mardi 22 février 2022

العلمانيون التونسيون


 

استوردنا من فرنسا أسوأ ما فيها، وأهملنا أهم ما فيها ؟

استوردنا عَلمانية الثورة الفرنسية المعاديةُ للدين والمتدينين (Les hommes ne seront pas libres tant que le dernier roi ne sera pas étranglé avec les tripes du dernier prêtre, écrivait Diderot, 1713-1784 )، أسوأ أنواع العَلمانية بالمقارنة مع عَلمانيةُ الدول الأنڤلوسكسونية، بريطانيا، أمريكا وألمانيا، عكس العَلمانية الفرنسية، عَلمانيةٌ متصالحةٌ مع الدينِ.

استوردنا تحريرا للمرأة (تحريرا انتهازيّا في جزءٍ منه)، تحريرا يهدف إلى استغلالها واختزالِ دورِها وحصرِ قدراتها في المتعةِ الجنسية (تِجارةُ البِغاء العلني والسري) واستغلالِ صورتِها في الدعاية الرأسمالية (La chosification et la marchandisation de la Femme).

أيها العلمانيون التونسيون المتصالحون مع تاريخكم وهويتكم العربية-الإسلامية وغير التابعين للعلمانية الفرنسية، لماذا أنتم صامتون ولا تعبرون إلا لمامًا عن وجهة نظركم ؟

أما العلمانيون التونسيون غير المتصالحين مع هويتهم الإسلامية فيبدو أنهم لم يطلعوا على العَلمانية الأنـﭬلوسكسونية المتصالحة مع المسيحية.

في التاريخ، العلمانية وَهمٌ. الرأسمالية لم تفصل بين اليهو-مسيحية والدولة بل أوهمتنا بذلك وتاجرت بالعلمانية واغتنت بها  (نوال السعداوي Tv. F24).

يبدو لي أن العلمانية الأنـﭬلوسكسونية كانت أفضل من الفرنسية في تفاعلها مع المسيحية. لماذا لا نبتكر علمانية إسلامية (أقصد الحضارة الإسلامية لا الوحيَ) متصالحة مع الإسلام (وحي) كما قال مالك بن نبي "ليس الإسلام هو الحضارة، الإسلام وَحْيٌ نزل من السماء بينما الحضارة يصنعها البشر".

العلمانية تدخل في الحضارة ولا تمس الوَحْي. العَلمانية: يُقال أن كلمة عَلمانية أصلها "عالَمانية" من عالَم وليس من عِلم. أفضل تعريف لها ورد في القرآن: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". وكما قال ابن تيمية: "الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة" أعتبره تعريفا إسلاميا وجيها للعلمانية.

العلماني حتى ولو كان ملحدا، واجب عليه احترام أصحاب الأديان التوحيدية وغير لتوحيدية. أعجب من علماني تونسي لا يحترم دينَ أهله وأمه وأبيه !

 


lundi 21 février 2022

انتصارًا للعِلمِ اختصاصِي وليس انتصارًا للإسلامِ دينِي، ولكلّ مقامٍ مقالٌ ؟

 

يخافون على الصغار من التعليم الديني في بلاد مسلمة بنسبة 99%.

مَن هُمْ ؟

هم رفاقي اليساريون الستالينيون والأقربون إليهم الحداثيون ولائكيّو فرنسا المناوئون للدين عمومًا الذين، كُرهُهم الإيديولوجي للنهضاويين القاعديين (لم أقل للإسلام) أعماهم عن المنطقِ (لا تعنيني قيادة النهضة).

أقول لهم ما يلي:

1.     المدرسة السلوكية (Le béhaviorisme de Pavlov, Watson et Skinner) ترى أن الطفلَ إناءٌ فارغٌ يملؤه المعلم بما يشاء، صفحةٌ بيضاءُ يَكتب عليها ما يريد، صلصالٌ يشكّله حسب هواه.

2.     الطفلُ يا سادتي، يا مؤمنون بحرية الضمير والمعتقد، الطفلُ ذاتٌ حرةٌ مستقلةٌ تَملأ نفسَها بما تشاء، صفحةٌ بيضاءُ تَكتب على نفسها ما تريد، مخٌّ صلصالٌ غير مكتمل الوصلات العصبية المجهرية الوظيفية (La plasticité cérébrale) يتشكل حسب هوى صاحبه متفاعلاً مع محيطه، أقرانِه ومعلّمِه 

(L`épigenèse cérébrale).

هكذا قال زارادُشتْ أو تهيّأ لي أنه قالَ (زارادُشتْ هنا هو عِلم الديداكتيك أو فلسفة التعلم أو إبسمولوجيا التعليم بكل أنواعه وفروعه وتفرّعاته) وهكذا قالت المدرسة البنائية (Le constructivisme de Montessori et Piaget) على عكس ما قالت زميلتها البافلوفية، قالت: يبني التلميذ معرفته بنفسه متفاعلاً مع محيطه وأقرانه ومعلمه (Le socioconstructivisme de Vygotsky).

3.     على سبيل الذكر لا الحصر أذكّركم ببعض الاستثناءات ولا أهدف البتّة إلى إقناعكم بل أطمح فقط إلى التخفيف من تعصبكم ضد أبناء وطنكم. ستقولون لي "الشاذ يُحفظ ولا يقاس عليه" وأنا لا أطالبكم إلا بحفظ ما سأقول، أي تصونوه مِنَ الضَّيَاعِ وَالتَّلَفِ: أن لا تُدخِلوا أبناءَكم مدارسَ دينية وتُعلموهم في مدارسَ عَلمانية فلن يضمن لكم صنيعكم هذا أن أبناءَكم سيتخرّجون عَلمانيين:

-         مئات الدواعش الفرنسيون  في سوريا المولودون في باريس وليونْ من الجيل الثاني دَرَسوا في المدارس الفرنسية العلمانية ولا يَحفَظونَ من القرآن إلا الفاتحةَ وقُلْ هو الله أحد الله الصمد.

-         مئات آلاف الدواعش السوريون دَرَسوا في المدارسَ السوريةَ الحديثةَ الشبه علمانية.

-         آلاف الدواعش التونسيونَ المهاجرون في سوريا دَرَسوا في المدارسَ التونسيةَ الحديثةَ الشبه علمانية.

-         أكبر مَن أجرموا في حق الإنسانية في الحرب العالمية الثانية (60 مليون قتيل) دَرَسوا في مدارسَ علمانية: سياسيو وعسكريو المحور (هتلر، موسولوني، هيروهيتو، إلخ.) وخصومهم الحلفاء (ستالين، إيزنهاور، شرشل، ديڤول) وعلماء الجهتين مصمِّمو القنبلة الذرية والأسلحة الكيميائية والألغام الشخصية وتسميم الغابات والبحر والتربة والجو. دول الحلفاء كانت تحارب دول المحور، والاثنان يتسابقان في احتلال دول العالم الثالث.

4.     في المقابل، إن الذين لم يُدخِلوا أبناءَهم مدارسَ علمانية وعلّموهم في مدارسَ دينية لم يضمن لهم صنيعهم ذلك أن أبناءهم تخرّجوا متدينين:

-         العالِم الشهير داروين صاحب نظرية التطور المناقضة لنظرية الخلق في الإنجيل دَرَسَ في مدرسة دينية.

-         الفيلسوف هيڤل دَرَسَ العالي في مدرسة دينية، كانوا يُعِدّونه ليصبح قِسًّا فأصبح أكبر فيلسوف لتاريخ الفلسفة وخاتم الفلاسفة وقد صدق في ادّعائه. لم أقرأ هيڤل، كلمتين حفظتهم أمس مساءً في مقهى الأمازونيا من صديقي فيلسوف حمام الشط لكي لا أقول على هيڤل خطأً !

-         مندال، مؤسس علم الوراثة هو قس مسيحي.

-         حسين مروة أكبر مُنظِّر في الحزب الشيوعي اللبناني وكاتب كتاب "النزعات المادية في الإسلام" دَرَسَ  14 عامًا في الحزوة الشيعية في النجف في العراق.

-         طه حسين والطهطاوي، رموز النهضة العربية العقلانية، دَرَسا في جامع الأزهر.

-         الطاهر الحداد محرر المرأة التونسية دَرَسَ في جامع الزيتونة.

 

خلاصة القول: مقولةُ "غسل الدماغ" مقولةٌ فيها مبالغة: المخ ليس صحنًا نغسل بالصابون ما علق به من دهون، المخ عشرة مليارات خلية عصبية. كل خلية قادرة على أن تُقيم مع جاراتها عشرة آلاف وصلة عصبية أي ما يُقدّر مجموعه بمليون مليار علاقة عصبية في المخ بين خلية وأخرى. علاقات تتشكل طيلة العمر كله حسب التجربة التي يمر بها كل شخصٍ على حِدة (L`épigenèse cérébrale). وصلات عصبية غير قارّة (La plasticité cérébrale) ولا أحد يستطيع التنبّؤ بكيفية تشكلها في كل ثانية من جديد، تتشكل بالتفاعل مع ثلاثين ألف جينة داخل نواة كل خلية (ADN) ومع المحيط الخلوي الداخلي ومع المحيط الخارجي بكل مكوّناته المتعددة والمتحركة وهذه الأخيرة غير معروف اتجاه حركتها مسبقًا. المخ البشري عالَمٌ معقدٌ جدًّا، عجز العلم عن كشف جل ميكانيزماته وأعمق أسراره (ses mécanismes et ses mystères)، ولا أعْتَى  حاسوب في "سيليكون فالِي" أمريكا أو الصين يَقدر على مراقبة تفاعلاته الفيزيو-الكيميائية أو قيس ذبذباته الكهرو-مغناطيسية، لا يَقدر عليه إلا الخالق الذي أبدعه و"ما أوتيتم من العلم إلا قليلا" !

خاتمة: أنا أدينُ وبشدة كل تجاوزٍ يقع على الأطفال وفي أي مكان في تونس أو في العالَم، الرڤاب أو غيرها، وإذا ثبتت التهمة على المتهمين في قضية المدرسة القرآنية بالرڤاب فأنا أطالب بتسليط أشد العقاب عليهم هم وعلى مسؤولي الطفولة المحليين والجهويين والوطنيين ولا تنسوا أمثالهم السياسيين والإداريين.

لي طلبٌ آخرَ ولو أنني أثقلتُ عليكم زملائي البيداغوجيين ورفاقي اليساريين والحداثيين ولائكيِّ فرنسا: لا تنسوا أن تتفقدوا ما يحدث من تجاوزات مماثلة أو أفظعَ  في مهرجانات الأولياء الصالحين (الله ينفعنا ببركاتهم) والروضات ونوادي الأطفال والمبيتات التلمذية والرحلات المدرسية بأكثر من يوم وإقامات المصائف والجولات المطوّلة وغرف ملابس الصغار في ملاعب الكرة والمخيمات الكشفية والمراكز المندمجة (قُرَى أطفال بورڤيبة سابقًا)، إلخ. هذا لا يعني تمييعًا لجريمة الرڤاب وليس تبريرًا لها ولا تخفيفًا بأي شكلٍ من الأشكالِ.

لماذا كتبتُ هذا المقال ؟: هو مواصلة لنقاش في مقهى الشيحي وليس ردّا أو استفزازًا لأحد. لقد تناولتُ الموضوع من جانب علمي ديداكتيكي (فلسفة التعلّم، تعلّم القرآن أو غيره من المواد) وليس من جانب عاطفي ديني وإذا لم تصدّقوني فـ"اجعلكم لا صدّقتم" ! لكي أكتبَ يكفي أن أصدّقَ نفسي وأرضِي ضميري وبَسْ. ولو سألوني أين ستُعلِّم ابنك ؟ سأجيبُ كالآتي، مع العلم أنني لستُ نهضاويًّا ولن أكون ولا ستالينيًّا ولن أكون أيضًا. أنا مسلم يساري، يسار ما قبل ماركس، علماني على الطريقة الأنڤلوساكسونية غير المناوئة للدين عمومًا والحمد لله على ما أعطاني:

-         قبل المدرسة أدخِل ابني كُتّاباً (3-6) لا يُحفَّظ فيه إلا القرآن ودون تفسيرٍ، درسٌ أعتبره علميًّا "حمّامًا لغويًّا" (Un bain linguistique) يتعلم فيه الفصحى والنطق السليم للحروف مثلما تعلمتهما أنا في "خَلوة" جمنة (كُتّاب) في الخمسينيات عند "المِدِّبْ" محمود، الله يرحمه.

-         في التعليم العمومي الأساسي (6-15) يتعلم المواد الأخرى ويتعلم القرآنَ والتفسيرَ والحديثَ والشرحَ في التربية الإسلامية.

-         في التعليم العمومي الثانوي (15-19)، علمي أو أدبي،  يتعلم الفقهَ والتفكيرَ الإسلامي ويتعلم المواد الأخرى.

-         في التعليم العمومي العالي (19-22) ، علمي أو أدبي،  يتعلم الدينَ المقارنَ اختصاص علي شريعتي (قال عنه سارتر الفيلسوف الوجودي الملحد: لو قررتُ يومًا أن أختارَ دينًا لاخترتُ دينَ صديقي علي شريعتي، أي الإسلام) ويتعلم أنتروبولوجيا الأديان اختصاص جاكلين الشابي يتعلم المواد الأخرى.

-         يحق لكل مواطن تونسي مسلم غير يساري وغير علماني أن يُدخِلَ ابنه مدرسة علمانية أو يُدخِلَه مدرسة دينية من الكتّاب إلى الجامعة وليس ضروريًّا أن يعلّمه غير علوم الدين وهذا النوع الأخير من التعليم الديني موجود وبكثرة في الدول العلمانية المسيحية والدولة العلمانية اليهودية مغتصِبة فلسطين.


dimanche 20 février 2022

ما الفرق بين التفكير العلمي والتفكير الديني ؟


 

في هذا المقال، أنطلق من محاضرة ألقاها أحمد شبشوب, الأستاذ والباحث التونسي القدير في علوم التربية, أثناء المؤتمر الوطني الرابع لتعلّمية العلوم (أو فلسفة تعليم العلوم كما أود أن أسميها -La didactique des disciplines ).

   نُظِّمَ المؤتمر في كلية العلوم بمدينة صفاقس التونسية سنة 1998 وعنوانه "’التربية العلمية للتلاميذ: أيّ عوائق يجب تجاوزها ؟" قال شبشوب: "في الواقع نحن ننتمي إلى ثقافة ما زالت شديدة التأثّر بما هو سحريّ و/أو ما هو وراء الطبيعة مع العلم أن التعليم المكثف للعلوم العصرية مازال حديث العهد في تونس: في سنة 1875 بدأت مدرسة "الصادقية" تنشره لدى النخبة، والمفروض أن الإصلاح التربوي لسنة 1958 قام بتعميمه على كامل التونسيين، لكن علينا أن ننتظر قانون جويلية 1991 ليصبح التعليم إجباريا حتى سن السادسة عشرة، ثم قانون التوجيه سنة 2002، ورغم تعليمه الطويل مازال التونسي المتوسط يعتمد في حياته اليومية على طريقة تفكير في إدراك العالم وتفسيره تتداخل فيها النتائج المادية والأسباب غير المادية وهذا مخالف للتفكير العلمي".

نبدأ بتعريف التفكير العلمي الذي يعتمد منهجية تتألف من المراحل التالية:

-         الملاحظة: تنبع الملاحظة من نظريات مسبقة عند العالِم وهي لا تحدث صدفة كما يعتقد الكثيرون في أسطورة حادثة التفاحة عند "نيوتن". عينُ العالِم, عينٌ واعيةٌ ومُدرِكةٌ وليست كعيون غير العلماء والعامة.

-         الإشكاليات: تمثل مداخل البحوث العلمية وتأتي بعد الملاحظات الصادرة من العلماء بعد تفكير وليس صدفة.

-         الفرضيات: تطرح قبل البحث وهي استشراف لنتائجه لكن تبقي رهينة التجارب, تؤكدها أو تنفيها.

-         التجارب: يقوم بها العالِم أو التقني ويتحرى فيها الدقة والأمانة العلمية.

-         النتائج: يجمعها العالِم أو التقني ويتحرى فيها الدقة والأمانة العلمية.

-         تحليل النتائج وتفسيرها: هي أهم مرحلة لأنها الأصعب ولا يقوم بها إلا العالِم أو الباحث الملم بالنظريات العلمية السابقة.

-         الاستنتاجات: هي خلاصات البحوث العلمية الذي ينشرها العالِم في المجلات العلمية المختصة أو يلقيها في المؤتمرات العلمية الجامعية لتوضيح رؤيته الجديدة للآخرين (Le savoir savant).

لا يوجد فصل ميكانيكي بين هذه المراحل في الزمن ولا في الترتيب، بينما يوجد بينها تداخل وتفاعل وأخذ ورد وتغيّر في الترتيب.

بعد هذه المقدمة, نحاول مقارنة منهجين سائدين في العالم: التفكير العلمي والتفكير الديني:

- ينبني التفكير العلمي على الأرض فهو أرضي وعلى الإنسان فهو إنساني صرف يحرّكه الشك (الشك طريق إلى مزيد من الشك وليس طريقا إلى اليقين الأبدي)، ويحركه أيضا الخطأ والصواب والتطور والاختلاف في وجهات النظر وهو يحمل تاريخا وفلسفة وإيديولوجيا. يستطيع الإنسان أن يجدد ويضيف فيه بلا حدود ويعيد بناء أسسه متجاوزًا النظريات القاصرة أو غير العلمية.

- أما التفكير الديني فهو آت من "السماء"، فهو سماوي وإلهي وغيبي، وهو صواب لا يحتمل الخطأ، ويقين يقود حتما إلى مزيد من اليقين، وهو ثابت في نصه متحول في تفسيره. يستطيع الفرد أن يجتهد داخل دائرة صدقه دون أن يمس ثوابته.

- يتصف التفكير العلمي بالشفافية والتحدي فهو يعرض نفسه متطوعا للدحض أو النقض (falsifiable) على صفحات المجلات المختصة وفي المؤتمرات العلمية لكل مَن استطاع إلى ذلك سبيلا, لا يحمل جنسا ولا جنسية ولا هوية ولا وطنية ولا عصبية ولا لون ولا عرق ولا دين. يراجع نفسه بلا خجل ويتخلى في أكثر الأحيان عن الأفكار السابقة التي كان يمجّدها في يوم ما إذا أثبتت التجربة خطأها.

- يتعالى التفكير الديني على التفكير العلمي بنسبه غير البشري  (الله مصدره وليس الإنسان)، ويقينه المطلق وعدم التزامه بالزمان والمكان (صالح لكل زمان ومكان). يتعصب له المؤمنون ويُكفّرون غير المؤمنين، ويقصون المخالفين لهم حتى لو كانوا موحدين مثلهم (الكفر ليس الإلحاد، المسلم كافر بالمسيحية واليهودية ولا يؤمن إلا بالإسلام الدين الوحيد غير المحرّف في نظره، أما المسيحي فهو كافر بالإسلام. الملحد لا يؤمن بكل الأديان ولا يؤمن بوجود إله أصلا).

- التفكير العلمي متواضع بإنسانيته وماديته ونسبيته وتحديد مكانه وزمانه وشكه المتجدد والمتواصل. التفكير العلمي يقبل كل العالَم، ويؤمن بالتفكير الديني بعض العالَم. يعرض الأول نفسه على الدحض والتعديل ويطالب الثاني بالتسليم والتقديس دون جدل.

التفكير العلمي والتفكير الديني، خطان متوازيان ولو حدث أن تواجدا في شخص واحد فهو ثنائي التفكير، ولا ضرر في ذلك عند عظماء العلماء المتدينين مثل الفيلسوف المسلم الكاتب والطبيب "ابن سينا" (980-1037م) والمعلم الثاني بعد أرسطو الفيلسوف المسلم "الفارابي" (872-950م) والراهب المسيحي عالِم النباتات والأب المؤسس لعلم الوراثة، القس "مندال" (1822-1884م).

أما الضرر الجسيم -حسب رأيي- فيكمن في الخلط بينهما، وهذا وارد في عقول  بعض المتدينين حين يستشهدون بالعلم لتقوية إيمانهم ولو عكسوا لأصابوا، وكأن العلم في أذهانهم أعظم شأنا من الإيمان، أما بعض العَلمانيين الملحدين، فهم يؤمنون بالإنسان ويثقون في قدرته على صنع مصيره بنفسه، لذلك يتنافسون في محاربة المقدس ويكذّبون بالدين وهذه تجارة خاسرة لو تفكّروا لأن الإيمان إحساس ذاتي لا يخضع للقياس (La mesure) ولا للتجارب العلمية أو العلوم الإنسانية.

خلاصة القول حسب اجتهادي المتواضع: للعلم منهجٌ, مَن مشي فيه واحترم قواعده, حقق المعجزات، وللدين بابٌ من دخل فيه وصدّق معجزاته وجد فيه راحة البال.

هذان النمطان من التفكير يستطيعان التعايش إذا احترم كل واحد منهما الآخر، لأن غاياتهما السامية تتمثل في تحقيق القيم الإنسانية النبيلة على الأرض, من عدالة وتضامن وصدق وإخلاص وسلم ومقاومة للقيم الهدامة السائدة للأسف منذ ظهور الإنسان على الأرض  من ظلم وجشع وكذب وخيانة وحرب.

العلم "عمومي مشترك" والإيمان "ذاتي بحت" رغم أن الدين في ممارسته اجتماعي أو لا يكون, أنت حر في إيمانك تمارسه كيفما يشاء ربك وتشاء أنت في علاقة عمودية، ولن تأتي فيه بجديد مهما علا شأنك. أما العلم فتمارسه كيفما يشاء اتفاق العلماء (la communauté scientifique) وتشاء أنت في علاقة أفقية، لذلك تستطيع أن تبدع في مجالك وتثبت صحة فرضياتك فتُجازَى على قدر إبداعاتك أو تُكذِّبُ فرضياتك فيستفيد الآخرون من النتيجة السلبية كما استفادوا من نجاحات غيرك.

الرسالات الدينية موجهة للبشرية جمعاء فهي ليست حكرا على المتدينين، والعالَم الإنساني المادي المحسوس مِلك للعلمانيين ولغيرهم. فمِن المفروض إذن أن يكون العَلماني "متدينا محتملا" (أو متدينًا بالقوة-religieux en puissance) بالنسبة للمتدين المعتدل والمتسامح، ويكون المتدين "عَلمانيا محتملا" بالنسبة للعلماني المتفتح والمتفائل.

العلم والدين -لكل محرابه- فرجاءً من مريدي الاثنين أن لا يهدم الواحد منهم محرابَ أخيه في الإنسانية، وإذا رُمتَ المقام في أحدهما أو في كِليهما فالدين رحبٌ، يؤمن به المؤمنون فقط وهم كُثْرُ, والعلم أرحبُ، تؤمن به أغلبية البشر، مؤمنون وغير مؤمنين وهم أكثر.

قال ستيفن جاي ﭬولد: "مِن الأفضل أن لا نسجن أنفسنا في خانة الخيارات الخاطئة مثل: أنت مؤمن بنظرية التطور لداروين، إذن أنت ملحد، أو العكس أنت مؤمن  بالله إذا أنت لا تعترف بهذه النظرية. مِن الممكن أن يكون الإنسان مؤمنا بالله ويعترف بنظرية التطور أو ملحدا ولا يعترف بها. التفكير الديني والتفكير العلمي يكوّنان عالَمَين مختلفين ومنفصلين ومستقلين، فلا تطابق بينهما ولا تناقض، والمواجهة بينهما معركة خاسرة للاثنين. قد يلتقيان في علم الأخلاقيات (L’éthique)".

 


samedi 19 février 2022

العلمانية

 


 

من كتاب عبد الله العروي "السنّة والإصلاح" الطبعة الأولى 2008, المركز الثقافي العربي, بيروت, 224 صفحة.

صفحة 210: أبرزنا سلسلة من الثنائيات على مستويات مختلفة. تصرّ السنّة، هذا ديدنها، على اختزالها كلها في ثنائية واحدة: الكفر والإيمان، وهو عين التغرير.

وكما أشرت، واجب علينا إنقاذ العلم والسياسة، لا من الدين، إذ المفهوم يتطلب كل مرة مزيد تدقيق، بل من التأويل الذي فرضته السنّة، والسنّة مؤسسة بشرية، رسمية كانت أم لا، منظمة كانت أم لا، والواجب عام و دائم إذ لا نهاية للصراع.

في هذه الحال لا بد من سلطة محايدة، ترسم الحدود وتلزم كل طرف باحترامها، بعد أن علمتنا تجارب مُرّة كثيرة أن النفس لا تؤتمن.

كلمة علمانية، رغم ما يلازمها منذ القرن الماضي وبكامل الأسف من إشارة قدْحية، لا تعني سوى هذا الحياد المنشود (الهامش 23 صفحة 210: لفظة علماني تقابل اليوم في الاصطلاح السياسي كلمة لائكي الفرنسية وسِكُولَرْ secular الانـﭬليزية مع أن المدلول في اللغتين مختلف نسبيا). لا شك أن اختيار لفظ علماني كان خطأ ولعب دورا سلبيا في مسار الفكر العربي الحديث. لو اختير لفظ مثل لفظ "دنيوي"، مقابل "أخروي"، أو "معاملاتي" من معاملات مقابل "عباداتي"، أو "سلطاني" مقابل "شرعي"، إلخ. لما استبشِع اللفظ في الأوساط التقليدية كما هو الحال مع لفظ "علماني". الواقع أن الاختيار وقع في إطار الحملة التي شنها مروّجو نظرية داروين ضد التفسير الكنسي للتاريخ الطبيعي، متأثرين بما كان يجري آنذاك في أوروبا، سيما وأن أغلب الكُتّاب في هذا الباب كانوا  من الشوامّ المسيحيين.

اختاروا كلمة "علماني"، من العلم، اقتباسا من كلمة scientist إذ التعارض كان بين العلم والدين.

لو قيل منذ البدء إن المشكل يتعلق بالتمييز في كل حكم بين الجانب العقائدي والجانب الاجتماعي، وإنّ هذا التمييز واقع ملموس وليس بأمر من السلطة السياسية التي هي، بالتأسيس والتعريف، حيادية، عادلة، فوق الملل والنحل والمذاهب المتساكنة داخل الدولة الواحدة، لما وجد الفقهاء، السنّة بخاصة، في ذلك التمييز أي عيب إذ يعتمدون مثله منذ زمن طويل.

التمييز بين "الشرعي" و"السلطاني" عادي عند الفقهاء. يعود في آخر تحليل، حتى عند الأصوليين الأكثر تعلقا بالسنّة، إلى الفرق بين الأحكام المكية والأحكام المدنية، كما يفسر ذلك الشاطبي حيث يقول: "الأحكام المكية مبنية على الإنصاف من النفس وبذل المجهود في الامتثال بالنسبة إلى حقوق الله أو حقوق الآدميين. وأما الأحكام المدنية فمنزّلة في الغالب على وقائع لم تكن فيما تقدم من بعض المنازعات والمشاحنات والرخص والتحقيقات وتقرير العقوبات في الجزئيات لا الكليات." (مرجع سابق، ج 4 ص 237)

واللهِ عَبَثُ حُكّامِنا العربِ، عَبَثٌ لا يُضاهيه أيُّ عَبَثٍ ! ترجمة مواطن العالَم والديداكتيك، عَلماني، روحاني، دارويني، متعدّد الهُويات، أصيل جمنة ولادة وتربية، يساري غير ماركسي

 

 

(marxiste repenti)

 

مواطن جزائري يقيم في قرية "مغنية"، لو أراد زيارة قريبه في مدينة "وجدة" المغربية (30 كلم) ليقدم له العزاء مثلاً في وفاة أبيه أو ليشاركه فرحته بعرس ابنه البكر. ماذا يفعل في هذا الزمن الكلب حيث الحدود البريّة مغلقة بالطبّة والمفتاح ؟ يأخذ تاكسي مغنية-وهران (150 كلم) لاستخراج فيزا ثم تاكسي مغنية-مطار العاصمة (450 كلم) ثم الطائرة الجزائر-الدار البيضاء (1200 كلم) ثم القطار الدار البيضاء-وجدة (600 كلم)، أي يقطع، ذهابًا وإيابًا، 4400 كلم عوض أن يقطع ذهابًا وإيابًا 60 كلم فقط عبر الحدود البريّة.

 

Source d’inspiration : Le Monde diplomatique. Manière de voir février-mars 2022.


إمضائي:

النقدُ الفكريُّ هو مشاركتي الوحيدة في الحياة السياسية، نقدٌ يُلزِمني وحدي ولا يُلزِم أحدًا غيري، والسلام على مَن اتّبع الهُدَى، والسلام أيضًا على مَن لم يتّبِعْها، على أملِ أن يَهديه ربي يومًا ويتّبعُها !

"أكبرُ مَعروفٍ أسدتْه السكك الحديديةْ للمملكة الحيوانيةْ ؟ أراحتْ ملايينَ البِغالِ من حَمْلِ الأثقالِ !"  الفيلسوف الألماني شوبنهاور

 

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 19 فيفري 2022.

 

vendredi 18 février 2022

الدولة الدينية فشلت... والدولة اللائكية أيضا فشلت فما العمل ؟

 


مقدمة:
صيحة عالِم السياسة الفرنسي أوليفِيِي رْوَاْ: "الجهاد الإسلامي هو القضية الوحيدة المتوفرة للشباب في السوق"

Le jihad est aujourd’hui la seule cause sur le marché. Olivier Roy, né en 1949, est un politologue français, spécialiste de l'Islam.

مقال مستوحى من حوار تلفزي دار بين الفيلسوفين الفرنسيين ريجيس دوبري وإدﭬار موران. حاولتُ ترجمة الأفكار الأساسية فيه وصياغتها بتصرف وأقحمتُ نفسي طرفًا في هذا الحوار:

1. إدﭬار: 

كلما ازدادت قوة الإنسان في المجال المادي (العقلي والعلمي والتكنولوجي والطبي، إلخ.) ونجح في إيجاد حلول لضعفه المادي أمام الطبيعة، كلما ازداد وبان ضعفه في المجال الروحي (الدين والأساطير والأوهام، إلخ.) وفشل في إيجاد حلول لضعفه الروحي أمام الموت والمرض والحرب والاغتصاب.

2. المؤلف محمد كشكار: 

- فشلت أيضا الديانات التوحيدية الثلاث في مرافقة الإنسان نحو المرض والموت وذلك بإإفراغ نفسها المبيّت من الروحانيات والقِيم الإنسانية السامية وحشوها قسرا بالماديات على شكل طقوس جسدية اجتماعية روتينية ببغائية غير واعية: فشلت اليهودية روحانيا (لا تسرق، لا تكذب، لا تقتل) مذ أبِيد سكان فلسطين العرب الكنعانيين على أيدي اليهود الغازين القادمين من مصر. فشلت المسيحية روحانيا (من ضربك على خدك الأيمن فأَدِرْ له الأيسر) مذ وظفها قسطنطين في دولته الرومانية واحتل العالم بتوظيف المسيحية كدين الدولة الوحيد. فشل الإسلام روحانيا (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) مذ وظفه معاوية في دولته المَلَكية واحتل العالم بتوظيف الإسلام كدين الدولة الوحيد. 

- فشلت أيضا كل الدول اللائكية في العالم في فصل دياناتها عن الدولة (الشيوعية، الثورة الفرنسية، الجمهورية، المَلَكية الدستورية وغير الدستورية) : فشلت الشيوعية روحانيا (من كل حسب جهده ولكل حسب حاجته) مذ وظفها لينين وستالين وماو وبول بوت وكاسترو في دولهم الديكتاترية وقمعوا بتوظيفها عمال العالم وقتلوا منهم الملايين. فشلت الثورة الفرنسية روحانيا (البيان العالمي لحقوق الإنسان) مذ وظفها نابليون في احتلال مصر عشر سنوات فقط بعد ثورة 1789. فشلت الجمهوريات والمملكات الدستورية روحانيا (حرية، مساواة، أخوة) مذ وظفتها فرنسا وألمانيا وبريطانيا وبلجيكا وهولاندا لاحتلال العالم الثالث ونهب آثاره وعُماله وثرواته. فشلت الدول المَلَكية والقومية والاشتراكية العربية روحانيا (وحدة من المحيط إلى الخليج) وحاربت بعضها بعضا باسم العروبة والإسلام. فشلت اللائكية الفرنسية خصيصا في إدماج المهاجرين العرب على مدى قرن من الزمن رغم أنها نجحت في إدماج غير المسلمين من الإيطاليين واليهود والسود.

- فشلوا كلهم بمتدينيهم وعلمانييهم في نشر الأخوة والتضامن بين البشر وغلّب حكامهم الربح والاستغلال وتقديم مصالحهم المادية على القيم الإنسانية النبيلة فأضاعوا على الفقراء سعادتهم في الدنيا وفي الآخرة. لم يكفِهم فشلهم وحدهم فورّثوه لأجيالنا حروبا دينية في فلسطين وروسيا وسوريا وليبيا ومصر والعراق حيث غذّى فشلهم المزمن اللعين صراعا دينيا وإرهابًا إسلاميا لا علاقة له بروحانية وسماحة الدين الإسلامي.

3. ريجيس:

الشيوعية دين والجمهورية دين والليبرالية دين، كلها أديان تقدّس الربح والنهب بالقوة وتدنّس قيم التحابب والتعاضد والتآزر وقبول الآخر باختلافه وتهمل مبادئ المسالمة والمجاملة والتسامح والحب بين البشر، كل البشر دون تمييز عرقي أو لوني أو جَنْدَرِي (H-F) أو طبقي أو إيديولوجي. القيم الروحانية الإنسانية السامية (Les valeurs spirituelles) ليست حكرا على الأديان ولا على المتدينين وحدهم فبعض غير المتدينيين قد يكونون أرحم مثل أطباء بلا حدود وعمال المطافئ ومتطوعي الهلال الأحمر والصليب الأحمر والمحاضرون المتطوعون بالجامعة الشعبية المجانية بكانْ بفرنسا وعلى رأسهم مؤسسها فاعل الخير الفيلسوف اليساري التحرري الملحد المسيحي ميشيل أونفري.

أدعو إلى تدريس تاريخ الأديان (وليس الدعوى إلى دين أو تفضيل دين على آخر) في المدرسة الفرنسية اللائكية والتعريف بقيمها العالمية الإنسانية الراقية التي لا يخلو منها دين توحيديًّا كان أو غير توحيدي لكن النوايا الحسنة لا تكفي.

Et contrairement à ce qu`a affirmé Machiavel au XVIe S (la fin justifie les moyens), réellement  la fin ne justifie pas les moyens, plutôt les moyens nous donnent un signe prémonitoire sur la fin avant d`arriver à la fin.

4. إدﭬار:

أفاق العلمانيون المعاصرون ونبذوا إرهاب القرن العشرين (الألوية الحمراء الإيطالية، الجيش الأحمر الياباني، بادرماينهوف الألمانية، الخمير الحمر الكمبودية، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الهاڤانا الصهيونية، الجيش الإيرلندي، الفعل المباشر الفرنسية، الجمهوريون العالميون ضد فرانكو في اسبانيا) وسوف يأتي الدور قريبا إن شاء الله على المجاهدين الإسلاميين ويفيقوا من أوهامهم ويعرفوا أن ربهم قال لهم: " مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا".

توضيح حول مقولة ماركس الشهيرة "الدين أفيون الشعوب" التي وظفها ماركسيّونا خطأ ضد مسلمينا وإسلاميينا:

تعريف المفاهيم: الإسلامي التونسي هو مسلم يحمل مشروعًا سياسيًّا ذو مرجعية إسلامية (نهضاوي، سلفي غير داعشي، تحريري). الماركسي التونسي قد يكون مسلمًا أو ملحدًا يحمل مشروعًا سياسيًّا ذو مرجعية ماركسية-لينينية-ستالينية-ماوية (بوكت، وطد).

"الدين أفيون الشعوب"، جملةٌ فعلاً أخرِجت من سياقها. أنقل لكم سياقها كاملاً من كتاب ماركس الشاب (1818-1883)، الفيلسوف الأكثر عمقًا من ماركس الكهل. كتابٌ نشره سنة 1844 تحت عنوان "مقدمة لنقد الفلسفة وقانون هيڤل"، حيث وردت هذه المقارنة بين الدين والأفيون أي بين جنة اصطناعية وسعادة وهمية. قال: "البؤس الديني هو في نفس الوقت تعبيرةٌ عن البؤس الحقيقي وشكوى ضده. الدين هو صرخة المظلوم، هو روحُ عالَمٍ بلا روحٍ، هو أيضًا أخلاقُ عالَمٍ بلا أخلاقٍ. الدين أفيون الشعوب.".

هذه الجملة التي يُشهِرُها الماركسيون التونسيون خطأ في وجه المتدينين التونسيين كحكم غير قابل للاستئناف، هي جملةٌ استُعمِلت فيها كلمة أفيون كمرادف لكلمة تسليةٍ، تسليةٍ عن بؤس حقيقي وليس استبلاهًا أو عجزًا وجُبنًا. الأفيون (البؤس الديني) كوسيلةٌ نظيفة لطيفة للتخلص من حقيقة كريهة بغيضة (البؤس الحقيقي). الدين هو عبارةٌ عن لوحةٍ فنية جميلة تزيّن جدارًا قبيحًا كقبح عالَمِنا المعاصر. الدين هو التحصّنُ بعالَم اللامادة المقدّس هروبًا من عالَم  المادة المدنّس.

جملةُ ماركس ليست جملةَ إدانةٍ بل جملةُ فهمٍ دون تقديم تنازلات للايديولوجيات الدينية (L`intégrisme islamique). ماركس يقبل المتدينين كما هم، خاصة المقصين منهم اجتماعيًّا الذين لا ملاذ لهم إلا ملاذ الدين ولا صوت لهم إلا الشكوى للخالق.

الماركسيون التونسيون يلوّحون بالمسألة الدينية عند الأزمات كفزّاعةٍ (أستثني الدواعش التونسيين، فهُم ليسوا فزّاعةً بل هُمُ واقعٌ خطيرٌ مريرٌ ووبالٌ رهيبٌ على الإسلام والمسلمين والناس أجمعين)، يلوّحون بها للتغطية على المسائل الديمقراطية التي تقضّ مضاجعهم لقلة عددهم مقارنة بالإسلاميين.

ماركس لا يهتم بمعتقدات العمال بقدر اهتمامه بتحريرهم من رِبْقَةِ استغلال الرأسماليين الذين لا دين لهم حسب رأيه إلا دين الربح السريع، متدينين كانوا أو لا دينيين.

ماركس الشاب الحالِم رهيف الإحساس، قبل أن يطلب من الفقير المتدين التخلي عن حلمه المشروع بجنة سماوية ، يريد أن يهبه جنّة أرضية ويطمح إلى تحقيق فلسفة الدين فوق أرض دون دين.

وأنتَ أيها الماركسي التونسي ماذا قدمت للفقير المسلم التونسي ؟ خاصة بعد أن سفّهتْ التجربة السوفياتية حلم ماركس ؟ بعد ماركس، أصبح الحلم كابوسًا بفضل بركات ستالين وماو وبول بوت، وضحاياهم من العمال والفقراء يُعدّون بعشرات الملايين.

ماركس، كان مثاليًّا في طرحه إلى حد السذاجة لأنه أراد تخطّي الوجود البشري (La condition humaine) حيث يبدو البؤس قدرًا منزّلاً لا فصال فيه، والدين أفيونٌ لا غنَى للبشرية عنه. في وطننا يبدو لي أن للدين الإسلامي مستقبلٌ طويلٌ زاهرٌ، لا بل أزليٌّ دائمٌ كديمومة الخالق.

شقيقتي فاطمة (81 عامًا) ضريرةٌ منذ سن الست سنوات، مؤمنةٌ إيمانًا راسخًا أنه سيأتي يومٌ تُبصِرُ فيه وترى أمها بواسطة النور الإلهي، ترى أباها وإخوتها وأخواتها وأبناءهم، ترى صديقاتها وزميلاتها القدامى في معمل النسيج للمكفوفين بمدينة سوسة. ائتني بإيديولوجية تمنح لها هذا الأمل وأنا أتبعها صاغرًا لك ممنونًا !

خاتمة: يقول العامل المسلم التونسي (Le prolétaire) للماركسي التونسي: أرجوك يا رفيقي، أرأفْ بحالي، فأنا بلا إسلامٍ بشرٌ معاقٌ، تمهّلْ.. تريّثْ.. أو أعطني عكّازًا قبل أن تكسر عكّازي ! عكّازي هو عكّازٌ ربانيٌّ لم يُصنَع أفضل منه بعدُ.. ولن يُصنعَ ! عكّازٌ رفعني من الحضيضِ إلى السماء. ملجأ ألجأ إليه حيث لا تصلُ يدُ المتكبّرِ الظالِمِ.

العامل المسلم التونسي يضيف: صيحةُ "لا إله إلا الله" التي أرفعُها صباحًا مساءً ويوم الجمعة، أرفعُها في وجه الطغاة فترفعني إلى السماء السابع، سماء لا يطالها جبروت العباد، فضاء ينتقمُ فيه رب العباد ممن استباح دم العباد، فضاء تنعدم فيه  المذلّة والمسكنة، فضاء يُذلّ فيه كل ظلاّمٍ للعبيد، أم تراكَ تبغي أن تمنعني من الشكوى للخالق بعد ما بُليتُ بظلم المخلوق ؟ اذهبْ في حال سبيلك، أنت حرٌّ، لكنني -ورأفةً بك وبأمثالك- أنصحك نصيحةً صادقةً خالصةً لوجه الله، اتركْ هذه التجارة الخاسرة واشتغلْ فيما ينفعُ الناس، كل الناس دون تمييزٍ دينيٍّ أو عرقيٍّ أو إيديولوجيٍّ، واتركْ لي عكّازي فلا عكازَ لي اليومَ غيرهُ.

Source d`inspiration: Edwy Penel (cofondateur et président de Mediapart), Pour les musulmans, Ed. La Découverte, Paris, 2014, p. 135.