jeudi 22 août 2013

خلق حواء من ضلع آدم: قرآن أم أسطورة؟ نقل دون تعليق مواطن العالَم د. محمد كشكار

خلق حواء من ضلع آدم: قرآن أم أسطورة؟ نقل دون تعليق مواطن العالَم د. محمد كشكار

المصدر:
كتاب "العنف و المقدّس و الجنس في الميثولوجيا الإسلامية"، تركي علي الربيعو، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية 1995، بيروت، 191 صفحة. متوفر بالمكتبة العمومية بحمام الشط.

نص الكاتب حرفيا في صفحة 106:
كما أسلفت و رغم أن النص القرآني الكريم لا يتحدث عن خلق حواء من ضلع آدم، إلا أن النصوص الحافة تعج بهذه القصة الميثولوجية. يقول الطبري في جامع بيانه "اختلف أهل التأويل في الحال التي خلقت لآدم و زوجته، و الوقت الذي جعلت له سكنا". و بالرغم من هذا الاختلاف إلا أن هناك إجماعا على قصة الضلع. يقول الطبري "و اسكن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وحشا ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ، و إذا عند رأسه امرأة قاعدة، خلقها الله من ضلعه، فسألها من أنت؟ فقالت: امرأة، قال: و لِمَ خُلقت؟ قالت: تسكن إلي. قالت له الملائكة، ينظرون ما بلغ علمه: ما اسمها يا آدم؟ قال حواء، قالوا: و لم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي، فقال الله له: "يا آدم اسكن أنت و زوجك الجنة و كلا منها رغدا حيث شئتما"، و اعتمادا على أهل التوراة و أهل العلم و عن عبد الله ابن عباس و غيره، أن الله أخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر و لأم مكانه لحما، و آدم نائم لم يهب من نومته، حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حواء، فسواها امرأة ليسكن إليها، فلما كشف عنه السنة و هب من نومته و رآها إلى جنبه، فقال فيما يزعمون و الله أعلم: "لحمي و دمي و زوجتي".

القرطبي في أحكام القرآن يعتمد على ما قاله ابن مسعود و ابن عباس: لما أسكن آدم الجنة مشى فيها متوحشا، فلما نام خلقت حواء من ضلعه القصري من شقه الأيسر ليسكن إليها و يأنس بها، فلما انتبه رآها و فقال: من أنت؟ ! قالت: امرأة خلقت من ضلعك لتسكن إلي، و هو معنى قوله تعالى: "هو الذي خلقكم من نفس واحدة و جعل منها زوجا ليسكن إليها". قال العلماء: و لهذا كانت المرأة عوجاء، لأنها خلقت من أعوج و هو الضلع".

ابن كثير يرى أن خلق حواء كان قبل دخول آدم إلى الجنة، و هذا ما يقتضيه سياق الآية "و يا آدم اسكن أنت و زوجك الجنة" الأعراف/19.

نص الكاتب حرفيا في صفحة 107:
في القرآن الكريم "و قلنا يا آدم اسكن أنت و زوجك الجنة و كلا منها رغدا حيث شئتما و لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين. فأزّلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه و قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو و لكم في الأرض مستقر و متاع إلى حين. فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم" البقرة: 35-37.

في سورة الأعراف و عبر مجموعة من الحرتقات الجديدة تكتمل الصورة الميثولوجية، "فدلاهما بغرور، فلما ذاقا الشجرة بدت لهم سوآتهما و طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة و ناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة و أقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين" الأعراف: 22. و في طه "فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك و لزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى. إن لك ألا تجوع فيها و لا تعرى. و إنك لا تظمأ و لا تضحى. فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم أدلك على شجرة الخلد و ملك لا يبلى. فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما و طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة و عصى آدم ربه فغوى. ثم اجتباه ربه فتاب عليه و هدى" طه: 117-121.

كما أسلفت في الفصل السابق، نحن أمام كائنين ميثولوجيين ضاعت منهما فرصة الخلود، و ذلك نتيجة مؤامرة إلهية كما تحدثنا الميثولوجيات السابقة للإسلام. أو بلغة الإسلام نتيجة إرادة إلهية و هذا ما يفصح عنه الطبري في تأويله بقوله: "إن الله جل ثناؤه، إنما أضاف إخراجهما من الجنة إلى الشيطان، و إن كان الله هو المخرج لهما".

نص الكاتب حرفيا في صفحة 82:
و يتخيل القشيري الذي عاش في القرن العاشر الحوار التالي بين إبليس  و آدم:
آدم: أيها الشقي، وسوست لي، ففعلت.
إبليس: هَبْ، كنت شيطانك، فمن هو شيطاني؟"

تاريخ أول إعادة نشر على مدونتي و صفحتيّ الفيسبوكيتين: حمام الشط، الأربعاء 21 أوت 2013.




mercredi 21 août 2013

بعد "الانتصار" الساحق للسيسي على مرسي، زادت نسبة الذكاء لدى مساندي الأول، في مصر و تونس!!! مواطن العالَم د. محمد كشكار

بعد "الانتصار" الساحق للسيسي على مرسي، زادت نسبة الذكاء لدى مساندي الأول، في مصر و تونس!!! مواطن العالَم د. محمد كشكار

في مصر:
في قناة م. ب. س. مصر، يوم الأربعاء 21 أوت على الساعة الواحدة و النصف بعد الزوال تقريبا، سمعت "بشرا" (لم أعرف هل هو معلق أو محلل أو لواء أو مثقف أو سياسي سابق أو إعلامي سابق أو حالي، و كلهم في عداء الديمقراطية يلتقون) يقول ظنا منه أنه يدافع على الجيش المصري الباسل (باسل على إيه) و "ناصره" الثاني. هل فلح الجنرال الأول و وفر الديمقراطية لشعب مصر و جلب النصر ضد العدو الصهيوني؟ حتى ننتظر الفلاح و النصر من الثاني! لا تنسوا أن الأول ألحق أكبر و أول هزيمة عسكرية بالعرب في تاريخهم الحديث سنة 1967، و "فتح فتحا مبينا في إخوان مصر بحلاله و حرامه"، و ربما يفتح الثاني القدس بعد أن يرسي حربا أهلية في مصر! قال صاحبنا محللا و معللا رفض أمريكا مشاركة الجيش الأمريكي في  مناورات عسكرية مع جيش مصر: "أولا، قبل أن ترفض أمريكا، لقد طلب الجيش المصري تأجيل هذه المناورات السنوية لأسباب عدم استتباب الأمن في مصر. ثانيا، يستفيد الجيش الأمريكي أكثر مما يستفيد الجيش المصري من هذه المناورات، لأنها توفر له التدرب على الحرب في بيئة عربية شرقية و هذا ما مكنه من الانتصار في حربه الأولى و الثانية ضد "عراق صدّام". رب عذر أقبح من ذنب، ما هذا التحليل، أهو شكر أم ذم للجيش المصري، دفاع أم إدانة صارخة لمشاركته في مناورات تعود بالفائدة على العدو الأمريكي و بالخسران و الهزيمة على الجيش العراقي و تسهل احتلال بلد عربي؟ يبدو لي أن المناورات مع الجيش الأمريكي الإرهابي، هي خيانة عظمى للأمة العربية و جريمة ضد الإنسانية مع سبق الإصرار والترصد!  

في تونس:
ما فعله الجيش المصري أثناء فك اعتصام رابعة العدوية بالقاهرة، هل هو مجزرة نُفذت ضد المئات من المعتصمين المدنيين رغم وجود بعض المسلحين و السلاح الخفيف جدا في صفوفهم، أم هو فك اعتصام مسلح (بعض الأسلحة الخفيفة و بعض زجاجات المولوتوف) بالعنف القانوني و الشرعي للدولة، محتكرة العنف و السلاح في المجتمعات الديمقراطية (الأمن المصري يتكون من أكبر و أقوى شرطة و جيش عربيين منظمين و مدججين بأحدث الأسلحة الخفيفة و الثقيلة، الأرضية و الجوية)؟

أنا أدين جريمة الجيش المصري إدانة واضحة لا لبس فيها و أحمّله المسؤولية القانونية و الأخلاقية كاملة في ارتكابه لهذه المجزرة النكراء ضد مئات المدنيين العزل، رغم أنني - و الله العظيم - لست إسلاميا و لا إخوانيا و لن أكون، و عارضت حكم إخوان مصر و أعارض حكم إخوان تونس لكنني أعارض أكثر و أكره و أعادي و أدين بشدة حكم العسكر في أي دولة في العالَم لأن الحكم لا يمكن أن يكون عسكريا و ديمقراطيا في نفس الوقت و لأنني ببساطة أحمل بطاقة تعريف مواطن العالَم.

ليس غريبا أن تجد في صفوف المصريين المتعصبين و الإقصائيين غير الديمقراطيين مَن يساند فك اعتصام رابعة العدوية بالقوة المسلحة المفرطة و غير المتكافئة، و يبرر قتل مئات المدنيين العزل من قبل الجيش المصري، لكن الغريب في الأمر أن تجده في تونس، و الأغرب أنهم ثلاثة نماذج من أندادي في العمر ناقشتهم صدفة في المقهى، من المفروض أن هذه النماذج المثقفة النيرة لا تتبنى العنف مهما كان مرتكبه و مهما كانت ضحيته: حقوقي (كان عضوا في الرابطة التونسية لحقوق الإنسان) و فنان ممثل و أستاذ مصلي تقي، عجزت عن إقناعهم بوجهة نظري الديمقراطية.

تاريخ أل نشر على النت: حمام الشط، الأربعاء 21 أوت 2013.

                              

mardi 20 août 2013

ميثولوجيا (علم الأساطير) "دم الحيض" عند المرأة؟ نقل دون تعليق مواطن العالَم د. محمد كشكار

ميثولوجيا (علم الأساطير) "دم الحيض" عند المرأة؟ نقل دون تعليق مواطن العالَم د. محمد كشكار

المصدر:
كتاب "العنف و المقدّس و الجنس في الميثولوجيا الإسلامية"، تركي علي الربيعو، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية 1995، بيروت، 191 صفحة. متوفر بالمكتبة العمومية بحمام الشط.

نص الكاتب حرفيا في صفحة 110:
في ميثولوجيا النصوص الحافة، المضمرة بالجنسانية المتمفصلة مع العنف، تكون حواء ينبوعا للعنف الدوري، و يتمثل هذا العنف في "دم الحيض" أكثر المحرمات شهرة في المجتمعات القديمة.

في المجتمعات القديمة يجري التمييز باستمرار بين الدم المقدس و الذي هو دم القرابين، و الدم المدنس المراق خارج الطقوس القربانية كحالة دم الحيض و الذي يظهر في الميثولوجيا الإسلامية على أنه لعنة أبدية أصابت المرأة. إن حواء في ميثولوجيا التأويل لا تأكل من الشجرة، بل هي تعضها. يقول الطبري "فعضت حواء الشجرة، فدميت الشجرة" و عندما يخاطبها الرب "أما أنت يا حواء فكما أدميت الشجرة، فتدمين في كل هلال". إنها الخاصية المعدية للدم، فكما أدمت حواء الشجرة بعضّها لها، فإنها تدمى في كل هلال، بذلك يكون دم الحيض الشاهد الأزلي على الجريمة الأولى، و المتمثلة في خروج آدم و حواء على أوامر الرب و وقوعهم في دائرة العنف التبادلي كما يشهد على ذلك الدم المراق من الشجرة. و الذي يظل تعبيرا عن انزلاق العنف في جميع الاتجاهات.

يقول جيرار "عندما يطلق العنف من قيوده يصبح الدم مرئيا، فيبدأ بالسيلان و لا يعود ممكنا إيقافه، يولج نفسه في كل مكان، و ينتشر و يمتد بطريقة غير منظمة. إن جريانه يحقق الخاصية المعدية للعنف. و حضوره يعلن عن القتل. و يستدعي المآسي من جديد. فالدم يلوّث كل من يمسه بألوان العنف و الموت"، و لذلك فإن كل إراقة دم تُحدث خوفا، فلا ينبغي التعجب إذن، مسبقا، من أن الحيض الشهري يخيف.

من هنا الحرص الكبير لدى كل البدائيين على أن لا يتماسّوا مع الدم و أن يتخذوا كل الإجراءات اللازمة لكي لا يدنّسوا بدم الحيض الدنس.

إن دم الحيض الدنس المتدفق دوريا من الأعضاء الجنسية للمرأة، يؤكد على مستوى الرمز و الواقع تلك الصلة الوثيقة بين الجنس و العنف في الميثولوجيا الإسلامية، و بالتالي إلقاء مسؤولية العنف على المرأة. و من هنا نفهم لماذا تنزلق باستمرار الجنسانية المضمرة بالعداء للمرأة إلى العنف، و كذلك العنف إلى الجنسانية. و بذلك تتكشف لنا لعبة العنف الذي لا ينتهي، فالدم الدنس يهدد بانتقال العدوى لأن جميع الاحتياطات التي تتخذ لإبعاده مصيرها الإخفاق. و عندما تكشف لنا لعبة العنف عن وجهها الآخر، فبالدم و بالدم وحده تكمن المغفرة كما يقول بولس الرسول في عهده الجديد. فالدم، هذا السائل العجيب الذي تلعقه الآلهة، أي الدم المقدس فبه وحده تكمن المغفرة و إزالة كل آثار الدم الدنس التي تهدد بالشر و العنف التبادلي.


تاريخ أول إعادة نشر على مدونتي و صفحتيّ الفيسبوكيتين: حمام الشط، الثلاثاء 20 أوت 2013.

lundi 19 août 2013

ميثولوجيا (علم الأساطير) "عادة تقبيل النسوة في العيد كل رجال القبيلة" المنتشرة عند بعض القبائل العربية؟ نقل دون تعليق مواطن العالَم د. محمد كشكار

ميثولوجيا (علم الأساطير) "عادة تقبيل النسوة في العيد كل رجال القبيلة" المنتشرة عند بعض القبائل العربية؟ نقل دون تعليق مواطن العالَم د. محمد كشكار

المصدر:
كتاب "العنف و المقدّس و الجنس في الميثولوجيا الإسلامية"، تركي علي الربيعو، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية 1995، بيروت، 191 صفحة.

نص الكاتب حرفيا في صفحة 96:
في المجتمعات الشرقية القديمة، و كذلك عند الإغريق، يكون البغاء المقدس إلزاميا على جميع النساء. و قد يختزل إلى مستوى الرمز، إلى مستوى تقبيل الرجال - كل رجال القبيلة مثلا كما هي عادة بعض القبائل العربية الآن حيث تقبّل النسوة في العيد كل رجال القبيلة - و إلى مستوى قص شعورهن في مطلع كل أول شهر قمري. وحدهن كاهنات المعبد يتعرضن لامتحانات و طقوس عبور قاسية حتى يحظين بشرف مضاجعة الغريب/المقدس الآتي من المجهول.


تاريخ أول إعادة نشر على مدونتي و صفحاتي الفيسبوكية الثلاث: حمام الشط، يوم الاثنين 19 أوت 2013.

dimanche 18 août 2013

عشرون وضعية تنتهي بنقطة استفهام، رصدتها في الثورات العربية الأخيرة! مواطن العالم د. محمد كشكار

عشرون وضعية تنتهي بنقطة استفهام، رصدتها في الثورات العربية الأخيرة! مواطن العالم د. محمد كشكار

حسب تجربتي النقابية - السياسية المتواضعة و اطلاعي الثقافي المحدود، أشخّص ما عشت و ما رأيت كمواطن تونسي، قاطن بأحواز العاصمة تونس، مشارك في الثورة التونسية إعدادا و تنفيذا و نقدا و تعليقا، شاهد عيان غير منتم حزبيا و لا أيديولوجيا و أروي ما سمعت عن الثورات العربية الأخرى.

1.     أصغر "دولة - إمارة" قطرية عربية رجعية صهيونية عميلة أمريكية تحرّض و تعدّ و تسلّح و تقود أكبر "الثورات" العربية في التاريخ العربي الإسلامي.

2.     أكثر الدول العربية بُعدا عن الديمقراطية، قطر و الإمارات و السعودية، الذين لم يجروا في تاريخهم القديم و الحديث انتخابات برلمانية أو رئاسية واحدة، لا يخجلون من أنظمتهم الرجعية القروسطية (بالمقياس الزمني الأوروبي للمفهوم و ليس العربي الإسلامي) و يحثون جميع الدول العربية الأخرى على الانتقال الديمقراطي.

3.     مؤتمر أعداء الشعب السوري يُعقد في تونس - و الغير منطقي في المشهد أن المشاركين فيه يسمونه مؤتمر أصدقاء الشعب السوري - أول دولة عربية ثارت على الظلم و الاستبداد. "أصدقاء" الشعب السوري هم "أصدقاء" الشعب الليبي، الناتو و حلفاؤه أو قل عملاؤه من العرب، و قد رأينا ما فعلوه بالشعب الليبي و بنيته التحتية، هم الذين استعانوا بمستعمر أجنبي للقضاء على مستبد محلي (القذافي أو بشار) و مثلهم كمثل الذي يحتمى من الرمضاء بالنار.

4.     التونسيون الشجعان من نقابيين يساريين و قوميين قاعديين و عاطلين و مهمّشين و مثقفين فقراء و فنانين و محامين و قضاة و صحافيين، قاموا بثورة ضد بن علي. و مَن تسلّم السلطة بعد الثورة؟ بقيت السلطة بأيدي أركان النظام القديم و على رأسهم سلطة ثلاثية شكلية، ترأس و لا تحكم، مكونة من ثلاثة أحزاب مناضلة تاريخيا لكن لم تشارك في إنجاز الثورة من 17 ديسمبر 2010 - 14 جانفي 2011


5.     قام ثلة من الشباب المهمّش بقطع الطريق الوطنية على مستوي برج السدرية قرب المعهد، قدمت سيارة حرس فضربوها بالحجر و هشموا زجاجها الحامي الأمامي، لم يرد أعوان الأمن على الاعتداء و قفلوا راجعين من أين أتوا و كأنها سيارة خاصة لمواطن مغلوب على أمره، حدث كل هذا و الجيش الوطني "حامي الثورة" يتفرّج بل فاوض قاطعي الطريق و استجاب لمطلبهم المتمثل في استقدام والي الجهة.

6.     قبيل استلامه المبرمج للسلطة، تحالف حزب النهضة مع عدو الأمس أمريكا، الشيطان الأكبر حسب تعبير الخميني و عدو اليوم للعراقيين و الفلسطينيين و الأفغانيين و عدو المستقبل للمستضعفين أجمعين، عمالا و فلاحين و مثقفين فقراء أمريكيين و أوروبيين و مسيحيين و مسلمين و بوذيين و هندوسيين و وثنيين و ملحدين.

7.     في عز الثورة التونسية و في ذروة تأجّجها و احتياج منفّذيها للاتصالات الهاتفية، تُوفّر مجانا شركة "تليكوم" النصف دولية و شركة "تونيزيانا" متعددة الجنسيات خمسة دنانير لكل مشترك و كأني بها "تسعى للخير" و تسهّل الاتصالات بين المتظاهرين و تشجّعهم على التظاهر ضد الحاكم.

8.     بين عشية و ضحاها في يوم من أيام الثورة، جاء أمر من عَلِِ و أُخليت جميع المراكز الأمنية في وقت واحد مدّعين أنهم لا يرغبون في قتل المهاجمين و هذا خُلُقٌ لم نعهده من شيمهم و كأني بهم يقولون للناس المتردّدين و الخائفين من القمع: اخرجوا و تظاهروا و أطيحوا بهذا النظام المافيوزي و بعصابة الطرابلسية التي أضرّت بتجارة الرأسماليين الأحرار الأغنياء التونسيين و الأجانب و ضيّقت عليهم الخناق و خفّضت من نسبة ربحهم و منعتهم مشاركتها اسغلال و سرقة و نهب ثروات تونس الطبيعية و امتصاص دم و عرق عمالها بالفكر و الساعد.

9.     هاجم نفر غفير من شباب حمام الأنف و شباب حمام الشط مركز الحرس الوطني بحمام الشط و أتلفوا محتوياته و نهبوا محل سكنى رئيس المركز و أحرقوه و أحرقوا بجانبه مركز البريد المحلي، حدث كل هذا و جيشنا الوطني الباسل "حامي الثورة" يتفرّج و هو مرابط أمام بلدية حمام الشط على بعد عشرة أمتار من مكان الحادث و كان بإمكانه بطلقة نارية بيضاء واحدة حماية الممتلكات العمومية من الحرق و الإتلاف الذي سيسدّد ثمنه دافعو الضرائب من الموظفين و العمّال و الفلاحين و تجار التفصيل و صغار الصناعيين.

10.                       بعد الثورة و بعد انتخابات ظاهريا و شكليا نزيهة (أما الباطن فالعلم لله و حده و من بعده للأمريكان و حلفائهم)، سمعت أن  حكومة النهضة عينت السيد بوبكر الصغير على رأس مؤسسة إعلامية، بوبكر الصغير للذي لا يعرفه، هو بوق النظام القديم باعترافه الشخصي و الذي يعتبره كل التونسيين بمثابة نسخة باهتة من برهان بسيس، المدافع عن بن علي لآخر دقيقة في قناة الجزيرة.

11.                        قناة الجزيرة التي تحرّض على الثورة العربية هي أول قناة يظهر فيها يوميا و منذ عشر سنوات رموز العدو الصهيوني و رموز الإدارة الأمريكية، يتكلمون على راحتهم و لا تقاطعهم كما تفعل مع المتدخلين العرب، يسمّموننا بأفكارهم "النيّرة" و يزيّنون لنا الشرّ خيرا و الاحتلال تحريرا و الانتكاس ثورة.

12.                       تظاهر مئات الآلاف من الأفغانيين و الباكستانيين و اليمنيين ضد حرق نسخ من القرآن الكريم من قبل جنود أمريكيين محتلين متغطرسين عنصريين متعصبين و هذا من حق المسلمين الغيورين على مقدساتهم و من واجبهم أيضا لكن في المقابل لم يتظاهر هؤلاء المسلمون الصادقون بمثل هذا الزخم ضد احتلال أفغانستان بأكملها، بنسائها و رجالها و أطفالها و جوامعها و مدارسها ، احتلال داس على كرامة  الأفغاني و الأفغانية على مدى عشر سنوات و انتهك عرضهما آلاف المرات على مسمع و مرأى من العالم. لم يتظاهر الإسلاميون التونسيون ضد هذا الفعل الشنيع، ربما لأن عدو الأمس أصبح حليف و صديق اليوم! من المطلوب و المحمود أن يثور الإنسان ضد حرق نسخ من القرآن الكريم مع أن "الكتاب" له رب يحميه من الانقراض و التلف و الضياع،  قال تعالى " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ". لكن يبدو لي أنه من الواجب المؤكد أيضا حماية الإنسان من ظلم أخيه الإنسان لأن الله تعالى قد يسامح ويغفر في حقه و هو العادل الذي لا يظلم أحداً، ولكن في ظلم العبد للعبد لا يسامح و يطالبنا بالقصاص.

13.                       لم أسمع و لم أقرأ عن نظام سياسي جديد واجه ما تواجهه حكومة "النهضة" في الأشهر الأولى من استلامها للسلطة بعد انتخابات شعبية ديمقراطية. نحن نعرف أن المواطنين يستبشرون خيرا بالأنظمة الجديدة حتى الانقلابية و الدكتاتورية المغلفة بالثورية منها كنظام لينين و ماو و كاسترو و عبد الناصر و صدام و القذافي و الأسد، على الأقل في بداياتها ثم ينقلبون عليها بعد اكتشاف عيوبها. حكومة النهضة، انقلب عليها و منذ الوهلة الأولى جميع أركان النظام القديم (الداخلية و الاتحاد و الإعلام و الإدارة و الديوانة و البيروقراطية الإدارية و البيروقراطية النقابية "الجرادية" - نسبة إلى عبد السلام جراد الأمين العام السابق المتهم بخيانة العمّال و الفساد و الانتهازية و الانبطاحية لبن علي - أما الجيش فـ"شاهد ما شافش حاجة") و المعارضة بشقيها الليبرالي و اليساري-القومي و المثقفين و الفنانين و حتى السلفيين الجهاديين.

14.                       جيش وطني تونسي مدجّج بالسلاح يرى مواطنيه يُقتلون برصاص القناصة و الشرطة و لا يحرك ساكنا بدعوى الحياد، بربكم أي حياد هذا الذي يمنعك من أداء واجبك الوطني المتمثل في حماية الشعب التونسي من الاعتداءات الخارجية و الداخلية مهما كان مأتاها؟

15.                       بعد الثورة، كنا ننتظر تهافت و قدوم العلماء و المثقفين الأجانب و المحليين من أمثال أحمد زويل و فاروق الباز و محمد الأوسط العياري و هشام جعيط و أبو يعرب المرزوقي و عبد المجيد الشرفي، ينيرون لنا الطريق فما راعنا إلا و الدعاة الرجعيين أمثال عمرو خالد و وجدي غنيم "يُدَمْغِجُونَ" و يهيّجون شبابنا المسلم المتعطش للمعرفة بجميع أنواعها الدنيوية و الدينية.

16.                       يمثُلُ مدير جريدة "التونسية" أمام القضاء بمقتضى الفصل 121، الفصل الزجري الموروث من العهد البائد، عهد بن علي. هذا الفصل من القانون الذي مَثُلَ بمقتضاه في العهد البائد محمد المنصف المرزوقي، رئيس الجمهورية الحالي المؤقت و مصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي الحالي المؤقت.

17.                       يصرّح راشد الغنوشي، رئيس حزب النهضة الحاكم و بن جعفر رئيس حزب التكتل الحاكم و المرزوقي الرئيس السابق لحزب المؤتمر الحاكم، ثلاثتهم يؤكدون على عدم موافقتهم على إيقاف مدير جريدة "التونسية". فمن أوقفه يا ترى بغض النظر عن فعلته؟ فعلته يحاسبه عليها الساهرون على أخلاقيات المهنة الصحفية و يقاضيه القضاء المستقل حسب مجلة الصحافة و ليس عن طريق فرقة الآداب في القرجاني و عن طريق الفصل 121 القمعي الذي سنّه بن علي. إذا لم توقفه حكومة الثلاثي، فهل أوقفته الأشباح و زجّت به في السجن لمدة أسبوع؟ أم أوقفته النيابة العمومية الممثلة للسلطة داخل جهاز القضاء حتى و لو كان مستقلا فالنيابة العمومية دائما غير مستقلة و تابعة للسلطة مائة بالمائة و هي اليد الطويلة للسلطة التي تضرب بها متى تشاء و من تشاء.

18.                       خرجَت كل المفاهيم عن المنطق بعد الثورة في تونس فأصبحت الضحية مُدانَة و الجَلْدُ مبرّرا. يَضرب عمال البلدية المسحوقين من أجل تفعيل اتفاقية ممضاة من قبل حكومة السبسي فيتهمهم بعض منتمي أو متعاطفي حزب النهضة بتعطيل الاقتصاد و إتباع أجندا سياسية يسارية رغم أن حزب النهضة سبق له و أن ساند إضرابهم الأول بشهر عندما كان في المعارضة في عهد السبسي.

19.                       يثور اليمنيون ثورة سلمية و هم المدجّجون بالسلاح و يلقّنون العالم درسا بليغا في التظاهر السلمي الحضاري المنظّم و في الآخر يُجَازون من قبل زعيمة الإرهاب، الإدارة الأمريكية و حلفائها الخليجيين بمهزلة انتخابية رئاسية، لا يترشح لها إلا مرشح واحد و هو نائب الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح اللاجئ في الولايات المتحدة الأمريكية و المُحَصَّن ضد المتابعة القضائية و المحاسبة.

20.                       يحمّل منتمو و متعاطفو حزب النهضة مسؤولية تردّي الأمور في تونس للمعارضة اليسارية بشقيها الثوري و الانتهازي، صاحبة صفر فاصل كما ينعتونها. أنا أطرح سؤالا إنكاريا غير بريء: إذا كان الصفر فاصل قادرا على كل هذا التحريض و الحشد و التجييش، فكيف لم تقدروا أنتم أصحاب الأربعين بالمائة على حل مشاكل التونسيين المستضعفين و قد سبق لكم و أن وعدتموهم بأكثر من هذا في حملتكم الانتخابية! أرجوكم لا تخطئوا الهدف و صوّبوا سهامكم نحو عدوكم الحقيقي الذي يتمثل في أركان النظام البائد التي ما زالت تعشش و تفرّخ و تنخر في الجيش و الديوانة و الشرطة و الحرس و الإعلام و البيروقراطية الإدارية و البيروقراطية النقابية الموروثة عن جراد و عصابته.


تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 25 فيفري 2012.

samedi 17 août 2013

قولة بليغة لعبد الله العروي، قد يستفيد منها الإخوة المتخاصمون، "النهضاويون" و اليساريون! مواطن العالم د. محمد كشكار

قولة بليغة لعبد الله العروي، قد يستفيد منها الإخوة المتخاصمون، "النهضاويون" و اليساريون! مواطن العالم د. محمد كشكار

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 23 فيفري 2012.

يبدو لي أن الفيلسوف المغربي عبد الله العروي كان على حق عندما قال: لا أحد مُجبر على التماهي مع مجتمعه. لكن إذا ما قرّر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذن أن يتكلم بلسانه (المجتمع)، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه...لأن في التماهي شرط التحقيق، أي شرط المرور من التصور إلى الواقع، من الفكر المجرد إلى الحياة.

و أضيف أنا و أقول: للوصول إلى التماهي مع المجتمع يجب استعمال خطاب غير جبهوي و غير صادم لأن الخطاب الجبهوي (Discours frontal ) الصادم ينفّر و لا يبشّر.  ما هو الخطاب الذي يعوضه إذن؟ يعوضه
الخطاب التعلّمي Discours Didactique
التالي: "أتعامل بمرونة مع التصورات غير العلمية الراسخة عند بعض الناس، أستحضرها و أستعملها و أوظفها بهدف زعزعتها و دحضها و تفنيدها لدى هؤلاء الناس ثم أساعدهم على تعويضها  تدريجيا و بناء تصوراتهم العلمية الذاتية مكانها:

Faire avec les conceptions non scientifiques chez un individu pour aller contre ces mêmes conceptions chez ce même individu qui, avec notre aide, va autosocioconstruire progressivement  ses propres conceptions scientifiques à leur place

لنضرب أمثلة لتأثيث الفقرة السابقة:
-         الداعية الإسلامي وجدي غنيم ليس مجبرا على التماهي مع المجتمع التونسي لذلك لا يبالي بالوضع السياسي التونسي، و لا يحترم العَلمانيين و اليساريين التونسيين و يقول ما يراه صالحا للمسلمين عامة من وجهة نظره الضيقة. أما مورو و الغنوشي و الجبالي و سمير ديلو فكلهم مجبورون على التماهي مع مجتمعهم التونسي لأنهم تونسيون و حكام في الوقت نفسه. فعليهم إذن أن يتكلموا بلسان المجتمع المتنوع، و ينطقوا بمنطقه المتعدد، كل المجتمع و ليس خمسه أو نصفه، المجتمع بعَلمانييه و ليبرالييه و قومييه و يسارييه و إسلامييه و مؤمنيه و ملحديه، لأن النهضاويين، و بعد فوزهم في الانتخابات أصبحوا يمثلون كل الشعب التونسي، و لا يمثلون فقط مَن انتخبهم من نهضاويين أو متعاطفين مع حزب "النهضة".
-         العَلمانية نادية الفاني، مخرجة فيلم "لا الله لا شيء" ليست مجبرة على التماهي مع مجتمعها التونسي الإسلامي العربي لذلك تتمتع بحرية التعبير الذي يكفله القانون لكل المواطنين حتى و إن لم تتمسك بالعرف و التقاليد المحلية و لم تراع شعور التونسيين المسلمين. أما اليساريون حمة الهمامي و شكري بلعيد و عبد الرزاق الهمامي و الطيب بوعائشة و محمد الكيلاني فكلهم مجبورون على التماهي مع مجتمعهم التونسي لأنهم تونسيون و معارضون سياسيون في الوقت نفسه. فعليهم إذن أن يتكلموا بلسان المجتمع المتنوع و ينطقوا بمنطقه المتعدد، كل المجتمع و ليس صفر فاصل المجتمع، المجتمع بليبرالييه و قومييه و سلفييه و نهضاوييه لأنهم يسعون للوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات. لذلك عليهم استقطاب كل قوى الشعب الديمقراطية و التقدمية في المجتمع التونسي حتى يحققوا 40 فاصل في الانتخابات القادمة و يتداولوا على السلطة و لا يقتصرون فقط على اليسار لأن المعركة الآن ليست بين اليسار و اليمين بل هي بين الرجعيين و الدكتاتوريين بجميع أطيافهم اليسارية و اليمينية و بين التقدميين اليساريين و العَلمانيين و الليبراليين و القوميين و الإسلاميين.

-         في مؤتمر "دافوس" الاقتصادي العالمي، يسعى حزب النهضة لاستقطاب و تحفيز و إرضاء المستثمرين الغربيين و الآسيويين، الكفار الحقيقيين بالمعنى القرآني للكلمة، يخاطبهم و يجادلهم بالتي هي أحسن و يحترم عقيدتهم المسيحية أو اليهودية أو البوذية المختلفة، و يخطب ودهم و يتقرّب إليهم بكل الوسائل الدبلوماسية. في المقابل، بعض قيادييه و بعض مريديه على صفحات الفيسبوك يعادون و يكفّرون اليساريين و العَلمانيين و لا يخاطبونهم إلا بالشتم و السباب و التحقير بصفر فاصل. لنفرض أنهم صفر فاصل كما تنعتونهم و تعيّرونهم دائما و تذكّرونهم في كل لحظة بهزيمتهم المرّة في الانتخابات، أليس من الأخلاق الإسلامية أن تأخذوا بيد الضعيف حتى يشتد عوده و يصبح ندا لكم، أم تدهسونه بغِلظة و عصبية لا تليق حتى بالأخلاق الجاهلية. و لنفرض أيضا أن هؤلاء الأخيرين كفّارا أو ملحدين.

قال أبو يعرب المرزوقي في مقال  الجارح الراجحي  بعنوان "الرد السليم على فظاظة الشيخ غنيم"، المنشور في الحساب الفيسبوكي لنزار يعرب المرزوقي بتاريخ 19 فيفري 2012 : "فالتونسي ليس بالضرورة مسلما. ولا حاجة له لإخفاء عدم إسلامه سواء كان على دين آخر أو ملحدا بل هو - لمجرد كونه مواطنا تونسيا- له الحق كل الحق في أن يسهم في خيار الشعب التونسي لنظامه الدستوري وقواعد عيشه المشترك. وهذا القول يصح عقلا ويصح كذلك نقلا. ولنكتف بإثبات الحصة النقلية إذ لا حاجة لإثبات الصحة العقلية: فذلك هو معنى المواطنة. إنه يصح نقلا لأن القرآن الكريم يفرض على الدولة الإسلامية أن ترعى حق أهل الأديان الأخرى في تطبيق شرائعهم بينهم - المائدة عامة والآية 48 خاصة. وحتى الإلحاد أو الكفر بلغة دينية فهو معدود نوعا من الدين في القرآن الكريم الذي يؤجل الأديان الخمسة ومعهم الكافرون - دينا سادسا إن صح التعبير - إلى يوم الدين للفصل بينه".

أفلا يحق أن نعاملهم معاملة مواطنين تونسيين من الدرجة الأولى؟ أو الكفّار الأجانب أولى برحمتنا و تعاطفنا و تفهّمنا. إذا كان تعامل حزب النهضة مع الكفّار الأجانب يستند إلى الشريعة الإسلامية، فأولي القربى أحق بهذا التعامل الحضاري و هؤلاء الأخيرين مسلمين اجتماعيا و حضاريا و مسلمين عقائديا بالقوة بالمعنى الفلسفي للكلمة لأن العديد منهم أصبح أو سيصبح مسلما عقائديا إن شاء الله بعد ما كان مسلما حضاريا و اجتماعيا فقط (قال الله تعالى: "انك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء و هو أعلم بالمهتدين..."). رحمة الله واسعة،  فلماذا تضيّقون فيها على قدر ضيق أفقكم أيها السياسيون القياديون؟ و إذا كان تعاملكم مع الكفّار الأجانب يستند إلى المصلحة و المنفعية، فأولي القربى أحق بهذا التعامل المصلحي و المنفعي و هؤلاء الأخيرين إخوة و أقرباء و أصدقاء لكم، و مصلحتهم من مصلحتكم و منفعتهم من منفعتكم و هم أقرب الناس لكم في وقت الشدة، و قد سبق و أن دافعوا عنكم عندما كنتم في السجون و المنافي، أذكر على سبيل الذكر لا الحصر المحامية الشيوعية راضية النصراوي و أذكر نضالكم المشترك ضد استبداد "بن علي" في إضراب الجوع 2005 مع حمة الهمامي و نجيب الشابي.



vendredi 16 août 2013

فكرة قرأتها حديثا في كتاب: هل نحن بأمس الحاجة إلى عَلمانية جديدة تعترف بالبعد الروحي لدى الإنسان العربي المسلم؟ نقل و تعليق مواطن العالَم د. محمد كشكار

فكرة قرأتها حديثا في كتاب: هل نحن بأمس الحاجة إلى عَلمانية جديدة تعترف بالبعد الروحي لدى الإنسان العربي المسلم؟ نقل و تعليق مواطن العالَم د. محمد كشكار

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 6 أفريل 2012.

كتاب "مخاضات الحداثة التنويرية. القطيعة الإبستمولوجية في الفكر و الحياة."، هاشم صالح، دار الطليعة للطباعة و النشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2008، 391 صفحة. استعرته من المكتبة العمومية بحمام الشط. كتاب من أفضل الكتب التي قرأتها في السنوات الأخيرة و أعتبر كاتبه من أعلم و أنضج الفلاسفة التنويريين العرب، و أعُدّه من أهم رواد النهضة العربية الإسلامية المعاصرة.

تنبيه ضروري:
ما أنشره في هذه السلسلة من نقل و تعليق، تحت العنوان المشترك "فكرة قرأتها في كتاب"، لا يمثل بالضرورة موقفي الفكري بل هو عبارة عن مذكّرة خاصة، أعتمدها شخصيا عند الرجوع إلى الكتاب الأصلي. لا تغني هذه المذكرة عن قراءة الكتاب كاملا. يجب إذن توخّي الحذر الشديد في التعامل مع ما ورد فيها لأن لا تصل إليكم فكرة الكاتب ناقصة أو مشوّهة. أنشر هذه السلسلة مساهمة مني في رد الاعتبار لفن ثامن في طريق الانقراض، اسمه "مطالعة الكتب" و فكرة الكتاب تلزم الكاتب و لا تلزم الناقل دون أن نتغافل عن كون الأفكار هي وقائع فكرية تستقل عن قائله.
ا
نص هاشم صالح:
صفحة 238: إذا كنا بحاجة إلى حقن تاريخية متواصلة و مكثفة لبث الحياة و الحيوية في مفاصل عروقنا الجامدة بعد طول همود، فإن الحركة في الغرب تبدو و كأنها تنحو في اتجاه معاكس تقريبا. فهم بحاجة إلى التخفيف من حدة التسارع التاريخي الذي شهدته مجتمعاتهم منذ أكثر من قرنين من الزمن. فالتطور الاقتصادي و المادي أصبح غاية بحد ذاته بدلا من أن يكون وسيلة لإسعاد الإنسان في سكناه على هذه الأرض. و هم يشعرون بالحاجة إلى إعادة النظر في مسارهم السابق و لإعادة تحديد العَلمنة الصارمة التي تشكلت في القرن التاسع عشر ليس فقط كرد فعل ضد الكنيسة و طبقة الإكليروس - فهذا مفهوم و مشروع في وقته - بل ضد العاطفة الدينية و الروحية ذاتها. و قد أخذت الأصوات ترتفع مؤخرا من أجل بلورة "عَلمانية جديدة منقحة و منفتحة". فالإنسان لا يمكن اختزاله إلى بعده المادي و التاريخي فقط، بل يحق له أن يطالب بإشباع روحي أيضا، أي بأن يتجاوز شرطه العرضي الفاني لكي يعانق مستوى المطلق المتعالي. فعصر التقنية بتسارعه المطّرد و الجهنمي لم يعد يعرف أن يتوقف عند حد.

هكذا نجد أن الحس التاريخي يقول لنا بأن ما نحتاجه هو عكس ما يحتاجه الغرب في هذه اللحظة الراهنة من التاريخ، و ذلك لسبب بسيط هو وجود تفاوت في التطور التاريخي بيننا و بينه. صحيح أننا جميعا، في نهاية المطاف، بشر، و أننا نعاني من حاجات مشتركة مادية و روحية. و لكن هذه الحاجات غير مطروحة بشكل متزامن في هذه الجهة أو تلك من البحر البيض المتوسط. هذا كل ما في الأمر، لا أكثر و لا أقل. و لا يعني ذلك أننا مضطرون لاتباع نفس المسار التاريخي الذي اتبعه الغرب طيلة مائتي سنة في حداثته. فقد نتوصل إلى اكتشاف طريقنا الخاص عن طريق التجريب الشخصي و المغامرة الذاتية في الإبداع (إضافة د. م. ك: حسب وجهة نظري المتواضعة و المحدودة جدا و غير المختصة في علم المستقبل، يبدو لي أن هذا ما يحصل فعلا و الآن في تونس ما بعد الثورة لو تُرِكنا نخوض التجربة النهضوية لوحدنا - من النهضة العربية الإسلامية المسيحية و من حزب النهضة التونسي حسب أدبيات بعض قيادييه و ليس حسب أفعاله السابقة و الحالية، أذكر من بينهم حسن البنّا، مؤسس حركة الإخوان المسلمين بمصر و العالَم، و أستاذ الفلسفة راشد الغنوشي ، مؤسس حزب النهضة التونسي و أخيرا الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي، و للأمانة العلمية سمعت عنهم و لهم الكثير و قرأت القليل - دون تدخل أجنبي و خاصة عندما يجيء هذا التدخل من أكبر نظامين رجعيين متخلفين كنظام قطر و نظام السعودية، أعداء الحداثة و أعداء العَلمانية الجديدة المنفتحة، عملاء أمريكا و سفرائها الفاشلين في العالم العربي الإسلامي و ممثليها في التخلف و التطرف الديني الأصولي الإسلامي). و نحن نمتلك الامتياز التالي بالقياس إلى الغرب، ألا و هو أن تجربته قد تمت قبلنا، و بالتالي فنستطيع أن نتخذ منها مسافة نقدية فلا نتردد في الاستفادة من الإيجابيات و طرح السلبيات. بمعنى آخر، فإن مفهوم التفاوت التاريخي لا يعني إطلاقا التبعية للغرب، أو السير على خطاه خطوة خطوة، أو تقليده تقليدا أعمى. فأصالتنا التاريخية تأبى علينا ذلك بدون شك. و إنما هو بعني الرؤية التاريخية للأمور من خلال المسافة الفاصلة بين التطور الاقتصادي و التقني و المنهجي الأدواتي لمجتمعات الغرب و ما يقابل ذلك لدى مجتمعاتنا العربية - الإسلامية. فنحن مثلا لسنا بحاجة إلى عَلمانوية متطرفة و اختزالية كتلك التي بلورها الغرب في القرن التاسع عشر. لكن هذا لا يعني أننا لسنا بحاجة إلى عَلمنة على الإطلاق كما يزعم بعضهم! فنحن بأمس الحاجة إلى العَلمنة إذا ما اعترفنا بأن العَلمنة لا تعني القضاء على البعد الروحي و لا على العاطفة الدينية السامية لدى الإنسان، بل تعني موقفا للروح أمام مشكلة المعرفة و حرية الروح تجاه المعرفة و الكشف. و بهذا المعنى فالعَلمنة ليست فقط غربية، و إنما عربية - إسلامية أيضا، لأننا عرفنا شيئا منها في عصرنا الإبداعي و الكلاسيكي المجيد (انظر حركة المعتزلة مثلا). هذا على الرغم من أن الغرب هو الذي مشى بها شوطا أبعد من غيره في العصور الحديثة.

…أعترف بأنه قد لزمني قضاء أكثر من عشر سنوات في أوروبا (فرنسا تحديدا) لكي أفهم أنني أضيع وقتي في الحديث عن ميشيل فوكو و جاك دريدا و جيل دولوز و مشاكل الحداثة و ما بعد الحداثة...إلخ. أكثر من عشر سنوات كانت ضرورية لكي أفهم أني معاصر لأناس القرن السابع عشر بدءا من ديكارت و سبينوزا و أناس عصر التنوير من أمثال روسّو و ديدرو و فولتير و دالامبيير، أكثر مما أنا معاصر لمفكري فرنسا و الغرب الحاليين. باختصار، لزمني أن أعود أدراجي إلى الوراء. و لا أشعر بأي حرج أو انزعاج إذ أصرح بذلك. على العكس أشعر بسعادة غامرة بعدما اكتشفت موقعي. و استغربت كيف أمضيت كل تلك السنين في البحث عن مشاكل وهمية تخص المجتمع الفرنسي الحالي، و لا تخص مجتمعاتنا العربية - الإسلامية إلا من بعيد البعيد.

هامش 1 صفحة 240: أعتقد أن سوء التفاهم الفظيع الكائن بيننا و بين الغربيين عائد إلى جهل كلا الطرفين بهموم و مشاكل الطرف الآخر. إنه عائد إل اختلاف الموقع التاريخي لكل من الطرفين. هذا من دون أن نتحدث عن مشاكل الهيمنة و السيطرة التي يحاول أن يمارسها الغرب علينا بسبب قوته الاقتصادية و التكنولوجية و الإعلامية...إلخ. هناك مشكلة الجهل و مشكلة المعرفة، و الإنسان عدو ما يجهله لأنه يخاف منه بكل بساطة. فكل مظاهر الحياة في المجتمع الغربي الحديث تصدمنا و تصدم قيمنا و عاداتنا و تقاليدنا (و العكس صحيح أيضا). و لهذ السبب تحس مجتمعاتنا بالحداثة الأوروبية و كأنها اعتداء علينا ، و ليست تحريرا أو مساعدة على التحرير. و لهذا السبب تتملكنا مشاعر الغيظ و الضيق تجاه هذه الحداثة الطاغية و الواثقة من نفسها. فنحن لا نعرف منشأها التاريخي و لا تطور حلقاتها، بل نراها هكذا جاهزة و غريبة كل الغرابة عن عالمنا فنعتقد أنها كانت دائما هكذا. و أعتقد أن على المفكرين العرب أن يتحملوا مسؤوليتهم تجاه هذه المشكلة العويصة المطروحة علينا شئنا أم أبينا. فينبغي للمرة الأولى أن تنشأ مراكز بحوث و ترجمة عربية تقدم كل المراحل الأساسية لهذه الحداثة من خلال المنظور التاريخي المتدرج و الصحيح. عندئذ يزول هذا الانزعاج و الضيق و عدم الفهم العميق الذي نشعر به تجاه حداثة الغرب. انتهى الهامش...  و الواقع أن لذلك أسبابا أو سببا أساسيا واحدا، هو ضمور الحس التاريخي. لذلك فإن عنوان مؤتمركم هذا "الفكر العربي و التنوير" (العرب و التنوير: حول مفهوم "الحس التاريخي" و ضرورة تنميته لإدراك معنى التفاوت التاريخي بين العرب و الغرب. مداخلة تقدم بها المؤلف أمام المؤتمر الذي عُقد قبل بضع سنوات في صفاقس- تونس) قد أشعرني بالهدوء و الارتياح و جاءني في الوقت المناسب. فنحن نتموضع فعليا في المنعطف التاريخي الفاصل بين القرن الثامن عشر و العصور الوسطى. هذه حقيقة أصبحت متأكدا منها الآن بعد حوالي خمس عشرة سنة من التيه و الدوران، بعد خمس عشرة سنة من الضياع.

صفحة 242: بعد أن أُلقِيَ هذا النص في مؤتمر صفاقس عن "الفكر العربي و التنوير"، قيل لي بأن شابا من بين الجمهور قد أحس بالضيق و الانزعاج الشديد، بل و اعترته حالة من الرعب و الخوف، فقرر ترك قاعة المؤتمر فورا و عدم العودة إليه أبدا...أليست مراهقة فكرية أن ندعي التحرير و التنوير، و نحن لا نفعل شيئا سوى أن نزعج الناس في قناعاتهم الإيمانية التي يتمسكون بها و يستعصمون، في وقت لم يعد فيه من مستعصم آخر يتمسكون به؟ أليس الإيمان هو الملجأ الوحيد الذي نلوذ به في أوقات الشدة و الضيق؟ فلماذا إذن تشريح التراث بمثل هذه الطريقة "العدوانية" التي لن تؤدي في النهاية إلا إلى تفكيكه و تركه حقلا من الأنقاض؟

صفحة 243: فكيف يمكن أن نناقش المقدسات؟ لقد خلع التقديس حلته على جميع الأشياء، و لم نعد نعرف أن نميز بين ما هو مقدس فعلا و بين ما هو غير مقدس. أما أسلافنا القدماء من الأئمة المجتهدين و كبار العلماء و الفلاسفة فإنهم كانوا يتناقشون في هذه المسائل و ما هو أخطر منها بكثير من دون أن يشعروا بأنهم قد خرجوا عن الإسلام أو الإيمان (كانوا يتناقشون مثلا في مسألة الوحي و القرآن مخلوق هو أم غير مخلوق...إلخ)، فكيف حصل أن وصلنا إلى هذه الحالة من الخوف و الشلل؟ و من هو المسؤول عن وضعنا الراهن؟

...فإذا كنا قد وُلِدنا في بيئة سنّية اعتقدنا أن الإسلام كان سنّيا منذ البداية، بل و إن محمدا نفسه كان سنّيا! و إذا وُلدنا في بيئة شيعية أو إباضية اعتقدنا نفس الشيء. و هذه هي النزعة اللاتاريخية التي أردت إدانتها في هذا النص، و التي أعتقد أنها السبب الأساسي في وضعنا الحالي، و علة العلل. و بهذا المعنى فلن نقدم أي تنازل على مستوى النقد التاريخي و المنهجية التاريخية. هذا شيء ينبغي أن يكون واضحا.

صفحة 244: و هنا أطمئن الخائفين و أطمئن نفسي قائلا: بأن ما سنربحه بعد كل هذه العملية الجراحية (تطبيق المنهجية التاريخية و الحفر الأركيولوجي على تراثنا العربي الإسلامي كما فعل الغرب مع تراثه لكن بهدف تنقيته من الشوائب و الوثنيات و ليس من أجل تحريفه أو محاربته) سيكون أكبر بكثير مما سنخسره. صحيح أننا سوف نخسر أشياء عزيزة علينا، كنا قد تربينا عليها منذ نعومة أظفارنا، و شكلت وعينا الأول و زهرة شبابنا..(و أعترف أن هذا ليس بالقليل، من هنا يجيء خوفنا و رعبنا، و لهذا السبب استخدمت مصطلح التحليل النفسي). صحيح أننا سوف نخسر "عقائد إيمانية" راسخة منذ القرن الثالث عشر ميلادي، و لكنها في الواقع أيديولوجيات في معظمها. و هي عقائد ترسخت حتى في أجسادنا و ردود فعلنا، و ذلك بحسب الفرقة "الناجية" (شيعة أو سنّة أو إباضية أو صوفية أو غيرها) أو العائلة "الروحية" التي ننتمي إليها.

صفحة 245: بهذا المعنى فإن الإسلام كان يمثل - على مستوى لحظة محمد و القرآن - رسالة تشحن التاريخ بالممكنات، و تفتح في جدار التاريخ المسدود ثغرة للانطلاق. و ما كان هؤلاء المؤمنون الذين حرّكوا التاريخ آنئذ بسنّيين و لا شيعيين و لا خوارج، بل كانوا مسلمين. هذه أشياء متأخرة أتت فيما بعد (أي بدءا من القرن الثاني أو الثالث الهجري). و يمكن أن ندرس عملية تشكلها تاريخيا، و بشكل موثوق. و لذلك فإن وضعها فوق مستوى التاريخ، و اعتبارها بمثابة المتعالية و الإلهية في حين أنها تركيبات بشرية و تاريخية يعني الوقوع في أحضان الاستقالة العلمية الكاملة، أو العمى التاريخي المطبق.

صفحة 246: هكذا نجد ضمن منظورنا أن القطيعة المعنية لا تعني إطلاقا الانقطاع عن الإيمان أو اعتباره مسألة ثانوية لا أهمية لها، كما يعتقد الوضعيون أو "التقدميون جدا جدا"...على العكس إننا نعتبرها مسألة المسائل، و على أساسها يرتكز المشروع الفكري الذي أجد نفسي منخرطا فيه منذ سنوات عديدة شئت أم أبيت. فالإيمان بالمعنى الذي نفهمه لا يتعارض مع التنوير بل يرافقه و يحتضنه. لأنه يعني عندئذ الإيمان من خلال الفهم، و الفهم من خلال الإيمان بشكل مستمر و لانهائي. و نحن نعتقد أن الإيمان الإسلامي سوف يخرج أكثر قوة و صحة بعد كل عملية التعزيل التاريخي التي ندعو إليها. فالله حق و عدل، و ليس إرهابا و تخويفا كما حاولت أن توهمنا بذلك تيولوجيا عصر الانحطاط و الظلام الذي طال أمده.

إمضائي المختصر
لا أحد مُجبر على التماهي مع مجتمعه. لكن إذا ما قرّر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذن أن يتكلم بلسان المجتمع، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه من أجل بناء أفراده الذاتي لتصورات علمية مكان تصوراتهم غير العلمية و على كل سلوك غير حضاري نرد بسلوك حضاري و على كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف اللفظي أو المادي.
نحن العربَ، مسلمي و مسيحيي القرن الحادي و العشرين، نتموضع حضاريا في الوقت الراهن في المنعطف التاريخي الفاصل بين القرن الثامن عشر و العصور الوسطى الذي تموضع فيه الأوروبيون قديما. هذه حقيقة أصبحت شبه متأكد منها الآن بعد حوالي ثلاثين سنة من التيه و الدوران و الضياع الأيديولوجي، قضيتها في شك دائم و يقين مؤقت، قضيتها في قراءات متعددة و متنوعة باللغة الفرنسية، جلها ماركسي و بعضها علمي بيولوجي و وجودي و قومي و إسلامي. لذلك احتطت اليوم لنفسي و ارتبطت منذ سنوات بمشروع النهضة العربية الإسلامية كتابة و نشرا، ثم نقلا و تعليقا على رواد النهضة الفكرية العربية الإسلامية من أمثال المفكرين العرب المسلمين النهضويين التنويريين المعاصرين: الطاهر الحداد و طه حسين و محمد الغزالي و جمال البنّا و نصر حامد أبو زيد و علي عبد الرازق و  صادق جلال العظم و هاشم صالح و عبد الله العروي و محمد أركون و حسين مروة و علي حرب و محمد الشريف الفرجاني و عبد المجيد الشرفي و هشام جعيط و محمد الطالبي و غيرهم كثيرون. و كان ذلك لي عزاء من غربتين أو عدة غروبات دفعة واحدة: غربة عن اللغة العربية، غربة عن الأرض و التاريخ، غربة عن التراث العربي الإسلامي، غربة عن المجتمع التونسي البربري الإسلامي العربي الأممي، غربة عن الأصالة و الذات - غربة الغربات.
"و إذا فهمت نفسك فكأنك فهمت الناس جميعا". هاشم صالح
"الفلسفة هي القبض على الواقع من خلال الفكر". هيغل
"الذهن غير المتقلّب غير حرّ".
قال الرسول محمد، صلى الله عليه و سلم: "مَن قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدَهُما"
قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا، عليكم أنفسكم لا يضرّكم مَن ظلّ إذا اهتديتم إلى الله".
الشك طريق إلى مزيد من الشك (في العلم بالطبع و ليس في الدين، فالدين بطبيعته لا يتحمل الشك و هو يقين من أوله إلى آخره). مواطن العالم د. م. ك.
و كما قال هاشم صالح: "ليس بالماديات وحدها يحيا الإنسان، على عكس ما علّمتنا تلك الوضعية الاختزالية (Le positivisme réducteur)، أو الماركسوية الفجّة و الكسيحة".