vendredi 23 mars 2018

ما الفرق بين التفكير العلمي والتفكير الديني؟ مواطن العالَم


أنطلق في هذا المقال من محاضرة ألقاها أحمد شبشوب, الأستاذ والباحث التونسي القدير في علوم التربية, أثناء المؤتمر الوطني الرابع لتعلّمية العلوم أو فلسفة تعليم العلوم (Didactique des sciences ou épistémologie de la formation et de l’enseignement comme elle a failli s’appeler): نُظِّم مؤتمر بكلية العلوم في مدينة صفاقس التونسية سنة 1998 وعنوانه "’التربية العلمية للتلاميذ: أيّ عوائق يجب تجاوزها؟". قال فيها: "في الواقع نحن ننتمي إلى ثقافة ما زالت شديدة التأثّر بما هو سحريّ و/ أو ما هو وراء الطبيعة مع العلم أن التعليم المكثف للعلوم العصرية مازال حديث العهد في تونس: في سنة 1875 بدأت مدرسة "الصادقية" تنشره لدى النخبة، والمفروض أن الإصلاح التربوي لسنة 1958 قام بتعميمه على كامل التونسيين، لكن علينا أن ننتظر قانون جويلية1991  ليصبح التعليم إجباريا حتى سن السادسة عشرة، ثم قانون التوجيه سنة 2002، ورغم تعليمه الطويل مازال التونسي المتوسط يعتمد في حياته اليومية على طريقة تفكير, في إدراك العالم وتفسيره, تتداخل فيها النتائج المادية والأسباب غير المادية وهذا مخالف للتفكير العلمي".

نبدأ بتعريف التفكير العلمي الذي يعتمد منهجية تتألف من المراحل التالية:
-         الملاحظة : تنبع الملاحظة من نظريات مسبقة عند العالِم وهي لا تحدث صدفة كما يعتقد الكثيرون في أسطورة حادثة التفاحة عند "نيوتن". عينُ العالِم, عينٌ واعيةٌ ومدركةٌ و ليست كعيون غير العلميين والعامة.
-         الإشكاليات: تمثل مداخل البحوث العلمية وتأتي بعد الملاحظات الصادرة من العلماء بعد تفكير وليس صدفة أيضًا.
-         الفرضيات : تطرح قبل البحث وهي استشراف لنتائجه لكن تبقي رهينة التجارب, تؤكدها أو تنفيها.
-         التجارب: يقوم بها العالِم أو الباحث أو التقني ويتحرى فيها الدقة والأمانة العلمية.
-         النتائج: يجمعها العالِم أو الباحث أو التقني ويتحرى فيها الدقة والأمانة العلمية أيضًا.
-         تحليل النتائج وتفسيرها: هي أهم مرحلة لأنها الأصعب ولا يقوم بها إلا العالِم أو الباحث الملم بالنظريات العلمية السابقة.
-         الاستنتاجات : هي خلاصات البحوث العلمية الذي ينشرها العالِم أو الباحث في المجلات العلمية المختصة أو يلقيها في المؤتمرات العلمية الجامعية لتوضيح رؤيته الجديدة للآخرين.

يبدو لي أنه لا يوجد فصل ميكانيكي بين هذه المراحل لا في الزمن ولا في الترتيب، بينما يوجد بينها تداخل وتدافع وتفاعل وأخذ ورد وتغيير في الترتيب.

بعد هذه المقدمة, نحاول مقارنة منهجين سائدين في العالم : التفكير العلمي والتفكير الديني:
- ينبني التفكير العلمي على الأرض فهو أرضي وعلى الإنسان فهو إنساني صرف يحرّكه الشك )الشك طريق إلى مزيد من الشك وليس طريقا إلى اليقين(، ويحركه أيضا الخطأ والصواب والتطور والاختلاف في وجهات النظر وهو يحمل تاريخًا وفلسفةً وإيديولوجيا. يستطيع الإنسان أن يجدد ويضيف فيه بلا حدود ويعيد بناء أسسه ويفنّد نظرياته القاصرة أو غير العلمية.

- أما التفكير الديني فهو آت من "السماء"، فهو سماوي وإلهي و غيبي، وهو صواب لا يحتمل الخطأ، ويقين يقود حتما إلى مزيد من اليقين، وهو ثابت في نصه متحول في تفسيره. يستطيع الفرد أن يجتهد داخل دائرة صدقه دون أن يمس ثوابته.

- يتصف التفكير العلمي بالشفافية والتحدي فهو يعرض نفسه متطوعا للنقض على صفحات المجلات المختصة وفي المؤتمرات العلمية لكل من استطاع إلى ذلك سبيلا, لا يحمل جنسا ولا جنسية ولا هوية ولا وطنية ولا عصبية ولا لون ولا عِرق ولا دين. يراجع نفسه بلا خجل ويتخلى في أكثر الأحيان على الأفكار السابقة التي كان يمجدها في يوم ما إن أثبتت التجربة خطأها.

- يتعالى التفكير الديني على التفكير العلمي بنَسَبِه غير البشري  (الله مصدره وليس الإنسان)، و يقينه المطلق وعدم التزامه بالزمان والمكان (صالح لكل زمان ومكان)، وعصبيته للمؤمنين به وتكفيره للمكذبين به من غير المؤمنين، وإقصائه للمخالفين له حتى لو كانوا متدينين (الكفر ليس الإلحاد، المسلم كافر بالمسيحية واليهودية ولا يؤمن إلا بالإسلام دينا غير محرّف على الأرض أما المسيحي فهو كافر بالإسلام. الملحد لا يؤمن بكل الأديان السماوية ولا يؤمن بوجود إله أصلا).

- يتواضع التفكير العلمي بإنسانيته وماديته ونسبيته وتحديد مكانه وزمانه وشكه المتجدد والمتواصل.

- يقبل بالتفكير العلمي كل العالَم، ويؤمن بالتفكير الديني بعض العالَم. يعرض الأول نفسه على الدحض والتعديل ويطالب الثاني بالتسليم والتقديس دون جدل.

خطان متوازيان ولو حدث أن تواجدا في شخص واحد فهو ثنائي التفكير، ولا ضرر في ذلك عند عظماء العلماء المتدينين مثل الفيلسوف المسلم الكاتب والطبيب "ابن سينا" (980-1037) والمعلم الثاني بعد أرسطو الفيلسوف المسلم "الفارابي" (872 - 950) والراهب المسيحي، الأب المؤسس لعلم الوراثة، العالِم "مندال" (1822-1884).

أما الضرر الجسيم - حسب رأيي - فيكمن في الخلط بينهما، وهذا وارد في عقول  بعض المتدينين حين يستشهدون بالعلم لتقوية إيمانهم ولو عكسوا لأصابوا، وكأن العلم في أذهانهم أعظم شأنا من الإيمان، أما بعض العلمانيين  بفتح العين (وليس بكسرها لأن المفهوم مشتق من كلمة العالَم وليس من كلمة العلم كما يعتقد الكثيرون. العلمانيون بفتح العين هم الذين يؤمنون بهذا العالم الأرضي ويثقون بالإنسان وقدرته على صنع مصيره بنفسه)، لذلك يتنافس بعضهم في محاربة المقدس وتكذيب الدين بالعلم وهذه تجارة خاسرة لأن الإيمان إحساس ذاتي لا يخضع للتجارب العلمية أو العلوم الإنسانية.

خلاصة القول:
 حسب اجتهادني المتواضع: للعلم منهجٌ, من مشينا فيه واحترمنا قواعده, لَحققنا المعجزات، وللدين بابٌ فمَن دخل فيه وصدّق معجزاته، وجد فيه راحة باله.

هذان النمطان من التفكير يستطيعان التعايش إذا احترم كل واحد منهما الآخر، لأن غاياتهما السامية تتمثل في تحقيق القيم الإنسانية النبيلة على الأرض, من عدالة وتضامن وصدق وإخلاص وسِلم, ومقاومة للقيم الهدامة - السائدة منذ ظهور الإنسان على الأرض -  من ظلم وجشع وكذب وخيانة وحرب.

العلم "عمومي مشترك" والدين "ذاتي بحت", أنت حر في دينك تمارسه كيفما يشاء ربك وتشاء أنت في علاقة عمودية، ولن تأتي فيه بجديد مهما علا شأنك. أما العلم فتمارسه كيفما يشاء اتفاق العلماء 
(La communauté scientifique) 
وتشاء أنت في علاقة أفقية، لذلك تستطيع أن تبدع في مجالك وتثبت صحة فرضياتك فتُجازَى على قدر إبداعاتك أو تُكذّبَ فرضياتك فيستفيد الآخرون من فشلك ومن نجاحك.

الرسالات الدينية موجهة للبشرية جمعاء فهي ليست حكرا على المتدينين، أما العالَم الإنساني المادي المحسوس فهو مِلك للعلمانيين ولغيرهم. من المفروض أن يكون العَلماني "متدينا محتملا" بالنسبة للمتدين المعتدل والمتسامح، ويكون المتدين "عَلمانيا محتملا" بالنسبة للعلماني المتفتح والمتفائل.

العلم والدين - لكل محرابه - فلا يهدم الواحد منهما محرابَ الآخر، وإذا رُمت المقام في أحدهما أو في كليهما فالدين رحبٌ، يسكنه المؤمنون فقط وهم كُثرُ, والعلم أرحبُ يدخله المؤمنون وغير المؤمنين. من الأفضل أن لا نسجن أنفسنا في خانة الخيارات الخاطئة مثل: أنت مؤمن بنظرية التطور لداروين، إذن أنت ملحد، أو العكس أنت مؤمن  بالله إذا أنت لا تعترف بهذه النظرية. مِن الممكن أن يكون الإنسان مؤمنا بالله ويعترف بنظرية التطور أو ملحدا ولا يعترف بها. التفكير الديني والتفكير العلمي يكوِّنان عالَمَين مختلفين ومنفصلين ومستقلين لا تطابق بينهما ولا تناقض والمواجهة بينهما معركة خاسرة للاثنين. قد يلتقيان في علم الأخلاقيات (L’éthique).

ملاحظة:
بعد ما نشرتُ هذا المقال في الجريدة الأسبوعية للاتحاد العام التونسي للشغل "الشعب", قرأتُ في موقع (WIKIPÉDIA)،  
فاكتشفتُ أن ما قلتُه يتوافق تماما مع ما قيل عن لسان عالم الإحاثة (Paléontologiste) الأمريكي العظيم "ڤولد" (Stephen Jay Gould)، هذا نصه: يهدف مبدأ "فصل السلطات العقائدية والفكرية والخلقية" بين الدين والعلم (Principe de NOMA : Non-Overlapping Magisteria ou non recouvrement des magistères) إلى  إرساء استقلالية متبادلة في الاختصاصات. و باسم هذا المبدأ, يوبّخ "ڤولد" الأصوليين الذين يعتقدون أن قيمة  النص في الكتاب المقدس تساوي قيمة النص في المجلة العلمية الثانية في أمريكا, وباسم هذا المبدأ أيضا  يختبر العلماء الذين, بسبب إلحادهم, يهاجمون اعتقادات المتدينين.


En français : Les fausses alternatives : créationniste religieux ou évolutionniste athée ? On peut être athée et créationniste comme on peut être religieux et évolutionniste
Deux mondes : Pas de concordisme, ni affrontement systématique entre les deux mondes

Dans le site « WIKIPÉDIA », j’ai lu sur S. J. Gould (paléontologiste américain) : « principe de NOMA (Non-Overlapping Magisteria) : non recouvrement des magistères, destiné à instaurer une autonomie réciproque des compétences de la science et de la religion dans leurs domaines respectifs. Au nom de ce principe, Gould fustige les fondamentalistes religieux, pour lesquels le texte de la Bible a la même valeur que les Proceedings of the National Academy of Sciences (2ème revue scientifique américaine). Mais il réprouve également les scientifiques qui, en raison de leur athéisme, attaquent les croyances religieuses

إمضائي: أنا أكتب - لا لإقناعكم بالبراهين أو الوقائع - بل بكل تواضع لأعرض عليكم وجهة نظر أخرى وعلى كل مقال سيّئ نرددّ بمقال جيّد لا بالعنف اللفظي أو المادي أو الرمزي.

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 27 نوفمبير 2008.




jeudi 22 mars 2018

هل المرأة "الجمنية" غير مساوية للرجل "الجمني"؟ مواطن العالَم د. محمد كشكار، أصيل جمنة ولادةً وتربيةً


يقول الذين أعمتهم النصوص عن اقعنا المعيش: "المرأة غير مساوية للرجل، لا تتمتع بنفس الحقوق في المجتمعات الإسلامية ويجمع الرجل المسلم بين أربع زوجات". عن أيّ مجتمع إسلامي يتحدثون وما أكثرهم في تنوّعهم واختلافاتهم؟ أنا سأتحدث عن الواقع دون الغوص في النصوص لأنني لست مختصا في فقه النصوص، سأحاول فقط نفي هذه التهمة المغرضة عن مجتمعي "الجمني" الإسلامي الضيق جدا جدا،  عشت وترعرعت في أحضانه الكريمة وسأروي الحياة اليومية لنساء قريتي الصغيرة ومسقط رأسي "جمنة الستينات"، قرية تقع في الجنوب الغربي التونسي حيث عاشت المرأة طليقة حرة، تختلط بالرجال دون الخروج عن التقاليد الإسلامية المحافظة. ظلت المرأة عندنا تعمل فلاّحة بكفاءة عالية تضاهي كفاءة الرجل أو تفوقه أحيانا. تخرج عند السّحَر إلى العمل في حقلها أو غابتها أو "سانيتها" دون إذن يومي من زوجها، تشتغل طوال النهار سافرة، تقابل الرجال من أجوار وأقارب دون حجاب. تستقبل الضيف المُقرّب في بيتها رجلا كان أو امرأة بحفاوة كبيرة، تقدم له الشاي والطعام في حضور زوجها أو في غيابه. تربّي أولادها باللين تارة وبالشدة تارة أخرى وبعضهن يُدير شؤون البيت بحنكة حتى رجوع أزواجهن من العمل في فرنسا. عندما تترمل المرأة عندنا، حتى في عز شبابها كما وقع لأمي وجاراتها الثلاث، لا تتزوج، تحرم نفسها، تقمع شهواتها المادية والجنسية بقوة رهيبة،  تضحّي أكثر من الرجل ألف مرة، تسهر على تعليم أولادها وترعاهم بحِنية تساوي أو تفوق حنية ألف أب. يخشاها أعتي الرجال ويستشيرونها في الكبيرة والصغيرة. داخل حيّنا الضيق بجمنة (زنڤة حادة تقطنها ثمان عائلات فقط) تخرج المرأة سافرة الوجه وتمشي على الأرض مرفوعة الرأس مزهوة بنفسها وبأنوثتها، بثقة لا تتمتع بها النساء الأوروبيات في باريس. تتميز امرأتنا الجمنية بكنوز من العطف والحنان، حُب يكفي الأجيال الحاضرة والقادمة. كنت عندما أعود في العطلة إلى مسقط رأسي وأنا تلميذ في الثانوي بـ"ڤابس" (مدينة بعيدة عن قريتنا 117كلم)، تستقبلني جاراتي، متوسطات العمر، بالأحضان والقُبل مثل أمي أو أكثر. فِعْلٌ مليء بالحب والحنان والصدق، لا تقدر عليه أكثر التقدميات تحررا. هل يجرؤ واحد من المتدينين الجدد أن ينعتنا بأننا كنا مجتمعًا غيرَ محافظٍ؟ تعمل المرأة في المنزل في غزل الصوف، تعمل خارج المنزل في جني التمور، وتكسب قوتها وقوت عيالها من عرق جبينها. لا تمد يدها للقريب ولا للغريب. لا يوجد في بلدتنا سائل أو سائلة في الطريق. أختي، البعيدة عني جغرافيا والقريبة مني عاطفيا، أرق وأحن واحدة في أخواتي،  المدعوة "الصغيرة"، هي صغيرة في براءتها كبيرة في عشقها لأخوتها وأخواتها، كانت من أوائل البنات اللواتي التحقن بالمدرسة في القرية عام 1950. في حيّنا عاشت امرأة تقوم بعمليات جراحية بسيطة دون غرفة عمليات، يتمثل هذا العمل، الذي لا يقدر عليه الرجال الغلاظ، في استعمال شفرة حلاقة لتوسيع الجرح واستئصال "شُوكة" نخيل مذبّبة انغرست عَرَضًا في عمق قدم أحد سكان الحي. في قريتنا أرملة مشهورة بشدة المراس وإدارة التجارة، ربّت بعد موت زوجها خمسة أولاد وكبّرتهم فتخرّج منهم المحامي المشهور والمعلم المدير. في قريتنا، اليوم، مهندسات، طبيبات، أستاذات في كل الاختصاصات، معلمات، وممرضات، إلخ. عبر تاريخ قريتنا الحديث، قبل وبعد قانون بورقيبة الذي ينصّ في مجلة الأحوال الشخصية على منع تعدد الزوجات، لم يوجد في قريتنا، التي تعد في الخمسينيات تقريبا 4 آلاف ساكن، إلا ثلاثة أو أربعة رجال متعددو الزوجات، تزوج كل واحد منهم امرأتين. قانون بورقيبة إذن ليس بدعة بل جاء ليقنن وضعا اجتماعيا سائدا ومعيشا بغض النظر على الجدل القائم حول توافقه أو تعارضه مع أحكام الشريعة الإسلامية. لم تدخل المرأة "الجمنية" ميدان الاحتراف السياسي  وحسنا فعلت عن قصد أو دون قصد، وماذا جنينا من بعض الرجال "الجمنين" المحترفين بالسياسة سوى الكذب، النفاق، الشعوبية، القبلية، والوشاية المغرضة حتى بأقرب الناس (اليوم في الانتخابات البلدية 2018، تغير الوضع). في قريتنا يتساوى الإناث والذكور حتى في تقسيم الإرث، لا لأننا لا نطبق القانون أو الشرع بل بكل بساطة لأننا فقراء، لا نرث شيئا غير الصفر، والصفر الذكري يتساوى مع الصفر الأنثوي.

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 4 جويلية 2010.


lundi 19 mars 2018

بمناسبة عيد الاستقلال: يبدو لي أن كل الحضارات بُنِيت وتطورت على الطمعِ والأنانيةِ، وما بُنِيَ على باطلٍ فهو باطلٌ باطلْ، طالَ الزمانُ أو قَصُرَ! مواطن العالَم



-         قامت فرنسا بثورة "من أجل الحرية والأخوّة والمساواة" (1789)، وبعد تسع سنوات فقط احتَلتْ مصرَ (1798)، وبعد أقل من نصف قرنٍ الجزائرَ (1830)، ثم تونسَ فالمغربَ، نهَبت ثرواتَنا وشغَّلت سواعدَنا واستغَلتها أبشعَ استغلالٍ، وبعرقِنا بَنَتْ نهضتَها الصناعية وأسست "ديمقراطيتَها" السياسية.
-         قامت روسيا بثورة "من أجل العمال" (1917)، وبعد أربع سنوات فقط قَمَعَ الجيشُ الأحمرُ بقيادة تروتسكي انتفاضةَ عمالِ ميناء كرونستاد (1921).
-         جاءت الديانات التوحيدية الثلاثة "رحمةً للعالَمين" من رب العالَمين، وبعد التمكين جاء الفتحُ المبِين، احتلوا الأمصارَ دون رحمةٍ بحثًا عن الغنائم.
-         سافر الأوروبيون من أسبانيا بحثًا عن طريقٍ تجاريٍّ جديدٍ للهند (عوض طريق الحرير المراقَب من قِبل المسلمين)، فاكتشفوا أمريكا، احتلوا أراضٍ، أبادوا شعوبًا، هدَموا حضاراتٍ (1492) وأسسوا دولاً "متحضرةً متطورةً"، سمّوا أهمها "أمريكا الشمالية"، ولا زالت تُسمّى كذلك ولا زالت أيضًا دولةً "متحضرةً متطورةً"، شنَّت على الدول الأخرى مائتَيْ حربٍ استباقية ظالمة، ضربت اليابان بقنبلتين نوويتين، وقتلت 150 ألف مدني بريء في يومٍ واحدٍ.
-         جاءت المَكْنَنَةُ (La révolution industrielle) لتحرير العمال من عناء الأعمال كما تمنى ماركس ذلك، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، بفضلها استغل الرأسماليون العمالَ وعلى بؤسهم بنوا "مجدًا تليدًا" وطوروا "حضارةً غربيةً".  
-         جاء المنقِذُ "المحايِدُ"، جاء العلمُ، أقبل البدرُ علينا، استبشرنا به خيرًا، صَدَمَنا "خيرُه" فوقع الطلاقُ بين الإنسانية وبينه إنشاءً ذاتَ صباحٍ، يوم 6 أوت 1945 في هيروشيما وناڤازاكي.
-         هلت علينا الثورةُ الخضراءُ، قلنا ذهبَ الجوعُ دون رِجعةٍ، لم يذهب بل استقر، عشّشَ وعَمَّ، ومعه جاءنا التلوثُ بالأسمدةِ المصنعةِ مُرْفَقًا بالاحتكارِ وغلاء الأسعارِ.
-         حقوق الإنسان يُمَكَّنُ منها اليهوديُّ المستعمِرُ ويُحرَم منها الفلسطينيُّ المستعمَرُ.
-         العِلاجُ للأغنياءِ والألمُ للفقراءِ.
-         البنوك صناديق يَملؤها غصبًا الفقراءُ ويُفرِغها تحيُّلاً الأغنياءُ.
-         الثورةُ شجرةٌ يزرعُها الشجعانُ الشرفاءُ ويجنِي ثمارَها الانتهازيونَ الجبناءُ.
-         الديمقراطية: يومٌ واحدٌ كل خمس سنوات تصويتٌ للفقراءِ، وخمس سنوات متتالية سلطة كاملة للأغنياء.

خاتمة: ما بُنِيَ على باطل فهو باطلٌ باطلْ، طالَ الزمانُ أو قَصُرَ! لهم المالُ والجاهْ ولم يبقَ لنا إلا وجه اللهْ. سيأتي يومٌ نعيدُ فيه أنسنة الإنسانية، وبيولوجيًّا، حتمًا سيأتي ناسْ غير هذه الناسْ، ناسْ لن يركبَ فيهم الأقرع على الفرطاسْ، بل سوف يتعاون الاثنان، يترافقان، ويبنيان حضارةً على مقاس الناسْ، كل الناسْ، دون تمييزٍ بين دياناتٍ أو إيديولوجياتٍ أو أجناسْ.

إمضائي
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران
"لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة والبراهين، بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى، وعلى كل مقال سيء نرد بمقال جيد" مواطن العالَم
"وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا" (قرآن)
Malheureusement, ce sont les vrai-vices privés qui nous font miroiter la pseudo-vertu publique

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الثلاثاء 20 مارس 2018.


دعاءٌ بالمعكوسِ: اللهم زِدنا فسادًا، فهو النبتُ الوحيدُ الذي ينمو في بلادِنا دون سِقايةٍ ولا رِعايةٍ! مواطن العالَم



رئيسٌ واحدٌ لا يكفينا للتسترِ على الفسادِ والفاسدينَ وتُجار الدين، طموحاتُنا للرذائلِ أكبرُ، زدنا مثنى وثلاثي ورباعي لعل أمورَنا تتحسنُ!
عشرُ حكوماتٍ فاسدةٍ مرت علينا في سبعِ سنواتٍ، نطلبُ المزيدَ، اللهم وزِّرْ فُسَّادَنا جميعًا حتى يشبعوا ونجوعَ!
يا حنّانْ يا منّانْ، احمِ مهرّبينا في بُرْط رادس ومعبر بنڤردانْ حتى يرخص عندنا "البِينْ" والبنانْ!
اللهم فَلّسْ بسرعةٍ قطاعَنا العام حتى يبركَ الجملُ، جزارو القطاع الخاص مَلّوا الانتظار!
إعلامُنا ناقص عارْ، اللهم زدهُ عارًا على عارْ ولا تُبقِي فيه صادقًا واحدا إلا وأدخلتَه النارْ!
اللهم زلزلْ الأرضَ تحت أقدامِ شرفائنا ونُزهائنا واقطع نسلَهم من هذه البلاد، واكثِرْ من سُرّاقِنا وأرذالِنا، فالفسادُ يُنعِشنا ويُحيِينا، أما الشرفُ فقد أصبح عيبًا في بلادِنا والنزاهةُ عاهةً!
اللهم انزعْ الصدقَ من قلوبِنا، وازرَعْ الكذبَ مكانه، فالصادقُ فينا منبوذٌ مكروهْ والكذاب فينا محبوبٌ حتى ولو كان ساقِطًا مشبوهْ!
اللهم اغفِرْ لنا حسناتَنا لأنها ضارةٌ بمجتمعاتِنا، وزيّنْ لنا سيئاتَنا فهي التي تُسهّلُ لنا قضاءُ حاجاتِنا!
يا سميعُ يا عليمُ، قِنا عذابَ الجنةِ ومتعنا بِالخلودِ في النارِ، فالأولى لم نسعَ إليها ولا نستحقها، والثانية دارُنا التي شيّدناها في حياتِنا بإرادتِنا وسواعدِنا ولم يُجبِرنا على فعلِ ذلك أحدٌ ولا الأحدُ!


الخلاصة:
Malheureusement, ce sont les vrai-vices privés qui nous font miroiter la pseudo-vertu publique


إمضائي
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران
"لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة والبراهين، بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى، وعلى كل مقال سيء نرد بمقال جيد" مواطن العالَم
"وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا" (قرآن)


تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الاثنين 19 مارس 2018.

samedi 17 mars 2018

حضرت البارحة حفل تكريم في معهد برج السدرية، أقِيمَ على شرف خمسة زملاء أحيلوا على التقاعد. مواطن العالَم


كان لقاءً شيقًا ومُحكَم التنظيم بفضل الأسرة التربوية بالمعهد وبفضل المشرِفة على التنظيم، زميلتي الرصينة، زهرة الزلفاني، أستاذة الفلسفة المتميزة بهدوئها وجديتها. كرم حاتمي: حلويات عربي، حلو ومالح، عصير، أجبان متنوعة. أستاذة جاءت في "حُولِي" مزركش بالذهب بمناسبة يوم الاحتفال باللباس التقليدي. موسيقى، غناء، إلقاء شعر.
الأستاذ نور الدين السرغيني، قَيدوم المعهد المتقاعد، أستاذ العربية القدير، ملك النكتة الخفيفة،  قال في كلمته ما يلي: "عِوضَ أن نقول "أحِيل الأستاذُ على شرف المهنة" أو "تقاعَد"، نقول: عيد ميلاد شباب الشيخوخة".

ليس لي ما أهديه لزملائي الخمسة المتقاعدين الجدد إلا آخر كتاب صدر لي حديثًا تحت عنوان "الإشكاليات العامة في النظام التربوي التونسي".

كلمتي بالمناسبة (مُعَدَّةٌ وليست مُرْتَجَلَةً، كالعادةِ)
عَمِلتُ مع ثلاثة منهم، أستاذة الفرنسية الجميلة راضية بن سعد والأستاذان الرياضيان، عبد الله الشورابي وجلال الشنوفي.

بهذه المناسبة التربوية المحترمة أريد التحدث حول ثلاثة نماذج تربوية (Trois modèles éducatifs) مهمة لكنها منسية أو مهملة في نظامنا التربوي، وهي الصبر على الظروف الصعبة في المدرسة والبيت، اختيار الوسط بين حَدّين، وتعليم القِيم.

النموذج الأول، أي الصبر على الظروف الصعبة في المدرسة والبيت، قال فيه الفيلسوف نيتشه الحكمة الشهيرة "أحِبَّ قدرَك" (Aime ton destin) بحُلوه ومُره، اِفرحْ بِحلوِه واصبِرْ على مرّه، كما صبرنا وصَبَرَ معلمونا الأوائل وأمهاتُنا وآباؤنا في الخمسينيات والستينيات في سنوات بدايات الاستقلال وحتى اليوم لا زالوا يكابدون ويصبرون.

النموذج الثاني أي اختيار الوسط بين حَدّين، فقد قال فيه الفيلسوف أرسطو "الخير هو الوسط بين شَرّين" (La vertu est le juste milieu entre deux vices.)، مثلاً الشجاعة هي الوسط بين التهور والجُبن. نحن في تونس نربي صغارَنا كما نربي أحصنة السباق، ندربهم على التنافس المحموم ليصل قلة منهم إلى المراتب الأولى، عوض أن نربيهم على التعاون المحمود ليبلغ أغلبهم مرتبة الوسط. وللأسف الشديد حصدنا ما زرعنا، حصدنا تلميذًا يهتم أكثر بالتقييم والأعداد أكثر من اهتمامه بالتكوين المعرفي.

أما النموذج الثالث والأخير، أي تعليم القِيم، فيبدو لي أننا في تونس أكثرنا من تلقين الأخلاق في المدرسة والجامع. الأخلاق، يا أحبائي، ليست معرفةً تُدرّس في المدارس (C`est à dire une connaissance) ولن نتعلمها أيضًا بالوعظ والإرشاد، الأخلاق، يا سادة يا كرام، فعلٌ نتدرب عليه بالممارسة داخل المجتمع (une pratique)، مع الإشارة إلى أن تدريس المعارف أو تلقينها لا يغير أوتوماتيكيًّا القيم كما قد يتبادر إلى أذهان بعض المربين. مثال: في النظام التربوي الكندي، يُطالبُ تلميذ الثانوي بإنجاز أربعين ساعة عمل تطوعي خارج المدرسة، وإلا فلن يحصلَ على شهادة الباكلوريا حتى ولو كان معدله في الامتحان يساوي 20\20.

الخلاصة: التعليم رسالة وليس تجارة، التعليم (Savoir et non Avoir)، التعليمُ كنزٌ، ويا للمفارقة الكبرى (Un grand paradoxe)، كنزٌ يزيدُ مع القسمة والانتشار وينقص مع الاحتكار وغلاء الأسعار. أيها المربي اِرفعْ رأسك وافتخرْ، إنك تمارس أنبل وأشق مهنة في التاريخ، وتشتغل في معبد الرسالات الثلاث: العلم، العقلانية والدين.

خاتمة: أوجه تحية من المتقاعدين إلى زملائنا المباشرين، سَدَنَةُ المعبد وحاملي مشعل التنوير.

إمضائي
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران
"لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة والبراهين، بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى، وعلى كل مقال سيء نرد بمقال جيد" مواطن العالَم
"وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا" (قرآن)

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، السبت 17 مارس 2018.


vendredi 16 mars 2018

الشريعة أمْ المساوة الحداثية في تقسيم الإرث؟ اختيارٌ لم يُطرَح تمامًا في عائلتنا الضيقة. مواطن العالَم


أمي، يامْنة بنت احْمِدْ، ذهبت (1993) ولم تترك لنا شيئًا، ما عدى ذكراها العطِرة. وما أبهاها من ذكرى، وما أعذبها! وهل ملكت أمي شيئًا في حياتها حتى تورِّثه لنا بعد مماتها؟ ملكت قلوبَنا، والقلوبُ عادةً لا تُورَّث (إلا في حالات التبرع بالأعضاء، قلبٌ سليمٌ مات صاحبه للتو، يرثه مريضٌ ينتظر الفرجَ). تركت لنا إرثًا من الحنان، حنانٌ لو قُسِّم على الخليقة بالتساوي لكفاها جميعًا، أما الإرث المادي فصِفرٌ، والصفرُ عددٌ لا يُقسَّم، لا بالشرع لا بالحداثة!

المعذرة... نسيتُ... ماذا نسيتُ؟ أمي تركت كنزًا! لا أسخرُ! حاشا أن أسخرَ من أمي، تاجُ رأسي والمُضحِّيةُ من أجلي وإخوتي وأخواتي بعد فقدان أبي وأنا في الخامسة عشرة من عمري. قبل وفاتها، أوصت بتقسيم كنزِها بالتساوي بين جارتَيها. كنزُها يتمثل في أربع أوتادٍ حديديةٍ، كل ما ورثت عن والدَيها، و"عْدِيلة" من الحلفاء. بالأوتادٍ الأربع، كانت تؤسس "مِنسِجْها" لصنع الحولِي (برنس الليبيين، أبيعه أنا في سوڤ الخميس بدوز)، مصدر رزقها ورزق الباقين في الدار (ثلاثة أولاد تلامذة وأخت ضريرة) على مدى عقدين من الزمن الصعب، كان جميلاً بوجودِها. أما "العديلة" فكانت تجلبُ فيها العشبَ الأخضرَ لـ"شويهاتها" الخمس. أوصت بالأوتادِ لجارتها على اليمين، للت الزينة بنت غنوة، و"العديلة" لجارتها على اليسار، للت امْنِي بنت احْمِدْ.

أما أبي، بَيْ زمانه، فقد ذهب (1967) وترك لنا ذرّة من الإرث المادي (حوش عربي آيل للسقوط، عشرون نخلة وبهيمة شارِف). فهل الذرّة كُتلةٌ قابلةٌ للقسمة؟

خاتمة: علاما تتخاصمون أيها المشرِّعون؟ أما الأغنياءُ، فثروتهم عادةً ما يكون مصدرُها الرذائل والحرام شرعًا وقانونًا، إلا مَن رَحِمَ ربي. وهل يجوز تقسيمُ الحرامِ بالحلالِ؟

إمضائي
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران
"لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة والبراهين، بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى، وعلى كل مقال سيء نرد بمقال جيد" مواطن العالَم
"وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا" (قرآن)

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الجمعة 16 مارس 2018.