mercredi 26 août 2020

عن أيِّ ضميرٍ مِهَنيٍّ تَتَحَدَّثونْ؟ فكرة فيلسوف حمام الشط (ماركسي الهوى تعلّمتُ منه أعمقَ نقدٍ للماركسية)، تأثيث مواطن العالَم (مؤمنٌ بيسار ما قبل ماركس، يسار تعاونيات الاقتصاد الاجتماعي-التضامني)

 


فيلسوف حمام الشط يغنّي في المقهى، وجناحُه، مواطن العالَم، يردّ عليه!

قال الفيلسوف: كل الأجَراء يدخلون مؤسسات العمل الرأسمالية فقراءَ محتاجينَ، وكلهم يتقاعدون فقراءَ محتاجينَ، أما أربابُ العمل فيُنشئون مؤسساتهم وهم أغنياءٌ، ويتقاعدون منها وهم أغنَى من الأوّل مليونَ مرةٍ، وذلك بفضل تكديس الربح المتأتّي من القيمة التي أضافها العمال للسلعِ المنتَجَةِ بِعرقِ جِباهِهم.

Définition de la plus-value dans le vocabulaire marxiste: Différence entre la valeur des biens produits et le prix des salaires, dont bénéficient les capitalistes  

المؤسسة الرأسمالية للعمل (مصنع، شركة، متجر كبير، إلخ.) هي إذن مؤسسةُ استغلالِ بامتيازٍ، فكيف تطلبُ من العامل أن يعمل فيها بضميرٍ مِهَنيٍّ؟ العملُ فيها هو نوعٌ من التعذيبِ والسُّخْرَةِ، فكيف تطلبُ من العامل أن يُمارسه بضميرٍ مِهَنيٍّ؟ إذا عَمِلَ العامل بضميرٍ مِهَنيٍّ، رَبِحَ الرأسماليُّ أكثر، فكيف تطلبُ من العامل أن يساعدَ بضميرٍ مِهَنيٍّ مَن يسرق عرقَه؟ 

L'origine du mot travail vient du latin tripalium, qui était un instrument de torture à trois pieux. .. Le verbe travailler vient du latin populaire tripaliãre, qui signifie torturer avec le tripalium. Au XIIe siècle, le sens de travailleur devient plus moderne, signifiant celui qui tourmente. Au XXe siècle, le travail devient une sorte de corvée

لذلك تسعى كل النقابات في العالم للتخفيضِ من ساعات التعذيب، عذرًا أقصد العمل. مِن 12 ساعة في اليوم هبطت إلى ثمانية في العالَم أجمع، ومِن 40 ساعة في الأسبوع هبطت إلى 35 في فرنسا، ومِن ستة أيام في الأسبوع (يوم واحد راحة، الأحد) هبطت إلى خمسة في فرنسا أيضًا (يومان راحة، السبت والأحد). لو كان العملُ في مؤسسة رأسمالية واجبًا أخلاقيًّا لَطالبت النقابات بالزيادة في ساعات الواجِبِ.

الرأسماليُّ ليس غِرًّا فهو يعي جيدًا أنه يأكل حق العامل دون وجه حق، ويعي أيضًا أن العاملَ يكرهه كرهًا أعمَى، ولا يهمّه إذا كان للعاملِ ضميرٌ حيٌّ أو ميّتٌ لذلك نراه يحدّد مسبقًا للعامل "ياطاش" 

(Le travail à la tâche).

الخلاصة: عكس ما يعتقد الكثيرون، فكلما استيقظ ضميرُ العامل أكثر، قلَّ عملُه وإنتاجُه أكثر، وانخفض ربحُ الرأسمالي أكثر، بمعنى أوضح تقلّص هامشُ نَهبِه أكثر.

وسوسة الشيطان: في هذه الحالة يا كشكارْ، جميع الأنظمة الرأسمالية في العالَم ستنهارْ؟ "مَتِنهارْ أو تِخُشْ النارْ، وانا مالِي ، هي مِن بَئيّة عِيلْتِي ولّ مِن بَئيّة عِيلْتِي؟".

 

قال مواطن العالَم: أبصُم بالعشرة على كلام الفيلسوف لكن في مجال القطاع الرأسمالي الخاص فقط، وأضيف: ضميرُ الرأسمالي ضميرٌ أخلاقيًّا ميت. الرأسمالي يأكل عرق العامل ويدّعي أنه ولي نعمته والعكس هو الصحيح فالعامل هو ولي نعمة الرأسمالي، ولا وجود لرأسماليين دون عمال ولكن في المقابل نجد عمالاَ دون رأسماليين أعني بهم عمال وموظفي القطاع العام. فأي ضمير أولَى بأن ويُلامَ ويُستنهَض؟ ضمير صانع القيمة المضافة أي صانع الثروة (la plus-value)، أم ضمير سارق القيمة المضافة أي سارق عرق العامل؟

أما في مجال القطاع العمومي فلي رأيٌ آخرَ: لو فرضنا جدلاً -جدلاً يعني- أن الدولة المالكة لهذا اقطاع دولةٌ عادلةٌ اجتماعيًّا، فيُفترَضُ إذن أن العاملَ يعمل في ملكه، وتَعَبُه سوف يَرجعُ عليه بالفائدة غير المباشرة (مدارس راقية، مستشفيات عصريّة، طرقات سيارة مجانية، إلخ.)، في هذه الدولة الفاضلة أصرُخُ وأطالبُ بدسترةِ مَنْعِ الإضراب في مؤسساتها (التعليم، الصحة، ستاڤ، سوناد، تونيسار، الفسفاط، الڤمرڤ، إلخ.)، لكن والحال غير ذلك فأهلُ مكة، العمال، أدرى بِشعابها.

في الدول الشيوعية التي أمّمت القطاع الخاص بأكمله، فالمفروض إذن أن لا يُضرِبَ فيها أحدٌ، أما وقد خانت الطبقة العاملة (Le prolétariat ) وتحوّلت من رأسمالية الخاص إلى رأسمالية الدولة حيث تميّزت فيها طبقةٌ طفيليةٌ انتهازيةٌ ثريةٌ مُستهتِرةٌ (La nomenklatura )، فيحق فيها، ليس الإضرابُ فقط، بل التمرّدُ والعصيانُ والثورةُ والمحاسبةُ العادلةُ الصارمةُ غير العنيفةِ بدنيًّا، لكن دون تسامح الجبناء مع جلاديهم، عكس ما وقع عندنا في تونس داخل هيئة العدالة الانتقالية وخارجها.

 

البديلُ -في هذه الحالة- جاهزٌ: جاء من يسار ما قبل ماركس وانبثق عفويًّا مِن الذكاءِ الجَمْعيِّ الجِمنيِّ، بديلٌ يتمثّل في إنشاء تعاونيات الاقتصاد الاجتماعي-التضامني.

Les mutuelles comme la CNRPS et l`expérience de Jemna en Tunisie. En France, 12% de son économie est une économe sociale et solidaire

في التعاونيات وفيها فقط، يحق لنا أن نستنهضَ ضميرَ العاملِ، لأن ثمرةَ جهدِه ترجعُ إليه كاملةً غير مَنقوصةٍ، وكأنه يعمل في مِلكِه الخاص. أما تعاونية واحة ستيل بجمنة فقد فاق فيها التضامن كل الآفاق: جمعيةُ حماية واحات جمنة التي تُشرف وتسيّر التجربة، جمعيةٌ تضم عشرة أعضاء متطوعين عملوا مجانًا طيلة ثمان سنوات. واحة ستيل بجمنة تُشغّل 130 عاملاً مقابل الأجر الأدنى، عمالٌ من طينةٍ خاصةٍ لا يشبهون عمالَ التعاونيات الكلاسيكية في قطاع الاقتصاد الاجتماعي-التضامني (القطاع الثالث بعد الخاص والعمومي، قطاعٌ يخضع للتسيير الذاتي).

عمالُنا في واحة ستيل بجمنة (جمنة هي مسقط رأسي والتجربة تجربتي، أمنحُها مهجتي، أدافع عنها بأسناني، وأفديها بروحي)، عمالُنا لا يتقاسمون أرباحَ الواحة (قرابة المليار من المليمات في السنة بعد طرحِ المصاريف)، بل يتخلون طواعيةً عن حقوقهم فيها لفائدة المصلحة العامة لجمنة (أنجزت الجمعية سوقًا مغطى للتمور وقاعة رياضة مغطاة بالمعهد وقاعات بالمدرستَين الابتدائيتَين وسيارة إسعاف شبه مجانية، إلخ.).

 

خاتمة: عندما تُعمّم تجربة جمنة النوعية في الاقتصاد الاجتماعي-التضامني على كامل أملاك الدولة التونسية (500 ألف هكتار أراضي فلاحية خصبة + جميع مؤسسات القطاع العام المنتِج من الڤمرڤ إلى تونيسار)، عندها فقط حدّثوني يا جماعة عن الضمير المهني! والآن تصبحون على خير واتركوني الله يرحم والدِيكم ، تارة أبحِرُ دون زورق في عالَمي الافتراضي، وتارة أخرى أجنّح فيه دون جناحَين.

 

إمضائي

أجتهدُ فإذا أصبتُ فلي الأجرُ الموعودُ، وإذا أخطأتُ فلي بعضُه!

و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

 

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الخميس 22 نوفمبر 2018.

 

mardi 25 août 2020

طَرحٌ ضد التيّار! فكرة فيلسوف حمام الشط (ماركسي)، تأثيث مواطن العالَم (يساري غير ماركسي)

 

 

Nous sommes, moi et le philosophe de Hammam-Chatt, deux vieux penseurs déconnectés de la scène politique et complètement désintéressés

 

فحوى الطرح: منوالُ التنميةِ الاقتصاديِّ الغربيِّ السائدِ والمعاصرِ هو منوالٌ عقلانيٌّ، ناجعٌ وأمميٌّ بامتيازٍ، لكنه غير عادلٍ وغير أخلاقيٍّ بالمرّة، ملائمٌ وواعدٌ للأقلية الثرية وفي الوقت نفسه ظالِمٌ ومُحبِطٌ للأغلبية الفقيرة. منوالٌ يستثمرُ في البُنى التحتية (صناعة، فلاحة، طرقات، نقل، بناء، بحث علمي، إلخ.) ولا يهتم كثيرًا بالبُنى الفوقية (أخلاق، قِيم، مبادئ، ثقافة، دين، عدالة اجتماعية، مساواة، طبيعة النظام السياسي، حرية التعبير لكل الشعب، حقوق المرأة كامرأة وليست كسلعة، حقوق الأقليات الدينية والعرقية والجنسية، إلخ). منوالٌ، أنا يساري وأقولها بمرارةٍ وأسفٍ شديدٍ، يبدو أن دونه لا أملَ لنا في نهضةٍ وشيكةٍ، لا عادلةٍ ولا غير عادلةٍ !

 

أسوقُ أمثلة للتوضيح، أمثلة موجهة لغير المختصين في الفلسفة أمثالي، ولو أنني أعِي أن الفيلسوفَ لا يحبّذ اختزال الفكرة في أمثلة، أمثلة قد تشوّهها إذا لم نُحسنْ اختيارَها بِحذرٍ منهجيٍّ شديدٍ. سأحاولُ:

1.     تاريخُ الحضارة العربية-الإسلامية، تاريخٌ خالٍ نسبيًّا من تراكم رأس المال لأنه لم يمرّ بما مرّت به الحضارة الغربية، لم يمرّ بنظام عبودي ممنهج ومكثف ولا بنظام إقطاعي مركزي ولا بنظام بورجوازي-بروليتاري واعٍ بطبقيته، أي لم يراكم رأس المال، الشرط الأساسي للنهضة فلم ينهض رغم عديد المحاولات الفوقية.

2.     عبد الناصر استثمر في تغيير البنى الفوقية (قومية، وحدة، عروبة، عدالة اجتماعية، علمانية، إلخ.) ولم يستثمر في البنى التحتية (تصنيع، بحث علمي، تحقيق الاكتفاء الغذائي الذاتي، إلخ.). زميله وصديقه نهرو فعل العكس، خطط للاكتفاء الغذائي الذاتي وحققه وخطط لصنع القنبلة الذرية ووصل ويا ليته ما وصل ولو كان غاندي حيًّا لَما تركه فَعَلْ! فشل عبد الناصر ولم يحقق أي هدفٍ من أهدافه الفوقية  أما التحتية فحدّث ولا حرج (السد العالي كان استثناءً، وخطافٌ واحدٌ لا يصنع الربيع).

3.     جاءت بعده "الصحوة" الإسلامية، اهتمت بالأخلاق واللباس أكثر ممّا اهتمّت بالتصنيع والبحث العلمي، والنتيجة ظاهرة للعيان ولا تستحق مني أي تعليقٍ.

4.     ستالين الشيوعي شيّد البنى التحتية وهَدَمَ البنى الفوقية القديمة كالدين مثلاً، مؤمنًا بالمقولة الماركسية "تغيير التحتية سوف يغيّر حتمًا الفوقية". كذبتْ نبوءته لكنه ورغم ديكتاتوريته مع الجيل السابق فقد ترك بنى تحتية صلبةً، أرضيةً للبناء، استفاد منها الجيل الذي جاء بعده بقيادة الديكتاتور الليبرالي بوتين.

5.     "هون سان"، الوزير الأول، يحكم كمبوديا منذ 33 عامًا، حلّ الحزب المعارِض ويحلم بتنصيب نفسه ملكًا. هذا لم يمنع كمبوديا من تحقيق نموٍّ بـ7 % سنويًّا خلال العشرية الأخيرة. حصل النمو بفضل تطبيق منوالِ التنميةِ الرأسمالي الاستغلالي العقلاني.

6.     الصين الناهضة، بلدٌ شيوعيٌّ في بناه الفوقية (الثقافة) ورأسماليٌّ  استغلاليٌّ في بناه التحتية (المصنع). الحزب الشيوعي الصيني يُصَلِّي لماركس مبشِّرًا  بجنّةٍ على الأرض، وعمّالُ الصين يعيشون تحت حيف الرأسمالية.

7.     عقلي يطمح لِـحَثِّ كل الدول العربية على تبنّي  منوالِ التنميةِ الاقتصاديِّ الغربيِّ السائدِ والمعاصرِ، وقلبي يحثهم على العكس ويتمنى لقومه منوالاً وسطَا مثل منوال الدول الأسكندنافية أو منوالاً أفضل منه قليلاً، وهو منوال الاقتصاد الاجتماعي التضامني النوعي المطبّق منذ الثورة بمسقط رأسي جمنة (العمال فيه أجراء وليسوا شركاء، والمردود المالي كله يُصرَف في المصلحة العامة).

أنا حائرٌ، هل أغبط البلدان التي انخرطت في العولمة أم أرثي لحالها، بلدان مثل كوريا الجنوبية، تركيا، ماليزيا، أثيوبيا، رواندا وغيرها من الدول التي كانت أفقر منا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

والله أنا فعلاً حائرٌ في أمري، أيهما أختار: التنمية الاستغلالية العقلانية الناجعة أو العدالة الاجتماعية غير الاستغلالية لكنها غير ناجعة في البناء والتشييد؟ يبدو لي أن تَراكُمَ رأس المال هو الشرط الأساسي لِـتحقيق التنمية، لكنه شرطٌ لا يمكن أن يتحقق في ظل نظام عادل اجتماعيًّا.

ما الحل إذن؟ أنا مثلكم أسأل، ومَن أنا حتى أملك جوابًا واضحًا لمسألةٍ معقدةٍ مثل هذه المسألة؟ النقدُ فرديٌّ لكن البناءَ جماعيٌّ أو لا يكونْ.

8.     تجربة جمنة، لا أعرف هل يجوز لي أن أعيبَ عليها إنجازَها لمشاريع اجتماعية وخيرية غير رِبحية أو أشكرها على صنيعها الإنساني (قاعة رياضة، سيارة إسعاف، بناء حمّامَين، واحد للرجال والثاني للنساء، تشجيع الأنشطة الثقافية، توزيع منح على الطلبة المعوزين و توزيع خرفان مجانًا على الفقراء في عيد الأضحى)؟

تجربتنا الجمنية، لو طبقتْ العقلانية الرأسمالية الاستغلالية الخالية من العواطف لراكمت ثروة وشيّدت بأرباحها مصنعًا للتمور ومركزَ بحثٍ في علوم زراعة النخيل.  مصنعٌ قد يدرّ عليها أرباحًا كبيرة تَقْدَرُ أن تبني بها عوض القاعة قاعتين وتشتري عوض السيارة سيارتين وتشغّل عوض العامل الواحد، عشرين عاملاً.

في الآخر أقول "المتفرّجُ فارسٌ" وأهلُ جمنة  أدرَى بما تحتاجه جمنة، أعني بأهلِ جمنة أعضاء جمعية حماية واحات جمنة وسكان جمنة. لهم مني ألف تحية، وليتسع صدرهم لتطفلي الناتج عن إفراطٍ في الحب وجنونٍ في العقل.

 

إمضائي

"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

 

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الأربعاء 18 جويلية 2018.

 

lundi 24 août 2020

سؤال "امْحَيِّرْنِي": لماذا كلما قلتُ لزميلٍ غير مختصٍّ في الفلسفةِ "أنا وأنتَ لا نفهمُ في الفلسفةِ"، شَاطَ بِهِ الغَضَبُ؟ مواطن العالَم

 


عندي بعض الجواب؟

الغريبُ في المسألةِ أنني إذا قلتُ نفس الكلام على البيولوجيا، اختصاصي، يقبلها المتلقِّي دون حرجٍ!

ما السرُّ إذن؟

يبدو لي أن الفلسفةَ تبدو لمَن لا يعرفُها أنها معرفةٌ سهلةٌ وفي متناولِ كل مَن دَرَسَها عامًا واحدًا في الباكلوريا، ويبدو لي أيضًا أنها معرفةٌ غير محدّدةِ المجالِ كالعلومِ (فيزيا، بيولوجيا، طب، إلخ). مجالاتُها متعدّدةٌ ومختلفةٌ: العِلم، الدين، الأخلاق، الجماليّة، الكينونة، الفن، السياسة، الحياة، الموت، الميتافيزيقا، الحب، الوعي، اللاوعي، إلخ. الفلسفةُ ليست عِلمًا، وماهيتُها هي البحثُ الدائمُ عن ماهيةٍ، وبحول الله لن تجدَ ماهيتَها وذلك لِـتَجَدُّدِ الأنظمةِ الفلسفيةِ. للفلسفة ميزةٌ خاصةٌ: أنظِمتُها النظرية لا تموت أبدًا مثلما تموت النظريات العلمية الخاطئة، واسم سقراط معروفٌ اليوم أكثر من أي اسم رئيس دولة معاصر. جميلةٌ أعشقها واسمها الفلسفة وهي أرقَى أنواع المعرفة!

مَن يصحّ إذن أن نقولَ عنه اليوم أنه يعرفُ مبدئيًّا الفلسفةَ؟

هو الشخصُ الذي دَرَسَ الفلسفةَ واختصّ فيها في الجامعة، والذي هَضَمَها وتنفّسَها يوميًّا كالأكسِجِينْ. أما الذي لم يدرُسْها فهو هاوٍ مثل حالاتي لا أكثر ولا أقل.

ككل المتعلّمين، درستُها في الباكلوريا عامًا واحدًا، و درستُها عامًا ثانيًا بالمراسلة في جامعة رينس بفرنسا عام (Philosophie ancienne، لا أذكر من العامِ إلا اسم أفلاطون)، ودرستُها ضمنيًّا في الديداكتيك (اختصاصي الذي أصنّفه فرعًا من الفلسفة) في جامعة كلود برنار بفرنسا سبعة أعوام مرحلة ثالثة 

(Épistémologie de la biologie de 2000 à 2007).

 قرأتُ عشرات الكتب الفلسفية (لم أفهم أغلبها) واستمعتُ لعشرات المحاضرات الفلسفية على اليوتوب (فهمتُ أغلبها). ومع ذلك لا أستطيعُ أن أدّعي أنني أعرفُها خاصة في حضور فيلسوف حمام الشط حبيب بن حميدة.

وللمزح كنتُ أقول في المقهى: لو قرأتُ كتابَ فلسفةٍ بالفرنسية وفهمتُه فالأكيدُ أن مؤلفَه "فيلسوفْ مْذَرَّحْ" (أكيد الإعاقة فلسفية وليست لغوية). وكنتُ أقِرُّ علنًا  ودونَ حَرَجٍ أنني قرأتُ (Le néant) لِـسارتر ولم أفهمه، وقرأتُ (Les mots et les choses) لِـفوكو ولم أفهمه، وقرأتُ (L’esprit scientifique) لِـباشلار ولم أفهمه، وقرأتُ ( Le Capital) لِـماركس ولم أفهم منه إلا القليل، وقرأتُ (La société du spectacle) لِـﭬـِي دِيبُورْ ولم أفهمه، لكنني قرأتُ (Commentaire sur la société du spectacle) لِـنفس الفيلسوف وفهمته جيدًا والحمد لله.

 

إمضائي

"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران

 

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الأربعاء 1 أوت 2018.

 

dimanche 23 août 2020

غايات السياسيين الأخلاقية عادة ما تُخفِي وسائل غير أخلاقية. فكرة فيلسوف حمام الشط، تأثيث مواطن العالَم

 


بكل جِد كلانا يدعو إلى التشكيك الفلسفي في نوايا السياسيين، وخاصة مُدَّعِي الغايات الأخلاقية منهم، فعادة ما تكون وسائلهم غير أخلاقية. يبدو لي أن كل قائد سياسي -يساري أو إسلامي- يدّعي قيادة الجماهير إلى الجنة السماوية أو الأرضية هو كاذب لأن لا وجود لِجنة أرضية والسماوية حكمها عند الله.

 

سبق لنا وأن جرّبنا السياسيين اليساريين، ستالين وبول بوت وغيرهم، أما الإسلاميون فيبدو - والعلم بالغيبِ عند الله- أنهم على نهج اليساريين سائرون وعلى منوالهم ناسجون وفي الغايات الأخلاقية مبدعون والوسائل غير الأخلاقية مشتركون وفي اللبّ متشابهون ولا تغرّنّكم أنهم في الكسوة مختلفون، حمراء كانت أو خضراء (L`habit ne fait pas le moine). يبدو لي أنهم في مستنقع المثالية المتطرفة جميعهم يسبحون وللحقيقة محتكِرون، إنهم لَواهمون ولنا لَظالمون والاثنان على تونس دخلاء والاثنان يُعتبرون فيها منبتّون. غرق اليساريون وحتمًا سيتبعهم الإسلاميون لو لم يغيروا ما بِهم وإلى ربهم يرجعون، فالدين يدعو إلى التواضع وعدم التكبّر على خلق الله وأوْلَى بهم أن يطبقوا هذه المبادئ على أنفسهم قبل دعوة الغير إلى تطبيقها.

 

-         وَعَدَنا ستالين بِتحرير عمال العالم وفلاّحيه، غاية جِدُّ نبيلة، ومن أجل تحقيقها قتل ونفَى وقمع وشرّد ملايين العمال والفلاحين.

-         وَعَدَ بول بوت شعبَه بمستقبل زاهر، غاية جِدُّ نبيلة، ومن أجل تحقيقها قتل رُبع شعبه، مليون ضحية على أربعة ملايين ساكن.

-         وَعَدَ حسن الترابي السودانيين بِتحقيق العدل الإسلامي، لم يُحقق منه إلا قطع أيادي السارقين الجياع، مُنكَرٌ شديدٌ تجنّبه عمر بن الخطاب بِحكمة عندما عطّل حد السرقة عام الرَّمَادَةِ حيث اشتد الجوع جدا وهلك الناس، وعُمُرُ الرَّمادَةِ في السودانِ أعوامُ.

-         وَعَدَ أردوڤان الأتراكَ بالحرية والعدالة، غاية جِدُّ نبيلة، ومن أجل تحقيقها فَصَلَ 167 ألف موظف من عملهم بعد الانقلاب ودمّر بالطائرات بعض مُدُنِ شعبه الكُردِي وشرّد سكّانها.

 

خلاصة القول: الوسيلة أهم من الغاية لأنها بِبساطة تُعلن عن النوايا وتُبشّر بالغاية قبل حصولها، و"الجواب بيّن من عنوانه" كما تقول الحكمة الشعبية، والغاية لا تُبرّر الوسيلة كما أكد الفيلسوف العظيم كانط 

(La fin ne justifie pas les moyens. Kant).

 

إمضائي

"وإذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك فدعها إلى فجر آخر" (جبران)

 

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط، الأربعاء 26 أفريل 2017.

Haut du formulaire