mercredi 27 novembre 2024

ما هي حصيلة عشرين عامًا من الاحتلال الأمريكي لأفغانستان (2001-2021) ؟ ترجمة مواطن العالم

 

 

المفاوضات حول انسحاب أمريكا من أفغانستان تمت في قَطر في عهد ترامب (ماي 2021) والانسحاب الفعلي تم في عهد بايدن (أوت 2021).

حصل الانسحاب دون تفاوض مع حكومة كابول العميلة ودون استشارة الشعب الأفغاني ودون تنسيق مع الدول المشاركة في الاحتلال (دول الحلف الأطلسي). أما المنظمات غير الحكومية متعددة الجنسية (ONG) والمتعاقدين الأمريكان المدنيين وعددهم 17 ألف فقد فاجأهم الأمر الواقع.

تكلفة الاحتلال كانت باهظة جدًّا بالنسبة لأمريكا ودول الحلف الأطلسي: 2313 مليار دولار و775 ألف جندي أمريكي تداولوا على أرض أفغانستان قُتِلَ منهم 2342 و قُتِلَ 1144 جندي أوروبي منهم 90 فرنسيًّا وخسرت أيضًا كميات كبيرة من التجهيزات العسكرية المتطورة جدًّا وعديد الطيارات القاتلة دون طيار (drones).

أما حصيلة أفغانستان فقد كانت مفارٍقة أي سلبية وإيجابية في آن: انتصار واضح على أمريكا وحلفائها كلّفها 170 ألف قتيل بين عسكري ومدني.

 

Source : Manière de voir octobre-novembre 2024 (Revue bimensuelle affiliée au journal mensuel « Le Monde diplomatique »). Titre : « États-Unis. L’empire fracturé ».

 

تاريخ أول نشر على حسابي الفيسبوكي: حمام الشط في 27 نوفمبر 2024.

mardi 26 novembre 2024

الفرنسياتْ الشجاعاتْ، صاحباتْ "الستراتْ الصفراءْ" ؟

 

 

عددُهنّ ومِهَنُهنّ:

1.  في القطاع الخاص:

-       182.000 عاملة نظافة في مكاتب المؤسسات الخاصة والأفراد (à nettoyer les locaux).

-       500.000 معينة منزلية (aides ménagères).

2.  في القطاع العمومي:

-       400.000 مساعدة تمريض (aides-soignantes - بَوْنٌ اقتصادي واجتماعي يفصلهن عن ممرضات المستشفيات العمومية).

-       140.000 مساعدة في رعاية الأطفال (La puériculture s'occupe de l'enfant de 0 à 15 ans) ومساعدة طب نفسي (aides médico-psychologiques).

-       500.000 عونـ(ـة) خدمات (agents de services).

كلهن يعملن في ظروف صعبة في مِهن قليلة الاعتبار في قطاعات التعليم والصحة والمجال الاجتماعي، خلافًا للأوفرهنّ حظًّا وعددهنّ مَليونَيْ عاملة أفضل اعتبارًا وأكثر تأهيلاً (400.000 ممرّضة، 340.000 معلّمة، زائد مختصات في رعاية الأطفالِ والتنشيط الثقافي والتربية والتقنية الطبية).

هذه البروليتاريا المتفاوتة من النساء والرجال تجمع أكثر من ربع العدد الجملي لليد العاملة في فرنسا. مِهنٌ مهمشة من قِبل السلطة الرأسمالية الليبرالية المتوحشة، لكنها مِهنٌ ضرورية، غير قابلة لنقلها من مكان إلى مكان، ولا يمكن مَكنَنَتَها (robotisation)..  مِهن تُحظَى بسمعة طيبة من قِبلِ المجتمع، مجتمع قد يتخيلُ نفسَه يعيش دون مصانع كبيرة، لكنه لا يتخيلُ العيشَ دون مدارسَ، مستشفياتٍ، محاضنَ أو دُورٍ للمتقاعدين...

المصدر:

Le Monde diplomatique, janvier 2019, Extrait de l`article « La puissance insoupçonnée des travailleuses », par Pierre Rimbert, sociologue, p. 18.

سؤال إنكاري: هل نملِكُ في تونس إحصاءاتٍ دقيقةً ومماثلةً، حول عاملاتِنا المهمّشاتِ، أم ننتظرُ ظهورهن في ronds-points  قُرانا ومُدُنِنا في "سترات صفراء"  made in Tunisia ؟ يا ذنوبِي !

كلمةٌ حولَ عاملاتِنا المُهمّشاتِ في تونسَ:

لا "الجبهة" اليسارية "نصيرةُ العمّالِ" ولا الاتحاد العام التونسي للشغل، لا أحد منهما قرّر أن يُدْمِجَ في إستراجيته العاملات التونسيات المهمّشات، العاملات غير المنخرطات في الحزب أو في الاتحاد (عاملات الفلاحة والمُعينات المنزلية)، أو يعتبرهنّ جزءًا من اهتماماته، ويتبنّى ويدافع على أولوية مطالبهنّ. لا حلَّ إذن بقيَ أمامهنّ غير الشروع في التجمّع في هياكل مستقلة تُدافع على حقوقهنّ.

هل تقدرن على ذلك ؟

معزولات في الأرياف والحقول وظروف عملهن قاسية شتاءً وصيفًا، قرًّا وحرًّا، مطرًا وصحوًا. هن بقين متفرّقات في شتى المعتمديات، قليلات الدراية بأساليب التنظّم، دون تغطية صحية، لا أملَ لهنّ في جراية تقاعد، جهدٌ مضاعَفٌ خارج البيت وداخل البيت، أكثرهنّ أميات، العاملات التونسيات المهمّشات جَمَعْنَ في مسيرتهن المهنية كل أشكال الاستلاب والتبعية لأرباب العمل. إعلامُنا الخاص، المنحاز لرأس المال، تجاهلهنّ، لم يُغطِّ تحرّكاتهنّ،  لم يُثِر قضيتهنّ بموضوعية، ولم يتكلّم عنهنّ إلا إذا تعرّضن إلى حوادث شغل مؤلمة وخطيرة، أو وقعت في أوساطهنّ فضائح أخلاقية، يكون عادة المشغِّلُ سببًا فيها.

لو استطاعت العاملات التونسيات المهمّشات تنظيم أنفسهن، لانبثق من نضالهنّ فجرٌ واعدٌ، قد يُبشّر بميلاد قوة جديدة، يُقرأ لها ألف حساب مثلها مثل قوة الحالية للاتحاد العام التونسي للشغل.

 

السيدا، داء يعادي المرأة أكثر من الرجل: نساء وفقيرات والعقوبة مضاعفة

 


 

داء السيدا هو المتسبب الأساسي في وفيات النساء في العالم، خاصة في عمر الحمل والإنجاب.

في أفريقيا ونتيجة لعوامل بيولوجية، يصيب فيروس السيدا النساء أكثر من الرجال (VIH sexiste). ظروف حياتهن قد تفسر هذا الفارق: نقص في الثقافة، انعدام المساواة في الدخل، معايير اجتماعية غير ملائمة لاستقلالية المراهقات.

Le Monde diplomatique, juillet 2019, extraits de l`article « La santé pour tous, un défi planétaire. Abidjan se mobilise contre le sida », par Christelle Gérand, journaliste, Supplément, p. III.

الوضعية السيئة للمرأة في إسرائل اللائكية-اليهودية تُنبئنا بما ينتظرنا في تونس اللائكية-الإسلامية لو فضلنا مثلهم الأمنَ على المساواة في الحقوق ولو مُرِّرَ مشروع قانون زجر الاعتداءات على الأمنيين

 


أنقل لكم من مقال جريدة "لوموند ديبلوماتيك" بعض المختارات المختصرة، طبعًا على هَوَايَ :

-       في الكيبوتز (تجمعات سكنية اقتصادية اشتراكية)، كانت النساء تشتغل في زراعة الخضر وحضانة الأطفال وغرف الطبخ والغسيل، والرجال في الحقول والمصانع.

-       تُعتبَرُ خائنةٌ الزوجة التي تنجب أقل من أربعة أطفال، هكذا حذّرَ أول وزير أول لإسرائيل دافيد بن غوريون وهو نفسه الذي أنشأ، سنة 1949، جائزة تُمنَح لـ"الأمهات البطلات" عند ولادة العاشِر. وكان ولا يزال التنافس على أشده بينهم وبين الفلسطينيين.

-       تيودور هرتزل، مؤسس الصهيونية الحديثة سنة 1897، عقد آماله على تنمية الذكورية لدى اليهودي الجديد القوي مفتول العضلات.

-       توجد منظمة "نساءٌ في الأسوَدِ" (Femmes en noir) تتظاهر كل يوم جمعة ضد احتلال الأراضي الفلسطينية، مثل ما فعلت حركة "الأمهات الأربع" التي طالبت بالخروج من الجنوب اللبناني في أواخر التسعينيات.

-       المدافعات عن حقوق المرأة (Les féministes) أدركن أن العنف الزوجي زاد بعد قمع الانتفاضة الفلسطينية سنة 1987: اليوم وفي إسرائيل تُقتَل جرّاء هذا العنف عشرون امرأة في العام.

-       في إسرائيل، يصل الفارق في الأجر بين الرجال والنساء إلى 22%.

-       في إسرائيل، يُشهَّر بالأحزاب التي تضم الرجال فقط وهي قليلة.

-       المتدينون المتشددون وعددهم:

830 mille ultraorthodoxes ou haredim

وهم يمثلون 11% من مجموع السكان ويحاولون تجنب أي احتكاك بالمجتمع وبالتعليم اللائكي ويتمسكون بقواعد خاصة في اللباس.

-       يُمنع على النساء تبوّء منصب "الرٍّبِّي" وتلاوة التلمود وإنشاد الصلوات إلا على بعض النسويات المتمردات- واحدةٌ منهن ترشحت للانتخابات البلدية في القدس سنة 2013 ثم سحبت ترشحها بعد أن وصلتها تهديدات.

-       نصف الرجال المتدينين المتشددين لا يشتغلون ويقضون يومهم في دراسة التوراة فتضطر نساؤهم للخروج للعمل المهمش بأجر زهيدٍ لهشاشة تكوينهن.

-       في تل أبيب، لا تبرز الإكراهات الدينية المذكورة أعلاه لأنها مدينةٌ غربيةٌ-لائكيةٌ.

-       توالت الحكومات من اليمين ومن اليسار ولم تتجرأ أي منها على فصل الدين عن الدولة رغم أن مؤسسي الصهيونية كانوا كلهم تقريبًا عَلمانيين لكنهم حرصوا على المحافظة على العلاقة مع الدين بل أعطوا تطمينات لرجال الدين ومنحوهم استقلالية نسبية حتى ولو كانت على حساب حقوق المرأة مثل خَصِّهم بالإشراف على مجلة الأحوال الشخصية خاصة في زواج وطلاق اليهودي من اليهودية مع وجود محاكم لائكية موازية ومنافسة: يبقى طلاق يهودية من يهودي من امتيازات الرجل ولا يحق للمرأة المنفصلة أن تتزوج ولو حدث في هذه الفترة أن المرأة المعلقة تجرأت وتجاوزت العُرف والتقاليد وأنجبت أولادًا من رجلٍ آخر فإن أولادَها يُعتبرون لُقطاءُ. يَحتكرُ المحاكمَ الشرعيةَ قضاةٌ رجالٌ. يوجد اليوم في إسرائيل 100 ألف امرأة معلقة (لا متزوجة ولا مطلقة – Les enchaînées) ولا خيار أمامهن إلا التنازل عن طلب الطلاق أو الرضوخ لآجال الانتظار الظالمة.

-       في مدينة أغلبها متدينين متشددين، تسكن مواطنة إسرائيلية من أصل كندي، أم لخمسة أطفال، تتعرض يوميًّا للشتم والبصق والرمي بالحجارة خلال جولاتها راجلة أو على دراجة عادية ولم يأت إلى نجدتها في الشارع أحدٌ. يعلّق المتشددون لافتات كبيرة على العمارات يحرّمون فيها على النساء لباسَ السروال والتسكّعَ على الرصيف.

-       يوجد أيضًا متدينون قوميون لا يقلّون عددًا ولا فظاظة عن زملائهم المتشددين لكنهم يؤدون واجبهم العسكري مثل اليهود اللائكيين: متزمتون في ممارسة شعائرهم الدينية، يُجبرون بناتَهم على ارتداء التنّورة الطويلة (Longue jupe) ويفرضون الفصلَ بين الجنسَين في المدارس وفي الصفوف أمام المغازات والمستشفيات وفي الحافلات، وفي الجيش يطالبون بعدم تواجد جندي وجندية دون حضور شخص ثالث.

-       يتمتع اليهود الأشكيناز الوافدون من أوروبا (50 % من السكان) بحقوق أفضل من اليهود المِزرايِيم القادمين من الدول العربية العربية والسفاراد القادمين من أسبانيا في القرن الخامس عشر ميلادي (50 % من السكان).

-       حملةٌ نسويةٌ رفعت شعار "لا للأسلحة في غرفة المطبخ": لمواجهة "الإرهاب" يحتفظ بعض رجال الأمن الخاص بأسلحتهم خارج أوقات عملهم والتي استعملوها أحيانًا ضد زوجاتهم، مما انجرّ عنه قتل 33 إسرائيلي منهم 18 امرأة في الفترة الممتدة بين 2002 و2013.

-       تتفاقم الأزمة الاجتماعية في إسرائيل عامًا بعد عامٍ وكل الحكومات المتعاقبة تصرف جل ميزانياتها على تسليح الجيش (المعتدي) وبناء الجدار العازل والاستيطان في القدس الشرقية والضفة الغربة، وليس صدفة أنه حدث وانتعش الاقتصاد الإسرائيلي والاقتصاد الفلسطيني زمن مفاوضات أوسلو للسلام.

ملاحظة مواطن العالَم: السلام.. السلام.. السلام على كل المسالمين، يهود ومسلمين ومسيحيين، الذين عن حقهم لا يتنازلون وعلى غيرهم لا يعتدون وإن دافعوا على حياتهم بالسلاح لا يُلامون ولا يُدانون.

تبقى إسرائيل دولةً ظالمةً عنصريةً استيطانيةً غاصبةً للأراضي الفلسطينية ومشرِّدةً للشعب الفلسطيني، رغم إيماني بمشروع منظمة التحرير الفلسطينية القديم والمتروك والداعي إلى إقامة دولة علمانية موحّدة على فلسطين، كل فلسطين، وعاصمتها القدس، يتعايش فيها بسلام ووئام، المسيحيون واليهود والمسلمون وغيرهم من الطوائف، بهائيين كانوا أو ولاأدرِيِّين أو ملحدين.

Source : Le Monde diplomatique, novembre 2017, « La sécurité nationale plutôt que l`égalité des droits. L`émancipation contrariée des Israéliennes », par Laura Raim, journaliste, p. 6 et 7.

lundi 25 novembre 2024

يا شُعْبَوِيّو العالَم، اتّحِدوا واصمُدوا ضدّ المثقفينَ الانتهازيينَ المتبرجِزِينَ وضدّ سجناءِ براديڤمات الإيديولوجياتِ المتكلسةِ الرجعيةِ والحداثيةِ، وضدّ أحزابِ السلطةِ وأحزابِ المعارضةِ ! مواطن العالَم

 

 

أيها الأصدقاء والقرّاء الكرام، أهنؤكم بالعام الجديد، عام 2019، وأتمنى لكم التوفيق في جميع أعمالكم، وبهذه المناسبة السعيدة أهدي لكم هذا المقال: مقالٌ "شُعْبَوِيٌّ" بامتيازْ !

Populistes du Monde, Citoyen du Monde vous lance un appel : Unissez-vous.

تحية من شُعْبَوِيٍّ إلى كل رفاقِه الجُدُدِ، شُعْبَوِيِّي العالم (مقالٌ مستوحَى من لوموند ديبلوماتيك ومن زميلي وصديقي، العصيّ عن التصنيفِ الإيديولوجي، مراد جرادي).

معادٍ للديمقراطية، كل مَن يُحقِّرُ من احتجاجاتِ الشعبِ العفويةِ ويَنعتُها بـ"الشعبويةِ"، لأن الكل يعي اليوم أن الاستعمال المكثف لسبّة "الشعبوية" من قِبل بعض المتعالين من مثقفي السلطة والمعارضة، لا يهدف إلا لتشويه الاحتجاجات الشعبية العفوية والمتتالية في مناطق الظل في الداخل والعاصمة ضد المنوالِ الاقتصاديِّ والثقافيِّ المستورَدِ، المنبَتِّ والمهيمِنِ في تونس منذ الاستقلال حتى الساعة، منوال يعاديهم بشراسة.

المشكل يكمن في أن هؤلاء المحتجين "الشعبويين" العفويين لا يحملون إيديولوجيا ولا برنامج انتخابي ولا نظام سياسي بديل ولا يتكلمون بلسانٍ مبينْ ولا يفكرون بالمنطق المتعفن للمثقفين الجبناء الانتهازيينْ، ولا منبر لهم ولا ممثل لهم ولا يتسابق الاتحاد ولا الرابطة للتوسط لهم، منكورين ومنبوذين من قِبل وكلاء السلطة والمعارضة والنخبة المثقفة. رغم ذلك فهم لا يقلون عنهم جميعًا أهمية، أو بطريقة أوضح، هم تعبيرةٌ مباشرةٌ عن هموم الشعب ومشاغله اليومية، لغتهم أرقَى من لغة ناكريهم وخطابهم أصدقَ من خطابِهم.

شعبٌ متأهِّبٌ دومًا لشنِّ هجومٍ على الطغمة الحاكمة وعلى بديلِها المتربصِ به في المعارضة (وجهان لطغمةٍ واحدة). شعبٌ يطالبُ بتجذيرِ الديمقراطية، ديمقراطية المساواة في الحقوق وتكافئ الفُرص، لا ديمقراطية التمثيل والتدجيل المتسترة وراء ديكتاتورية الصندوق أو ديكتاتورية البروليتاريا.

هذا الشعب، غير المحدّد وغير محدود الموارد، الذي يجب خلقه وإيجاده إن لم يوجد بعدُ، ثم نحته وصقله تحت نيران المواجهة. هو وحده، ولا أحد غيره، القادر على نسج علاقات تضامنية في لمح البصر ودون سابق إعلام أو إنذار، علاقات ذاتية وموضوعية تسهِّل نضالاته وتدعّمها.

السؤال: كيف الطريق إلى منعِ تَفكّكِ هذه القوةِ الجديدةِ المنبثقةِ وتَجنّبِ تمزّقِها وتَفتتِها بنفسِ السرعةِ التي تَكوّنتْ بها ؟ عندي إجابة جزئية، تجربة محدودة في الزمان والمكان لكنها تجربة حبلَى بالمعاني والأماني: تجربة جمنة بدت في الوهلة الأولى "شعبوية" للكثير من مثقفي أحزاب السلطة والمعارضة (استرجاع حق مغتصب منذ قرنٍ)، لذلك لم يساندها هؤلاء في بداياتها وبقوا طويلاً مبهورين حيالها لكنهم بقوا أيضًا مترددين. تجربةٌ جمنة تكونت نسبيًّا بسرعة (اعتصام 100 يوم)، لكنها صمدت ولم تتفكك بل هي التي انتصرت وفككت الحصارَ المضروبَ حولَها، أوفت بوعدها، أنجزت ما عجزت الدولة عن إنجازه. تجربةٌ جمنة أصبحت منارة ومحجة للباحثين الجامعيين من تونس وجميع أنحاء العالَم، وموضوعًا هامًّا للملتقيات العلمية. تجربةٌ جمنة، حُبِّرَتْ حول نجاحاتها عديدُ الرسائلِ في الماجستير والدكتورا، ألِّفَ فيها كتابٌ تطوّعًا (جمنة وفخ العولمة، محمد كشكار، 2016، وُزّعت منه 900 نسخة مجانًا في كامل أنحاء الجمهورية)، نُشِرَ حولها مئات المقالات والفيديوهات، أخرِجَ حولها فيلم وثائقي، وزارها آلاف المعجبين التونسيين والأشقاء والأجانب. تجربةٌ جمنة، اشتدّ اليوم عودُها ولم يعد قابلا للكسرِ، بل أصبحَ نموذجًا نوعيًّا  يُدرَّسُ في الاقتصاد الاجتماعي التضامني، وبالنسبة للآخرين أملاً يرتجَى ومثالاً يُحتذَى.

أما عن أفكاري أنا شخصيًّا فقد قال عنها بعض رفاقي: "هرطقات كشكارية وأفكار شعبوية وستين شعبوية". انتبِهوا جيدًا، لم أعمّم ولستُ ناكرًا لانتمائي اليساري ما قبل الماركسي، بل أعتزّ به دون تعصّبٍ أو إقصاء، فكل التونسيين أهلي وإخوتي، بإسلامييهم وقومييهم وماركسييهم (لي صديق ماركسي واثنين تروتسكيين، أحلى من العسل على قلبي): هل يُعتيَرُ شعبويًّا مَن يطالب بحذف المعاهد النموذجية وأسلاك المتفقدين والقيمين. هل يُعتيَرُ شعبويًّا مَن يريدُ تجريم الإضراب في القطاع العمومي. هل يُعتيَرُ شعبويًّا مَن ينادي بالتقشف في مصاريف الدولة وحرمان كل المسؤولين من سكن وظيفي وسيارة وظيفية ووصولات بنزين مجانية. هل يُعتيَرُ شعبويًّا مَن يلِحّ على مجانية النقل العمومي في كامل تراب الجمهورية. هل يُعتيَرُ شعبويًّا مَن يقول أن الحاكم يكذب على الشعب عندما يقول أن الدولة ليست لها ميزانية تزيدها في مرتبات الأجراء الفقراء، هل يُعتيَرُ شعبويًّا مَن يرى أن الحل لأزمتنا المزمنة يكمن في الرجوع إلى الأصل وإحياء عاداتنا المتصالحة مع البيئة وتثمين قيمنا التضامنية الأمازيغية-العربية-الإسلامية. إذا كانت هذه هي الشعبوية التي تقصدونها، يا حرّاس المعبد، دون أجرٍ سوى الفتات، فأنا "شعبوي وستين شعبوي"، ويشرّفني ذلك.    

 

يبدو لي أنه من الصعب جدا تصنيف هؤلاء المحتجّين حسب قواعد علم الاجتماع التي قد تختزلها وتربطها بمطالب فئوية آنية ضيقة.

المؤلفة البلجيكية "مُوفْ" لا تحلم  (Chantal Mouffe, Pour un populisme de gauche, Albin Michel, Paris 2018, 144 pages, 14 euros): هي تعِي جيدًا أن الحركات العفوية الأفقية (المظاهرات، الاعتصامات، الاحتجاجات) لها تأثير محدود: هذه الحركات، التي رفضت كل وساطات النواب والاتحاد والرابطة والأحزاب والشخصيات المحذوفة، هي حركات لا تدعو إلى تأسيس نظامٍ جديدٍ ولا إلى القطعِ مع الديمقراطية الليبرالية التعددية، هي فقط ترفض "التصنيفات المجرَّدة" التي يتبنّاها المثقفون واليساريون المتطرّفون الذين، وبسبب عدم اهتمامهم بمطالب الشعب الحقيقية، لن يخرجوا قريبًا من هامشيّتهم. 

يبدو لي أيضًا أن هؤلاء المحتجّين يكوّنون خليطًا بشريًّا غيرَ متجانسٍ ثقافيًّا، لكنهم، وعكس ما يروِّج له أبواق السلطة ومَن لَفَّ لفّهم، متحدون في مطالبتهم بتجذيرِ الديمقراطية وفرض المساواة أمام القانون. جسمٌ يتكون بسرعة ويتفرّق بنفس السرعة، لذلك يصعب، بل ربما يستحيل تسلمه لمقاليد السلطة من أجل تحقيق مطالبه، خاصة في مواجهة سلطة متماسكة صلبة غير هشة وغير سائلة، سلطة شرسة لا تتردد في استعمال السلاح لو شعُرت بتهديدٍ جدي لمصالحها الكبرى وامتيازاتها المتعددة، سلطة تسند ظهرها بيروقراطية المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل. هؤلاء المحتجّون لا ينتظرون شيئًا أيضًا من أحزاب المعارضة (بديلُ السلطة، الذي ينتظر دوره باستكانة، سيفعل مثل الحاكم الحالي أو أشنع منه لو وصل أو أوصلوه للحكم).

 

Référence: Le Monde diplomatique, décembre 2018, Extrait de l`article « Politique. Un peuple en construction », par Serge Halimi, président, directeur de la publication, p. 26.

 

إمضاء مواطن العالَم، أعرّف نفسي كشخص تطوّعي-تضامني-اجتماعي، نسبة إلى تجربة في الاقتصاد الاجتماعي-التضامني، تجربة لا شرقية ولا غربية، تجربة أصيلة ونوعية ومبتكرة في جمنة مسقط رأسي والناقدُ لا يُطالَبُ ببديلٍ. البديلُ ليس جاهزًا. البديلُ يُصنَعُ ولا يُهدَى.  وعلى كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف اللفظي.

"المثقّفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو

و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

 

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الثلاثاء 1 جانفي 2019.