mercredi 4 septembre 2024

قصة "الطالب" الذي أبرَمَ صفقةً مع الشيطانْ ؟

 


L’Étudiant de Prague, Film allemand muet, 1913

فيلم يروي قصة طالب فقير وطَموح باعَ للشيطان صورتَه في المرآة. قبض ثمنها ذهباً ساعده على أن يحيا الحياة الرغدة التي كان يحلم بها، حياةٌ ملؤها الإغواءُ والإغراءُ. هذه الصفقة مع الشيطان لم تكن تؤنّبُ ضميرَه كثيراً إلى أن حدث ما لم يكن في الحُسبانْ حيث رأى صورتَه تلك التي اقتلعها الشيطانُ من المرآة، رآها تتجول في الشوارع والطرقات، ترتاد دُور اللهو التي يرتادُها هو نفسه، تثير فيها الشغبَ وترتكب فيها أبشعَ الجرائم.

منذ ذلك الاكتشافِ الرهيبِ أصبحَ يتجنبُ المرايا حتى لا يفتضحَ أمرُه، وأصبح يتجنبُ ملاقاتها وهي تصرّ على مطاردته في كل مكان وكأنها تريدُ أن تنتقمَ منه هو الذي فرّطَ فيها بسهولة وباعَها للشيطان.

كَثُرَ عنده الاضطرابُ والهُواسُ،  ووصل به الأمر إلى التفكير في قتلها والتخطيط للجريمة حتى يضعَ حدّاً لعذاباتِه. وخلال شجارٍ معها حدثَ في غرفته، أطلقَ النارَ عليها، كَسَرَ المرآةَ، قتلَ صورتَه وماتَ معها في نفس اللحظة.

علق الفيلسوف بودريلار على الفيلم وقال: "بِإقدامِهِ على قتلِ صورته، قتلَ "الطالبُ" نفسَه، لأن صورتَه هي التي أصبحت تتصرّفُ مكانه، وبشكلٍ غيرِ محسوسٍ أصبحت حيّةً وحقيقيةً. (...) هذه الصورة هنا تعني رمزيّاً أفعالَنا (nos actes)، أفعالَنا التي تكوّنُ حولنا عالَماً قُدَّ على صورتِنا (un monde à notre image). (...) فلو افتقدناها اليوم فهذه علامةٌ على أن هذا العالَم باتَ غيرَ شفّافٍ، وعلامةٌ أيضاً على أننا فقدنا السيطرة على أفعالِنا ولم نعدْ قادرينَ على بلورةِ فكرةٍ صحيحةٍ حول أنفسِنا. دون هذه الضمانة، ضاعت الهُويّة: أنا أصبحتُ بالنسبة لنفسي كائناً آخر غريبًا، أصبحتُ إذن كائناً مستَلَباً (je suis aliéné)".

الفيلسوف بودريلار بيّنَ أن المطاردة التي تَعرّضَ لها الطالبُ أصبحتْ هي الموضوعَ، والهروبُ -أمام هذه الصورة المنفصلة عن ذاته والتي تتصرّف بدلاً عنه وتسلبه حياتَه- أصبحَ هو "الحقيقةُ غيرُ المغشوشةِ لعمليةِ الإستِلابِ".

هذا الإستِلابُ هو حِرمانٌ ذاتيٌّ يقودُ إلى مصادرةِ الوجودِ وتعويضِه بصورةِ الوجودِ، صورةِ مشاكلِ الشغلِ والاستهلاكِ التي تطاردُنا، تؤرّقُنا وتنغِّصُ حياتَنا. وكما يؤكّد بودريلار، فهذا "إستِلابٌ لا يمكنُ تَجاوزَه، وهو أصلُ الصفقةِ مع الشيطانِ، وهو أيضاً أساسُ المجتمعاتِ الرأسماليةِ"، والمجتمعاتُ الرأسماليةُ هي مجتمعاتٌ شيطانيةٌ ! هذه الصورة أصبحتْ في الوقت نفسه توأمَنا المنفصلَ عنّا والذي لا يُفارِقُنا أبداً !".

هذا الفيلم يوضّحُ وبصِدقِيةٍ عاليةٍ مأساةَ الوجودِ في عالَمنا اليوم، عالَم السلعنة والاستهلاك والمشهد (La société du spectacle). لقد أجرَمتْ الرأسمالية في حق الإنسان عندما اختزلَته في صورتِهِ لا في ذاته فأصبحَ الإنسانُ في عهدِها شهيدَ رغباتِهِ وشهواتِهِ.

lundi 2 septembre 2024

سؤالٌ كبيرٌ أجابني عليه مفكرٌ كبيرٌ ؟

 

 

-       السؤال الكبير:

لماذا انقرض الضمير المهني في العالم أجمع لدي العمال بالفكر والساعد ولو بدرجات متفاوتة ؟

-       الجواب الكبير:

كنتُ أظن أن السببَ ذاتيٌّ (Subjectif) أو أخلاقيٌّ (Morale) !

قرأتُ رولان ﭬوري فعرفتُ أن السببَ ليس ذاتيّاً ولا أخلاقيّاً، بل السببُ موضوعيٌّ (Objectif) وهو التالي:

الحداثة الغربية الرأسمالية الليبرالية أفرغت كل المهن من رسالاتها التي خُلِقتْ من أجلها، مثلاً: خُلِق المربّي ليربّي الأطفال والطبيب ليداوي المرضى والمحامي ليدافع على المظلومين، إلخ. ماذا فعلت الحداثة بثلاثتهم ؟

أستاذ اليوم أو طبيب اليوم أو محام اليوم أصبح دون رسالة اجتماعية ولا يرغبُ في شيء سوى قبض ثمن ما فعل ولا يُسأل عما فعل. بعد التخرج، قتلت فيهم الليبرالية الرغبة في الإنسانية والمعرفة وعمل الخير. مسختهم الليبرالية فأصبح الأستاذ يقوم بدرسه ولا يعنيه إذا فهم التلميذ أم لم يفهم، والطبيب يصف الدواء ولا يعنيه إذا شفي المريض أم لم يشف، والمحامي يترافع على قدر ثمن أتعابه.

En français : le capitalisme a prolétarisé (ou instrumentalisé ou chosifié) tous les métiers !

الرأسمالية استلّتْ من مهنهم الروح وتركتها جسداً بلا روحٍ !

حمام الشط في 9 أكتوبر2020.

dimanche 1 septembre 2024

مَن هُمُ المحتالونَ في مجتمعِ الحداثةِ (مَصنعِ المحتالينَ) ؟

 

 

Ce sont des personnalités « comme si » ou « as if ».

-       أناسٌ متأقلمونَ جدّاً مع مجتمعِهم المريضِ حتى تخالُهم أسوياءً، أشخاصٌ مُسْتَلَبونَ جدا (aliénés) حتى تخالَهم مرضَى نفسانيينَ.

-       أناسٌ حِربائيونَ ومع كل محيطٍ جديدٍ يتماثلونَ ويتلوّنونَ.

-       أناسٌ لا يفعلونَ بدافعٍ من داخلِهم بل يستجيبونَ فقطْ للإثارةِ من خارجِهم.

-       أناسٌ مصابونَ بضمورٍ في الغددِ المُفرِزةِ للحبِّ والصدقِ والإخلاصِ.

-       أناسٌ فاقدُو الشجاعةِ والحِسِّ النقديِّ.

-       أناسٌ أبطالُ عصرِ الحداثةِ وعصرِ ما بعد الحداثةِ.

-       أناسٌ يسرقونَ أفكارَ غيرِهم العلميةِ أو الأدبيةِ أو الفنيةِ وينسبونا زوراً لأنفسِهم (Le plagiat).

-       أناسٌ "عاديونَ" في "مجتمع المشهد" (La société du spectacle de Guy Debord).

-       أناسٌ رجالُ أعمالْ، جهابذةُ عصرِهم، أنتجوا لنا عدمَ تكافئِ الفرصِ واللامساواةِ الاجتماعيةِ، ووفروا لنا القروضَ الكريهةَ بالنسبةِ للدولِ والأفرادِ (Les dettes odieuses)، ودمّروا مفهومَ الدولةِ الراعيةِ لمواطنِيها الفقراءِ والبؤساءِ (L’État providence) وأرسوا مكانَها خوصصةَ القطاعْ العامْ والتشغيلْ الهَشْ.

L’angoisse de la précarité provient de cette hégémonie culturelle et politique du néolibéralisme.

-       أناسٌ لديهم قابليةٌ سريعةٌ وعجيبةٌ للتحولِ إلى أناسٍ جلادينَ ينفذونَ جرائمَهم بصفةِ غيرِ معرّفةٍ (anonyme): مثل الطيارينَ الغربيينَ والإسرائيليينَ الذينَ قصفوا حمام الشط وغزةَ وبغدادَ وطرابلسَ ودمشقَ (يطيرونَ، يقصفونَ، يقتلونَ ثم يعودونَ إلى ثكناتِهم وكأنهم كانوا في حانوتِ "بوبلينات") أو مثل أوباما الذي أمضَى 2000 حُكمٍ بالإعدامٍ، نُفِّذتْ كلها خارجَ أمريكا في أراضي العالَم الإسلامي بواسطةِ طياراتٍ دونَ طيّارٍ. أصبحَ الحكمُ بالإعدامِ عندهم مسألةً إداريةً من اختصاصِ وكالةِ المخابراتْ (CIA) وأصبحَ تنفيذُ الإعدامِ عندهم مسألةً فنيةً من اختصاصِ مهندسِي الحاسوبْ.

Prudence (paragraphe original et intégral de l’auteur Roland Gori, page 241):

« Ainsi dans un article de 1965, Helene Deutsh précise la différence entre le phénomène morbide du « comme si », finalement assez rare, et « l’expérience psychologique transitoire extrêmement répandue, presque universelle » des situations « comme si ». Nombreuses sont ces situations, ces expériences « comme si » que l’on « rencontre couramment parmi les dirigeants et les hommes politiques », dans l’aptitude des acteurs à développer leur talent artistique et dans les déterminants psychologiques du plagiat et de bien d’autres activités ».

خاتمة: أين نحن العرب من هذه الشخصيات الحِربائية، شخصيات "كووم سِي" (des personnalités « comme si »)، وأين نجدها في مجتمعاتنا ؟

ملوكُنا، رؤساؤنا.. بعضهم شخصيات "كووم سِي" !

نوابُنا في البرلمان.. بعضهم شخصيات "كووم سِي"!

خبراؤُنا، إعلاميونا، محللونا السياسيون.. بعضهم شخصيات "كووم سِي" !

كتّابُنا، فلاسفتنا، فنانونا.. بعضهم شخصيات "كووم سِي" !

دُعاةُ ديننا .. بعضهم شخصيات "كووم سِي" !

مدارسنا، مستشفياتنا، مصانعنا، ضيعاتنا، بحثنا العلمي.. .. بعضها مؤسسات "كووم سِي" !

إمضائي:

"ما فائدةُ الأقنعةِ على الوجوهِ والعوراتُ عاريةٌ ؟". توفيق بكار

حمام الشط في 26 أكتوبر2020.

إلى المؤلهين الإنسان عليكم أن تنتبهوا أنه كائن جُبِلَ على الفجور والتقوى ولن يتغير. صفتان مكتوبتان في الجينات نتوارثها عبر الأجيال غصبا عنا

 

شَرْحٌ بيولوجيٌّ باللغة الفرنسية للمقولة الظاهرة في العنوان باللغة العربية، والتي تبدو في ظاهرها مقولةً دينيةً :

Nos 25 mille gènes ont été sélectionnés, il y a 30 mille ans (date d’apparition d’homo sapiens) pour nous dicter un comportement paradoxal et invariable (sauf par une batterie de mutations génétiques improbables). Un comportement bizarroïde qui nous façonne à être solidaires dans notre groupe humain (religion, nation, ethnie, idéologie, parti, classe sociale, statut intellectuel, syndicat, secteur professionnel, tribu, secte, famille, etc.), et en même temps à être hostiles envers les autres groupes humains.

Mon Commentaire : aujourd’hui, heureusement par l’effet culturel positif de la mondialisation, les autres ne sont plus des autres (exemple : les français ne doivent plus être considérés comme des autres, car il y a des centaines de milliers de tunisiens franco-tunisiens). Malheureusement, notre ADN est resté tel qu’il est, un logiciel performant mais anachronique, et pour lui, rien n’a changé, les autres sont toujours des autres. Le dilemme : L’ADN est héréditaire, par contre l’acculturation n’est pas héréditaire mais acquise par l’éducation

Ma signature :

Pour le critique, « il ne s’agit pas de convaincre par des arguments ou des faits, mais, plus modestement, d’inviter à essayer autre chose » Michel Fabre & Christian Orange, 1997.

Hammam-Chatt,  mardi 15 octobre 2019.

vendredi 30 août 2024

أين تَسْكُنُ "النفس الأمّارَة بالسوء" داخل جسم الإنسان ؟

 

 

 

الجواب العلمي (حسب اجتهادي المتواضع): من حسن حظنا أنها تتقاسم السكن مع "النفس الأمّارَة بالخير" داخل كل خلية بشرية من خلايانا، وعدد هذه الأخيرة يقارب 100 ألف مليار خلية. إن النفسَين المتناقضتَين والمتخاصمتَين باستمرار، هما ببساطة مجموع جيناتنا وعددها 25 ألف في كل خلية

Et c’est notre ADN.

المفارقة الكبرَى أن جيناتَنا جُبِلت على الخير والشر في نفس الوقت.

Nos gènes ont été sélectionnés naturellement pendant des millions d’années.

ما هو عملُ الخير ؟

هو التضامن والحب والإيثار والتسامح والعفو والكرم، شعورٌ يكنّه الفرد إلى أعضاء مجموعته وهي مجموعة غير ثابتة أي تتغير حسب المحيط (المكان، الزمان، السنّ، الإرث الصحي والمالي والثقافي والرمزي والاجتماعي، الحالة الصحية والمادية والنفسية والاجتماعية، إلخ.)، مجموعةٌ قد تتسع وتضيق حسب الظروف الطارئة، وقد تتكون من العائلة الضيقة أو العائلة الموسعة أو القبيلة أو الحي أو البلدة أو الجهة أو البلاد أو الأمة أو اللغة أو الدين أو الثقافة أو القومية أو العِرق أو الإيديولوجيا أو الحزب أو النقابة، إلخ.

ما هو عملُ الشر (أو السوء) ؟

هو التنافس، العدوانية، الأنانية والجشع والإقصاء والعنصرية والتباغض، شعورٌ يكنّه فرد من مجموعة "أ" نحو فردٍ أو أفراد من مجموعة "ب"،  هذه المجموعة "ب" قد تتجسد بالنسبة لنا في الأجنبي أو الغربي أو اليهودي أو الملحد أو المختلف عنّا عمومًا.

كيف نكسر من شوكة "النفس الأمّارَة بالسوء" ونقوّي من شوكة "النفس الأمّارَة بالخير" ؟

لا سبيلَ إلى ذلك إلا بِشنِّ حربٍ على الأولى بمساعدة الثانية (المعضلة أن الاثنتَين موجودتان في شخصٍ واحدٍ)، حرب لا صلح فيها ولا مصالحة، حربٍ أسلحتها الوحيدة هي التربية والتعليم والصبر والرضا بالقدر، حرب لا منتصرَ نهائيَّا فيها، وللأسف الشديد هي حربٌ تتجدد مع كل مولودٍ جديدٍ، لأن الجينات (ADN) تتجدد بالوراثة. أما "مقاومةَ شرّ النفس وتقويةَ خيرها" فهما صفتان مكتسبتان أو لا تكونان ! لذلك لا نهضةَ لشعبٍ إلا عن طريق التربية (Éducation) ولا طريقًا آخرَ متاحًا لنا اليومَ غير التربية.

سُئل مرة مؤرّخ الثورة الفرنسية، جول ميشلي (1798-1814): 

- ما هي أول مرحلة في السياسة ؟ 

- فأجاب: التربية. وما هي الثانية ؟ فأضاف: التربية. وما هي الثالثة ؟ فأردف: التربية. 

 

Conclusion de Christian de Duve, Prix Nobel de médecine en  1974, Un biologiste-moraliste :

Les individus humains ont été sélectionnés naturellement à travers des millions d’années pour être : 

·        solidaires à l’intérieur de leur groupe : famille, nation, religion, idéologie, paradigme scientifique, système philosophique, langue, parti politique, syndicat, etc. (أي النفس الأمّارَة بالخير).

·        Et en même temps hostiles envers les autres groupes : nation étrangère, religion différente, langue différente, paradigme scientifique différent, système philosophique différent, culture différente, parti politique adverse, etc. (أي النفس الأمّارَة بالسوء)

خاتمة مواطن العالَم: 

لذلك نستنتج أن الشر لم ينقرض من الأرض (الحرب، الفساد، السرقة، الكذب، الغدر، الخيانة، الإجرام، إلخ.) ولن ينقرض مادام يُتوارَثُ في الجينات، ولا قدرة لنا عليه، هو قَدَرُنا المشئوم والمحتوم، لكن علينا الحدّ من سلبياته عن طريق التربية والتعليم. ونستنتج أيضًا أن الخير لم ينقرض من الأرض (التعاون، الرحمة، الحب، إلخ.) ولن ينقرض مادام يُتوارَثُ في الجينات أيضًا، نرحّب به، قَدَرُنا المحمود والمحتوم، وعلينا تنميته عن طريق التربية والتعليم أيضًا. 

 

 

مجموعةٌ من الأسئلةِ، أرّقتني طيلةَ عقود، وجدتُ لها اليومَ جوابًا في هذا الكتابْ ؟

 

 

Ma source d’inspiration : Génétique du péché originel. Le poids du passé sur l`avenir de la vie. Christian de Duve (Prix Nobel de médecine 1974, biologiste-moraliste), Editions Poches Odile Jacob, Paris, 2017, 240 pages.

 

الأسئلة التي كانت تُحيّرني:

  • لماذا يتحارب البشر فوق الأرض وفيها من الخيراتِ ما يكفيهم وزيادة ؟
  • لماذا ننفق أموالاً طائلةً على الهدمِ ولو أنفقناها على البناء لأصبحت الدنيا جنة على وجه الأرض، ولَانْقرضَ الفقرُ والجهلُ والجوعُ وزالت جل الأمراضِ ؟
  • لماذا لا نرى للأخلاق الوضعية ولا للأخلاق الدينية أيّ تأثيرٍ على السلوكات الأنانية والعُدوانية للبشر ؟ 
  • لماذا لم يجلب لنا العِلمُ كل المنافع التي كنا ننتظرها منه ؟
  • لماذا تَبنّيتُ مفهوم المواطنة العالمية ؟ (justification a posteriori)
  • لماذا اخترتُ مفهوم "ما فوق الوراثي" أو "التخلق" (L`épigenèse) كموضوع لأطروحة الدكتوراسنة  2007 ؟ (justification a posteriori)

نص صاحب الجواب في كتابه، صفحة 165:

"الانتقاء الطبيعي الدارويني" (La sélection naturelle) انتقى في النوع البشري نوعَين من المميزات (Les traits):  مميزات تعزّز اللحمة داخل مجموعة بشرية معيّنة (عائلة، قبيلة، نقابة، وطن، عِرق، طائفة، لون، دين، إلخ.)، وفي نفس الوقت مميزات تدعّم العداوة حيال المجموعات الأخرى: على المستوى الاجتماعي، انتقى "الانتقاء الطبيعي" بعض القِيم، مثل التضامن، التعاون، التسامح، الشفقة، الإيثار. قِيمٌ وصلت إلى حد التضحية بالنفس من أجل مصلحة مجموعة بشرية معيّنة، قِيمٌ إيجابيةٌ كوّنت أسس العيش المشترك داخل المجتمعات البشرية المختلفة، كلّ على حِدَةٍ. لكن خراجَ هذه القِيم بقي بشكل عام مقتصرًا على أعضاء المجموعة دون سواها. 

القيم الإيجابية ولّدت لدى أفراد المجموعة الواحدة النزعة الدفاعية المفرطة، انعدام الثقة في الآخر، التنافسية والعِدائية حيال أعضاء المجموعات الأخرى. القِيم السلبية وُلِدَتْ من رحم القيم الإيجابية وهي التي كوّنت بذور الصراعات والحروب التي تركت بصماتها على طول تاريخ البشرية جمعاء حتى يومنا هذا.

هذا التحليل يرجع بنا إلى عشرة آلاف سنة قبل عصرنا الحالي، عصر كانت فيها مجموعات قليلة من البشر البدائيين تعيش في القارّة الأفريقية وتتخاصم حول أهم المصادر الغذائية التي توفرها لهم الغابة أو السافانا (la savane). في البداية كانت تُحدَّد المجموعة حسب علاقات القرابة الدموية السائدة داخل العائلة أو القبيلة طِبقًا للصفات المبرمجة في الجينات. (إضافة مواطن العالَم:

Notre ADN est un logiciel performant et sophistiqué mais il est très ancien et conçu pour l`homme primitif de la forêt.

لا تغترّ أيها الإنسان، فأنتَ والشانبانزي تتشابهان في 98،5% من الجِينات المشتركة (des gènes communs)، وأنت وشجرة المَوز في 60%، أما نبات الأرز يفوقُك في الجينات عددًا: هو 30-40 ألف جِينة، وأنتَ 25-30 ألف فقط !). مرّ زمنٌ وأتى آخر، وتوسعت المجموعة البشرية المعيّنة الصغيرة، فضمّت أراضي مشتركة، مصالح مشتركة، امتيازات مشتركة، اعتقادات مشتركة، قِيم مشتركة (des valeurs partagées)، أحكام مسبقة مشتركة (des préjugés)، أحقاد مشتركة، أي الاشتراك في سلوكات (des comportements) تدعم وحدة هذه المجموعة لا غيرها، "مجموعتنا ضد مجموعتهم" (إضافة مواطن العالَم: مقولة "مجموعتنا ضد مجموعتهم" تُتَرجَم بلغة عصرنا، فتصبح:  يهود ضد عرب، غرب ضد باقي العالَم أي المركزية الأوروبية، دار الإسلام ضد دار الحرب، بورجوازية ضد بروليتاريا، شيوعية ضد رأسمالية، يسار ضد يمين، داعش ضد بشار، إخوان ضد السيسي، مدينة ضد ريف، الرجل ضد المرأة، الحاكم ضد المحكوم، الأغنياء ضد الفقراء، العالَم الأول ضد العالم الثالث، أعراف ضد عمال، محامون ضد قضاة، إلخ.).

ما هي الإيديولوجيات العصرية التي تدعم اليوم الوحدة داخل المجموعة الواحدة وتؤجج الصراعات وتشعل الحروب بينها وبين المجموعات الأخري ؟

هي إيديولوجية القومية، غربية كانت أو عربية. هي الإيديولوجية الدينية، إسلامية (سوريا، العراق، ليبيا، مصر، أفغانستان) كانت أو يهودية (إسرائيل) أو بوذية (بيرمانيا، التيبت، الكشمير). (إضافة مواطن العالَم: هي الإيديولوجية الامبريالية، رأسمالية أمريكا كانت أو شيوعية الصين).

صفحة 166:

من سوء حظ البشر أن "الانتقاء الطبيعي الدارويني" لم  ينتقِ لفائدتنا قيمتَي الحيطة والحكمة الضروريتَين لتوليد الرغبة في تقديم التضحية بالامتيازات الحينية في سبيل التحضير لمستقبل أفضل للإنسانية جمعاء. على العكس انتقى لنا قيمة البحث عن المصلحة الحينية، سواء كانت فردية أو جماعية، وهذا ما يفسّر استغلالنا اللامسئول للثروات الطبيعية، ويفسر أيضًا تجاهلنا للعواقب الوخيمة التي قد تنجر عن فعلنا المشين هذا. عواقبٌ بدأت اليوم تهدد جنسنا البشري وتهدد بالانقراض أنواعًا كثيرة من الكائنات الحية الأخرى، حيوانات ونباتات.

لم يعد يشغلنا كل ما يتجاوز مستقبلنا الحيني مثل ما بعد التقاعد أو أمل حياتنا (l’espérance de vie) أو مصير أولادنا وأحفادنا من بعدنا.

ما أردتُ تبليغَه كعالِم بيولوجيا يتمثل في التأكيد على أن القيم السلبية (النزعة الدفاعية المفرطة، انعدام الثقة في الآخر، التنافسية والعدائية حيال أعضاء المجموعات الأخرى) هي قيم فطرية جينية وراثية  مبرمجة لإنتاج إنسان لزمانٍ غير زماننا، زمان سبقنا بعشرة آلاف سنة عند بداية تشكل المجموعات البشرية الصغيرة في إفريقيا أولا (من 3.000 إلى 10.000 نسمة). قيم وسلوكات كانت صالحة وضرورية في ذلك العصر، عصر ندرة الموارد الغذائية أو صعوبة التحصل عليها. صفات ساعدتنا على الصمود في طورٍ من أطوار تطورنا الطبيعي (L`évolution) ولولاها لانقرضنا كالديناصورات ولَذهبت ريحنا ولم تبق إلا أحافيرُنا (Fossiles humains). هذه القيم أو الصفات أو السلوكات أصبحت اليوم عبئًا ثقيلاً نحمله منذ الولادة، وباتت معطِّلة للقيم الإيجابية فينا (التضامن مع المجموعات الأخرى، التعاون معها والتسامح والشفقة والإيثار والمساواة).

انتهى الاستشهاد.

خلاصة القول وليس خاتمته:

الإنسانُ لا يولدُ إنسانًا متحضّرًا منذ البداية بل يصبح متحضِّرًا بجهده وعلمه وثقافته: لا أقيسُ على الإنسان الغربي الحالي، فهو في الواقع أقل منا في العمق تحضرًا، وإلا لَما احتلنا وقتل منا الملايين ظلمًا وبهتانًا، ولَما قصفنا بالطائرات في بور سعيد وبنزرت والساقية ودمشق وبغداد وطرابلس و.. و... ولَما باع لنا سلاحًا فتّاكًا من صنعه وترويجه وتآمره وانتهازيته.

يولد الإنسان طبيعيًّا  (L`homme de la nature)، وهو حضاريًّا أقرب لإنسان القرن  3000 قبل-الميلاد، أكثر من قُربه إلى إنسان القرن 21 ميلادي. إنسانٌ تولد معه غرائزه المحدَّدَة شبه كليًّا من قِبل جيناته، غرائزٌ تشده إلى الأسفل، أي إلى الحيوانية، إلى الطبيعة، إلى الأنانية. غرائز تحدّد القيمَ السلبية فينا (النزعة الدفاعية المفرطة، انعدام الثقة في الآخر، التنافسية والعِدائية حيال أعضاء المجموعات الأخرى). 

المتدينون يسمّونها "النفس الأمّارة بالسوء"، وعلماء النفس يسمّونها "الهُوَ" في اللاوعي (LeÇa ).  نفسٌ أمّارةٌ بالسوء وهي نفسٌ موروثةٌ (Le tout-génétique)، تقابلها  نفسٌ مكتسبةٌ بواسطة ما ينبثق عن التفاعل المستمر بين الجينات الموروثة والمحيط (محيط الجينات الخلوي والمحيط الخارج عن الجسم تمامًا

C’est cequ’on appelle l`épigenèse, sujet de ma thèse de doctorat, UCBL1, 2007

وهي نفسٌ أمّارةٌ بالخير وإذا كنتَ علمانيًّا سمّها النفس المتحضرة المتسلحة بالقيم الإيجابية فينا (التضامن مع المجموعات الأخرى، التعاون معها والتسامح والشفقة والإيثار)، وإذا كنتَ متديّنًا سمّها جهادًا ضد "النفس الأمّارة بالسوء"، وإذا كنتَ فرويديًّا (la psychanalyse de Freud) سمّها صراعًا مريرًا بين الثقافة والطبيعة

Interaction entre culture et nature d`où émerge l`homme de l`homme au dépens de l`homme de la nature

 صراعًا بين "الأنا" في الوعي (Le Moi) و"الهُوَ" في اللاوعي (LeÇa ).

المهم هو الجهادُ الذي قد يحدّ من سيطرة شهواتنا وغرائزنا على سلوكاتنا اليومية. جهادٌ يهذبها، يعلمها، يربيها، يَشْكُمُها، يطهِّرها من أدرانها ويقودها برفقٍ نحو الرقي والتمدن والتحضر والرقة واللياقة والأدب والذوق الفني الرفيق وصقل الحواس والحب والتواضع ونكران الذات والتطوع من أجل خدمة الغير.

نصقلها بالدين، بالفلسفة، بالفن، بالتصوف، بالعلم، بالزهد، بالتقوى، كلها أنواع راقية من مواد التطهير: وسائل نبيلة لبلوغ غايات أنبل.

وإذا لم نبذل هذا الجهد فرديًّا وجماعيًّا، ونحن التونسيون في الواقع وللأسف لم نبذله (يساريون وإسلاميون وقوميون وليبراليون)، لذلك لم تُغيِّرنا الأخلاق الإسلامية ولا اليسارية، فلا دين فينا نفع ولا علمَ ولا فلسفةَ !

أما كيف ثَبَّتَ فيّ هذا الكتابُ اختياري للمواطنة العالمية (justification a posteriori)، فأظنه سؤالٌ لا يتطلب شرحًا على الشرح الذي سبق. المواطنة العالمية، أراها تمرّدًا على الفطرة وعلى التقوقع وخروجٌ إراديٌّ عن الهوية الأمازيغية-العربية-الإسلامية دون انبِتاتٍ فجٍّ، خروجٌ عن الانتماء القومي الضيق أو الديني المتعصب، خروجٌ إلى آفاقٍ أرحبَ، آفاقٍ لا نرثها بل نكتسبها. المواطنة العالمية هي الاستعداد للشعور بالحب لكل البشر دون تمييزٍ، هي سموٌّ على غرائز العصبيات القبلية والوطنية والدينية والعِرقية والطائفية واللغوية، هي مستقبلُ العالَم خاصة في عصر الاتصالات والمواصلات، عصرٌ افتراضي (Facebook, Twitter, YouTube, etc)، عصرٌ اختفت فيه الحدود ومعها التأشيرات والجدران العازلة، عصرٌ أصبح فيه للإنسان جناحان افتراضيان وأصبحنا كالعصافير لا نمرّ من البوابات الحدودية، حلمٌ تحقق، حلمٌ غير مبرمجٍ في جيناتنا. 

أحلامي كل يومٍ تكبرُ، ويومي أصبحَ أفضلَ من أمسِي. يبدو أن واقعي أصبح أسرع من أحلامي: أكتبُ مقالاً وأنا في "مقهى الشيحي التعيسة التي لم تعد تعيسة"، فيتفاعل معي في الحين صديقٌ افتراضيٌّ في موسكو أو واشنطن، حلمٌ للإنسانية تحقق. للأسف واقعي يسبق جيناتي، مورّثاتي لا تطاوعني، خَطْوَتُها بمليون سنة، ما أبطأَها، لم أعُدْ أطِيقُ انتظارَها.. جيناتي المتخلفة !

آه يا جيناتي لو تلحقي بأحلامي، وتزرعي في جنبَيَّ جناحَين كجناحَي طير، أزورُ بهما ابنتي عبير حبيبتي في كندا، لم أرها منذ ثمان سنوات، أعِدُكِ، أضمّها مرة واحدة ثم أقفل راجعًا، حفيدتي سلمى دخلت المدرسة ولم أقبّلها لا عند الذهابِ إلى المدرسة ولا عند الإيابِ منها !