lundi 22 juillet 2019

هذه بعض أسباب نفور الجماهير العربية من الفكر اليساري. مواطن العالم



يبدو لي أن هذا النفور الطاغي بين الجماهير العربية من الفكر اليساري،  نفورٌ مردّه اجتماعي بحت، لا علاقة له بنباهة اليساريين أو بحدّة ذكائهم. يبدو لي أن الأنظمة السياسية العربية الحاكمة في الستينيات والسبعينيات كانت في حاجة إلى نشر وهم الاشتراكية أكثر مما كانت في حاجة إلى تطبيق مبادئها. من هنا نشأت خصوصية علاقة الأنظمة السياسية العربية بالاشتراكية: من جهة لوّحوا بها كطُعم للعرب التوّاقين  للعدالة الاجتماعية والمساواة الطبقية، لكنهم لم يتجاوزوا الشعار إلى التمثل الفكري والتطبيق المادي، ومن جهة ثانية تأثر بها المفكرون العرب إلى حد أحيوا مذاهب إسلامية قديمة وأوّلوها تأويلا اشتراكيا، وهكذا أصبح "أبو ذر الغفاري" من أبطال الاشتراكية وتحوّل "القرامطة" إلى ثوار اشتراكيين.

جل الأنظمة السياسية العربية الحاكمة استغلت الاشتراكية كشعار لأن هذه الأخيرة كانت حلما شرعيّاً يستجيب إلى طموحات العرب وتوقهم إلى التحرر والعدل والتقدم والمساواة. هذه الوضعية دامت تقريبا عقدين أو ثلاثة من الزمن (50-79). يبدو لي أن انضمامَ العرب إلى المنظومة الاشتراكية أثناء هذه الفترة كان في المتناول، وكانت الاشتراكية تمثل النظام الأكثر ملاءمة للوضعية العربية في ظل الحرب الباردة بين القطب الاشتراكي "التقدمي" والقطب الرأسمالي الامبريالي، وفي بعض الأحيان كان الفكر الاشتراكي الأكثر انتشارا في الأوساط الثقافية العالمية. لكن الفكر الاشتراكي لم يكن يوماً في الساحة وحده ولم يلبث أن واجه منظومات رأسمالية ثورية محافظة ومنافسة قوية خلال سنتَي 78-79 (ثورة دينغ شياوبينغ في الصين وثورة تاتشر في بريطانيا وثورة الخميني في إيران، أمين معلوف، غرق الحضارات، 2019)، وكثيرا ما استغل اليمين العربي هذه المنظومات الأخيرة لنشر دعوة الليبرالية الاقتصادية دون الأخذ بالديمقراطية.

يجب التمييز إذن بين العهد الاشتراكي الذي مر به الفكر العربي وبين المدة القصيرة جدا التي تبنت فيها بعض الدول العربية نظاما اشتراكيا مشوّها نظريا وتطبيقيا (مصر، اليمن، سوريا، العراق، الجزائر، ليبيا، تونس). إن الاشتراكية الرسمية العربية لم تكن أبدا وفية لأصولها الماركسية: الكتّاب العرب والمفكرين والمثقفين والطلبة والمناضلين والمعارضين اعتنقوا الاشتراكية في صورتها الماركسية وعاشوا عهدا اشتراكيا فكريا افتراضيّا زاهرا رغم تعسفهم على بعض المفاهيم العربية الإسلامية غير الاشتراكية وتأويلها تأويلاً اشتراكيا خاطئاً. كان الشيوعيون والاشتراكيون الديمقراطيون والقوميون واليساريون الإسلاميون  العرب يوظفون فكرة الاشتراكية توظيفا سياسيا كمادة للدعاية التحررية بغض النظر عن أصولها ومراميها الفلسفية. كان المهم عندهم آنذاك هو توظيف شعار العدالة الاجتماعية ولا يهمهم من أي إيديولوجية تيسر، ورَفْعِ هذا الشعار كان عندهم بمثابة التغني بشيء مفقود ومستحيل.

رُفعت الاشتراكية كشعار - ليس إلا - في العهد الاشتراكي الذي عاشته بعض الدول العربية. وبالفعل نلاحظ أن مؤلفات الاشتراكيين العرب في ذلك الوقت لا تتميز بالتجذر والتكيّف والتأقلم والتماهي الجدلي  (Indigénisation) وكان منظروهم يُتهمون دائما بالميوعة والزندقة والكفر والإلحاد وفي أفضل الأحوال بالتقليد والانبتات عن مجتمعاتهم العربية الإسلامية، والحقيقة أن جل هذه التهم لم تكن من فراغ. لكن إذا تفهمنا بعمق الظروف الاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك أدركنا أن هذا الفقر في الإبداع لديهم لا يعني عجزا في أذهان اليساريين ولا قصورا في همتهم  وإنما يعني نتيجة طبيعية للتفاعل الذي حدث بين عنصرين اثنين أساسيين: الأول يتمثل في عدم اطلاع فظيع من قبل عَلمانيي ويساريي ذلك الوقت، وهذا الوقت أيضاً، على قاموس اللغة العربية وقاموس الرموز وتراث الفقه وتاريخ الحضارة الإسلامية (بالرغم من وجود جهابذة عرب مسلمين أنتجوا بغزارة في هذا الميدان أمثال عبد الله العروي وحسين مروة وصادق جلال العظم وعلي حرب وهشام جعيط وعبد المجيد الشرفي ومحمد الشرفي ومحمد حداد وآمال ڤرامي ومحمد الشريف الفرجاني ومحمد الطالبي ونصر حامد أبو زيد وجمال البنّا وألفة يوسف وأبو يعرب المرزوقي وعياض بن عاشور ويوسف الصديق ومحمد أركون وهاشم صالح وغيرهم - أكيد الكثير - مما لم أطلع على إنتاجاتهم)، أما العنصر الثاني فيتمثل في صعوبة وتعقّد الفكر الاشتراكي مما نفّر منه الجماهير الأمية والفئة المتعلمة غير المثقفة، وخاصة أصحاب الاختصاصات منهم في التكنولوجيا والعلوم الصحيحة والتجريبية، كالرياضيات والهندسة والطب والبيولوجيا.

أثناء المد الاشتراكي العالمي، لاحظ المختصون شيئاً من الانفصال بين النظرية والتطبيق، ولم تسترجع النظرية الاشتراكية حقها من اهتمام المؤلفين إلا بعد انتهاء العهد الاشتراكي، بعد أن أفضت التجربة الاشتراكية إلى فشل عالمي (سقطت عام 89 في الاتحاد السوفياتي والدول الأوروبية الشرقية وكمبودج وألبانيا وكوريا الشمالية)، وفشل عربي (عام 70 في مصر وسوريا والعراق والجزائر واليمن وتونس). فشلٌ أثبت أن الاشتراكية نظرية متناقضة في ذاتها وليست أفضل من نقيضها النظري المتمثل في الليبرالية الرأسمالية، لكن شعارُ الاشتراكية بقى مرفوعا لأن الحاجة إلى العدالة الاجتماعية تدعو إلى ذلك، شعارٌ لم يعد من مسلمات هذا المجتمع. وسيكون نقد هذا الشعار منطلقا لطرح مسائل جوهرية حول الاشتراكية وعلاقتها بالدين والحرية والديمقراطية.

ويبدو لي أن الأفكار التالية غير صحيحة:  
-         مثل القول بأن الاشتراكية العربية هي اشتراكيةٌ متولدة من رحم الاشتراكية العالمية تَولدا آليا، وأن الدعوة إلى الاشتراكية في العالم العربي الإسلامي ترجمة صرفة للدعوة العالمية، وأن كلمة اشتراكية ذاتها ترجمة للكلمة الأجنبية "سوسياليزم".
-         أو أن الدعوة إلى الاشتراكية في العالم العربي الإسلامي قد نتجت قبل كل شيء عن حاجة متولدة في المجتمع العربي الإسلامي نفسه، شعر بها عدد من الناس المثقفين والمفكرين والمبدعين والفنانين والطلبة والمعارضين السياسيين. على العكس، الدعوة إلى الاشتراكية لم تنبثق من الصراع الطبقي في المجتمعات العربية (الوعيُ بالصراع الطبقي في العالم العربي كان ولا يزال مفقودًا لغياب مفهوم الطبقة نفسه عند العرب، تُعرّفُ الطبقة بوعي العمال بالانتماء إلى طبقة البروليتاريا وليس بوجودهم المادي كعمال في السوق الرأسمالية)، وهذا الانبثاق المرتقب نظريا من قِبل ماركس نفسه لم يحدث حتى في الاتحاد السوفياتي أو الصين. قد يكون حكام العرب، مثل عبد الناصر وصدام والأسد والقذافي، قد تهافتوا على المنظومة الاشتراكية لأنهم رأوا فيها المنقذ الوهمي الوحيد من براثن الرأسمالية الغربية الاستعمارية الامبريالية ووجدوا فيها ملاذا وقتيا آمنا وتجسيما لما يحسون به في داخلهم من استفراد بالرأي والحكم، فنهلوا من تنظيماتها الاستبدادية المتعددة الأشكال كالحزب الواحد والزعيم الأوحد المعصوم ورأسمالية الدولة والانتخابات المزيفة واستلاب الشعب والدكتاتورية على الشعب باسم الشعب. كل هذا يؤكد أن الدافع الأول عند حكام العرب كان دافعا ذاتيا محليا انتهازيّاً وليس تأثيرا خارجيا. والدليل على ذلك هو أن حكام العرب في تلك الفترة، ما بعد الاستعمار الغربي، لم ينقلوا بأمانة مبادئ الاشتراكية الغربية التي رغم كثرة هناتها، لا ينكر أحدٌ أنها حققت في العالم الشيوعي نهضة مادية في البنى التحتية وفي العلم والتعليم والتكنولوجيا والتصنيع. تعامى مثقفو العرب عما كانت تحمله الاشتراكية من وعي بتناقضاتها الداخلية البنيوية الذاتية. تعاميهم هذا، غير المقصود وغير الواعي، نتج عن حلم بتحقيق العدالة الاجتماعية في أسرع وقت ممكن كأنهم يسابقون الزمن، إنهم في حاجة إلى اشتراكية متفائلة حازمة واثقة بذاتها فأوّلوا اشتراكية عصرهم حسب أوهامهم.

لذلك يمكن القول أن نظرية الاشتراكية الديمقراطية الحديثة (Social-démocratie) نشأت في الغرب في ألمانيا والدول الأسكندنافية بعد أن عرفت الاشتراكية الشيوعية الأرتدوكسية إخفاقا في ظرف تاريخي معيّن. وهذا ما برز فعلا بعد تلاحق الثورات الديمقراطية في الاتحاد السوفياتي والدول الأوروبية الشرقية.

يبدو لي أن مفهوم الاشتراكية عند الاشتراكيين أنفسهم بقي مفهوما  سطحيا وأن تلك السطحية كانت الحاجز الذي منع الثوار الاشتراكيين، أمثال لينين وستالين وماو وكاسترو من تجسيد الاشتراكية في تنظيمات سياسية تتصف بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ونبذ الامبريالية. إن أخطاء الثوار الاشتراكيين نشأت عن خلط بين الاشتراكية والدكتاتورية. ولتدارك تلك الأخطاء لا بد من نقد ذاتي وتطوير في التنظيمات والاستفادة من تجارب التنظيمات الليبرالية الرأسمالية وتوظيف المبادرة الفردية أفضل توظيفٍ، أما بالنسبة للاشتراكيين العرب، فهم مطالبون زيادة على رفاقهم الغربيين بالتعمّق في دراسة تراث وواقع  مجتمعاتهم العربية الإسلامية. قال ماركس بما معناه: "على الفلاسفة تغيير العالم وليس الاكتفاء بفهمه"، وأنا أقول بعد حفظ المقامات: "على اليساريين العرب فهم ماضيهم واستشراف مستقبلهم قبل تغيير واقعهم، ولا يوجد في الأفق أمامهم سوى التماهي الجدلي مع هويتهم العربية-الإسلامية.

إمضائي: و"إذا كانت كلماتي لا تبلغُ فهمَك فدعْها إذنْ إلى فجرٍ آخَرَ" (جبران)

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 14 فيفري 2012 (تحيين 2019).


samedi 20 juillet 2019

غربةُ يساريٍّ عَلمانيٍّ غير ماركسيٍّ في مجتمعِه التونسيِّ المسلمِ، جَنَى عليه انتماؤُه الفكريُّ الماركسيُّ وما جَنَى في حياتِه على أحدٍ! مواطن العالَم



غربة التونسي الماركسي غربة واحدة، أما غربة التونسي اليساري غير الماركسي، فغربتان: غربة أولى في محيطه الاجتماعي، وغربة ثانية في محيطه الماركسي، مسكين منبت ومنحوس.
لماذا أضفتُ صفة علماني إلى صفة يساري؟ من المفروض  أن يكون كل يساري علمانيًّا بالضرورة، لكن الستالينيين، هُمُ يساريون وليسوا علمانيين، بل هُمُ معادون لرجال الدين والدين عمومًا، يستثنون منهم العمال لغاية في نفس يعقوب.

في النصف الثاني من القرن العشرين، مرّ على العالم العربي ثلاثة تيارات إيديولوجية: التيار القومي، التيار اليساري الماركسي والتيار الإسلامي الإخواني. الأول حرر البلاد، حكم البلاد، استعمر عباد البلاد وقمع اليساريين والإسلاميين. الثالث، الأكبر تضحية والأكثر عددًا: شِقٌّ منه انشقّ عنه، شِقٌّ أقلي متطرف ومسلّح، شِقٌّ شوّه الإسلام أكثر مما شوّهه أعداؤه (كل مسلم هو إرهابي بالقوة في نظر العالَم غير الإسلامي)، شِقٌّ فعل بالبلاد أكثر مما فعله الاستعمار بنا (فِتن وحروب أهلية في سوريا والعراق وليبيا والصومال، والحرب الأهلية أشد فتكًا بالشعب من الاستعمار). وشِقٌّ ثانٍ أغلبي سِلمي وأقل تطرّفًا من شقيقه، شِقٌّ وصل إلى السلطة وفشل كليًّا في السلطة في مصر والسودان وفشل نسبيًّا في المغرب وتونس.

نصل الآن إلى التيار الثاني الذي أخّرته قصدًا وهو التيار اليساري الماركسي، التيار الذي كنتُ أنتمي إليه وفي نظر الإسلاميين للأسف ما زلت أنتمي إليه "أنتَ شيوعي ملحد حتى ولو صليت معنا الخَمْسَ في الجامع". تيار فاشل وخاسر على كل الأصعدة:
1.     مبادئه منعته من الإثراء المادي ومَن اغتنى منه فلا يصح أن نطلق عليه نعت يساري.
2.     . يريد أن يغيّر عالَمه الإسلامي دون أن يفهمه والدليل أنه رفع راية الإلحاد على جبينه عاليًا (مبدأ ثانوي في الماركسية)، وأهمل مبدأ أساسيًّا في الماركسية، ألا وهو العدالة الاجتماعية لجميع المواطنين بغض النظر عن إيمانهم أو عدم إيمانهم. كُرْهُهُ للنهضاويين أعماه عن المنطق السليم.
3.     فشلت إيديولوجيته وسقطت سقطة مدوية، سمعها العالم أجمع إلا الماركسيين التونسيين والدليل على طرشهم أنهم مازالوا الوحيدين في العالم ديناصورات أحفورية ستالينية.
4.     . خسر قدْره ومكانته التقليدية في المجتمع، فهو في محيطه يُعتبَرُ كافرًا، والكافر في بلادنا شخصٌ لا يستأهل الاحترام مهما علا سنه أو علمه، مأساة يعيشها الماركسيون في مجتمعاتهم الإسلامية ومِن شدة الكِبْرِ لا يعترفون بأنها مأساةٌ أصلاً. وهل صادفتَ في حياتك يومًا مسنًّا يساريًّا موقّرًا مبجلاً في محيطه الاجتماعي، أي محترمًا بالمعايير التونسية التقليدية للاحترام؟ تريدهم أن يحترموا اليساريين المسنين، مثل حالتي.. على ماذا؟ ونحن لم نعد نشارك إلا في المناسبات الدينية العائلية، كعقد قران أو جنازة أو ختان؟ يوقروننا على ترتيلنا للقرآن، أم على حفظنا لأدعية الهداية لصراط الرحمان، أم لعلمنا ببروتوكولات توديع الموتى وتغسيلهم وتكفينهم ودفنهم، أم على إمامتنا للمصلين المسنين أقراننا؟ أتحدث خاصة على اليساريين التونسيين الذين يريدون أن يفعلوا في مجتمعهم المسلم، يفعلوا سياسيًّا مثل المنتمين للأحزاب الماركسية، أو يفعلوا فكريًّا مثل حالتي أو حالة غيري من المفكرين غير المتحزبين. أما اليساريين التونسيين غير المنشغلين، لا بالسياسة ولا بالفكر، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يؤمنون أو يكفرون، حقهم في حرية المعتقد بالقرآن والدستور مضمون، وعن عقيدتهم فمن باب اللياقة لا يسألون، وحسابهم ليس في الدنيا بل عند خالقهم يوم يبعَثون: "لا أحد مُجبر على التماهي مع مجتمعه. لكن إذا ما قرّر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذن أن يتكلم بلسانه (المجتمع)، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه..." (عبد الله العروي، يساري وفيلسوف مغربي).
5.     حاشا أن أعمم نقدي لنفسي على رفاقي اليساريين التونسيين الآخرين، وإذا لم يعجبكم تشريحي لحالتي كيساري غريب في وطنه تونس وغريب في مسقط رأسه جمنة وغريب في عرشه "الشتاوَى"، فلن تستطيعوا تكذيبي في وصف الغربة التي أعيشها وأعاني ضنكها منذ أن اتخذت اليسارية مذهبًا في الحياة، أي منذ 1972 وأنا في العشرين من عمري في سنة أولى جامعة، أي منذ 47 عامًا بالضبط. وإذا كنتم لا ترون في ماركسيتكم تناقضَا مع مجتمعكم فالمصيبة أكبر! أقول عنها غربة من باب تخفيف المصيبة، لأنه لا يوجد شيءٌ أمرّ وأقسى على الفرد من أن يَلفظه مجتمعه ويُبعده عنه كما يُبعَد عن القطيع البعيرُ المعبَّدُ. هي الواقع مأساة وجودية بأتم معنى الكلمة، أو هكذا أراها وأشعر بها، أنا على الأقل، أنا الذي لا كنز لي سوى قدْري وكرامتي ووضعي الاجتماعي الاعتباري اللامادي.
6.     لماذا أبوحُ أنا بما يتستّر عنه رفاقي؟ والله لا نية لي في التشهير بهم، وإلا أكون قد شهّرت بنفسي، والله أحبهم على قدر كراهيتهم لي، لكنني أحب أكثر الغوص في ذاتي والاشتغال عليها فلسفيًّا. أضِفْ إلى ذلك عدم انتمائي الحزبي، وشغفي بالنقد بعد التقاعد من أجل المعرفة، ولا شيء غير المعرفة، ولستُ مسئولاً عن توظيف ما أنشره من قِبل خصومكم النهضاويين، وإذا كان نقدي سفسطة فلا أظن أن السفسطة أضرت يومًا بأحد، وإذا كان نقدي فيه الغث والسمين فخذوا سمينه واتركوا غثه تذريه الرياح.

خاتمة: مهما كانت غربتي في مجتمعي كبيرة  جرّاء يساريتي، فهذا ما كتبه القدَر لي، وأنا راضٍ بحلوه ومره، ولم أنكر يومًا انتمائي الماركسي القديم، فقد تعلمتُ منه الكثير الكثير، ولن أنكر أيضًا، بحول الله ما حييتُ، انتمائي الجديد لليسارية العلمانية غير الماركسية. لكنني في الوقت نفسه أعشق مجتمعي المسلم وأتكلم لغته (الإسلام) وأنطق بمنطقه وأدين بدينه وعاداته وتراثه وتقاليده، ولا حضارة عندي تفوق حضارة، وحضارتنا العربية-الإسلامية أعتبرها الأقل ضررًا بالإنسانية من بين الحضارات الحديثة، ربما لأنها الأكثر تخلفًا في صنع الأسلحة والذخيرة، وأعتبرها أيضًا الأقل ضررًا بالبيئة، ربما لأنها الأقل تقدمًا في مجالَي الصناعة والفلاحة، أي الأقل تصنيعًا للمحركات الملوِّثة والأقل استعمالا للأسمدة والمبيدات، "وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم" (قرآن)، وحسب تقييمي الشخصي أرى تخلفنا نعمةً.. أراه تخلفًا محمودًا لا مذمومًا والحمد الله.
أحب أهلي وعشيرتي ولا أريد منهم أن يُبعدوني بسبب يساريتي العلمانية غير الماركسية.

إمضائي:
الداعية السياسي أو الفكري يطلب عادة من قرائه أن يصدقوه ويثقوا في خطابه أما أنا - واقتداء بالمنهج العلمي - أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات وأنتظر منهم النقد المفيد.
لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى مقاربةٍ أخرى وعلى كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف اللفظي.
"وإذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك، فدعها إذن إلى فجر آخر" (جبران)

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 20 جويلية 2019.



vendredi 19 juillet 2019

الفسادْ! فكرة فيلسوف غربي من القرن 18، نقل مواطن العالَم



"كل الحضارات، ودون استثناء، بُنِيتْ على الفسادْ": جلها تأسسَ على المطالبة بالحق والحرية والعدالة الاجتماعية. جلها شَيّدَ مجدَه على الفساد (ظلم الجنس اللطيف، رشوة، محسوبية، عبودية، إقطاع، حرب، احتلال، قتل، نهب، ظلم، استغلال، تهجير قسري، عصبية قبلية أو قومية أو دينية أو عِرقية أو طبقية، إلخ.).  جلها سقطَ نتيجةً طبيعيةً للفسادْ، والشيوعيةُ، تاريخيًّا أجَدُّ ضحيةٍ.

أحلام الإنسانية (السلام، الحق، الحرية، القِيم النبيلة، والعدالة الاجتماعية) لم تتحقق خلال تاريخ البشرية كله، ولو لِعقدٍ واحدٍ من الزمن.

رجاء: أعرض عليكم هذه الفكرة حتى أستفيدَ من دحضها أو تأكيدها، لذلك أرجوكم وأبوس أياديكم، انقدوا الفكرة واتركوا قائلَها وناقلَها، فالاثنان عدوّان شرسان للفاسدين مهما كان دينهم أو لونهم أو عِرقهم أو طبقتهم أو عِلمهم أو ثقافتهم.

إمضائي: "وإذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك، فدعها إذن إلى فجر آخر" (جبران)
pouvoir gouverne toujours comme les gouvernés gouverneraient s'ils avaient le pouvoir.  Jean Giono

Les idéologies sont liberté quand elles se font, oppression quand elles sont faites. Sartre Jean Paul, 1948

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 19 جويلية 2019.



lundi 15 juillet 2019

تصوّرٌ سياسيٌّ غيرُ مبرّرٍ، لا عمليًّا ولا نظريًّا، لكنه تصوّرٌ سائدٌ في مجتمعِنا، متجذِّرٌ عند المثقفينَ منّا وغير المثقفينَ، وعصيٌّ عن الدحضِ والتكذيبِ! مواطن العالَم




ما هو هذ التصوّر غير العلمي؟: المسئول السياسي (وزير، برلماني، نقابي، رئيس حزب، رئيس بلدية، عضو مجلس بلدي، إلخ.) يجب أن يكون من حَمَلَةِ قفة من الشهائد العلمية (دكتور، طبيب، مهندس، أستاذ جامعي، إلخ.).
ما هو هذ التصوّر المغاير الذي أتبنّاه أنا؟ (أعي أنني أحلم ولا داعي لتذكيري بذلك): ما يجب أن يتوفر في المسئول السياسي هو "الصدق في القول والإخلاص في العمل" قبل الكفاءة والشهائد، ولو حدثت معجزة في زمن العلم فمرحبًا بها، أعني بها مسئول سياسي عالِم أمين وصادق. أوافق شاعرنا العظيم منوّر صمادح فيما قال وأبصمُ عليه بالعشرة: "شيئان في بلدي قد خيبا أملي *** الصدق في القول والإخلاص في العمل".

1.     التكذيب العملي لهذا التصوّر الخاطئ والسائد في مجتمعِنا:
أذكركم بأمثلة من التاريخ القديم والحديث: 1. أبدأ بخير الأنام، محمد صلى الله عليه وسلم: حسب السيرة، لقد كان نبيًّا أميًّا، أي لا يقرأ ولا يكتب (المؤرخ هشام جعيط ينفي ذلك)، وكان يُلقَّب بـ"الصادق الأمين" (الصفتان الوحيدتان التي أشترطهما في المسئول السياسي العصري، ولا يهمني كثيرًا إذا كان إسلاميًّا أو يساريًّا، "أما التجمعيين فلا وألف لا، عملاً بالحكمة اليهودية: "إن لدغنا مرة فتبًّا له وإن لدغنا مرتين فتبًّا لنا".. "الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها" و"اطلبْ العلمَ ولو في الصين" (حديث شريف). 2. عمر المختار، بطل المقاومة الليبية وشهيدها ضد الطليان كان "مِدِّبْ" صغار. 3. فرحات حشاد، مؤسس الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1946 (UGTT) لم يتجاوز التعليم الابتدائي.
وأخرى من التاريخ المعاصر: 1. ليش فاليزا، مؤسس نقابة تضامن ومحطم الشيوعية في بولونيا ورئيس دولتها (1990-1995) كان عاملاً مختصًّا في الخِراطة. 2. ماو، مؤسس الجمهورية الشعبية وباعث الشيوعية في الصين وقائدها الأوحد (1949-1976) كان مدرّسًا ترشيحيًّا. 3. وزير تربية في عهد جيسكار كان دون مستوى الباكلوريا. 4. جل وزراء بن علي كانوا دكاترة وأساتذة جامعيين، لكنهم كانوا جميعًا للدكتاتورية منبطحين وللشعب قامعين.

2.     التكذيب النظري لهذا التصوّر الخاطئ والسائد في مجتمعِنا:
مِن كثرة ما خيّب ظني أصحاب الكفاءات والشهائد من المسئولين السياسيين في عهد بن علي، أصبحتُ أفضّل المسئول السياسي الصادق، حتى ولو كان مستوى إعدادي، على المسئول السياسي غير الصادق، حتى ولو كان دكتورًا في اختصاصه. وذلك للأسباب التالية: 1. الجِدّ والصدق والأمانة والشجاعة والحس السليم (Le bon sens)، ملَكات مقسمة بين خلق الله بعدلٍ. والمفارقة الغريبة أن الفرد التونسي، كلما علت شهائده وزادت ثقافته، كلما هَزُلَ جِدّه ونقص صدقه وخفّت أمانته وقلّت شجاعته وذهب حسه السليم (ملاحظة شخصية غير قابلة للتعميم). 2. يبدو لي أن المسئول السياسي يحتاج في مهمته لهذه الملكات الخمس مجمّعةً أكثر ألف مرة من احتياجه إلى دكتورا في الديداكتيك أو الاقتصاد أو الطب. الكفاءات والشهائد مطلوبة لدى مساعدي الوزير القارين في وزاراتهم أما الوزير، وفي كل الدول دون استثناء، قد ينتقل من وزارة إلى وزارة، فهل يمكن أن يجمع بين اختصاصات كل الوزارات. الوزير يقوم بدور المنسق بين المختصين والمنفذ لسياسات الدولة، وليس منفذًا لاختصاص علمي يتطلب كفاءة علمية. 3. دساتير العالَم أجمع لا تشترط في المرشح لأعلى منصب سياسي في الدولة، الرئاسة، أيَّ شهادة جامعية وأيَّ  كفاءة علمية، فما بالك بما هو دون ذلك.

3.     التكذيب المحلي لهذا التصوّر الخاطئ والسائد في مجتمعِنا (بلدية حمام الشط نموذجًا):
أكتفي بعرض ثلاثة أمثلة من الواقع الذي أعيشه يوميًّا وأعاينه في طريقي ذَهَاباً وإياباً، صباحًا إلى مقهى الشيحي "التعيسة التي لم تعد تعيسة"، ومساءً إلى مقهى البلميرا (تدمر): 1. مقاولٌ يقوم بأشغال لصالح البلدية في شارع البيئة (الموازي لطريق سوسة)، أزال طبقة الأسفلت (الزفت) وكشف عن الطبقة السفلى فانتشر الغبار وعمّ المنازل المجاورة والتي وراءها أين يقع منزلي في الصف الثالث من جهة الجبل. الحل بسيط وواضح جدًّا ويتمثل في رش الطريق بالماء صباحًا ومساءً. لم يفعلها المقاول حتى تاريخ كتابة هذه السطور ولم تراقبه البلدية. رَشُّ الطريق بالماء، هذا الإجراء الابتدائي (élémentaire)، هل يتطلب شهائد أو كفاءات؟ 2. شارع البيئة هو وجه حمام الشط والإنسان النظيف يغسل وجهه على الأقل مرة كل صباح. شارع البيئة هذا، كل 200م يعترضك فيه كَومٌ من الزبالة، داخل الحاويات وخارج الحاويات، المفروض يُسمونه "شارع الزبالة" وليس شارع البيئة. جَمْعُ الزبالة صباحًا ومساءً، هذا الإجراء الابتدائي، هل يتطلب شهائد أو كفاءات؟ 3. أمام بيتي، نهج باردو، توجد حفرة صغيرة في الطريق عمرها من عمر الثورة. ترميمُها، هذا الإجراء الابتدائي، هل يتطلب شهائد أو كفاءات؟

إمضائي: "وإذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك، فدعها إذن إلى فجر آخر" جبران

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 16 جويلية 2019.



ٍعاشتِ العروبة والأخوّة والشهامة: وزارةُ التربيةِ الفرنسيةِ أحنُّ على التلميذِ التونسيِّ من وزارةِ التربيةِ الإماراتيةِ! مواطن العالَم



لقاءٌ تمّ اليوم صباحًا في مقهى الشيحي "التعيسة التي لم تعد تعيسة"، لقاءٌ بطلبٍ من قارئٍ فيسبوكي، "صديقًا كان فِيرْتُويَالْ.. فأصبح اليومَ ريِيَالْ"، أستاذ تونسي في الإمارات، شابٌّ لطيفٌ وسيمٌ واعدٌ متيقّظٌ ومتحمّسٌ لرسالته التربوية حيث ما حلَّ.
قال لي: الأجانب (عُجمٌ أو عربُ) المقيمون رسميًّا في الإمارات يدفعون رسومًا بِنِسَبٍ متفاوتةٍ مقابل تعليم أبنائهم في المدرسة العمومية: الابتدائي 8.000 د. ت. في السنة، الثانوي 15.000.
في فرنسا: التعليم في المدرسة العمومية مجاني في الابتدائي والثانوي والعالي حتى لأبناء المقيمين غير القانونيين (Les clandestins).

إمضائي: "وإذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك، فدعها إذن إلى فجر آخر" جبران

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 15 جويلية 2019.



dimanche 14 juillet 2019

Pourquoi n'y a-t-il pas de prix Nobel de mathématiques?



En 1867, le chimiste suédois Alfred Nobel invente et brevette la dynamite. En 1895, quelques mois avant sa mort, Le marchand de la mort crée ces fameux prix Nobel (la promotion de la paix, la littérature, la médecine/la physiologie, la chimie et la physique). L'absence des mathématiques dans cette liste peut surprendre. On entend souvent dire que la fiancée d'Alfred Nobel l'aurait trompé avec le mathématicien Gösta Mittag-Leffler (ou bien tout simplement il le détestait) raison pour laquelle il aurait décidé de ne jamais décerner de prix Nobel aux spécialistes de cette discipline.


vendredi 12 juillet 2019

السيدا، مرض يعادي المرأة أكثر من الرجل: نساء وفقيرات، العقوبة المضاعفة! لوموند ديبلوماتيك، ترجمة مواطن العالَم


السيدا هو المتسبب الأساسي في وفيات النساء في العالم، خاصة في عمر الحمل والإنجاب.
في أفريقيا ونتيجة لعوامل بيولوجية، يصيب فيروس السيدا النساء أكثر من الرجال (VIH sexiste). ظروف حياتهن قد تفسر هذا الفارق: نقص في الثقافة، انعدام المساواة في الدخل، معايير اجتماعية غير ملائمة لاستقلالية المراهقات.

إمضائي: "وإذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك، فدعها إذن إلى فجر آخر" جبران
تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 13 جويلية
2019.

Le Monde diplomatique, juillet  2019, extraits de l`article «La santé pour tous, un défi planétaire. Abidjan se mobilise contre le sida», par Christelle Gérand, journaliste, Supplément, p. III