

ومع محيطِها الخَلَوِي

Cytoplasme et interstices.

وتتفاعلُ أيضًا مع كل جسمٍ خارجِيٍّ

Épigenèse immunitaire

قد يقتحم جسمَنا مثل

 Corps étrangers = nutriments, médicaments, microbes, photons, vibrations, particules, etc.

ولا أحدٌ -دون استثناء أنفسِنا- يعرفُ مسبقًا ماذا سينبثقُ من هذه المجموعة من التفاعلاتِ الصُّدفَوِيَّةِ (Au hasard).

مجهولٌ آخرَ يسكننا ويساهمُ بِقِسطٍ كبيرٍ في تحديدِ هُويتِنا المتحرِّكة، هو مخنا، عُضوٌ معقَّدٌ جدا، جبلٌ لا يمكن للثلاثين ألف جينة أن ترسمَ مسبقًا تضاريسه المجهرية

Cent milliards de neurones, chacun est capable de générer 10 mille liens avec ses semblables, les synapses dont le nombre total dépasse 1 million de milliards (10 puissance 15).

ولا يمكن لنا أن نتنبأ بِردودِ أفعالِه (Épigenèse cérébrale) إلا الفِطرية منها والشرطية (Réflexes innés et acquis).

خاتمة: هل ما زلتم مُصِرِّينَ على أنكم تعرفونَ أنفسَكم والآخرين ؟ عند المؤمنين، الله وحده يعرفُ. عند غير المؤمنين، الطريقُ صعبٌ والأملُ مشروعٌ.