mercredi 25 mars 2020

ما هي أهم الفروقات بين المخ البشري والحاسوب؟ تأليف الفيلسوف هنري أتلان، ترجمة مواطن العالَم



-         المخ: ليس رقميًّا (non numérique) وإنما يشتغل على الرقمي ويفهم ما يشتغل عليه.
-         الحاسوب: رقميٌّ ويشتغل على الرقمي، لكنه لا يفهم ما يشتغل عليه. هو يحاكي شغل المخ، والمحاكاة ليست كالفعل، مثلا محاكاة الطيران ليست طيرانًا فعليًّا. هذا لا يعني أنه لا يملك قدرات تفوق قدراتنا بأشواط: خذ مثلا آلة حاسبة صغيرة، فهي أنجع منا وأسرع ألف مرة في إنجاز عمليات حسابية معقدة. لا تنسوا أن الحاسوب صمّمه المخ، ثم صنعه وبرمجه للقيام بـ"معجزاته".
-         المخ: كُتلة مادية رخوة تعيش في الماء وبالماء (80% من وزن المخ).
-         الحاسوب: كُتلة مادية صلبة لا تشتغل في الماء بل تنفر الماء.
-         المخ: خلايا تشتغل بكيمياء عنصر الكربون (C).
-         الحاسوب: أجزاء تشتغل بكيمياء عنصر السيليسيوم (Si).
-         المخ: يعالِج المعلومات ويفهم ما تعنيه المعلومات (Les informations).
-         الحاسوب: يعالِج المعلومات ولا يفهم شيئًا مما تعنيه المعلومات.
-         الحاسوب: يمتاز على المخ بميزة كبيرة، يستعمل لغة عالمية (un langage universel)، لغة الرياضيات، لغة الحساب والمنطق.
-         المخ: نحن نستعمل لغات مختلفة و"الترجمة في بعض الأحيان خيانة". لكن لغة الحاسوب ورغم عالميتها فهي تفتقر إلى ثراء لغتنا غير العالمية، لغتنا لغة غنية بالمتشابهات (Les métaphores) والصور والغموض والإشارات والمتضادّات وعمق اللغة الطبيعية (le vague du langage naturel). لغتنا غير العالمية تسمح لنا بالتعبير عن أشياء تعجز عن التعبير عنها لغته العالمية، والتفكير عندنا يضم الحساب (le calcul) وأكثر من الحساب، بينما الرقمي لا يضم إلا الحساب (nombre+logique).

ملاحظة هامّة: هل انتبهتم إلى أن الطبيب الفرنسي والفيلسوف المعاصر والمّنظّر في البيولوجيا لم يذكر الفارق -الذي تعتبره أغلبية المثقفين (جهلة بالعلم أو علماء) أهمَّ فارقٍ- وهو التالي: "المخ حي والحاسوب غير حي". لا.. لا.. لم ينسَ هذا "الفارق"، لم يذكره قصدًا لأنه لا يعترف بوجوده أصلاً ويعتقد جازمًا أن "الحياة" و"الموت" ليستا موضوعات علميّة ولا يجوزُ طرحهما في المخابر العلمية (La vie et la mort ne sont pas des objets scientifiques qui peuvent être traités au laboratoire).

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 25 مارس 2020.

أمَا آنَ للتونسياتِ أن يَنتزعْنَ المُلْكَ من الرجالِ، لقد فشل هؤلاء قبل الثورة وبعدها وأصبحَ حُكمُهم في ضلالٍ؟ مواطن العالَم (رجلٌ يحترمُ المرأةَ، يُحبُّها، يُجِلها ويَعشقُها)



يبدو لي أن كثيرًا من الصفات البشرية غير المؤاتِية 
(défavorables) 
التي طوّرها الانتقاء الطبيعي الدارويني 
(La sélection naturelle) 
واحتفظت بها جيناتُنا (ADN) إلى اليوم، هي صفاتٌ ذكوريةٌ سلبيةٌ.

1.     النضالُ السياسيُّ في تونس هو بالأساس صفةٌ ذكورية
النضالُ السياسيُّ في تونس ضد بورڤيبة وبن علي قام به الرجال، وبعض النساء اكتفَين بمعاضدة أزواجهن وأبنائهن وزيارة السجناء منهم، مساندة فعّالة ومهمة. في عالَم الحيوانات، يتقاتل الذكور من أجل حيازة الإناث المرغوب فيهن، أما الإناث فيحمين الصغار (دورٌ هام في تطوير شبكة الخلايا العصبية في مخ الصغار عن طريق الرعاية والتدريب الأوّلِي بعد الولادة - L`épigenèse cérébrale: "الأمّ مدرسةٌ إذا أعددتَها *** أعددتَ شعباً طيب الأعراق، أحمد شوقي)، أو يتفرّجن على هذه المبارزات الذكورية التي تُقام بسببهن، والذَّكَرُ القوي هو الذي يفوز بأفضل الإناث كي يورّثهنّ جيناتَه المميّزةَ بهدف تأبيدِها. هل يكون الفوزُ في المعارك هو واجبٌ جينيٌّ ميّزه الانتقاء الطبيعي وطوّره عبر ملايين السنين (طيلة 6-7 مليون سنة منذ بداية ظهور أسلاف الإنسان 
-Les hominidés )؟
لكن لو كان الرجل ذئبًا لأخيه الرجل فالمرأة أكثر ذئبية لأختها المرأة!

2.     في أكثر الحضارات، تُعامَلُ النساء كجنسٍ ناقصٍ مقارنةً بالرجال
إخضاعُ النساءِ من قِبل الرجالِ، إخضاعٌ مدعومٌ طبيعيًّا وجينيًّا 
(Le tout-génétique) 
من قِبل  الانتقاء الدارويني، إخضاعٌ وقع تأبيده في عديد المجتمعات عن طريق العُرف والعادات والتقاليد والأخلاق، خاصة في الحضارات التوحيدية الثلاث أي اليهودية والمسيحية والإسلامية 
(surtout l`islamisme ou l`islam politique).

موقف الإسلام من المرأة يختلف كثيرًا بل يتناقض أحيانًا مع موقف المسلمين منها:
 مصدر إلهامي في هذا الموقف هو كتاب الشيخ راشد الغنوشي، "إرهاصات الثورة"، دار المجتهد للنشر والتوزيع، 2015 (كُتِبَ بين 1999 و2014)، 277 صفحة: لا يغرنّكم تغليفُ "إخضاعُ النساءِ" بكلمة الحق التي استعمِلت في الباطل:  عندما تُحاورُ إسلاميًّا تونسيًّا حول حقوق المرأة المهدورة في الواقع اليومي المعيش، يصفعك بالقولة الجاهزة: "الإسلامُ كرّم المرأة". أجيبُه: صحيح، الله في القرآن كرّمها، أما أنتم الرجال المسلمون فقد مسحتُم بكرامتها الأرضَ على مدى 14 قرنٍ، إلا مَن رَحِمَ ربي وهم قلةٌ قليلةٌ. وخير دليلٍ على وجاهة طرحي: لاحظوا غيابَها في المراتب الدينية الإسلامية كالإمامة والرئاسة والقضاء مثل غيابها في البابوية المسيحية أو الرِّبية في اليهودية.
على حدّ علمي فإن الديانات التوحيدية  الثلاث تُحمّل حواء مسؤولية خروج آدم من الجنة.
مالك بن نبي قال ولا قول بعد قوله: "ليس الإسلام هو الحضارة، الإسلام وَحْيٌ نزل من السماء بينما الحضارة لا تنزل من السماء وإنما يصنعها البشر عندما يحسنون توظيف ملكاتهم" (ص 109)، ثم أضافَ: "كل باحث في طريقه إلى القرآن تتعثر أقدامه في المسلمين. تمنيت لو لم يكن هناك مسلمون أصلا بمن فيهم شخصي. كلمة غيور غاضب" (ص 114).

في تونس اليوم، قليلٌ جدًّا من النساء يتبوّأن مناصبَ عُليا في الدولة رغم تفوقهن عدديًّا ونوعيًّا في التعليم الثانوي والجامعي وفي البحث العلمي. هذا الحيفُ هو من صنيع الرجال التونسيين المسلمين العنصريين ضد المرأة، والقرآنُ بريءٌ من تأويلات الفقهاء الرجعية. أما القلة من النساء التونسيات البارزات فيَحوم حول بروزهن السؤال التالي: هل برزن بجهدهن الخاص أو بفضل التناصف المفروض علينا من الغرب أو بفضل محاكاة نضالات الرجال؟
عالَمُ اليوم ما يزال في أغلبه عالَمٌ رجاليٌّ حتى في الغرب، غربٌ صانعٌ للسلاح ومصدِّرُه، غربٌ متفوقٌ علميًّا وتكنولوجيًّا ومتخلفٌ إنسانيًّا. لا نستطيعُ أن نتنبّأ إن كان هذا الوضعُ المستورَدُ حاملاً للأملِ أو قابرًا له؟  وليس مضمونًا البتة أن وَضْعَنا في تونس سيتحسّن لو حكمتنا النساءُ؟ (سهام وسعيدة وعبير وبشرى وسامية وراضية ومية ومريم وغيرهن في البال!). لكن في الآخر أقول أنهنّ يستحقِقْن أن نمنحُهن فرصةً للتجريب، لكن تبقى المشكلة في معرفة كيف سينتزعْن المُلْكَ من الرجال دون أن يتصرّفْن بدورهنّ مثل الرجال، أي بعنفٍ وعُدوانيةٍ ذكوريتَين، صفتان ليستا مكتوبتَين في جيناتهنّ، وهذا من حسن حظنا وحظهن؟

3.     تواجُدُ النساء التونسيات اليوم في المصعد الاجتماعي هو ظاهرة اجتماعية صحية وواعدة بمستقبل لتونس أفضل
حتى ولو كان وضع المرأة اليومَ هشًّا (عادة ما لا تُمكَّنُ حتى من منابِها الشرعي في الإرث)، فإن التوجهَ العام الحالي قد يكون واعدًا ومشجعًا ومبشِّرًا بمستقبل للمرأة التونسية أفضل، أفضل على الأقل من نظيراتها في العالَم العربي. أصبحت المرأة اليومَ تعمل وتشارك في الحياة الاجتماعية والسياسية وحتى الدينية ولو باحتشامٍ كبيرٍ، وأصبح بعض الرجال يساعدون في المطبخ زوجاتهم الموظفات، ومما يُفرح أكثر أن نسبة محترمة من التونسيين أصبحت تؤمن ولو باللسان بالمساواة التامة بين الرجل والمرأة. مكسبٌ هامٌّ ومدسترٌ، أضيفَ سنة 2013 إلى حقوق المرأة السابقة المقنّنة في مجلة الأحوال الشخصية منذ سنة 1957 مثل منع تعدد الزوجات. 

خاتمة: لم يبقَ للنساء إذن من حلِّ سوى إعلانُ الجهاد مثلي على الجينات الرجعية الجندرية الذكورية المتخلفة وذلك عن طريق تبنّي عِلمٍ -نسبيًّا جديد (عام 70)- اسمه "ما فوق الوراثي المخي" 
(L`épigenèse cérébrale, sujet de ma thèse de doctorat en didactique de la biologie, UCBL1, 2007)، 
ويُسمّيه الرسميون "التخلّق" أي ما ينبثق من صفات ذهنية بعد التفاعل بين الموروث والمكتسب أو بين الجينات والبيئة المحيطة بها داخل الجسم وخارجه 
(Interaction entre l`inné et l`acquis ou entre les gènes et l`environnement).
 علمٌ واعدٌ أو نضالٌ علميٌّ ضد طبيعة جيناتنا المتخلفة التي "تعزز اللحمة داخل مجموعة بشرية ضيقة كالقبيلة أو الموطن" وفي نفس الوقت "تعزز العداوة للمجموعات البشرية الأخرى كالأجانب" (مثال: عرب\يهود)، نضالُ ثقافيٌّ مكتسبٌ ضد الطبيعي الموروث (Culture contre Nature)، نضالٌ يربّي النفسَ، يدرّبها، يصقلها، يهذبها.. يهذبها بالدين، بالفلسفة، بالموسيقى، بالتصوّف، بالرقص.. الوسيلة لا تهم، ما دامت نبيلة وتسعى لتحقيق غاية أنبل، نضالٌ أفضل وأنجع ألف مرة من "النضال السياسي".
"النضال السياسي" هو أكبر خدعة استوردناها من الغرب،  والدليل على وجاهة طرحي: ما إن يتسلم المعارضون المناضلون السلطة حتى يظلمون ويقوم ضدهم مناضلون آخرون والشعب دومًا هو الضحية الوحيدة، ولا فرق عندي بين الحكّام الظلمة، رأسماليين كانوا أو شيوعيين أو علمانيين أو إسلاميين أو قوميين.

ملاحظة: جُلُّ أفكارِ المقالِ هي أفكارٌ مستوحاةٌ من الكتابِ التالي، ص 218-221:
Livre : Génétique du péché originel. Le poids du passé sur l`avenir de la vie. Christian de Duve (Prix Nobel de médecine 1974, biologiste-moraliste), Editions Poches Odile Jacob, Paris, 2017, 240 pages


إمضاء مواطن العالَم (رجلٌ يحترمُ المرأةَ، يُحبُّها، يُجِلها ويَعشقُها)
أنا اليومَ لا أرى خلاصًا للبشريةِ في الأنظمةِ القوميةِ ولا اليساريةِ ولا الليبراليةِ ولا الإسلاميةِ، أراهُ فقط في الاستقامةِ الأخلاقيةِ على المستوى الفردِيِّ وكُنْ كما شِئتَ (La spiritualité à l`échelle individuelle).
"النقدُ هدّامٌ أو لا يكونْ" محمد كشكار
"المثقّفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العموميةِ" فوكو
"وإذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إذنْ إلى فجرٍ آخَرَ" جبران
لا أقصدُ فرضَ رأيِي عليكم بالأمثلةِ والبراهينَ بل أدعوكم بكل تواضعٍ إلى مقاربةٍ أخرى، وعلى كل مقالٍ سيءٍ نردُّ بِمقالٍ جيّدٍ، لا بالعنفِ اللفظيِّ.

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الأربعاء 13 مارس 2019.



samedi 21 mars 2020

تعليق حول كتاب "غرق الحضارات" لأمين معلوف. مواطن العالَم


  
الطبيب الذي يُشخِّص سرطان لأول مرة عند مريض لا يعني أنه شامتٌ في المريض أو غير مبالٍ بمصيره. تشخيصُ أمين معلوف تشخيصُ طبيبٍ مسؤولٍ، واعٍ ومحترفٍ، وعلينا نحن كلنا، مواطني العالم،  تقع مسؤولية اكتشاف الدواء الناجع، وإلا غرقت حضاراتنا وغرقنا كلنا معها وانقرض الإنسان من على وجه الأرض! وقهرُ الشعوب العربية والإسلامية من قِبل الحكومات الغربية والعربية (ترامب والسيسي نموذجان) ليس دواءً لإرهاب الحركات الإسلامية. يبدو لي أن أفضل سلاحٍ ضد القهر والإرهاب هو تقسيمُ ثروات العالم بالعدلِ بين دول الشمال ودول الجنوب وبين الأغنياء والفقراء دون تمييزٍ بين مسلمٍ وغير مسلمٍ.
الإرهابُ الغربي المحترِف المسمَّى دبلوماسيًّا حربًا استباقية دون وجه حق (منذ نشأتها، شنت أمريكا على عدة دول 200  حرب استباقية، آخرها ضد يوغسلافيا والعراق وأفغانستان وكذلك فعلت شقيقتيها فرنسا وبريطانيا)، إرهابٌ مارسته الحكومات الغربية (فرنسا، أمريكا، بريطانيا وغيرها)، إرهابٌ يُنكِره جل مثقفي الغرب باستثناء ميشيل أونفري، فرانسوا بورڤا، وميشيل كولون وغيرهم ممن لا أعرفهم. إرهابٌ غربيٌّ رسميٌّ لم يشرْ إليه أمين معلوف في كتابه هذا، وهو ليس معذورًا، أولاً بصفته مفكرًا عالميًّا وثانيًا بصفته لبنانيًّا مسيحيًّا منتميًا للحضارة العربية-الإسلامية، أو هي أحد مكونات هويته أو على الأقل حضارة آبائه وأجداده حيث وُلد في ترابها ونشأ وشبّ ودرس وتزوّج في سن مبكرة ثم هاجر واستقر نهائيًّا في فرنسا.
لا يحق لأوباما أن ينعت أسامة بن لادن بالإرهابي، كما لا يحق لأسامة أن ينعت أوباما بالإرهابي، لكن يحق لمواطن العالَم أن ينعت الاثنين بالإرهاب، أوباما قبل أسامة.
 
إمضاء مواطن العالَم:
الاستقامةِ الأخلاقيةِ التي أتبنّاها تتجاوز الاستقامةِ الأخلاقيةِ الدينية لكنها لا تنفيها، لا تناقضها ولا تعاديها بل تكمّلها وتحميها: استقامتيِ الأخلاقيةِ أمارسها على المستوى الفردِيِّ (La spiritualité à l`échelle individuelle)، وهي فردية أو لا تكون، وقد تتوفّر عند المتدين (Le croyant) وعند غير المتدين (Le non-croyant)، وقد يكتسبها الفرد من الدين (الجهاد الأكبر) أو من الفلسفة أو من الاثنين معاً كحالتي. أما الاستقامة الأخلاقية الدينية فلا تُكتسَبُ إلا عند الإيمان بِدينٍ معيّنٍ، ولا تهم غير المتدينين، وهي كالدين اجتماعية أو لا تكون (La spiritualité d`une société ou d`un état).
الهُوية هُويّات: أنا مواطن العالَم، كشكاري، ڤَصْرِي-شِتْوِي، حَمَادِي، جمني، حمّام-شطي، تونسي، شمال إفريقي، أمازيغي، عربي، وطني، قومي، أُمَمِي، مسلم، عَلماني، يساري غير ماركسي، عربي اللسان، فرنكفوني، محافظ، حداثي. كل هُوية تُضافُ إليّ هي لشخصيتي إغناءُ، وكل هُوية تُقمَعُ فيّ هي لها إفقارُ.

Référence: Le naufrage des civilisations, Amin Maalouf, Grasset, 332 p, 22 €, pp. 85-92

أمين معلوف، روائي يكتب باللغتين (Ar-Fr)، مزدوج الجنسية، لبناني الأصل، عضو الأكاديمية الفرنسية منذ سنة 2011.

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الخميس 25 أفريل 2019.


حِوارٌ سُرْياليٌّ بينَ فَيروسْ كورونا ومُسِنٍّ مُصابٍ بالكورونا؟ مواطن العالَم الكسّار



المصابُ: وأخيراً شرّفتْ!
الكورونا: أكنتَ تنتظرني؟
-         ومَن لم يكنْ ينتظرك في هذا الزمن الأغبر يا أغبرَ من الزمن؟
-         أليس في جُعبتك كلامٌ ألطفُ من هذا؟ أوَ تشبّهُني بالزمن الأغبر؟ ومَن جعله أغبرا يا تُرى؟ أليس جشعك؟ أكلتَ لَحْمَ أخيك في حروب طاحنة ولم تشبع، فغزوت محرابي والله أوصاك أن لا تعتدي على العابدين في معابدهم. أتتصوّر أن الله ربك لوحدك؟ أأنتَ علماني أو حتى في الروحانيات أناني!
-         ادخلْ.
-         وهل تستطيع أن تمنعني أيها الجاهلُ بقيوده، العاجزُ عن الدفاع عن سيادته وحدوده؟
-         أنا جاهلٌ؟
-         ومَن تَرى أجهلَ منك في هذا الكون؟
-         نوّرني يا مثقف زمانه؟
-         ولِمَ لا، ألم يجعل حكمته في أصغر خلقه؟
-         وهل الداءُ والبلاءُ من خلقه أيضًا؟
-         ألم أقل لك أنك جاهلٌ؟
-         جاهلٌ بماذا؟
-         ألم يقلْ خالقك في أمثالك، مَثَلكم: "كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا"؟ أسفارٌ تحملها في داخلك، في داخل داخليتك، قصورٌ أبديٌّ تحمله في جيناتك الثلاثين ألف، ومن فرطِ جهلك ودون غربلة، قصورٌ تورّثه لأولادك.
-         جاهلٌ وتكلّمني على الخلق والخالق؟
-         جنيتَ على نفسك، ألا تعرف أن الله أرحم بك من العِلم، ولكن ما دمتَ بعظمة لسانك طلبتها -الحجة العلمية- فهي لك.
-         كيف أجني على نفسي وأنا أعقلُ الكائنات؟
-         كلامُك، "كلمة حق أريدَ بها باطلٌ".
-         كيف.. الحقُّ يُرادُ به باطلٌ؟
-         حسب داروين، اصطفاك "الانتقاء الطبيعي" (La sélection naturelle)، ميّزك عنّا جميعًا، حباك بثلاثين ألف مليار من الخلايا البشرية، منحك مليارات الخلايا العصبية الصالحة للتفكير، وبَرْمَجَكَ في ADN، برمجية نادرة معقّدة لكنها قديمة وقد انتهت صلوحيتُها، ألا يكفيك نقصًا أنك علماني أناني،  والله لم أكنْ أعرفُ أنك متخلفٌ آدآني (ADN).
-         وأنتَ؟
-         أنا أرآني (Le Covid-19 est un virus à ARN).
-         أنت إذن فوتوكوبّي وأنا الأصلُ.
-         ومَن أدراك يا جاهلُ، أنا خُلِقتُ قبلك وسأبقى بعدك (Ma source d’inspiration: Génétique du péché originel. Le poids du passé sur l`avenir de la vie. Christian de Duve (Prix Nobel de médecine 1974, biologiste-moraliste, Editions Poches Odile Jacob, Paris, 2017, 240 pages).  خُلقتُ قبلك بأربعة مليار سنة أو أقل قليلا (عُمُرُ الإنسان يُقدَّرُ ببعض الملايين من السنوات). عشتُ وحدي أنا والبكتيريا على وجه البسيطة ما يقارب مليارَين اثنين من السنوات، نصف عمر الأرض. "جِيتْ أنتَ من تالي وقُلْتْ خلّوهالي"، ما أكبرني وما أصغرك! خُلقتَ بعدي، فرحنا بقدومك وسخّرنا لك أنفسَنا  خدمًا وحشمًا في جسمك، فيروسات وبكتيريا وميكروبات بالمليارات على عدد خلاياك أو أكثر، كائنات دقيقة نسكن معك في نفس القصر-الجسم، نقتاتُ منك وتقتاتُ بواسطة كفاءاتنا الكيميائية، نهضم مكانك لك طعامك، ولولانا لهلكتَ جوعًا، وعِوض أن تشكرنا على صنيعنا وتكتفي بما أنعم الله عليك، لاحقتَ أبناء عمومتنا ضيوف الحيوانات البرية (القرد والخفّاش والخنزير وغيرهم).
-         ناقص أن تقول أنك ربي وخالقي؟
-         بالعلم الذي تؤمن به، أنا كذلك وأكثر من ذلك، فكل عَضية فيك (Organites: les chromosomes, les ribosomes, les enzymes digestives, les mitochondries, etc )، هي في الحقيقة فيروسًا كان كائنًا حرًّا طليقًا، و"الانتقاء الطبيعي" لفائدتك ولخدمتك دون غيرك قيّده وفي جسمِك السميكِ سجنه.
-         بعد هذه المحاكمة السريالية، قل لي ولا تتفلسف.. ما أنت فاعلٌ بي؟
-         عهد العبودية ولّى وانتهى، نحن، الفيروسات القاتلة، جئنا لتدميرك وتخليص الكَونِ من شرورك، أنت كائنٌ لا تستحق الحياة، على النعمة تبطّرتْ، وبرب العالمين كفرتْ، وبنعمته حدّثتْ، ولكنك بجبروتك على مخلوقاته الدقيقة تكبرتْ، وعلى المستضعفين من فصيلتك استكبرتْ، غاباتنا-بيوتنا من أجل تدفئتك حرقتْ، أجسامًا كانت لنا ملاذًا أفنيتْ (الحيوانات والنباتات البرية). قاموسي (ARN constitué de 30.000 lettres-bases, ATCG)، قاموسي أفقرُ من قاموسِك (ADN constitué de 3 milliards de lettres-bases, ATCG)، لكنني ودون نية مبيتة مني وبسهولة فككتُ رموزك ونجحتُ في اختراقك وأصبتُك في مقتلٍ، رئتيك التي تتنفس بهما، وأنت يا أنت، بعلمك المنحاز للأقوياء والأغنياء، حِرْتَ في قاموسي ذي الأربع كلمات مقارنة بقاموسك، سأقضي عليك قبل أن تفك شفرتي ورموزي وأفنيك، سأعاقبك على أفعالك، سأعزلك عن أقرب أقربائك، أبنائك أمك أبيك أصدقائك، وسأحرمك حتى من لمسة حنان أو وداع من زوجتك، سأجعلهم يعاملونك كالكلب المكلوب، يضعون لك الطعام أمام جحرك، وسأدفنك في حفرة مثلما تُدفن الكلاب السائبة ودون تغسيل أو صلاة، ولا من مشيّع إلا العسكر، لا فرق عندي بين دين وآخر، وهل نفعتْ فيك الأديانْ، وهل آمنتَ بالرحمان أو حتى بأخيك الإنسان، مُتْ فأكيدٌ سيموت معك القهر والظلم والكذب والبهتان. سأعفي عن فئة قليلة منك علها تتعظ، وإن عادوا عدنا، والسلام يا عدو نفسك والحجر والنبات والحيوان، يا مُعلِي كلمة الشيطان، يا عدو الرحمة وحسن الجوار والتضامن والعدل والإنصاف والإحسان.

إمضائي: "المثقّفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العموميةِ" فوكو

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 21 مارس 2020.