dimanche 26 novembre 2017

يبدو لي أن للمعرفةِ في حمام الشط أربعةُ مستوياتٍ؟ مواطن العالَم

La connaissance, non le savoir 

1.     المستوى السلبي الأول (-2): وهي المعرفة التي يبثها المتحزبون الملتزمون والنقابيون المحترفون، من كل حدبٍ وصوبٍ، يساريون وقوميون وإسلاميون ودستوريون، بِهدف كسبِ المتعاطفين واستقطابِ المريدين ثم تأطيرهم وتأهيلهم (Embrigadement et Encadrement). وهي من أسوء أنواع المعرفة وأتفهها لأن القائمين عليها والمروجين لها أشخاصٌ انتهازيون بمختلف إيديولوجياتهم والغايةُ عندهم تبرر الوسيلة، غاياتهم عادة نبيلة ووسائلهم غالبًا ما تكون رذيلة.
من حسن حظنا أن عددهم قليلٌ في حمام الشط.

2.     المستوى السلبي الثاني (-1): وهي المعرفة التي يلوكها ويجترّها مَن لم يسعفهم الحظ في الالتحاق بالجامعة أو تخرجوا منها كما دخلوها ولم يمسسهم سوءٌ، سوءُ وهجِ نارِ المعرفةِ العلميةِ. هي الدرجة الأولى في سلم المعرفة 
(Le sens commun ou le 1er degré de connaissance).
 تراهم يرددون الشعارات الجوفاء والكليشيهات المتكلّسة والقوالب الجاهزة. يتكلمون بلسان خشبي، يمتهنون الوعظَ والإرشادَ ولا يطبقون نصائحَهم على أنفسهم. لا يوظفون ولو ملّيمتر مكعّب واحد من المادة الشخمة (La matière cérébrale grise) التي وهبهم الله إياها.
من سوء حظنا أن هؤلاء يمثلون الأغلبية الغالبة والسائدة بحمام الشط ونجدهم للأسف في كل الشرائح والطبقات، أغنياءٌ وفقراءٌ، شبابٌ وكهولٌ وشيوخٌ، مباشرون ومتقاعدون، موظفون ومِهن حرة، بطّالة وعمّال، رجالٌ ونساءٌ.

3.     المستوى الإيجابي الأول (+1): وهي المعرفة العلمية 
(La connaissance scientifique ou le 2ème degré de connaissance)،
 وهي حِكرٌ على أصحاب الشهائد الجامعية العليا (معلمون، أساتذة، مربون، أطباء، مهندسون، تقنيون سامون). لكنهم، كلهم أو جلهم كـ"الحمارِ يحملُ أسفارًا"، تعلموا علومًا في شبه كليات وشرعوا يرددونها في كل المناسبات كالببغاوات دون توظيف إبستموليجياتها الجوهرية المختلفة (الإبستمولوجيا هي نقدُ المعرفةِ، اختصاصٌ لا نُدرّسه للأسف في جامعاتنا التونسية).

4.     المستوى الإيجابي الثاني، الأعلَى والأخير (+2): وهي أم المعارف، أعني بها الفلسفة أو حب الحكمة وليست الحكمة الكاملة التي لن يبلغها أحدٌ إلا الله سبحانه وتعالى، حيث يفكر الفرد بعقله ولا يكتفي بإعادة نشر الاستشهادات الانتهازية (Les citations opportunistes) أو تلاوة ما حفظه دون تَرَوٍّ في كتبِ المفسرين ورجال الدين والمفكرين والعلماء والمؤرخين.
للأسف الشديد، لم أصادِف في حمام الشط إلا عيّنةً واحدةً وحيدةً 
(Mon unique échantillon)
 من هذا الطراز العالي، عيّنةٌ يجسمها جليسي المسائي اليومي بمقهى الأمازونيا بحمام الشط،، المفكر اليساري الحر غير المتعصب وغير المتطرف وغير الإقصائي وغير المنبت عن تربته العربية الإسلامية، الموظف المتقاعد ذو السبعين حَوْلاً، تلميذ الصادقية ومدرّس الفلسفة بمعهدها سابقًا، الأستاذ حبيب بن حميدة (هذا لا يعني أنه الوحيدُ زمانه وإنما الأكيد عندي أن أمثالَه قليلون، نادرون ندرة المعادن النفيسة).

ملاحظة منهجية: لا يخلو أي مستوى من المستويات المذكورة أعلاه من فلتات، والاستثناء يؤكد القاعدة ولا ينفيها.

كيف خطر على بالي هذا التصنيف؟
لي صديقان حميمان (سهيل ولطفي)، عاشقان مثلي للفلسفة، ومثلي أيضًا جرّبا مجالسة الأنماط الأربعة من سكان حمام الشط. وفي آخر المشوار فضلنا، ثلاثتنا، عن قناعةٍ ورضاءٍ، الترسيمَ في زاويةِ الوليِّ التقيِّ الصالحِ، وليٌّ من طينةٍ لا شرقيةٍ ولا غربيةٍ، طينةٌ عقلانيةٌ لاميتافيزيقيةٌ، وليٌّ "أكرهُ ما يكرهُ" استقطابَ المريدين، وليٌّ يفضلُ - الند للند - محاورةَ المفكرينَ، الذين هم بعقولهم وحدها لا بغيرها يستنيرونَ، وعن شخصه بآرائهم يستقلونَ، وبألسنتهم فقط لا بألسنة الآخرين ينطقون. الله ينفعنا ببركاته! آمين يا رب العالمين.

إمضائي
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران
"على كل مقال سيء نرد بمقال جيد" مواطن العالَم

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الأحد 26 نوفمبر 2017.




samedi 25 novembre 2017

لماذا لم أذهب إلى اجتماع دعتني إليه بلدية حمام الشط؟ محمد كشكار، مقيم بحمام الشط، 4 نهج باردو، منذ 27 سنة

خلّصتُ الأداءَ البلديًّ إلى موفّى 2017.
البلدية لم ترمّم حفرةً أمام منزلي، عمرها من عمر الثورة.
منذ الثورة وكل يوم، أقوم بنفسي بتنظيف الطريق العام الكائن أمام منزلي وعلى يساره، فضلات تجلبها الرياحْ كل صباحْ.
منذ إحالتي على التقاعدِ سنة 2012، أمرّ يوميًّا من شارعِ البيئةِ غير النظيفِ (خاصة أمام الصيدلية) قاصدًا مقاهي حمام الشط الأقل نظافة، ورغم ذلك تعودتُ وأصبحتُ أحبُّ شوارعَ حمام الشط ومقاهِيها.
منذ أشهرٍ، أرى سيارةَ الشرطةِ البيئيةِ الجديدةِ تجوبُ يوميًّا شوارع حمام الشط ولم ألاحظْ في البيئةِ الملوّثةِ أيّ تغييرٍ.
مجلسٌ بلديٌّ لا يحلُّ مشكلةَ "الزبلة" في دائرته: فبِأيّ لغةٍ سأتحاورُ معه يا تُرَى؟
لذلك رأيتُ أنه من الأنسبِ لي أن أقرأ صفحةً في كتابْ كَظمًا للغيظِ وتجنّبًا للاكتئابْ!

إمضائي
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران
"على كل مقال سيء نرد بمقال جيد" مواطن العالَم

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الأحد 26 نوفمبر 2017.


نقدٌ موضوعيٌّ لتدريس الفلسفة في فرنسا، يبدو لي أنه ينطبق على تونس أيضًا. تأليف الفيلسوف اليساري الفرنسي المعاصر ميشيل أونفري وأستاذ الفلسفة سابقًا في الأقسام النهائية على مدى عشرين عامًا، ترجمة مواطن العالم

 اقتطفتُ من نصه بعض المختصرات:
-         البرنامج هو هو تقريبًا منذ 200 سنة (في تونس منذ 60 سنة)، برنامجٌ خالٍ من الفلاسفة المزعجين للنظام أو الأقل نقدًا له، النظام الليبرالي الهمجي.

-         في العصور القديمة 
(VIe siècle av. J.-C- IIe siècle apr. J.-C )
 وقبل مجيء الديانة التوحيدية وهيمنتها، كانت الفلسفة تُعتبَر فنًّا. فنُّ التفكير والعيش، نعيشُ لنفكر ونفكر لنعيش. كانت ملتحمة بالمعيش اليومي.

-         واليوم أصبحت تنتهج التلقين والمدرسانية الدينية (La tradition scolastique) وتخلت عن نهجها الوجودي القديم المذكور أعلاه.

-          الامتحان هو هو، مقالة أو دراسة نص. معدل الأعداد على المستوى الوطني يتراوح بين 7 و8/20. لتسهيل التقييم وتحسين هذه الأعداد الكارثية، لماذا لا نُظيف سؤالا حول تاريخ الفلسفة. لتدريب التلميذ على البحثِ، لماذا لا نكلفه بتقديم عرضٍ شفاهيٍّ (Un exposé) يشرح فيه بحثًا أعده بنفسه.

-         لماذا ندرس الفلسفة عامًا واحدًا في الحياة أو تسعة أشهر بالضبط (أو عامين في شعبة الآداب في تونس)؟ لماذا لا يبدأ تدريسها في الابتدائي مع مراعاة المستوى (تجربة "اللمجة الفلسفية" تُمارس الآن مع الصغار في باريس)؟ الطفل أقدَرُ من الكهل على استيعاب الفلسفة: قدرة فائقة وكثافة في طرح الأسئلة، كفاءة عالية في التساؤل البسيط والعميق، عفوية واندهاش أمام الواقع، حماسة حائرة، إرادة قوية لاكتشاف المعرفة. الأطفال يمتلكون حسًّا فلسفيًّا طبيعيًّا. وقليلٌ من البالغين يحافظون على هذا المزاج مع تقدّم العمر. غالبًا ما يقضِي الأولياء والأساتذة على هذا التعطش الفطري للمعرفة، إما بتركهم الأسئلة دون أجوبة أو بالتشنج حيال هذا الوضع الطفولي الحائر أو لعجزٍ مادي أو فكري لإيجاد حلولٍ. والمجتمع حرِيٌّ بإنهاء مهمة قتل هذا الذكاء الطبيعي الصاعد والواعد. المفروض، نحن، الأولياء والأساتذة،  علينا أن نرعى هذا الرأسمال الكبير ونطور لدى الطفل هذه العاطفة الجياشة الحائرة والمتعطشة للمعرفة، هذه الفضيلة الأولى والمؤسِّسة والتي بدونها لا يمكن أن نحلم بِغدٍ أفضل.

-         لماذا لا نركِّز كل سنة على محورٍ وطنيٍّ محددٍ في البرنامج ونتوسعُ فيه أكثر حسب الأسئلة الحارقة السائدة في الواقع المعيش مثل الفن، التقنية، السلطة، الأخلاق، الدين، الإرهاب، الحروب، العلم، المرأة، العنصرية، إلخ (Les questions vives et actuelles)؟

-         لنبذل مجهودًا إضافيًّا حتى نتخلص نهائيًّا من اتِّباعِ خيالات أفلاطون المتمثلة في الاعتقاد بأن أستاذ الفلسفة أو غيره يسبح في عالم المثاليات: تلميذ مثالي، درس مثالي، أستاذ مثالي، برنامج مثالي، معهد مثالي، ورقة امتحان مثالية، تقييم مثالي، عدد مثالي! لا يوجد لدينا إلا تلامذة حقيقيين واقعيين بقدرات عادية محسوسة.

-         قد ينجرّ أستاذ الفلسفة وراء العادة والسياق العام ويعيد إنتاج المدرسة التلقينية محافظًا على وضعه كموظف متجنبًا المغامرة مطبقًا للبرنامج بحذافيره، وقد يقع العكس ويلبس جلباب سقراط في مواجهة تلامذته ويحوّل قسمه إلى مخبر لتجريب الأفكار وتوليدها.

Référence: Michel Onfray, La lueur des orages désirés, Éd. Grasset, 2007, pp. 192-200

إمضائي
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران
"على كل مقال سيء نرد بمقال جيد" مواطن العالَم

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، السبت 25 نوفمبر 2017.




vendredi 24 novembre 2017

حيلةٌ، يبدو أنها انطلت علينا: قانون "العرضْ والطلبْ" مولودٌ دون أبْ، وهو الذي يتحكّمُ في الأسعارِ! مواطن العالم

نسينا أن "الأولَ يُولِّدُ الثاني"، ونسينا أيضًا أن هذا القانون ليس طبيعيًّا ولا مُنزَّلاً. هو آليةُ استغلال اخترعتها الرأسماليةُ لِملئ جيوبِ الأغنياءِ وإفلاسِ الفقراء لا أكثر ولا أقل. العرضُ، المغشوشُ المنمَّقُ والمزوَّقُ، هو مَن يخلقُ نهمَ الاستهلاكِ لدى المواطن المحرومِ، وخاصة لدى الأطفال المحكومين بغرائزهم حيث يطلقون العنان لشهواتهم مستفيدين من عطفِ وحنانِ آبائهم وأمهاتهم. هو قانونٌ جائرٌ، وضعه الأغنياء لصالحهم، وهم وحدهم مَن سَنّه وشرّعه وطبقه من أجل تحقيقِ الربحِ السهلِ والسريعِ. قانونٌ لا يمتّ للتضامنِ بين البشرِ بصلةٍ، لا من من قريبٍ ولا من بعيدٍ.

قانونٌ ضد الواقع ومناقضٌ نافٍ له، فمثلاً: هذا العام (2017) عام صابة في الدڤلة والزيتون. هل زاد العرضُ وانخفض سعرُ البيعِ بالتفصيلِ؟ الجواب بالنفي طبعًا، على العكس نَدُرَ العرضُ وارتفع السعرُ!
لماذا؟ لعدة أسبابٍ، أذكِّرُ ببعضها:
-         احتكارُ الإنتاجِ من قِبلِ التجارِ الوسطاءِ (الهبّاطة في سوق الجملة) وتخزينُه في غُرَفِ التبريدِ (العلمُ والتكنولوجيا يستفيدُ منهما  الأغنياءُ أكثر من الفقراءِ) بهدفِ التحكمِ في العرضِ لإذكاءِ غريزة الشراءِ لدى المستهلك.
-         بعدَ "الهبّاطة" يأتي "الخضّارة" (تجار التفصيل) ويرفّعون في هامش الربح المقنن بكل شجعٍ مستغلين ضَعف الدولة وغيابَ مراقِبِي الأسعارِ النزهاءِ.
-         منافسةُ السيّاحِ والمقيمينَ الأجانبَ تساهمُ نسبيًّا في تعميمِ الندرةِ وارتفاعِ الأسعارِ.
-         تصديرُ سلعَنا النادرةَ والضروريةَ، تصديرٌ دون تعليبٍ (En vrac) وبأبخسِ الأثمانِ ودون ضرائبٍ على المصدّرِينَ (تونس تمثل سلةَ غلالٍ جيدةٍ وفريدةٍ من نوعها في العالم مثل الدڤلة وزيت الزيتون) وفي المقابل استيرادُ سلعٍ غير نادرةٍ وغير ضروريةٍ ومُشِطًّةِ الثمنِ (مواد التجميل والعطورات الأجنبية وسيارات البورش واليُخوتِ الفاهرةِ الفاخرةِ).

الله لا يسامحهم، خلقوا في مجتمعاتنا عاداتٍ وتقاليدَ لا تمت بصلةٍ لهويتنا العربية  الإسلامية ولا لنمط عيشنا المتوسطِي (Modèle méditerranéen):
مثال: كنا في الخمسينيات ونحن صغارًا، لا نستهلك سكرَ الحانوت الأبيض إلا مرة في السنة، نَفَّةٌ في عصيدةِ المولدِ النبويِّ الشريفِ، وكان كبارُنا لا يستعملونه إلا في الشاي (لم نكن نستهلك القهوةَ ولا الحليبَ)، وكان معدلُ استهلاك السكر عند البالغين في جمنة لا يتجاوز تقريبًا 10 كلغ في السنة. اليوم وللأسف تضاعف الاستهلاك ثلاث مرات وشمل الكبارَ والصغارَ. لا أستثني نفسي من هذا النقد، فأنا أيضًا تشوهتُ وأصبحتُ من عُشاق عصيدة الزڤوڤو والحلويات العربي، شيئان اكتشفتهما لأول مرة وأنا في سن 13 سنة عندما سافرتُ، ولأول مرة أيضًا، من جمنة إلى ڤابس لمواصلة تعليمي.
لِمن لا يعلم: السكر الأبيض ليس غذاءًا حياتيًّا للجسم 
(Ce n`est pas un aliment, ni essentiel ni vital)
 وفي مقدورنا أن نستغني عليه تمامًا ونهائيًّا ولن يمسنا بحول الله أيُّ سوءٍ أو نقصٍ في التغذية. انتباه، هذا لا يعني أن السكر بصفة عامة (الموجود طبيعيًّا في الغلال والنشويات والبقول الجافة) ليس غذاءًا حياتيًّا للجسم بل هو الغذاء والمحرك الأول وهو كالبنزين للسيارة ودونه لا تتحرك العضلات ولا يفكر المخ. هو المغذي الخلوي الأساسي بامتياز (Un nutriment essentiel et vital) ودونه لا تنتجُ الخليةُ أي طاقةٍ. نستهلكُ السكر في الكسكسي، المقرونة، الخبز، الفول، الرمان، التمر، إلخ، وفي الأمعاء الدقيقة وبعد عملية الهضم الكيميائي يتحولُ جله أو كله ومهما كان مصدره إلى نوع واحد أحد من السكر وهو سكر الجليكوز (Le glucose) الذي يدخلُ في الدورة الدموية لتنقله إلى جميع خلايا الجسم من ساسِكْ إلى رأسِكْ، فالخليةُ - لعِلمكم - لا يهمها إن كنتَ غنيًّا أو فقيرًا، يهمها فقط مغذِيَها الخلوي (الجليكوز) ولا يعنيها  من أي مصدرٍ جاء، من الغلال االغالية أو من الغلال الرخيصة.

اقتصادُ السوقِ الرأسمالية، هذا الغولُ "يستهدف البطنَ لا الرأسَ، يبحثُ على الانخراط الغريزي والأعمى في منظومته لا الاختيار الواعي، يستدعي العاطفة لا العقل وذلك عن طريق تهييج المشاعر لا الاستنجاد بالرأي المقنِع، يرمي الطُّعْمَ للصغار ليصطاد الكبارْ، يا له من ماكرٍ جبّارْ. الشهوانيّةٌ ضد الذكاءِ، مَكْرٌ قديمٌ قِدم تاريخ الأديان، مَكْرُ رجال الدين ورجال الأعمال. الاثنان تحالفا ضدنا، نحن الفقراء، واستلبوا عقولَنا، غيّروا سلوكَنا السويَّ، شوّهوا عاداتنا وتقاليدنا، حرّفوا هويتنا وديننا، استرقّونا، دجّنونا. أخضعونا غصبًا لمصالحهم الأنانية الضيقة. نجحوا في تجنيدِنا وقودًا لحروبهم، مات مَن مات منّا والأحياء منّا انتدبوهم خدمًا لهم مقابل لقمة العيش. وضعونا في جيوبهم وكان هدفهم الحقير هذا من أولَى أولياتهم وأوكدِها على الإطلاق. وسائلُهم هي هي، لم تتغير عبر الزمن ورغم التطور والتحضر المشوه أوروبي المركز، وسائلٌ لا تستعمل غير التمويه ولا تخاطب فينا إلا الغريزة والجهل. باعونا الريحَ في المراكبِ والوهمَ في الكواكبِ، وجعلونا، دون أن نشعر، نحب ونشتهي نمطَ حياتهم: جمالُ أجسامِ عارضاتِ أزيائهم، هالةُ نجومهم البرّاقة الجذابة، نواب ونائبات، وزراء ووزيرات، ممثلين وممثلات،  محللين ومحللات، منشطين ومنشطات. (...) زمنُنا الحاضرُ يتجاهل الدينَ والتقوَى والخيرَ والتراحمَ، والخرافةُ تُعشش في ظلمات لاوعيِنا والسحر والشعوذة والتدجيل. اقتصاد السوقِ الرأسمالية، وعكس ما يمارسُه الأساتذة العلماء النزهاء في الجامعات الحكومية، يُرَسِّخُ الاعتقادَ في كل ما هو غير عقلاني وغير منطقي. (...) والواقع المزري لعموم الفقراء هو هو منذ الأزل: معاناةٌ، ألمٌ، مرضٌ، جهلٌ، بؤسٌ وعَوَزٌ للأغلبية منهم. واحد في المائة فقط من البشرية، أغنياء ٌنجوا على حساب البقية التي سال لعابَها أمام سرابِ السعادةِ الموعودةِ، وهي في الحقيقة سعادةٌ، عن طريق الرأسماليين مستحيلةٌ، وبأيدي هؤلاء قبل ولادتِها موؤودةٌ. تحت مشهدِ العالَمِ المُجَمَّلِ هذا، يغفو للأسف ماردٌ رأسماليٌّ، ماردٌ ليس في قلبه ذرّةٌ من الرحمة، ماردٌ غالبًا ما يلتجئ إلي توظيف أيقوناته الرمزية حتى يستعبدنا أكثر ويؤبد بؤسنا ويعمّمه. لنحفر قليلا تحت رمل الشاطئ المتراكِمِ علّنا نعثُرُ على الرصيفِ القديمِ." (أونفري).

شَهُّونا، شوّقونا للمليار والجڤوار، عقّدونا ثم حرمونا، هبّلونا، جنّنونا. الهجرةُ، الهجرةُ لمَن استطاع إليها سبيلا، ومَن لم يستطع فليس أمامه لتحقيقِ ما بعثوه فيه سوى "الحَرْقَه" حلاًّ وبديلا.

Référence: Michel Onfray, La lueur des orages désirés, Éd. Grasset, 2007, p. 172

إمضائي
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران
"على كل مقال سيء نرد بمقال جيد" مواطن العالَم

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الجمعة 24 نوفمبر 2017.



jeudi 23 novembre 2017

« Faire avec pour aller contre ». Citoyen du Monde

 Faire avec les conceptions non scientifiques pour aller contre ces mêmes conceptions. À un certain âge et après une longue expérience, mon discours s'est assoupli, non par complaisance, mais scientifiquement il a changé. Ce n'est pas « la science marxiste » qui m'a transformé, c'est la vraie science, je veux dire la didactique (ou épistémologie de l`enseignement) que j'ai étudiée pendant 9 ans à l’Université Claude Bernard Lyon 1. J’ai appris comment faire avec les conceptions non scientifiques, ma nouvelle devise: « Faire avec pour aller contre » et non les confronter. Didactiquement, le modèle frontal n'est plus efficace. Je suis contre le consensus mou et en même temps contre la confrontation. On peut préserver la rigueur scientifique sans choquer les gens et en même temps construire une alternative scientifique avec nos concitoyens religieux et laïques. 

Ma signature
Pour le critique, « il ne s’agit pas de convaincre par des arguments ou des faits, mais, plus modestement, d’inviter à essayer autre chose », Michel Fabre & Christian Orange, 1997.
À un mauvais discours, on répond par un bon discours et non par la violence, Le Monde Diplomatique.

date de la première publication sur le net
hammam - chatt, le 27 novembre 2008.

mercredi 22 novembre 2017

أشكرُ الفيلسوف ميشيل أونفري، لقد خَلَّصني نهائيًّا من عقدة عدم فهم جل النصوصِ الفلسفيةِ الفرنسية! مواطن العالم

 قبل قراءة كتابه هذا، قرأتُ سارتر وفوكو ودولوز وباشلار ولم أقدر على فك طلاسمهم، وكنتُ أقول سرًّا وعلنًا أن العيبَ فيَّ (درستُ الفلسفة عامًا واحدًا بالمراسلة) وليس في نصوصهم المستعصية على أمثالي، وذهب بي الإحساسُ بالنقص إلى درجة أنني كنتُ أقول أيضًا أنني لو قرأتُ كتابَ فلسفةٍ وفهمته فهو ليس بِفلسفةٍ، حتى جاء ميشيل أونفري وخَلَّصني نهائيًّا من عقدة عدم فهم جل النصوصِ الفلسفيةِ، وأصبح العيبُ في نصوصهم وليس فيَّ.

نص ميشيل أونفري، ص 137: لِتكون فيلسوفًا "ست معايير: موهبة نادرة في التعتيم، كُرهٌ للعالَم الواقعي، حماسة خاصة في فن الاستشهاد الانتهازي، التعبير داخل قوالب شرعية جاهزة، الاستسلام للأفكار المسبقة التي تُخفي الواقع، مطالعة انتقائية غير حرة. (...) رَكَدَتِ الفلسفةُ في الوَحَلِ المظلِمِ منذ أن فارقت ميادين الحياة اليومية وتحولات الواقع المحسوس لتهتم بالسماء والأفكار وعالَم المفاهيم النقية. (...) من جهةٍ، مجالات تستحق التفلسف، ومن جة أخرى، تفاهة اليومي الحِسِّي.
مجالات فلسفية محددة: الزمن، الخلود، الرب، الحرية، الضرورة، العدم، الحقيقة، إلخ.
مجالات تافهة: الجسم، المرض، الموت، الطعام، المتعة، الشهوة، الجنس، الشيخوخة، جدول الأوقات، فن الطهو وحسن الأكل، ومشاكل راسخة ومتأصلة في الأرض."

Référence: Michel Onfray, La lueur des orages désirés, Éd. Grasset, 2007

إمضائي
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران
"على كل مقال سيء نرد بمقال جيد" مواطن العالَم

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الخميس 23 نوفمبر 2017.



"يجبُ إعادةُ أنسَنَةِ الإنسانيةِ". قالها الفيلسوف الفرنسي المعاصر إدڤار موران، تأثيث مواطن العالَم

“ Il faut réhumaniser l`Humanité” Edgar Morin

أضيفُ: يجبُ إحياءُ القيمِ الإنسانيةِ الكَونيةِ وفي نفس الوقت يجبُ تجريدُ الوعظِ والإرشادِ من قُدُسِيّتِهِ وإنزالِه من عَليائِهِ وتَعالِيهِ.
Il faut réhabiliter les Valeurs Humaines Universelles (Université = Sciences) et simultanément déchoir  la morale moralisatrice  de son piédestal

أسوقُ لكم بعض الأمثلة الحية:
1.     أستاذة بيولوجيا تونسية ترفضُ أن تُدرِّسَ "أساليبَ الوقايةِ من عَدْوَى السيدا"، درسٌ مُقرَّرٌ في البرنامج، بحجة أن المصابَ يستحق العقابَ "الربّاني" لِما أتاه من فعلٍ مُحرَّمٍ في الدين الإسلامي.
يبدو لي أن هذه الزميلة لا تفقه عِلمًا ولا دِينَا.
العلمُ يقول أن فيروس السيدا قد ينتقل من الأم المصابةِ إلى جنينِها عبر المشيمةِ أو الحبل السري. فما الحرامُ الذي اقترفه هذا الجنينُ وهو لا يزالُ في بَطنِ أمِّهِ؟
الدينُ الإسلاميُّ يحثُّ على الرحمةِ بالمصابينَ دون تمييزٍ من أي نوعٍ، وينبذُ الشماتةَ في كل الأحوالِ.

2.     أستاذ تاريخ فرنسي يُسنِدُ عشرين على عشرين لكل تلامذته لتجنبِ إحباطِهم، ويركزُ على تكوينِهم تكوينًا حَسَنًا، مما جعل من تلامذته منتِجِي معرفة ينشرون بحوثَهم القيّمةَ في المجلاتِ العلميةِ المختصةِ.

3.     يُطالَبُ التلامذة الكنديون رسميًّا بإنجازِ أربعين ساعة عمل تطوعي خلال فترة أربع سنوات الثانوي، شرطٌ ضروريٌّ للحصولِ على شهادة الباكلوريا. مثلا: يقوم التلامذة الكنديون المسيحيون بخدمة المواطنين المسلمين في حفلات أعيادهم الدينية.

4.     الغِشُّ في الامتحانِ لا يُحَلُّ بالعقابِ التأديبِي أو الوعظِ والإرشادِ، بل يُحلُّ بالتخفيضِ في عددِ التلامذةِ في القسمِ الواحدِ، والتخفيفِ في البرامجِ ومُلاءمتِها للعصرِ، وفي اعتمادِ مقاربةِ بيداغوجيا المشروعِ.

5.     كان الفيلسوفُ سقراط، عكس الفلاسفةِ السفسطائيينَ، يرفضُ إعطاءَ دروسٍ خصوصيةٍ بمقابلٍ لأولادِ الأغنياءِ. ياليت آباطرة الدروس الخصوصية عندنا، بِسقراطَ يتعظون ومنه يتعلمون!

إمضائي
"المثقفُ هو هدّامُ القناعاتِ والبداهاتِ العمومية" فوكو
"إذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمَك فدعْها إلى فجرٍ آخَرَ" جبران
"على كل مقال سيء نرد بمقال جيد" مواطن العالَم

تاريخ أول نشر على حسابي ف.ب: حمام الشط، الأربعاء 22 نوفمبر 2017.