mercredi 24 février 2021

يبدو لي أن تعليمنا التونسي العمومي لا زال يوظّف التلميذ في نقل ما يمليه المدرس أو ما يكتبه هذا الأخير على السبورة ! مواطن العالَم والديداكتيك

 


في عصر السبورة واللوحة الرقميتين التفاعليتين (Tablette pour chaque élève et tableau interactif dans chaque salle de classe )، لا زال المدرس التونسي - التقليدي رغم أنفه - يهدر وقت التلميذ ويوظّفه في عمل غير معرفي. يتمثل هذا العمل غير المعرفي في الكتابة السلبية (لا يشارك التلميذ في إنتاجها) لِما يمليه المدرس أو نقل ما يكتبه هذا الأخير على السبورة. مع الإشارة أن هذا العمل قد يكون فيه للمدرس أهداف بيداغوجية وجيهة، لكن هنالك في القسم أهداف أوْلى وأهم مثل القيام بمشاهدات أو تجارب علمية لا يمكن للتلميذ القيام بها خارج المخبر أو دون مساعدة مدرسه. أما خلاصة الدرس المسقطة، فالمدرس يستطيع توفيرها للتلميذ مكتوبة في نُسخ ويكفيه عناء نقلها حتى يتفرغ الاثنان لأنشطة معرفية أجدى وأهم.

أنا لا أقصد بنقدي هذا حصص الخط والإنتاج الكتابي المفيدة جدا والصعبة جدا والمهملة جدا من قِبل مدرسي اللغات ولا أقصد أيضا الإنتاج الشفوي، فهذان النشاطان هما من أهم الأنشطة المعرفية التكوينية لمستقبل أجيالنا القادمة. نردد أحيانا ونتهم المتخرج الجامعي الحالي بالعجز عن تحرير مطلب شغل أو إنتاج خطاب شفوي متماسك منطقيا وننسى أن المتهم الرئيسي هو مدرّسه، أما التلميذ فهو ضحية نظام تعليمي متخلف نسبيا. لمْ نعلّمه فلم يتعلمْ، ولأن اكتساب المعرفة لا يخرج من التربة كالفِطر ولا ينزل من السماء كالغيث. التعلم مهنة وجهد مشترك بين المعلّم والمتعلم، العلم ليس موهبة يمنحها القدر لمن يشاء، العلم بناء ذاتي-اجتماعي طويل ومُضنٍ ومعقّد (socioconstructivisme de Vygotsky).

لو وفرت وزارة التربية سبورة تفاعلية في كل قاعة درس ولوحة تفاعلية لكل تلميذ لَجنّبْنا التلميذ عناء النقل من السبورة لأن كل ما يخطه المدرس على السبورة الرقمية طوال الحصة يُسجّل أوتوماتيكيا على لوحة التلميذ الرقمية. وهذا ليس مطلبا تعجز حكومتنا الموقرة عن توفيره لتلامذتها المحتاجين. حكومة نراها لا تفرّط في امتيازات وزرائها ونوابها في البرلمان وتفرّط بسهولة في مستقبل أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة أما أبناء الوزراء والنواب والأغنياء فلهم مدارس خاصة تُؤويهم وتحميهم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، مدارسهم مجهّزة بأحدث الوسائل التعلمية الرقمية.

 

المصدر: كتابي، الإشكاليات العامة في النظام التربوي التونسي - سَفَرٌ في الديداكتيك وعِشْرَةٌ مع التدريس (1956-2016)، طبعة حرة، 2017 ، 488 صفحة (ص.ص. 87-88).

 

إلى المنشغلين والمنشغلات بمضامين التعليم:

نسخة مجانية من كتابي "الإشكاليات العامة في النظام التربوي التونسي" على شرط التسلم في مقهى الشيحي أو نسخة رقمية لمَن يرغب فيها ويطلبها على شرط أن يرسل لي عنوانه الألكتروني (mail).

.

mardi 23 février 2021

دعت وزارة التربية التونسية إلى تكوين المدرسين في الإعلامية قبل أن تدعوهم إلى تكوين في الإبستومولوجيا وعلم نفس الطفل، ففعلت مثل مَن يهدي نظارات طبية إلى ضرير ! مواطن العالَم

 


أنزَلت وزارة التربية والتعليم التونسية أخيرا منشورا يحث مدرسي الابتدائي والإعدادي والثانوي على التكوّن في مجال الإعلامية واستعمال الحاسوب والبرمجيات والسبورة التفاعلية لأغراض التدريس في القسم (.Les T.I.C.E). احتج المدرسون النقابيون على الوزارة وعارضوا كعادتهم التكوين في العطل المدرسية وطالبوا بأجر مناسب للمدرّس المكوِّن.

سبق لي أن عملت مكوّنا لأساتذة علوم الحياة والأرض لمدة عامين. يستغرق إعداد حصة التكوين نصف شهر تقريبا. أعرضها وأناقشها مع الزملاء خلال أربع ساعات. أتقاضى على كل ساعة دينارين ونصف (ما يقابل دولار تقريبا). هل أجرُ عشرة دنانير يقابل جهد نصف شهر من البحث والتنقيب ؟ لكن عندما تستدعي الوزارة محاضرا جامعيا لتكوين أساتذة الثانوي أو معلمي الابتدائي تغدق عليه في الحصة الواحدة من 100 إلى 200 دينار. أنا أحترم العلم والعلماء والأساتذة الجامعيين والناس أجمعين وأطالب بمساواة المكوّنين في الأجر خاصة أن الكثير من المكوّنين من أساتذة الثانوي حاصلون على شهائد مرحلة ثالثة مثل الماجستير والدكتورا.

أعود الآن إلى موضوعي الأصلي الذي من أجله أكتب هذا المقال والذي يتمثل في تذكير الزملاء والوزارة أن التكوين في الإعلامية مهم ولكن الأهم منه هو التكوين في العلوم الضرورية لأداء وظيفة المدرس على أحسن وجه. ما هي هذه العلوم الضرورية ؟: هي التعلّمية أو إبستمولوجيا التعليم (La Didactique) وعلم التقييم (L'Évaluation) وعلم نفس الطفل (La psychologie de l'enfant) والإبستومولوجيا (L'Épistémologie)  وتاريخ العلوم (Histoire des sciences) وإدراك عملية الإدراك (La Métacognition)  والسيميائية (La Sémiologie) بالنسبة لمدرّسي اللغة بجميع ألسنتها وعلوم التواصل والتقنيات الرقمية المستعملة في التعليم (Les TICE).

 الإعلامية (L`informatique) ليست علما بل هي أداة يوظفها العلم. أداة عاجزة بمفردها عن تحقيق أي هدف تعلمي ولا يمكن الاستفادة منها دون استعمال علوم التربية الضرورية والمنسية في التكوين. تحرص الوزارة على التكوين في الإعلامية فقط وتهمل العلوم الأخرى فهي كمن يهدي نظارات طبية إلى ضرير.

 

أذكّر زملائي أولا والوزارة ثانيا بأهمية العلوم المذكورة أعلاه لعل الذكرى تنفع المدرّسين:

-         تهتم التعلّمية (La Didactique) بالمعرفة وعلاقتها بالتلميذ والمدرس أكثر من اهتمامها بطرق التدريس (البيداغوجيا). تركّز هذا الفلسفة على كيفية تعلم المتلقي وتعلّمه كيف يتعلّم. عدم إلمام المدرسين بهذه الفلسفة قد يفسر مقولة العالم الابستومولوجي الفرنسي ﭬاستون باشلار " المدرّسون لا يفهمون أن تلامذتهم لا يفهمون".

 

-         علم التقييم (L'Évaluation) هو علم قائم الذات يَدرَّس في الجامعات. تسمح آليات هذا العلم بتقييم مكتسبات التلميذ قبل وأثناء وبعد الدرس. تساعد نتائجه على تحسين مردود المعلم والمتعلم. المدرس الذي لم يدرس أكاديميا التقييم مثله كمثل تاجر يزن سلعة دون ميزان.

 

-         عِلم نفس الطفل (La psychologie de l'enfant) هو علم يفتح عيون المدرسين على عالم الطفولة والمراهقة ويكشف لهم ما خفي من جبل الجليد النفسي عند التلميذ لعل الرؤيا تتوضّح لديهم ويظهر لهم أن اللامعقول في تصرفات التلميذ هو من صلب المعقول النفسي, وربما يعذرون حينئذ ويفهمون أسباب وعمق بعض السلوكات التلمذية العنيفة أو الخارجة عن المألوف ويكفّون عن التعامل مع التلميذ كما يتعامل عالم النفس السلوكي مع فأر التجارب عندما يحدد له مدخل المتاهة ومخرجها (Le labyrinthe).

 

-         الإبستومولوجيا (L'Épistémologie) هي "مبحث نقدي في مبادئ العلوم وفي أصولها المنطقية" وتهدف إلى الكشف عن الآليات والمفاهيم التي تعتمدها الثقافة في إنتاج المعرفة ونقدها. هي "معرفة المعرفة أو نظرية المعرفة العلمية". يحتاج لهذا العلم كل من يدرّس العلوم معلما كان أو أستاذا.  عندما يعرف المدرس أن العلم لا يولد كاملا بل يتكوّن على مراحل وبعد أخطاء جسيمة يرتكبها العلماء العظام, حينئذ قد يعذر ويتسامح ويفهم أخطاء التلميذ ولا يحمّله ما لم يقدر عليه كبار العلماء، أعني به الفهم المباشر والسريع للمسائل المعقدة في الرياضيات والفيزياء وعلوم الحياة و الأرض وغيرها...

 

-         أما "إدراك عملية الإدراك" (La Métacognition)  فهو علم ينظر "في التفكير في آليات التفكير وفي معرفة أننا نعرف وفي اختيار الطريقة الأنسب لحل المشاكل" وكما قال بيار ﭬريكو: " لو أن الإنسان الذي يقول لا أعرف, عرف لماذا يقول لا, لكان قادرا على تحديد نعم المستقبلية" أو كما يقول المثل الصيني المشهور " لا تعطني سمكة بل علمني كيف أصطاد"  والسمكة في التعليم هي المعلومة وتعلّم الصيد هو "إدراك عملية الإدراك". أثناء إدراك عملية الإدراك "ينشط التلميذ ذهنيا وليس تطبيقيا وقد ثبت أن هذا النوع من النشاط الذهني البحت يسمح بالوعي بالإجراءات والشعور بالطرق والسيرورات الذهنية الموظفة لحل المشاكل ويرسّخ اكتسابها".

 

-         السيميائية 

(La Sémiologie ) 

وهي حسب تعريف فردناند دو سوسور (1857-1913)، مؤسس علم الألسنية (La Linguistique ): "السيميائية هي علم دراسة العلامات (Les signes) داخل الحياة الاجتماعية". يحتاجها جدا مدرسو اللغات في التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي وللأسف لم يتلق أكثرهم تكوينا جامعيا في هذا الاختصاص الضروري لتحليل النصوص (أنا لم أدرُسها).

 

 

خلاصة القول:

جل الأساتذة لم يدرسوا هذه العلوم في الجامعة أما أنا فقد اكتشفتها متأخرا أي بعد أربعة وعشرين عاما في التدريس. يبدو لي أن الأستاذ كان أقل حظا من المعلم في هذا المجال. وحتى من علم وتعلم فلن يستطيع أن يطبق النظريات الجديدة في نظام تعليمي يَعتبر فيه الارتقاء الآلي ديمقراطية والتقشف في استعمال الطباشير حكمة. مدرسة ابتدائية دون ميزانية وميزانية المعهد تُنفَق في تسخين مكاتب الإداريين وطباعة الامتحانات والمناشير.

السبورة التفاعلية (Le tableau interactif) ليست عصا سحرية سوف تُخرِج تعليمَنا من المحلية إلى العالمية ولن تغير بين عشية وضحاها وضعا متخلفا وتسيبا عاما وتجهيزات مهترئة وأجورا زهيدة وبيروقراطية متكلسة وقرارات فوقية وإملاءات خارجية وخرّيجين عاطلين عن العمل لمدة سنوات.

لديّ تجربة بسيطة مع توظيف التكنولوجيا الحديثة في التعليم: منذ ثمان سنوات وبضربة حظ, جهّز لي وزير التربية التونسي السابق منصر رويسي مخبرا بعشرة حواسيب لتدريس علوم الحياة والأرض في معهد برج السدرية ومنذ  تاريخ مغادرة الوزير للوزارة في 2001 نسوني وتركوني أتخبط وحدي دون فأرة ودون برمجيات ودون صيانة ودون تجديد الحواسيب حتى هرمت ولم تعد صالحة للاستعمال.

في فرنسا لا تَدرَّس الإعلامية كمادة مستقلة بل تُستعمَل كأداة تدريس في كل المواد منذ عام 2000.

 

المصدر: كتابي، الإشكاليات العامة في النظام التربوي التونسي - سَفَرٌ في الديداكتيك وعِشْرَةٌ مع التدريس (1956-2016)، طبعة حرة، 2017 ، 488 صفحة (ص.ص. 82-86).

 

إلى المنشغلين والمنشغلات بمضامين التعليم:

نسخة مجانية من كتابي "الإشكاليات العامة في النظام التربوي التونسي" على شرط التسلم في مقهى الشيحي.

lundi 22 février 2021

أتمنى أن يستقيل الأستاذ التونسي كلِّيا أو جزئيا عن التدريس داخل القسم ! مواطن العالَم

 


لم أقل يتغيّب أو يتكاسل أو يتغافل أو يتحايل أو يتخلى عن واجبه في تربية النشء. على العكس أطالبه بأن يعمل أكثر ويجتهد أكثر قبل الدرس دون أن يحرِم التلميذ في القسم من فرصة التعلم البنائي الذاتي.

فَلْيعذِرني زميلي في نقده والنقد هدّام أو لا يكون مع احترام شخص المَنقود. فبعد هدمِ نظرية علمية لم تعد صالحة يأتي عادة البناء لنظرية علمية جديدة، ثم يتوالى الهدمٌ والبناءٌ وهكذا دواليك يتقدم العلم: هذا التمشي يُسمي نظرية الهدم والبناء (Construction/Déconstruction) للعالم البيداغوجي-الديداكتيكي، أستاذي وصديقي الفرنسي السيد "أندري جيوردان".

 

يبدو لي أنه من الأفضل على المدرس التونسي معلِّما كان أو أستاذا أو مربِّيا للصغار في الروضة أن لا يفعل الآتي:

-         على المدرس التونسي أن لا يستعرض عضلاته في القسم لأن التلميذ أوْلَى باستعراض عضلاته في قسمه. فالقسم ملكه وليس ملك المدرس. التلميذ هو محور العملية التربوية ولا محور غيره وما أوجِدَ المدرس إلا لخدمة التلميذ.

-         على المدرس التونسي أن لا يحتكر الكلمة في القسم وخاصة مدرِّسي اللغات، فإذا لم يتكلم التلميذ في القسم ويخطئ في القسم، فأين سيتعلم البلاغة والنطق السليم في ثلاث لغات أجنبية على بيئته بما فيهم العربية الفصحى.

-         على المدرس التونسي أن لا يحتكر استعمال المُعِدّات المخبرية العلمية أثناء حصة الدرس وخاصة مدرِّسي العلوم التجريبية، فإذا لم يستعمل التلميذ هذه المعدات في القسم ويخطئ في القسم، فأين سيتعلم استعمالها، وإذا تكسر بعضها فقد جُعلت أصلا للاستهلاك. "التلميذ إكسِّر والوزارة تعوِّض".

-         ليعلم المدرس التونسي أن المُعِدّات المخبرية العلمية لم تُوفّرْ لتسهيل مهمته البيداغوجية بل جُعِلت لتيسير مهمة التعلّم لدى التلميذ والدليل أنه لو نُقِلت مهمة اكتساب المعرفة من المدرس وأوكِلت إلى التلميذ في علاقة تفاعلية مباشرة بينه وبين وسائل التعلم العلمية لصَنَعَ هذا الأخير معرفته بنفسه دون مساعدة المدرس المباشرة في عديد الوضعيات التعلمية (La situation didactique).

-         على المدرس التونسي المجدِّد بيداغوجيا أن يكتفي بتحضير الوضعية التعلمية المناسبة ويجلب المعدات والمواد الكيميائية اللازمة ويطرح الإشكالية بصورة واضحة ويستقيل كليا عن التدريس ويتنحى جانبا مشكورا ويتخلى عن اعتبار نفسه محور العملية التربوية ويترك مهمة التعلم الذاتي  البنائي للتلميذ لأن هذا الأخير ليس فرخ طير ينتظر في عشه ما تجلبه له أمه.

-         على المدرس التونسي أن لا يحتكر حل المسائل في القسم وخاصة مدرسي الفيزياء والرياضيات، فإذا لم يتمرّن التلميذ على حل المسائل المعقدة في القسم ويخطئ في القسم. فأين سيتعلم الذكاء الرياضي يا تُرى ؟

-         على المدرس التونسي أن لا ينهر التلميذ الذي يخطئ في القسم مع الإشارة إلى أن العلماء هم أشهر الخطّائين. يُعتبر الخطأ في علوم التربية مُحرّك القسم، فإذا لم يخطئ التلميذ في القسم، فأين سيخطئ دون أن يُعاقبَ يا تُرى ؟

-         على المدرس التونسي أن لا يقتل المبادرة الذاتية الجنينية لدى التلميذ في القسم. فإذا لم يبادر التلميذ في القسم ويخطئ في القسم، فأين سيتعلم الشجاعة الأدبية وحرية الرأي مع احترام المخالِف ؟ لذلك يبدو لي أن جل تلامذتنا المتفوقين هم مقلِّدون فاقدو الشخصية المستقلة المتوازنة. لذلك نلاحظ أيضا أن جل التلامذة المتمردين يُطرَدون من التعليم أو يكملون دراستهم المتعثرة بعد سن الخامسة وخمسين مثلي !

 

المصدر: كتابي، الإشكاليات العامة في النظام التربوي التونسي - سَفَرٌ في الديداكتيك وعِشْرَةٌ مع التدريس (1956-2016)، طبعة حرة، 2017 ، 488 صفحة (ص.ص. 79-81).

 

إلى المنشغلين والمنشغلات بمضامين التعليم:

نسخة مجانية من كتابي "الإشكاليات العامة في النظام التربوي التونسي" على شرط التسلم في مقهى الشيحي.

dimanche 21 février 2021

إضافة بيداغوجية رائدة قد تفيد المسؤولين في وزارة التربية التونسية. مواطن العالم

 


تجربة بيداغوجية رائدة اكتشفتها أيضا في مدرسة مونتيسوري الدولية بحمام الأنف (2015)، تجربة غائبة تماما في التكوين والتعليم العمومي التونسي في جميع مراحله.

تتمثل هذه التجربة في إنشاء "مجالس المواد" (Conseil-Matière)، مثلا: في هذه المدرسة توجد أربعة مجالس، لكل مجالٍ مجلسه، عربية وفرنسية وأنڤليزية وتنشيط (تربية بدنية، تربية تشكيلية، موسيقى ومسرح). سأكتفي بالحديث عن مجلس العربية الذي شاركتُ فيه ثلاث مرات: يحضره مرشد بيداغوجي عمومي (متعاقد) صحبة كل أساتذة المواد المدرّسة بالعربية والمتربصين المنتدَبين خصيصا للتدريس بهذه المدرسة الخاصة ولا يحضره المتعاقدون (Les vacataires)، يتعلمون البيداغوجيا ويتشاورون في كل ما يهم التلميذ والعلم المدرَّس في حصصهم. تصوروا معي لو عُمِّمت هذه التجربة على التعليم العمومي عوضا عن الوصفات الجاهزة والتوصيات الشكلية المفروضة فوقيا دون نقاش، التوصيات المسنودة بسلطة المتفقد الإدارية الزجرية البيهافيورية المتمثلة أساسا في الجزاء والعقاب بواسطة العدد البيداغوجي المسند اعتباطا للمدرس (béhaviorisme ). خلال ثلاثين سنة تدريس في تونس، زارني المتفقد ست مرات، أي بمعدل زيارة تقويمية كل خمس سنوات. أبَعْدَ هذا الاعتباطِ اعتباطٌ؟

 

ملاحظة بيداغوجية موجهة لأندادي مواليد الخمسينات من سكان مسقط رأسي قرية جمنة بولاية ڤبلي وسكان جميع الأرياف التونسية: نتعلّم منكِ يا جمنة ونحن أصغر من أن نُعلّمك.

تتلخص نظرية مونتيسوري في تربية الأطفال قبل بلوغ الست سنوات في الشعار التالي على لسان الطفل: "ساعدني على التعلم بنفسي" 

(“Aide-moi à faire seul”). 

نحن أطفال جمنة لم ننتظر اكتشاف النظريات التربوية الحديثة وطبقنا منذ أجيال -بطريقة موروثة ثقافيا- شعارا قد يكون أفضل تربويا من شعار مونتيسوري وهو التالي: "اتركني أتعلم بنفسي". كنا نلعب وحدنا دون رقيبٍ كهلٍ مختص أو غير مختص،  نصنع لُعبنا بأيدينا ونتعلم من لَعِبِنا ومحيطنا وأقراننا. عندما أقول " طبقنا شعارا قد يكون تربويا أفضل"، أنا أعي ما أقول، قلت "تربويا أفضل" ولم أقل "علميا أفضل" ولهذا انقرضت تقريبا طريقتنا البيداغوجية غير العلمية أي غير المدروسة وغير الموثّقة، انقرضت من جمنة وعوضتها رَوضات أطفال تجارية غير تربوية. كادت تجربتنا أن تكون علمية صِرفة لو توفرت عينُ رقيبٍ باحثٍ عالِمٍ ميداني، عينٌ مسندة بعقل  يلاحظ ويسجّل ويدوّن ويطوّر طريقتنا في التعلم الذاتي ويستنتج ويقارن وينشر، لو فعلنا ذلك لَكنا ربما سبقنا علماء الغرب من أمثال مونتيسوري وفيڤوتسكي وبياجي ولَاكتشفنا قبلهم جميعا "نظرية التعلم البنائي الذاتي".

 

المصدر: كتابي، الإشكاليات العامة في النظام التربوي التونسي - سَفَرٌ في الديداكتيك وعِشْرَةٌ مع التدريس (1956-2016)، طبعة حرة، 2017 ، 488 صفحة (ص.ص. 69-70).

 

إلى المنشغلين والمنشغلات بمضامين التعليم:

نسخة مجانية من كتابي "الإشكاليات العامة في النظام التربوي التونسي" على شرط التسلم في مقهى الشيحي.

samedi 20 février 2021

مشروع بيداغوجي شخصي واعد ، شرعت في تنفيذه في مدرسة خاصة وللأسف الشديد لم يكتمل ! مواطن العالم

 

المكان: مدرسة مونتيسوري الدولية بحمام الأنف.

الزمان: دامت التجربة شهرين، فيفري ومارس 2015.

الخطة التي شغلتها في هذه المدرسة النموذجية: مدير بيداغوجي.

فكرة المشروع البيداغوجي الشخصي الواعد:

"مَن تَعَلَّمَ نَقَصَت تَبَعيتَه." بونوا بونيكو، الرائع في بساطته، زاد للنشر، 1989.

“Apprendre est une diminution de la dépendance.” Benoît Bunico, Le Merveilleux dans sa banalité, Z`Editions, 1989. (André Giordan, Apprendre !, Belin, 1998, p. 75).

فكرة المشروع البيداغوجي الشخصي الواعد تحمل عنوانا: "التكوين البيداغوجي الذاتي المبنِي على البحث العلمي الميداني (Recherche-Action)"، وهو مجال بحثٍ علمي مهمل بل مغيّب تماما في التعليم التونسي العمومي والخاص داخل المدارس والإعداديات والثانويات ومراكز التكوين المهني وخاصة في الجامعات حيث تغيب بيداغوجيا المدرسة البنائية الاجتماعية (Le socio-constructivisme de Vygotsky)، وتحضر مكانها بيداغوجيا المدرسة السلوكية (Le béhaviorisme de Watson et Skinner ) فتسود المحاضرات الفوقية (Cours magistral).

يبدو لي أن مجال البحث العلمي الميداني لم يأخذ حظه من ميزانية الدولة للبحث العلمي مثل ما حصل في مجالَيْ البحث العلمي الأساسي ( Recherche Fondamentale certifiée par un Master ou un Doctorat) والبحث العلمي التطبيقي (Recherche appliquée certifiée par un Master professionnel sans une issue vers un Doctorat).

انطلقت الفكرة من الملاحظة البديهية التالية التي استقيتها من تجربتي كأستاذ في التعليم العمومي لمدة ثمان وثلاثين سنة: لاحظت وجود تهميش مبيّت لدور المدرس التونسي في عملية التكوين البيداغوجي في حين أن وزارة التربية أوكَلت مهمة التكوين لمتفقدين غير مختصين في علوم التربية وأخص بالذكر منهم المتخرجين قبل تأسيس معهد تكوين متفقدي الابتدائي والثانوي بقرطاج. لاحظت أيضا تغييب المعلم وأستاذ الثانوي في بلاتوهات الفضائيات التي تناقش إشكاليات النظام التربوي التونسي وتعويضهم بخبراء وأساتذة جامعيين لم يمارسوا التدريس في التعليم الأساسي ولا الثانوي مع التذكير أن أهل مكة ليسوا دائما أدرى بشعابها ومدرّسونا اليوم للأسف ليسوا أعلم بإشكاليات التعليم والتربية. تعامِل وزارتنا الموقرة مدرّسيها وكأنهم قُصّر غير قادرين على تقديم حلول علمية للنهوض بقطاعهم التربوي. وزارتنا تفتقد لمؤسسة تُعنى بالبحث العلمي الميداني.

محاولة شخصية مني ودرءًا لهذا النقص الفادح، ارتأيت أن أحمّل مسؤولية التكوين البيداغوجي في مدرسة مونتيسوري الدولية بحمام الأنف للمربين العاملين فيها دون انتظار الوصفات الجاهزة للسادة المتفقدين غير المختصين في علوم التربية أو انتظار محاضرات الأساتذة الجامعيين غير المختصين أيضا في علوم التربية. نجحتُ في تنظيم أول ملتقى في طريق تحقيق أهداف هذا المشروع وذلك يوم الاثنين 16 مارس 2015، حضره جل مربي المدرسة حيث ألقى ثلاثة منهم ثلاث محاضرات متبوعة بنقاش. على سبيل الذكر لا الحصر، أسرد عليكم بعض أهداف التكوين الذاتي: يُدرَّب المدرس على اكتساب بعض المهارات والسلوكيات (comportements) المفيدة في مهنته مثل مواجهة الجمهور، وتحسين الإلقاء، ومقارعة الحجة بالحجة، وقبول الرأي الآخر، والتدرّب على استعمال الوسائل التكنولوجية الحديثة (Les T. I. C. E.) والاستفادة من فوائدها في عملية التعلّم، واكتساب مَلَكَة النقد العلمي الهدّام بطبيعته للتصورات غير العلمية السائدة في نظامنا التعليمي المهزوم والمأزوم من أجل البناء العلمي على قاعدة علمية صلبة.

للأسف الشديد لم تُتَح لي فرصة مواصلة مشروعي وأوقِفت عن مباشرة العمل في المدرسة لأسباب خارجة عن صلاحيات الأسرة التربوية المونتيسورية بحمام الأنف بما فيهم باعث المدرسة نفسه والذين أحمل عنهم انطباعا أوليا ممتازا 

( Ma première impression est bonne, mais attention : « il faut se méfier de la première impression »):

في قانون وزارة التربية التونسية لا توجد خطة اسمها "مدير بيداغوجي" لذلك دعاني الباعث لطلب ترخيص من الإدارة الجهوية للتعليم ببنعروس لتسميتي رسميا كمدير للمدرسة (ثمانية أقسام ابتدائي وقسمان إعدادي) مع الإشارة أنني لا أرغب ولا أصلح لشغل مثل هذا المنصب الإداري غير البيداغوجي المتعب وقد سبق وتحصلت عليه مرتين في التعليم العمومي، مرة قبل الثورة وأخرى بعد الثورة وقدمت استقالتي في المرتين، حصل ذلك بعد التسمية وقبل التنصيب. رُفض مطلبي في خطة مدرسة مونتيسوري للسبب الوجيه التالي: سبب قرأته بنفسي في كراس الشروط للمدارس الخاصة المنشورة على النت والتي تشترط في المدير (ثمانية أقسام ابتدائي وقسمان إعدادي) أن يكون معلِّما قد مارس التعليم في مدرسة ابتدائية عمومية على الأقل لمدة خمس سنوات. من سوء حظي لا يتوفر فيّ هذا الشرط المعقول جدا، ولذلك أنا أجهل تماما مشاكل التعليم الابتدائي وقد اكتشفت خلال شهرين أنها تمثل عالَما مستقلا بطقوسه، عالَما لا يعرفه أستاذ التعليم الثانوي في علوم الحياة والأرض من أمثالي، حتى لو كان حاصلا على شهادة الدكتورا من جامعة كلود برنار بليون 1 في فلسفة التربية (la didactique) ومتخرج حديثا (سنة 2007) ودرّس طيلة ثمانية وثلاثين عاما في الإعدادي والثانوي، في تونس والجزائر.

أتمنى أن تتواصل تجربة التكوين الذاتي داخل  مدرسة مونتيسوري الدولية بحمام الأنف من بعدي وفي غيابي وهذا هو الهدف الأساسي والرئيسي من التجربة فهي لا تعتمد على مجهود شخص واحد مهما كان مستوى تكوينه الجامعي بل هي مجهود جماعي وعمل فريق.

أذكّر بواجب قد يتغافل عنه بعض المدرّسين غير المغرَمين بمهنة التدريس: المدرّس باحث ميداني بطبعه، يبحث في التطور المعرفي لكل تلميذ من تلامذته (Développement cognitif)، ويحاول  دعم قدرات المتعلم  وسد ثغراته المعرفية حتى يجتاز بمفرده العوائق التعلمية والإبستومولوجية والبسيكولوجية. ودّعتُ المدرسة وأنا راضٍ عما فعلته وتقاضيت مقابلا ماديا مُرضِيا لنرجسيتي الأكاديمية (ألف دينار في الشهر) وخرجت منها مستفيدا باكتشاف شخصية ماريا مونتيسوري، حسب رأيي، هي أعظم عالمة ميدانية في تاريخ المعرفة الحديث (L`épistémologie) ومؤسِّسة البيداغوجيا العلمية والمدرسة البنائية بامتياز وعن جدارة واقتدار.

 

المصدر: كتابي، الإشكاليات العامة في النظام التربوي التونسي - سَفَرٌ في الديداكتيك وعِشْرَةٌ مع التدريس (1956-2016)، طبعة حرة، 2017 ، 488 صفحة (ص.ص. 64-68).

 

إلى المنشغلين والمنشغلات بمضامين التعليم:

نسخة مجانية من كتابي "الإشكاليات العامة في النظام التربوي التونسي" على شرط التسلم في مقهى الشيحي.

 

في القرآن الكريم، هل الإنسان مَسَيَّرٌ أم مُخَيَّرٌ ؟ نقل مواطن العالَم

 


Les actions pour lesquelles l’homme est jugé sont-elles le résultat de son libre choix, ou sont-elles prédéterminées par les choix et décrets divins ?

 

1.     Le Coran soutient une version déterministe :

سورة النحل (Les abeilles)، 16: 37: "إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ".

La fameuse formule (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ) peut aussi bien signifier « Dieu ne guide pas ceux qu’Il égare » que « Dieu ne guide pas ceux qui égarent (les autres) » ou « ceux qui s’égarent ».

سورة المدثر (celui couvert d’un manteau)، 74: 31: "يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ".

« Dieu égare qui Il veut et guide qui Il veut »

سورة إبراهيم (Abraham)، 14: 4: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ".

سورة النحل (Les abeilles)، 16: 93: "وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ".

سورة الأنعام (Les troupeaux)، 6: 35:  

"وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ".

سورة الأنعام (Les troupeaux)، 6: 125: "فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ".

سورة الرعد (Le tonnerre)، 13: 27: "وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ".

سورة الإنسان (L’homme)، 76: 30: "وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا".

 2. Le Coran insiste sur la liberté et la responsabilité de l’homme :

سورة الكهف (La caverne)، 18: 29: "وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا".

« quiconque le veut, qu’il soit croyant, quiconque le veut, qu’il soit incroyant ».

سورة فصلت (Les versets clairement exposés/Les signes traduits)، 41: 17: "وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ".

سورة الرعد (Le tonnerre)، 13: 11: "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ". 

 

Source : Le Coran des historiens ? Sous la direction de Mohammad Ali Amir-Moezzi & Guillaume Dye, Les Éditions du Cerf, 2019, Paris.  Prix : 69 euros (environ 240 dinars). Formé de trois volumes (total=3400 pages). Volume 2a : Commentaire et analyse du texte coranique. Sourates 1 à 26, 966 pages (p. 432).

 

إمضائي: "إذا فهمتَ كل شيء، فهذا يعني أنهم لم يشرحوا لك جيّدًا !" (أمين معلوف)

 

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 20 فيفري 2021.